تحميل رواية «ملكة قلبي» PDF
بقلم مريان بطرس
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
داخل تلك الغرفة بذاك المبنى الضخم الراقي، تدخل من بابه لتجد أثاثًا باللون البني الداكن، وأريكة فخمة على إحدى الجوانب من اللون البني والكافيه، وذلك المكتب بالجانب، وذاك الحاسب المحمول الموضوع عليه من أفخم الماركات وأغلاها، وتلك الملفات المتراصة بترتيب وتنظيم عالٍ جدًا. من الوهلة الأولى التي تنظر بها داخل ذاك المكتب، تعلم أنه يخص أحد رجال الأعمال الأثرياء وأصحاب الذوق الرفيع، وبنفس اللحظة من المهتمين بالترتيب والنظافة بشدة. وأمام تلك الشرفة الزجاجية التي تحتل حائطًا كاملاً من بعد مكتبه وبطول الحائ...
رواية ملكة قلبي الفصل الأول 1 - بقلم مريان بطرس
داخل تلك الغرفة بذاك المبنى الضخم الراقي، تدخل من بابه لتجد أثاثًا باللون البني الداكن، وأريكة فخمة على إحدى الجوانب من اللون البني والكافيه، وذلك المكتب بالجانب، وذاك الحاسب المحمول الموضوع عليه من أفخم الماركات وأغلاها، وتلك الملفات المتراصة بترتيب وتنظيم عالٍ جدًا.
من الوهلة الأولى التي تنظر بها داخل ذاك المكتب، تعلم أنه يخص أحد رجال الأعمال الأثرياء وأصحاب الذوق الرفيع، وبنفس اللحظة من المهتمين بالترتيب والنظافة بشدة.
وأمام تلك الشرفة الزجاجية التي تحتل حائطًا كاملاً من بعد مكتبه وبطول الحائط، تجده يقف بكامل أناقته ووجاهته، عريض المنكبين، طويل، ذو خصلات سوداء طويلة بعض الشيء تصل إلى منتصف عنقه، يضع يديه بجيبَي بنطاله، ويبدو أنه ليس هنا بالمرة.
تنشق الهواء داخل صدره، يبدو أنه ليس هنا أبدًا، فهو لم يلتفت له حتى الآن، يبدو أنه ما زال هناك عقله، قلبه، كل شيء به ما زال لديها، فقد وهبها لذلك الملاك الرقيق والطائر الهادئ، ولكن للأسف طارت بكل ذلك تاركة إياه محطم الأشلاء.
ربما يظهر للجميع بأنه بخير، ولكنه واضح وضوح العينين بأنه ليس هنا، بل معها تلك التي امتلكت قلبه ورحلت، ذهبت من هنا إلى حيث لا يعلم أحد، لا، بل يعلم الجميع أين ذهبت، ولكن هو الوحيد الذي لا يصدق ذلك.
لا يصدق أنها رحلت بلا رجعة، رحلت عن عالمنا إلى الأبد، ما زال يصدق أنها على قيد الحياة وستعود يومًا ما.
وآسفاه، لقد ضاع صديقه بسبب حبها منذ رآها. لا، والحق يقال، من قبل أن يراها، فهو تائه في ملكوتها، تلك التي كانت تسحبه من عالمه رويدًا رويدًا.
تنشق الهواء داخل صدره محاولًا الهدوء، لابد من أن يواجهه ولكن بهدوء، فحالته لا تسمح بالشدة في الحديث. ابتسم وهو يدخل مغلقًا الباب خلفه، ثم تحدث هاتِفًا بمزاح:
"إيه يا بوص، هتفضل مش معانا كده؟ ده أنا زهقت من الوقفة."
أُجفل الواقف بشدة من المفاجأة، ثم التفت سريعًا لذاك المازح لينظر له بعينين هادئتين متسائلتين، ثم تساءل بصوت هادئ متعجب:
"نبيل، انت هنا من إمتى؟!"
مازحه نبيل هاتِفًا:
"يوه، من ساعة ما كنت أنت في أسوان وأنا واقف من ساعتها مستنيك لحد ما ترجع."
ابتسم الواقف بهدوء، ابتسامة لم تصل لعينيه، ثم تحرك صوب مكتبه ليجلس عليه بهدوء. أصبح الآخر يعتاد منه، ولكنه أصبح يمقته. ثم تحدث وهو يضع مرفقيه على سطح المكتب مشبِكًا أصابعه متسائلاً بهدوء:
"خير يا نبيل، كنت عاوز إيه؟"
تحرك نبيل متحدثًا بضيق مكبوت من حال صديقه الذي يراه عليه:
"كنت عاوزك تمضي الورق ده."
أومأ برأسه ماديًا يده ليأخذ الملف ليدقق فيه.
"هتفضل كده لحد إمتى يا باسل؟"
رفع باسل عينيه بتساؤل هاتِفًا بتعجب:
"أفضل كده إزاي يعني؟ مش فاهم، أنا مالي؟!"
انفلت زمام هدوئه أمام لا مبالاته التي تقتلهم جميعًا بتلك الطريقة:
"أنت مالك؟ أنت مش عايش معانا، أنت مش هنا يا ابني... أنت... أنت بتدمر حياتك وحياتنا."
ضيق باسل عينيه متسائلاً بغضب:
"بدمر حياتكم ليه؟ كنت عملتلكم إيه؟ ما أنا عايش أهو، باكل وبشرب وبنام ومهتم بشغلي وكبرته أكتر من الأول كمان، إيه بقى؟ فين المشكلة؟"
"المشكلة مش إنك بتاكل أو بتشرب، المشكلة إن روحك مش موجودة، مش عايشة. أنت بتموتها، بتموتها يوم بعد يوم كمان. أنت عايش جسم وبس، لكن روحك مش معانا، روحك معاها."
وقف باسل محتدًا، وعيناه الهادئة قد بدأت تتحول إلى أعاصير عاصفة، هاتِفًا بإنذار:
"نبيل، لو سمحت، متفتحش الموضوع ده وخليك بعيد عنه."
"الآن قد بدأ يتحول صديقك إلى شخص حي بدلًا من تلك الآلة التي بلا روح أمامه."
لذا صرخ:
"لا، هتكلم يا باسل، هتكلم لأن الموضوع ابتدى يوجعنا ويوجع الكل، وأنت بتتفنن إنك توجع قلوبنا عليك. آه، روحك خدتها معاها وأنت اديتها لها واتحولت لآلة بدون حياة، تتحرك، تشتغل، تتعب، تاكل، لكن بدون روح. وبمجرد ما تختلي بنفسك بتروحلها تفكر فيها. مش ده باسل البحيري صاحبي اللي كان كله روح وحياة وضحك؟ اتحول لشاب يشبه الأموات وكله عشانها."
ضرب باسل على سطح المكتب بعنف، وقد أضحت عيناه نذير شؤم، وهو يصرخ بتحذير:
"نبيل!"
ولكن الآخر ألقى بكل تنبيهات العقل بعرض الحائط، صارخًا بصوت عالٍ مماثل، وقد انشطر قلبه على صديقه لمرآه هكذا، حتى لو كان سبب حزنه كان هي، كانت تلك الرقيقة، بل ملكة الرقة، تلك، ولكن يبقى صديقه هو الأهم. لذا صرخ باحتداد:
"تنكر يا باسل؟ تنكر إن أنت روحك مبقتش موجودة بعدها من بعد ما سابتك جنا وأنت مبقتش عايش؟ تنكر إنك وهبت حياتك ليها وروحك؟ أنت حبيت جنا بجد، بس عيبك إنك ما اديتهاش حتة من قلبك ولا قلبك كله. أنت وهبتها روحك وقلبك وحياتك، عشان كده مش قادر تخرج من الدوامة بتاعتها. فوق بقى يا باسل، فوق."
تلك الرجفة التي تنتابه بمجرد ذكر اسمها كانت خير دليل للآخر عن مدى العشق الذي يعشقها به صديقه، لذا أكمل:
"هفضل نجري وراها لحد إمتى يا باسل؟ هااه؟ هتفضل لحد إمتى؟ أحيانًا تهرب منك، وأحيانًا تانية..."
أوقفه الآخر صارخًا:
"نبيل، أوعى! هيكون بكل إللي بينا..."
أغمض عينيه يحاول الهدوء، آدم غضبه صعب أن يحتمل، لذا ابتسم قائلاً بود:
"باسل، عيش بقى، عيش. هي مهما كان مجرد بنت."
"بنرفع أنظار عاتبة له قائلًا بعتاب حزين وعيناه تلمعان بدموع حزينة:
"مجرد بنت!! أنت شايف إن جنا مجرد بنت يا نبيل؟؟!!! يا خسارة يا صاحبي، توقعت إنك فاهمني بقى. ملكة قلبي وروحي بقت مجرد بنت!! بقى ملكة الرقة والحنان مجرد بنت!! يا خسارة يا صاحبي."
"الآن يجب أن يضغط على ذلك الوتر الحساس."
لذا صرخ بتعند:
"أيوه يا باسل، جنا مجرد بنت."
صرخ بغضب عاصف وهو يقف متأهبًا للمواجهة والفتك أيضًا، وهو يهتف بغضب ونيران حارقة تندلع من عينيه قادرة على حرق العالم بأكمله:
"إلى شايفها مجرد بنت، فدي مراتي، فاهم؟ ومش هسمح بأي كلام ملوش لازمة عنها."
صرخ الآخر بعناد كعناد البغال وهو لا يُقدر مقدار غضب الآخر، صارخًا بما قسم ظهره ويحرق أحشاءه:
"وكانت كانت مراتك، بس ماتت. لازم تصدق يا باسل، سواء بالذوق أو بالعافية. جنا ماتت."
"لا!"
صرخ بها باسل بقوة مما جعل الآخر يتراجع وهو يرى بأم عينيه خروج مارده وهو بكل غباء من آخرجه، وقد نسي من هي جنا وماذا تعني له، فقد أضحى كالقاتل بتلك الهالة المحيطة به.
ثم تحدث بصوت هسيس مخيف، مبتعدًا تمامًا عن هالة البراءة والهدوء والحنان التي تخصه، وهو يقول بكل قوة وثقة:
"لا، جنا عايشة، فاهم؟ مراتي عايشة. وطول ما فيا النفس هتفضل هي عايشة. إن انفصلت روحي عن جسمي، ساعتها تتأكد إنها مش موجودة. لكن أنا طول عمري روحي مربوطة بيها وحاسس بيها. جنا عايشة وكويسة كمان، لأن روحي وقلبي موهوبين ليها ومربوطين بيها حتى من قبل ما أوعى على الدنيا، فاهم؟ جنا عايشة."
"وبكل تعند وغباء صرخ:
"وهي فين وليه مظهرتش؟"
"أوقف ذلك الجدال العقيم انفتاح باب المكتب ودخول شاب متوسط الطول ذو بشرة حنطية ونظارات طبية وهو يعدل وضعيتها على عينيه، صارخًا:
"إيه؟ فيه إيه؟ أنتو اتجننتوا ولا إيه؟ الشركة كلها طلعت على صوتكم."
ثم سحب نبيل وهم خارجين قائلًا:
"تعالى يا نبيل معايا، عاوزك."
ثم نظر إلى باسل بهدوء قائلًا:
"محتاج مني حاجة يا باسل؟"
نفى باسل برأسه بشرود وعيناه تحوم في ذكريات بعيدة عنهم، من حيث سعادتها، ولكن ليست بعيدة جدًا من حيث زمنها.
أومأ الشاب برأسه وهو يدرك أين ذهب عقل صديقه، ساحبًا معه الآخر الذي يملك عقلية مستفزة تستحق الفتك بها.
سحبه من ذراعه خارجًا به جهة الخارج، إلى أن وصل به جهة مكتب الآخر أمام نظرات الموظفين الفضولية وأيضًا المتعجبة مما يحدث ومن تلك الأصوات.
وبمجرد أن أغلق الباب، صرخ به الآخر هاتِفًا بحنق:
"أنت اتجننت يا فارس؟ بتعمل إيه؟ قللت قيمتي قدام الموظفين كلهم؟ إيه الجنان ده؟"
نظر له فارس بسخط، ثم هتف بضيق جلي وهو يريد الآن قتله والفتك به:
"أنت اتجننت يالا؟ رايح تتخانق مع باسل وبخصوص مين؟ بخصوص جنا!! ده أنت جنانك عدى الحدود. احنا ما صدقناه اتحسن وابتدى يخرج ويتكلم، عايزه ينتكس ولا إيه؟"
نظر له الآخر وقد انفلت زمام تحكمه بأعصابه، وقد بدأ يشيح بيديه أثناء الكلام:
"أي تحسن ده هاا؟ ده لا بيخرج ولا بيتكلم. عايش في وهم إنها عايشة وكمان موجودة وهترجع، إيه الجنان ده؟ المفروض يا دكتور يا محترم تكون زرعت فيه تأكيد إنها ماتت عشان يقدر يتقبل الحياة من غيرها، لكن إزاي؟ لازم تفتي. أنت شكلك مش نافع في حاجة."
نظر له فارس نظرة مبهمة، ثم تحدث بنبرة غريبة:
"أنت إيه اللي مخليك متأكد إنها ماتت؟ شفت جثتها؟"
جحظت عين نبيل، ثم صرخ بغضب:
"أنت اللي بتقول كده؟ أنت بنفسك شفت حريق المصنع اللي مطلعش منه حد ناجي؟ وبعدين الجثة اللي لاقيتها دي كانت جثة مين؟"
"كانت إجابة فارس صادمة له حينما قال:
"بس الجثة كانت مشوهة ومش باين معالمها."
"كان دور نبيل حينما أجاب:
"بس الوزن والجسم والطول تقريبًا واحد، وكمان تحليل الـ DNA يا دكتور يا محترم بيثبت إن دي جثة جنا."
أجابه فارس بنبرة غامضة:
"بس الطب ممكن يغلط أو التحليل يتلخبط."
"جحظت عيون نبيل، ثم صرخ:
"أنت اللي بتقول كده؟ أمال باسل يقول إيه؟!"
نظر له فارس نظرة مبهمة، ثم هتف بتعجب:
"أنتم ليه عاوزين تموتوها؟ مش ممكن تبقى عايشة؟!!"
صرخ به نبيل قائلًا بغضب أعمى:
"أنت اتجننت؟؟!! أكيد اتجننت.... إزاي؟ أنت اللي بتقول كده؟ كان غلطنا من البداية إننا وثقنا فيك، وأنت اللي كبرت في مخه من الأول موضوع الترابط الروحي ده."
قاطعه فارس بحدة:
"افهم يابني آدم."
"عرفت ليه صعب التعامل مع باسل؟ لأنه ببساطة بينكر كل حاجة. حبه لـ جنا خلاه ينكر كل حاجة، وكمان شوية هينكر الحادثة أو إننا لقيناها. فاهم؟ ف لازم ما تضغطش عليه عشان ما يهربش من الواقع ويعيش في هلاوس، وممكن بكرة أو بعده يقولك جنا رجعت."
صمت الآخر بصدمة، ثم تحدث بصوت مبهت هاتِفًا بلا وعي:
"طيب والحل؟"
"الحل هو الهدوء والتروي في التعامل معاه، وإنك تكون بسيط في تعاملك وبلاش تضغط على أعصابه، فاهم؟"
______________________
في تلك الشقة الفاخرة بإحدى الأدوار العلوية بإحدى الأبراج المطلة على النيل، تجلس تلك السيدة الجميلة بملامحها الهادئة، تحتضن صورة لإحدى الفتيات بالقرب من قلبها. وأمامها تجلس أخرى، واضعة ساقًا فوق الأخرى، تنظر جهتها بامتعاض، ثم هتفت بضيق:
"يعني إيه يا طنط؟ رافض الواقع؟ ويعني إيه عايش معاها؟ مش فاهمة. إزاي إنسان مات عايش معاه؟ وإنه عايش معاها ورفض الواقع؟ وإزاي بتقولي إنه مهتم بشغله؟ أنا مش فاهمة حاجة؟!"
نظرت لها تلك السيدة بشعرها الأسود الذي زارته بعض الشعيرات البيضاء، ومع ذلك زادها جمالًا مع تلك البشرة البيضاء النقية، ثم تشدقت بحسرة على فلذة كبدها:
"مش عارفة... مش عارفة يا ليليان أفهملك إزاي، بس باسل متأكد إنها عايشة وإنها هترجع، وإنها زعلانة منه، بس زي كل مرة، وخصوصًا إن يوم موتها كانوا متخانقين، ف لذلك مستحيل تكون ماتت. وهو مهتم بشغله عشانها، متنسيش إن جنا كانت بتحب شغلها إزاي وبتكره إنها يهمل فيه أو يخليها تهمل فيه. مش عاوز يزعلها."
أنزلت الأخرى إحدى ساقيها من على الأخرى، ثم صرخت بانفعال وقد تضايقت مما يحدث:
"بعد ٦ شهور يا طنط، ما زال متأكد إنها هترجع. ٦ شهور ولسه شايف إنها عايشة؟ ده اتجنن ده ولا إيه؟!"
تنهدت تلك السيدة بألم، ثم قالت:
"ولو بعد ١٠٠ سنة هيفضل مستنيها لآخر يوم في عمره. ده اللي بيقوله، وأنتِ عارفة إنه دائمًا بيوفي."
صرخت ليليان هاتِفة بحزن على حال صديق عمرها:
"وأهلها؟ أهلها فين من ده كله؟ يأكدوا إنها ماتت؟ راحوا فين يا طنط حنان؟"
هتفت حنان بحزن أكبر:
"مش عارفة يا ليليان. من بعد موتها ودفنها وهما اختفوا، والله أعلم راحوا فين. سألنا عليهم في الصعيد عند قرايبهم هناك، مالقيناهمش وقفلوا شقتهم ومحدش يعرف راحوا فين."
وقفت ليليان مديرة ظهرها لهم، مفكرة، وهي تهتف بتعجب:
"غريبة، أمال هيبقوا راحوا فين؟!"
"لا، غريبة ولا حاجة. مفيش حد هيطيق يقعد في البيت بعد ما بنته الوحيدة ماتت ومبقتش فيه. جنا ما كانتش بنتهم بس دي كانت صاحبتها وحبيبتهم وكل حاجة كمان، ف أكيد ده اللي لازم يحصل، خصوصًا إني سمعت إن طنط وفاء أعصابها تعبت بعد موت جنا."
هتفت بتلك الكلمات فتاة جميلة قادمة من المطبخ وهي تضع أحد أكواب العصير أمام الأخرى. جلست مكانها هاتِفة ببعض كلمات الشكر، مرتشفة بضعة قطرات مما بها. رفعت عيناها جهة تلك الفتاة هاتِفة بتعجب:
"بالمناسبة يا جميلة، إنتِ بقيتِ ساكنة هنا عند بيت عمك ولا إيه؟"
ابتسمت جميلة، بينما هتفت حنان بابتسامة:
"جميلة بتيجي تقضي معايا شوية وقت وتتكلم مع باسل شوية، ما أنتِ عارفاه إنهم أكتر من الأخوات وهي الوحيدة اللي بتقدر تخرج الابتسامة من بوقه."
هزت ليليان رأسها بتفهم وهي تفكر. جميلة، وهي بالفعل جميلة، ولكن بطريقة غريبة، فهي صهباء الشعر، طويل، به عرق التمويج الذي يدل على جنان صاحبته، ولكنها على العكس هادئة، ذات بشرة بيضاء وعيون سوداء كسواد الليل، وجسد قليل متوسط الطول. أشياء لا تليق مع بعضها، فمع لون شعرها الأصهب ذاك قد تظن إنها مجنونة عنفوانية أو أن جسدها قوي، ولكنها تركيبة غريبة من البشر، ولكنها بالفعل جميلة. نحت بعينيها بعيدًا، ثم قالت:
"وهو فين دلوقتي؟ محدش شايفه؟"
"حاسس إن السؤال ده عليا."
كانت الإجابة قادمة من جهة الباب الذي فُتح للتو، لينظر الجميع جهة الداخل بابتسامة، بينما أخفت حنان الصورة خلف ظهرها مبتسمة جهته. أما ليليان، فوقفت بابتسامة واسعة رقيقة، هاتِفة برقة:
"باسل، إزيك؟ حمد الله على السلامة. كنت قاعدة مستنياك من بدري."
جحظت عيون باسل في محجريهما وهو يجد واحدة من أقرب أصدقائه قد عادت من جديد بتلك الابتسامة الرقيقة خاصتها التي تنير الأجواء. لذا هتف بصدمة:
"ليليان!!! أنتِ جيتي إمتى؟!"
مطت شفتيها بتذمر لذيذ كالأطفال، حركات لن تكبر أبدًا على فعلها، وقالت بعتاب طفولي:
"إيه يا سي باسل؟ مفيش ازيك ولا حاجة؟ شكلك زعلان إنك شوفتني وإن أنا جيت خلاص؟ ارجع تاني."
واستطاعت تلك الطفلة اقتلاع البسمة الصادقة من شفتيه من غير أدنى مجهود، هاتِفًا:
"بطلي جنان ياعبيطة، ترجعى إيه."
وأعادت تذمرها هاتِفة بضيق:
"ما أنت مقلتليش حمد الله على السلامة بس."
ثم قلدت صوته:
"جيتي إمتى وليه؟"
واستطاعت تلك المعتوهة اقتلاع الضحكة من شفتيه، ضحكة صادقة زلزلت المكان لدرجة أدمعت عيناه، جعلت البسمة تشرق في وجههم وهم يجدون باسل بعد تلك الشهور يضحك أخيرًا.
ثم نظر لها بعد أن هدأ، هاتِفًا وكأنه يواسي طفلة كما كان يفعل دائمًا:
"خلاص يا ستي، ازيك عاملة إيه؟ حمد الله على السلامة."
ضحكت برقة، ثم قالت:
"أنا كويسة الحمد لله، وإجابة على سؤالك، أنا جيت النهارده، وجيت على هنا على طول عشان عاوزك في موضوع مهم."
قالت الجملة الأخيرة بجدية أثارت حفيظته، قطب جبينه بتعجب متسائلاً بقلق، فليليان نادرًا ما تتحدث بجدية:
"موضوع!! موضوع إيه ده؟!"
نظرت حولها جهتهم، ثم قالت بعد أن تنهدت:
"مش هنا، عاوزاك في المكتب."
"منذ متى وهناك أسرار أمام عائلته... غريبة هي تلك الفتاة، فهي من أدرى بذلك. لذا سألها بتعجب وقد بلغ منه القلق مبلغه:
"وفيها إيه لما نتكلم هنا؟!"
"معلش، خدني على قد عقلي."
قالتها ببسمة لم تصل إلى عينيها قط، لذا علم أن هناك شيئًا ما، لذا أشار صوب المكتب متحركًا وهي تتبعه. فقد أصاب الجميع القلق مما تريد، فيا ترى ماذا تريد؟
يا ترى جنا ماتت فعلًا ولا لا؟
إيه حكاية جنا وباسل؟
يا ترى باسل هيرجع زي ما كان؟
يا ترى ليليان عاوزة باسل في إيه؟
رواية ملكة قلبي الفصل الثاني 2 - بقلم مريان بطرس
انتفض واقفا بغضب ثم نظر لها قائلا بتعجب:
"انتي قولتي إيه؟ عيدي تاني عشان ماسمعتش كويس."
ظنت بالفعل بأنه لم يسمعها جيدا، لذا أعادته على مسامعه بهدوء قائلة برقة:
"بقولك عيش يا باسل، اللي فات مات، فاتجوز وعيش حياتك. ولو على إنك متعرفش بنات ومالكش علاقات، فمتقلقش، أنا أعرف كتير ومليون واحدة تتمناك وبتتمنوا منك بصة. بس بص حواليك وانت تلاقيهم وتلاحظهم، دول ملايين هيموتوا في حبك."
ارتفعت حاجباه ذهولا مما يسمع، ماهذه التفاهات والتراهات التي يسمعها؟ يبدو بأنها جُنّت في عقلها على الآخر، لذا أجابها بهدوء متعجب وكأنه يتحدث إلى إحدى المعاتيه:
"هو انتي متعرفيش إني متجوز ولا إيه؟ وكمان بحب مراتي، إزاي أتجوز عليها؟ يعني مهما بلغت رقة وجمال البنت اللي انتي جايباها، فمستحيل توصل لجنى."
انتفضت من مكانها بغضب صارخة بقهر:
"كنت... كنت متجوز يا باسل، لكن ماتت جنى، ماتت."
ثم بدأت دموعها تنساب على وجنتيها بألم من حاله قائلة:
"فوق يا باسل بقى، فوق. هتفضل تعذبنا وتعذب نفسك لحد إمتى؟ مامّتك بتموت كل يوم وهي شايفة اللي انت بتعمله، وباباك هربان من البيت عشان مايشوفش حالتك دي. حرام عليك يا أخي، انت بتتفنّن في تعذيبنا وتعذيب نفسك كمان."
ثم صرخت به قائلة بألم ودموعها تشق وجنتيها الناعمة:
"حرام عليك، ارحمنا وارحم نفسك كمان يا أخي. إيه هو انت ما عندكش إحساس باللي حواليك؟"
نظر لها بألم ثم أجاب:
"جنى عايشة يا ليليان، وما تعيديهاش تاني."
صرخت به بألم:
"لأ، جنى ماتت يا باسل، وانت بنفسك شفت جثتها. فبلاش اللي انت بتعمله ده. جنى ماتت في حريق المصنع وطلعوا جثتها، فاهم؟"
وضع يديه على أذنيه يخفي عن مسامعه صوتها الذي يمزق نياط قلبه. مازال الجميع اليوم يتفننون في أذيته في إسماعه مالا يطيق.
التفت لها صارخا:
"لأ، جنى عايشة وأنا متأكد. مادام عايش يبقى عايشة."
ابتسمت له أغرب ابتسامة في التاريخ ثم قالت بصوت غريب:
"طيب خليك متأكد كده، بس مش هتشوفها لأنها خلاص مبقتش موجودة، وانت رابط نفسك بوهم."
التفت لها بغضب قائلا:
"مراتي مش وهم."
جعدت ما بين حاجبيها قائلة بتعجب:
"بس جنى مش مراتك."
نظر لها بتعجب قائلا:
"بتقولي إيه؟"
"بقول الحقيقة، جنى ماكنتش مراتك، جنى كانت خطيبتك. الظاهر انت ناسي. إزاي؟ انت دوبك كتبت كتابك عليها، يعني ماتجوزتهاش. يعني تفضل خطيبتك صح ولا لأ؟ دي الآنسة جنى."
ضغطت هي بصوتها على آخر كلمات، لذا ابتسم لها متعجبا قائلا:
"انتوا بتفكروا إزاي؟ أنا عاوز أفهم. يعني كل اللي يهمكم الموضوع ده، أحب أعرفك يا آنسة ليليان، إن جنى مراتي من يوم اسمي ما ارتبط باسمها، يوم ما ربنا اداني. وده اللي يهمني، إن اسمي ارتبط بجنى."
نظرت له بنظرة مبهمة قائلة:
"بس جنى مش هتشوفها تاني، ف لازم تنساها. جنى ماتت وانت شوفت جثتها، وحتى لو كانت عايشة، ف مش هتظهر أبدا لأنها لو عاوزة تظهر كانت ظهرت من 6 شهور."
قالت كلماتها، تلتقط حقيبتها اليدوية والتفت للذهاب، بينما هو يشيعها بنظرات مبهمة متعجبة، لا يفهم ماذا تقصد. أما هي، فالتفت وهي ممسكة بمقبض الباب قائلة بنبرة غريبة عليها وعلى مسامعها:
"حسن لك تفكر في الكلام اللي قولتهولك، عشانك وعشان أهلك."
ثم تحولت نظراتها من تلك النظرة الجامدة إلى أخرى حانية رقيقة كما عرفها دائما، وهي تقول:
"دور حواليك يا باسل، يمكن تلاقي واحدة تحبها وهي تحبك، وممكن تكون بتحبك من سنين ودايما جنبك وسندك."
ثم أكملت بجمود:
"وعقلك في راسك تعرف خلاصك."
ثم التفت للذهاب، ولم يلحظ تلك الدموع التي سقطت على وجنتيها، بينما رآها كلا من جميلة ووالدته وهي تركض وهي تمسح دموعها ولا تريد لأحد أن يراها، فهي ستبقى دائمًا كما يراها الناس، تلك المرحة والضاحكة على الدوام. بينما نظر كلا منهما لبعضهما بتعجب.
نظرت حنان إلى جميلة قائلة:
"هو إيه اللي حصل؟ الأول صوتهم عالي، ودلوقتي طالعة بتعيط فيه إيه؟"
ثم وقفت متجهة إلى حيث مكتب باسل قائلة بغضب:
"لأ، أنا مش هسكت. إن كان بيأذينا، ماشي، لكن الغلبانة لأ. كفاية اللي شافته من تحت رأسه لحد دلوقتي، وبرضه بتجري تحامي عنه. لأ، مش هسكت يا باسل، كله إلا ليليان."
ركضت جميلة لتقف أمامها قائلة بمهادنة:
"استني يا طنط، بس احنا منفهمش إيه اللي حصل، وبعدين انتي عارفة باسل في غضبه بيبقى عامل إيه؟ وبعدين ده تطوّر، إنه ابتدى يتكلم."
صرخت هي بضيق وهي تشيح بيديها بعشوائية متألمة:
"بس مش ليليان، كفاية كده عليها. كفاية إنه عمره ما حَسّ بيها."
أما هو، فسقط على الكرسي خلفه بعد خروجها يفكر، ولكنه يخشى أن يفهم مقاصدها، وأيضًا متألم منها جدًا. لماذا يقف الجميع ضد قناعاته؟ هي حية ولن يستطيع أحد أن يحل محلها مهما كانت مكانته في قلبه.
صدح في عقله كلمات ليليان الأخيرة:
"دور حواليك يا باسل، يمكن تلاقي واحدة تحبها وهي تحبك، وممكن تكون بتحبك من سنين ودايما جنبك وسندك."
لذا ركض خارجًا من مكتبه. نادته أمه وكذلك جميلة، ولكنه لم يلتفت. هو يجب أن يذهب لها، يجب أن يتحدث معها. هو الآن في أوج لحظاته احتياجًا لها، والحديث معها، حتى لو لم تحدثه.
***
جلس ينتظرها في ذلك المقهى الذي دائمًا ما يقابلها به. يتناول قدح القهوة الثاني وهو ينظر بساعة معصمه، ليرفع عيناه ليجدها تهل عليه بهالتها الملائكية وشعرها المتمرد يتطاير من حولها كحالته دائمًا. ابتسم لها وقلبه يطير للقياها، ليجدها جاءت لتجلس أمامه بهدوء مع ابتسامتها الرقيقة قائلة بنبرة ناعمة:
"آخرت عليك."
ابتسم لها ابتسامة هادئة كحالته قائلا:
"ولو... لو آخرتي عليا العمر كله، هستناكي."
ابتسمت له ابتسامة ناعمة خجولة كعادتها عندما يتحدث، ثم أجّلت حنجرتها قائلة بنعومة:
"وانت عامل إيه يا فارس؟"
ابتسم فارس لها بنعومة قائلا:
"بحبك."
أغمضت عيناها تستجمع أنفاسها من حديثه ذاك الذي يذهب أنفاسها، وبالأخص من اعترافه ذاك الذي يخجلها بشدة. لذا همست بخجل تتأمله به بعض الشدة، كل ما تفعله، ولكنه خرج كمعزوفة رقيقة:
"فارس!"
نظر لها بلهفة قائلا بعشق:
"عيون فارس."
أصبحت الآن كحبه الطماطم المتسايرة مع لون شعرها الأصهب، وهي تقول:
"بطل تكسفني يا فارس."
ابتسم بعشق على خجلها قائلا:
"ولا عمري أقدر يا قلب فارس."
نظرت له محاولة تغيير مجرى الحديث قائلة:
"نتكلم جد بقى شوية، انت كنت عاوزني في إيه يا فارس؟"
انقلب مزاجه لجدية وهو ينظر لها، معها من بهفوت:
"جميلة، كنت عاوزك في موضوع مهم."
قطبت ما بين حاجبيها وهى تقول:
"موضوع؟ موضوع إيه ده؟"
نظر له بجدية قائلا:
"أنا عاوز أتفق معاكي دلوقتي على ميعاد الخطوبة."
نظرت له بصدمة وهي فاتحة فمها قائلة بصدمة:
"هه، خطوبة؟ خطوبة مين؟"
بدأت بوادر الغضب تظهر عليه وهو ينظر لها. دائمًا ما تتهرب من ذاك الحديث، لذا ضغط بأسنانه على باطن خده عله يهدئ، قائلا بهدوء ظاهري:
"خطوبتنا يا جميلة، يعني خطوبة مين؟"
بدأت بوادر الغضب تظهر عليها من احمرار خدودها وجحوظ عيناها، وهي تقول:
"آه، يعني برضه الخطوبة دي ماتنفعش تستنى؟ انت مش شايف باسل وحالته؟"
نظر لها بغضب وبدأ صوته يرتفع حينما قال:
"ونفضل لحد إمتى ناجل حياتنا بسبب باسل؟ وبعدين باسل كويس يا جميلة، أنا الدكتور بتاعه وبقولك كويس."
بدأ صوتها يرتفع وهي تشيح بيديها قائلة:
"آه وهتقول إيه غير كده؟ هو انت ماشفتوش الصبح لما طلع ليليان معيطة من البيت؟ ولا لما كان على وشك يزعق فينا وخروجه زي القطر من البيت من غير ما يعبر حد؟"
نظر لها بغضب قائلا:
"دي أعراض طبيعية."
صرخت به هاتفة:
"أعراض طبيعية إيه وبتاع إيه؟ أنا بنقول أي كلام أريح بين ضميرك أو تمحي بيه فشلك. باسل مش كويس، صاحبك مش كويس، وانت ناسي مصيبته وألمه وجاي تفرح وترقص انت كمان على إطلاله؟ يعني نتجوز وهو ناره لسة ما بردتش؟ حرام عليك، ده المفروض إنه أخوك، لكن إزاي؟ إحنا في زمن كل واحد فيه بيقول يلا نفسي، وانت مابتفكرش في حد غير في نفسك وفي فرحك وخلاص، لكن غيرك لأ، ولا تحت خبر عندك."
كسهام حارقة وضربت صدره. هل هي تراه هكذا؟ مجرد شخص معدوم الإحساس، لا يراعي ضميره بعمله، ولا يهمه مصلحة مريضه، ويخرج مجرد كلمات يسكن بها ضميره قبل أن يسكن ألم عائلته؟ أم تراه مجرد صديق معدوم الإحساس لا يستحق لقب صديق، وهو لا يشعر به بل يذبح؟ هل هكذا هي تراه يرقص فوق جثة صديقه ويستمتع بإسالة دماء قلبه؟ ويا حسرتاه لو كانت ذبحته بسكين بارد، كان أشد وطأة ألمًا من حديثها ذاك. لذا نظر لها بحزن مظلل جفونه، مغمغمًا:
"يعني انتي ده رأيك فيا؟ إني شخص مبيهموش مشاعر أصدقائه والمهم فوزه، وعايش بدي مسكنات للناس؟"
أغمضت عيناها بألم. ها قد خرجت رصاصات لسانها من فمها، وهي تعلم يقينًا بأنها لن تعود. دائمًا ما حذرتها جنى من ذلك قائلة:
"لسانك وقت ما بتغضبي بيخرج رصاص بينفد في صدره اللي قدامك على طول، والمشكلة إنك مش هتعرفي ترجعيه. دي مشكلتك في غضبك، فخلي بالك من الموضوع ده."
ولكن للأسف، قد سبق النصل السيف. لذا أغمضت عيناها بألم هامسة:
"قصره، مافيش حاجة هتحصل غير لما يكون باسل كويس."
ابتسم هو بتهكم متشدقًا:
"يا الخميس الجاي الخطوبة رسمي، يا مفيش كلام بعد كده وكل واحد يروح لحاله."
ابتسمت بتهكم وهي تعلم يقينًا بأنه لن يتراجع عن قراره، كما هي أيضًا لن تسعد طالما أخيها حزين. لذا فهل تعلم بأن تراهم ستفترق الآن؟ فهمست:
"حسن لك بلاش تحدي يا فارس، لو فعلا عاوزني."
ابتسم بتهكم قائلا:
"أنا بديكي فرصة أخيرة حتى بعد الكلام اللي قولتي ده."
نفت برأسها قائلة:
"لأ، انت بتعقد الموضوع، نتفاهم أحسن."
وقف من مكانه معلنًا نهاية الأمر وهو يضع المال على الطاولة قائلا بقوة غريبة عليه:
"أنا اللي عندي قلته، ووريني ردك إيه."
ثم التفت مديرًا ظهره متحركًا صوب الباب، بينما تنظر لظهره بألم وهي تعلم بأن تلك ماهي إلا النهاية. نهاية لقصة لم تبدأ بعد. حركت رأسها بألم محاولة عدم إسقاط دموعها والسيطرة عليها، بينما وضعت يدها على صدرها علها تخفف ألمه، ثم وقفت من مكانها تاركة المكان قبل أن يفضح أمر دموعها وألمها هنا، ولن ينقصها أبدًا الفضائح وتدخل الناس.
***
وقف واضعًا يديه بخصره، ناظرًا صوب البحر، بينما يلوح على وجهه غضب أعمى. أما هي، فهي تقف خلفه صانعة نفس حركته ووقفته، بينما يتغير فيها تعابير وجهها التي يتخللها السخرية، رافعة شفتها العليا لأعلى. زفرت الهواء بملل قائلة:
"يعني انت مجرجرني هنا وواقفة وراك في المكان الرومانسي ده عشان أبص لضهر الحيطة بتاعك ده؟ ماهو يا تحكي يا نمشي."
التف تجاهها بتأهب، وهو الآن يريد الاشتباك مع أي أحد، صارخا:
"بقولك مش دريان بالدنيا واللي فيها."
أغمضت عيناها بملل لتفتحهم ناظرة له بسخرية قائلة:
"طيب وفيها إيه؟ مرحلة وهتعدي. وبعدين ما تنساش، هي بالنسبة له إيه."
نظر لها بغضب قائلا:
"بقولك بقى عامل زي الإنسان الآلي ومش دريان ولا بيحس. فقد المشاعر، فاهمة يعني إيه؟ حرام بجد اللي هي عملته فيه ده."
رفعت يديها التي تضعها إلى خصرها لتربعها، بينما قناع البرود والسخرية بدأ يتشقق من الداخل، بينما حافظت عليه من الخارج، وهي ترفع جانب شفتها العليا، ناظرة له بنظرة تقليل قائلة:
"حرام عليها ليه؟ هي كانت عملت له إيه؟ هي كانت قالت له حبني؟ كتلة جليد! لقد وقع في حب كتلة جليد. بل لوح ثلج معدوم المشاعر، لا تشعر، لا تبادر، فقط نظرات باردة وحديث يرجو."
لذا صرخ بها بغضب منها ومن صديقه ومن نفسه ومن الجميع. فكيف يكون نبيل حسين سالم ويعشق كتلة الجليد تلك؟ لذا صرخ بها:
"بنت انتي، انتي مابتحسيش؟ بقولك فقد الإحساس، يعني شوية وهيبقى زيك كده."
اتسعت عيناها، والآن قد بدأت في فقدان أعصابها، وياويله إذا حدث. لذا صرخت وهي تنزل يديها وتستعد للهجوم:
"إيه؟ قولي تاني وسمعني قولت إيه عشان شكلي ماسمعتش. مين اللي ساحر لمين؟"
نظر لها بغضب أعمى قائلا بغضب:
"عنك يا لوح التلج. وبعدين أنا في سؤال محيرني وهتجنن وأعرفه."
عيناها المتسعة بغضب دون حديث شجعه على الكلام، وهو يقول:
"إحنا إزاي بنحبكم كده؟ يعني انتي وبنت عمك وقعتونا في حبكم إزاي؟ وبالذات جنى، عملتو للولد إيه؟ تكون سحرتله؟"
ثم أكمل بعد أن صدق ادعاءه:
"والله أصدقها، مش بعيد تعملوها ومفيش حاجة تصعب عليكن. ده انتو..."
وقبل أن يكمل حديثه، كان قد انفجر البركان وانتهى الأمر، وهي تصرخ به، غير آبهة لنظرات الناس أو لهجتها وتغيرها الذي يستدعي الانتباه:
"نعم يالدلعدي!! بتجول إيه؟!! سمعني تاني كده، أصلي ماسمعتش. مين اللي ساحر لمين يابني.. ليك انت يا ضهر الحيط؟!! يا معدوم الإحساس على إيه تكون الباشا وسامته جامت وإني منفوتوش؟ ده انت وشك مش مختلف كتير عن جفاك وجال نسحرولك بجى. إني نهلة علوان العربي بنت علوان العربي نسحرولك انت؟ ليه؟ كنت اتعميت؟ ده إني نص شباب الصعيد يتمنوني وبيحبوا ورايا ورجالة الواحد منهم مالى مكانه. ال نسحرولك انت ال على إيه؟ يا حسرة على فدادين الأرض ولا مزارع الحيوانات؟ وصاحبك اللي بتجول عليه نسحروله ليه ها؟ وعلى إيه؟ ده إني بنت عمي يرمح وراها شباب مصر كلها. ولا نسيت كانت إيه علام وأدب وجمال وحسب ونسب؟ ولا نسيت إن صاحبك هو اللي كان بيجري وراها."
ثم أكملت بنبرة ذات مغزى:
"بلاش تنسى يا حبيبي، بدل ما نفكرك وإحنا مابننسوش."
اتسعت عيناه. تلك الفتاة يعلمها إذا فتحت فلن تصمت، وقد بدأت تلفت الانتباه ناحيتهم، لذا ركض واضعا يده على فمها صارخا:
"اش اسكتي الله يخرب بيتك! ال نهلة آل، ده انتي نحلة ومش سايبة حد مبتقرصوش."
صرخ ممسكًا بيده مبتعدًا إياها عنها، ناظرًا بذهول تجاه تلك العضلة التي قسمت لحمه، ومن منظرها ستترك أثرًا لأيام. بينما هي بدأت تخبط بأسنانها معًا بمشاركة قائلة:
"كان حلو حلمك ياادرفع."
أنظره تجاهها بذهول. يبدو أنه يحب إحدى أكبر لحوم البشر. اقتربت منه ليتراجع للخلف تلقائيًا من الخوف، بينما رفعت عيناها الرمادية التي أصبحت الآن تشبه عيني إحدى الأموات، وهي تقول رافعة سبابتها:
"حسك عينك تجرب مني، وإلا المرة الجاية مش هتلاقيها مش في دراعك، هتلاقي دراعك في حتة وكفك مرمي على طول دراعك لأول كلب معدي يفرح بيه. فاهم؟"
صرخت بالكلمة الأخيرة بصوت عالٍ. أومأ برأسه خائفًا من تلك المتحولة، بينما نفضت هي شعرها الأسود الطويل ليدخل في عينيه، بينما أمسكت حقيبة يدها مستعدة مظهرها القاهرة المتحضر بعد ذاك العرض الصغير، وخلفه عرض أحلى لحوم البشر ذاك، لتنظر تجاهه بتشفٍّ قائلة برقة مهلكة:
"شاو يا قلبي."
ثم تركته يضرب كفًا بآخر، فيبدو أنها من ستربيه وليس العكس. ف بمن وقع قلبه وعشق وأصبحت ملكته؟ بتلك الفتاة حقًا سيموت على يديها.
رواية ملكة قلبي الفصل الثالث 3 - بقلم مريان بطرس
رواية ملكة قلبي الفصل الرابع 4 - بقلم مريان بطرس
تحركت لتذهب إلى جامعتها لتقديم مشروعها الخاص.
بعد تقديمه، ذهبت لتجلس مع رفيقاتها.
"قدمتي المشروع يا جنا؟" هتفت بها إحداهن.
اكتفت بالإيماء برأسها وتنهدت بهدوء.
ابتسمت الأخرى قائلة: "مالك يا جوجو؟ متضايقة من إيه؟"
رفعت حاجبها لها وقالت بهدوء: "هو البعيدة ما عندهاش دم ولا ما بتحسش؟ مش فيه مشروع بيتقدم ومعتمد عليه نجاحنا السنة دي؟ لأنه عليه نص الدرجات ولازم ننجح فيه بتقدير عالي عشان نلاقي وظيفة، لأن خريجة طلبة بيطري على قفا اللي يشيل، ولا إيه يا ست أميرة؟"
ضحكت أميرة بشدة ثم قالت: "بقى جنا العربي خايفة ومن إيه من المشروع ده؟ ده على أساس إنك مش كل سنة بايتة في مزرعة جدك بتدربي فيها لما زهقتي الدكتور اللي هناك."
ارتفع حاجبها بغضب، بينما أكملت الأخرى هاتفة: "متضايقة ليه بس يا جوجو؟ ده إنتي حتى لو ملاقيتيش شغل هنا، عندكم شغل في البلد وإنتي أولى من الغريب، والمزرعة بتاعتكم والدكتورة صاحبتها، ولا إنتي مش عاوزة تروحي البلد هناك؟"
ردت أميرة عليها: "أكيد يا شيرين مش عاوزة تروح، هتروح تعمل إيه هناك؟ هو الجمال ده ينفع يندفن في الأرياف؟"
إلى هنا وانتهى الأمر.
وقفت بغضب قائلة: "ماشي يا خفة منكم ليها. أسيبكم تخفوا دمكم مع بعض، ولما تهدوا أبقى فكروا تنهدولى."
ثم تحركت للذهاب.
بينما بهتت ملامحهم، نظروا تجاه بعضهم البعض بحزن.
ثم قالت أميرة بضيق: "شكلنا زودناها شوية."
نفت شيرين برأسها قائلة: "لا، ده إحنا زودناها خالص."
ثم جلسوا بضيق. لم تكن إحداهن تقصد شيئًا، فقط أرادوا تهدئتها، ولكنهم للأسف لم يحسنوا اختيار كلماتهم، فأصبح الأمر يضايقها.
***
رنين هاتفها أصبح يزعجها.
نظرت جهة الهاتف بتقطيبة جبين، ثم فتحت السماعة لترد.
ليأتيها صوت تلك المزعجة الثرثارة وهي تصرخ بصوت أصم أذنها: "جناااا! وحشتيني يا بنتي. إنتي فين؟ مش سائلة عليا كده؟ هو أنا مش بنت عمك برده ولا إيه؟ لا لا مالكيش حق. أنا بجد زعلت منك مش تسألي عليا كده. أنا آه أصغر منك بس..."
أبعدت جنا السماعة عن أذنها وهي تغمض عينيها بضيق، منتظرة انتهاء تلك الوصلة من الثرثرة وهدوء ذاك الصوت النشاز.
بينما على الجانب الآخر، عندما لم تجد تلك صوت يجيبها أو يحدثها، صمتت وهي تنادي: "جنا.. جنا إنتي روحتي فين؟ إنتي معايا؟ جوجو... جنون؟"
أرجعت هي السماعة بهدوء على أذنها وهي تتساءل بهدوء رقيق: "خلصتي ولا لسه؟ لو لسه محتاجة وقت إضافي، أوكي."
مطت الأخرى شفتيها بضيق وهي تقول: "خلاص خلصت."
ابتسمت جنا بهدوء ثم قالت برقة: "ها؟ كنتي بتقولي إيه بقى؟"
ابتسمت نهلة ابتسامة واسعة ثم قالت بحماس: "عندي ليكي أخبار تجنن يا جوجو. أنا جاية مصر، أيوه جدي وافق أخيرًا. أهو جاملني المرادي في جامعة القاهرة وخلاص هاجي أعيش معاكم أو في المدينة الجامعية."
ابتسمت جنا على تغير لهجتها، ولكنها قالت بحماس وسعادة: "بجد يا نهلة؟ بجد يعني خلاص اتوافق إنك تيجي تكملي باقي كليتك هنا؟"
ضربت نهلة على صدرها بفخر ممازحة قائلة: "أمال.. ما يبقاش أنا نهلة بنت علوان عبد الحميد العربي إن ما كنتش أعمل اللي أنا عاوزاه."
ابتسمت جنا عليها ثم أنهت معها الكلام على وعد بلقاء قريب.
هزت رأسها بيأس مع تلك الابتسامة. نهلة وتدعو بالعون لكل من يعرفها. رقيقة ولكنها تخفي ذلك خلف جمود خارجي صلب، ممازحة في أغلب الأوقات، جامدة وشرسة جدًا في الدفاع عن حقوقها.
***
يتحرك بهدوء وهو يتحفظ على هدوء خطواته.
ينظر يمينًا ويسارًا خشية أن يراه أحد.
من يصدق أنه هو من يفعل ذلك؟
أهو الطبيب المحترم فارس عزت يفعل ذلك؟
من كان يتسم بالهدوء والعقلانية مع جميع أصدقائه يتصرف بتلك الطريقة هنا؟
ولكن ماذا يفعل؟ فهو قد سقط في دروب العشق ومنذ سنوات من تلك الصهباء ذات الملامح الناعمة والشعر العنفواني.
وقف أسفل تلك الشجرة وهو يستعيد ذكريات عشقه بها.
ذاك العشق الذي لا يحتاج كلام بقدر ما هو واضح بجميع تصرفاتهم وعيونهم.
يعلم أنها تعشقه منذ نعومة أظافرها، ضحكتها، احمرار وجنتيها، وكذلك عيناها التي تتابعه دائمًا وترسم من العشق دروب ومتاهات تجعله يتوه بها.
وكذلك هي تعلم بعشقه لها، تحينه الفرص للذهاب لآدم لرؤيتها.
عيناه التي تتابعها، ووقوفه دائمًا لحمايتها.
كبر كلاهما على عشق بعضهم دون الحاجة للكلام.
إلى أن وجدها تقف مع صديق لمعتز، أخيها، وحينها انفجر بها واعترف بحبها.
ولكنه الآن ينتظر الفرصة للتقدم رسميًا، رغم أنه يعلم يقينًا بأن الجميع على علم بقصة عشقه وواضح من نظراتهم وكلامهم، ولكنهم ينتظرون ليتحدث.
آفاق على انحجاب ضوء الشمس عن عينيه، وذلك الظل من الظلام.
ففتح عينيه ليجدها أمامه بهدوئها ورقتها، وتلك البسمة الرقيقة التي تذوب مع صلابة الحجر.
ابتسمت بهدوء، معدلاً وضع عويناته على عينيه بحركة متلازمة منه، وخصوصًا في حالة الخجل.
اعتدل في وقفته بابتسامة بلهاء وهو يقول: "جميلة! مازالت جميلة؟ محتفظة بابتسامتها؟"
وإن زادت في اتساعها وهي تقول برقتها المعهودة: "إزيك يا فارس؟"
وكم كان اسمها منه له مذاق مختلف، يشعر بأنه يتغير اسمه مع نطقها له ويجعله يحبها أكثر.
تنطق اسمه وكأنها تستشعر به بأنه فارسها بصدق.
ليقول بابتسامة عذبة: "أنا كويس. إزيك إنتي يا جميلة؟"
ابتسمت بهدوء وهي تقول: "أنا كويسة."
ثم حركت رأسها جهة اليمين لتتساءل بمكر: "هو إنت جيت عشان كده يعني تسأل أنا عاملة إيه؟"
حرك عينيه في جميع الجهات بخجل مع احمرار وجنتيه ليقول وهو يعدل وضع عويناته: "أنا جيت عشان أسأل عليكي وأتأكد إنك كويسة."
وقد راقها خجله واضطرابه لتستمر في إحراجه قائلة: "وإديك اطمنت، عاوز حاجة تانية؟"
بهتت ملامحه. أبهذه السرعة بعد تلك المخاطرة تتركه وتذهب؟
لينظر جهتها بضيق مضطرب.
لتبتسم تجاهه قائلة: "همشي أنا أشوف طنط، بما إن مفيش جديد. ولما تعرف عاوز تقول لي إيه، أبقى قول لي ساعتها أما تفتكر."
وتأكيدًا على كلامها، تحركت للذهاب.
ليصيح بها لتتوقف، هاتفا: "جميلة!"
توقفت جميلة وهي تنظر جهته باستفسار، ليقول وهو يحيط ذراعيها الصغيرين بقبضتيه الضخمة بعض الشيء بالنسبة لها: "عاوزة تعرفي جيت ليه؟ جيت عشان أروي عنيا بكتلة النار الملتهبة منك، وجيت عشان أريح قلبي بسماع صوتك اللي بيطمن نبضاته. جيت عشان أروي وجودي بوجودك وبطلتك الملائكية. أريح قلب تعب من رؤية شياطين. إنتي بالنسبة لي مش مجرد بنت، إنتي بالنسبة لي روح حلوة بتحييني، بتطمنيني. إنتي... إنتي هدوء وسكينة قلبي في وسط زحمة للعالم. الجمال البريء اللي لما بشوفه بتوب عن جميع جنس حوا وأعيش ناسك بيكي، لأن بيكي أنا مكتفي عن الكل وعن رؤية أي أحد... حبيتك وبحبك ومش مرتاح قلبي غير في وجودك جنبي، مش مجرد دقايق، لأ ده العمر كله. فما تستكتريش عليا دقايق أريح بيهم قلب تعب من شوف الألم في وشوش الناس، فبيجري يلاقي سلامه فيكي."
ثم أكمل بمزاح هادئ مع ابتسامته الرقيقة دائمًا: "وماتنسيش يا ستي، أنا بشوف في شغلتنا دي أتعب الناس وكل واحد يرميلك هم ما يتلم ومجانين. فبيتهيألي إنك هتكوني معذورة وبشفق عليكي، لأنك هتعاشري واحد معاشر مجانين، ف أكيد هيبقى مجنون زيهم."
ثم أضاف بوله وهو ينظر داخل بؤبؤ عينيها: "في حبك."
وأمام ذلك الحب وذلك الحنان الطاغي من حديثه، لم تجد سوى أن تبتسم بهدوء وتسكن بالقرب منه، تستمتع بحديثه على أمل أن تستمتع لنبض قلبه وتسكن على صدره في القريب.
فكيف لامرأة من كافة بنات حواء أن ترفض رجل يسمعها مثل ذلك الكلام أو يشعرها بأنها سيدة النساء؟
وكيف وهو يعترف لها بأنها من تجلس على عرش قلبه وأنه ناسك بها دون شعور بقهر رجولته؟
كيف ترفض رجلاً جعلها موضع سكناه وراحته؟
وكيف ترفض ذاك الرجل الذي عزز من أنوثتها بأن جعلها فوق الجميع لدرجة أن لا ينظر لسواها؟
حقًا ستكون معتوهة إن تركته.
***
يزرع مكتبه ذهابًا وإيابًا، يتميز كمدا وبغضب.
كيف؟ كيف يحدث ذلك؟ بل كيف عرضوا هم عليه ذلك؟
فهو آدم المنشاوي يحدث له ذلك؟
كيف؟ بل والأدهى يهددونه بمضمون الكلام وفي عقر داره؟
حتما قد جنوا، ويبدو أنهم ما زالوا لا يعرفونه ولا يعرفون من هو.
ربما ينخدع الجميع بذاك القناع الرقيق الضاحك، ولكنهم لا يعلمون أنه يقف كالأسد في الدفاع عن ما يخصه.
إذا كانت القطة تصبح مخيفة وكائن شرس حينما تدافع عن صغارها، فما بالهم به؟
حقًا يبدو أنهم إذا اقتربوا منه خطوة، وستكون حتمًا نهايتهم على يديه.
قاطع أفكاره انفتاح الباب وإطلالها برأسها قائلة برقة مع ابتسامتها الرقيقة دائمًا: "ممكن أدخل؟"
أجابها بقوة: "لا."
قطبت جبينها وهي تراه شخصًا مختلفًا عن ما تعرفه، منقبض الملامح، عيناه تخرج بركانًا غاضبًا.
هو حد الجميع غريب. هذا الأمر في حياتها لم ترَ آدم هكذا.
باسل البحيري، صديقها، يصبح هكذا؟
ماذا حدث به؟ وماذا يحدث في هذه الدنيا؟
يبدو أن هناك ما يضايقه، بل ما يطيح بعقله.
لذا يجب عليها مساعدته كصديقته.
لذا اقتربت منه وهي تضع يدها على كتفه وسألته برقة واضح بها القلق: "مالك يا باسل؟ فيك إيه؟"
ابتعد عن مرمى يديها غاضبًا وهو يغمغم باقتضاب: "مفيش."
نظرت له وهي تقول بعدم تصديق: "مفيش إيه؟ قول الكلام ده لحد تاني مش ليا. إنت مش شايف نفسك؟ باسل فيك إيه؟"
صرخ بها بغضب أعمى: "ليليان ابعدي من قدامي دلوقتي، لأن فعلاً مش طايق نفسي ومش طايق أكلم حد، فاتقي شري الساعة دي."
نظرت له بتعجب قائلة بتردد: "يحكي ما به؟ باسل؟"
صرخ هو بصوت جهوري أجفلها: "ليليان خليها تعدي الساعة دي وشوفي وراكي إيه."
انتفضت راجعة للخلف من علو صوته، بينما لم يدرك هو ذلك إلا على انفتاح الباب ودلوف كلا من توفيق، والده، ونبيل، صديقه وشريكه، ولكن بنسبة قليلة، ينظران تجاهه بقلق.
اندفع توفيق يسأله بغضب: "فيه إيه يا باسل؟"
نظر نبيل تجاهه بتحذير ليغمغم قائلاً باقتضاب: "مفيش."
نظر والده تجاهه بعدم تصديق ثم صرخ به: "لو مفيش هتبقى كده، أمال لو فيه هتبقى عامل إزاي؟"
ثم حول أنظاره تجاه نبيل الذي يرمقه بتحذير، صارخًا: "فيه إيه يا نبيل؟"
نظر له نبيل بتوتر قائلاً: "فيه إيه يا عمي؟ مفيش حاجة."
"نبيل، باسل."
حسنا، يجب عليه الاعتراف. لذا قال بتوتر: "عمي، آآآ بصراحة كده فيه حد طالب يشاركنا."
نظر له توفيق بتعجب ثم قال: "ودي حاجة تنرفز كده؟ إيه اللي فيها يعني؟"
كان هذا هو دور باسل حينما قال: "دي مش أي شركة يا بابا، دي شركة LGS، واحدة من أكبر شركات الاستيراد والتصدير في مجالنا، مجال الأغذية المغلفة أو المحفوظة من حيث لحوم، فاكهة، خضار، وما إلى ذلك. المشكلة مش كده، المشكلة الشركة دي من أكبر الشركات اللي بتبيع أغذية منتهية الصلاحية أو الأغذية من حيث الخضار والفاكهة من النوع اللي مليان مبيدات حشرية اللي ممنوعة في الصحة، وبتستغل إنها مش ممنوعة لسه في مصر نظرًا لعدم معرفة أضرارها، بس في بلدهم معروف إنها مسرطنة. يعني بمعنى أصح بتبيع اللي ممنوع في بلدهم، والشركة دي ناس كتير في مصر بتاخد منهم ومحدش عارف مين أصحابها، بس فيه إشاعات كتير إن فيه من شركاؤها ناس عرب ما بيهتموش بأصولهم، كل اللي يهمهم البزنس وبس، ومحدش يعرف هما مين لأنهم بيبعتوا مندوبين وناس مختصة زي محاميين، يعني بيتعاملوا من تحت لتحت."
وبعدين...
أردف بها توفيق ليكمل باسل: "أصبح دلوقتي في السوق معروف، الشركة دي من المعروفين بالموضوع ده وقربت تقع في الشرق الأوسط لأن الناس عرفتهم والمحامين هنا ابتدت ترفع قضايا على الناس اللي بتتعامل معاهم، فمفيش قدامهم غير إنهم يشاركوا الناس ويبعتوا بطريقتهم بقى الحاجات. ناس كتير ابتدوا يشاركوهم، وبما إننا من أكبر شركات الأغذية المحفوظة والمجمدة هنا لازم يعرضوا إنهم يشاركونا. وبعد معرفتهم ابتدوا يهددونا، وبيهددوني بعيلتي، إما أشاركهم، وطبعًا هتبقى مكاسب رهيبة، أو الخسارة التامة."
شهقة خرجت من الفم، ولكن تلك تعود إلى ليليان، ثم صرخت به: "إنت هتعمل إيه؟ أوعى يا باسل! أوعى تأذي الناس! هما اختاروك عشان عارفين إن ليك شعبية جامدة ومن أشهر الشركات هنا."
صرخ بها باسل قائلاً: "إنتي اتجننتي يا ليليان؟ إنتي فاكرة إني ممكن أعمل كده؟ أو إن خوفي يخليني أعمل حاجة غلط؟ أنا لو مت مش هعمل حاجة زي كده أبداً، ولو هموت فاهمة؟"
نظرت له ليليان لتقول بتقطع: "باسل أنا... أنا مقصدش، أنا كل اللي كنت أقصد إنه متعملش كده."
تحرك باسل في الغرفة كأسد جريح، ثم قال مزمجراً: "مش المشكلة إني أعمل أو لا، المشكلة إن دي عصابة وليها أيادي في كل مكان، تقدر تعمل أي حاجة عشان تجبرك تنفذ مخططاتها، بس لا والله، أنا مش هنفذ اللي عاوزينه مني، ولو فيها موتي. هما لسه ما عرفوش مين هو آدم المنشاوي، حتى لو بيستعملوا رجالتهم، وحتى لو كانت مندسين وسطنا، هيفضلوا في الآخر خونه وقتلة، بس بطرق مشروعة، ومش أنا اللي أخاف من شوية جبناء."
***
تجلس بالمنزل وتذاكر دروسها لتجد ذاك الجرس يرن وصوت تعشقه يخترق مسامعها.
بينما والدها يرحب به، وكذلك ذاك الصوت الذي يخترق مسامعها.
انتفضت من مكانها لتكض تجاهه تتعلق بعنقه، بينما هو يربت على كتفها بصوت ضاحك وهو يقول بسعادة: "وحشتيني يا جنا، وحشتيني جوي، ووحشني جنانك."
ضحكت بسعادة وهي تقول برقة: "وإنت أكتر يا جدو، وحشتيني أكتر ما تتخيل، كنت بعد الأيام عشان أجيلكم."
ربت على كتفها بحب. ربما يظن الجميع بأنه يحبها لكونها أخذت اسم محبوبته، ولكنه يعشقها لكونها أخذت منها كل شيء، من تلك السيدة التي عشقها حد الجنون.
يعشقها لكونها هي جنا، خليط من الحب والمحبة، خليط من القوة والاتزان، خليط من الرقة والحنان والقوة والصمود.
فتاة رقيقة بقوة مائة رجل، ولكنها قوية، صامدة، هشة وناعمة.
حل يديها وهو ينظر تجاهها وهو يحيط وجهها بين يديه قائلاً: "كيفك يا جلب جدك؟ فيه حد مضايجك؟"
هزت رأسها ضاحكة وهي تقول: "لا يا جدو."
ارتفع حاجب عزيز ذهولاً وهو يقول: "إيه يابوي؟ هو أنا هضايق وحيدتي ولا إيه؟ وبعدين حتى لو هبقى أب وبيربي بنته."
نظر له عبد الحميد بقوة قائلاً: "لأ، كله إلا جنا."
"ياسلام؟ وأنا اللي جرجس لب وواقف أهه؟ كله إلا جنا والعشق."
صدح ذاك الصوت من الخلف من تلك التي تضع يديها بمنتصف خصرها ولم يلحظها أحد، بينما اتسعت ابتسامة شفاههم جميعًا.
رواية ملكة قلبي الفصل الخامس 5 - بقلم مريان بطرس
طرقي تقودني إليكِ، فما بالكِ تظهرين لي دائماً؟ ما بال روحي معكِ وأنتِ لا تشعرين بي؟
ركضت جنا تجاهها بسعادة، بينما تتراقص البسمة على وجهها وهي تصرخ بحب:
"نهلة، إزيك؟ وحشتيني!"
احتضنتها نهلة بحب زائد وهي تقول:
"وإنتي أكتر يا جنا، والله وحشتيني جوي يا بت عمي."
هي نهلة علوان العربي، ابنة عمة، في الفرقة الثالثة من كلية الآداب قسم الترجمة، تحلم بأن تكون من أكبر المترجمين، سواء في شركات ترجمة أو ترجمة كتب، ولن تستطيع ذلك إلا إذا عاشت بالقاهرة. ولكن بعد جد واجتهاد وزن لمدة ثلاث سنوات، قبل جدها على أن تعيش بالقاهرة على شرط أن يكون ذلك في بيت عمها.
ابتسم الجد على الحب الواضح من حفيدتيه، وكذلك الجد عزيز، لينظر عبد الحميد تجاه ولده قائلاً:
"وإنت أخبارك إيه يا ولدي؟"
ربت عبد الحميد على ساق والده مجيباً إياه:
"بخير يا بوي، إنت إللي كيفك وكيف أحوالك وكيف أهلنا كلياتهم؟"
أجابه عبد الحميد:
"بخير يا ولدي."
ثم أكمل بعد أن نظر يميناً ويساراً:
"أخبار جنا إيه؟ أقصد مع العريس إياه، أبو الولد عمال يسألني وأنا مش عارف أرد عليه، أجيبه إيه؟ الولد كويس ومهندس ويعيش هنا في مصر، بس المهم رأيك إنت وهي."
أجلى عزيز حنجرته قائلاً:
"معلش يا بوي، بس هي مش موافقة."
رفع عبد الحميد أنظاره قائلاً:
"إيه السبب يا ولدي؟"
تنحنح عزيز قائلاً:
"يعني هي مش عارفاه وكده، وبعدين لسة عندها امتحانات السنة دي وترتيب مستقبلها الأول، وبعدين إنت عارف مش بسهولة الأجر شغل، فلازم تضمن شغل قبل الجواز، لأنها مش صامتة إذا كان هيوافق يخليها تشتغل ولا لأ."
أومأ عبد الحميد برأسه قائلاً:
"ماشي يا ولدي، كلام معقول. نبذلها، خليها وبلاش تضغط عليها."
أومأ عزيز برأسه وهو يقول:
"أمرك يا بوي."
في تلك الأثناء، وعلى الجانب الآخر، كانت تقفز فرحة بغرفة جنا وهي تقول:
"وفضلت أزن أزن وجدي يجولي اسكتي لمدة تلات سنين أزن وهو صرخ بيا، لكن أنا جولتله أنا رايحة بيت عمي مش مكان غريب، وأخيراً وافق بعد طول انتظار."
نظرت لها جنا بابتسامة لحماسها الزائد ذاك، عيناها التي تمتلئ بالفرحة، فأصبحت باللون الفصل اللامع وأصبحت تشبه القمر، تلك الفتاة بارعة الجمال، ولكنها أعقبت عليها قائلة برقة:
"بالمناسبة يا نهلة، إنتي هتتكلمي كده في الكلية؟ يعني صعيدي؟ هو براحتك طبعاً، بس كل الموضوع إن لهجتك هتبقى شوية ملفتة للانتباه."
ابتسمت نهلة لها قائلة باللهجة القاهرية:
"لهجة إيه وطريقة إيه يا جنا؟ مش فاهمة؟ هو أنا فيا حاجة غريبة؟ ما أنا طبيعية أهه."
ثم رفعت حاجبها بمشاكسة قائلة:
"بيتهيألي إنتي اللي لهجتك محتاجة شوية تغيير."
ثم تتابعت بحاجبيها الشقاوة، مما جعل جنا تسقط من فرط ضحكاتها.
***
يغمض عينيه بغضب هائج، هو حد الجحيم. ارتمى على فراشه يفكر، ولم يدرك متى سحبه النوم ومتى استغرق فيه، إلى أن وجد نفسه على شاطئ البحر، واقف على الرمال والأمواج تضرب في قدميه العاريتين. أغمض عينيه يستنشق عبيره، ثم فتحهما ليجدها تقف أمامه بابتسامة.
أغمض عينيه بغضب وهو يتمتم بضيق:
"ما كنت ناقصاكي إنتي كمان."
ثم فتحهما لوحدها تنتظره بنفس الابتسامة الرقيقة التي يكاد يقسم أنها تستطيع سلب أعتى القلوب. حرك وجهه ينظر للبحر، لوحدها تضع يدها على كتفه ثم تشدقت بقلق:
"مالك؟"
"تعبان... تعبان وإنتي بتزيدي تعبي." قالها بإنهاك وتعب.
لتجيبه برقة متسائلة بقلق:
"ليه؟ فيه إيه؟"
ضرب كفاً بآخر وقد فقد آخر ذرات تعقله ليقول:
"لأن الدنيا تعباني، حياتي مش سهلة ومتعبة، وعندي مشاكل ملهاش حد في الحقيقة، ولما آجي أنام عشان أرتاح، ملاقيش فيها راحة، ألاقيكي نطتالي في حلمي، ولا عفريتة إسماعيل ياسين؟ لا عارف عنك ولا أي حاجة، تظهرلي، ولا عفريت العلبة، وآخر مرة قال إيه؟"
ثم يقلد طريقتها:
"أنا هتجوز!"
"كنت ناقص أنا جنان! لا عارف عنك ولا محتاجة، ومش عارف إنتي عاوزة مني إيه؟ عاوزة تعرفي مني راحة البال ليه؟ كنت عملتلك إيه؟"
ثم التف حول نفسه وهو يشد خصلاته للخلف صارخاً بغضب:
"أنا حاسس إني أنا بقيت مجنون أو هتجنن، مش مشكلة، كله بيوصل لنفس المنطقة."
ثم التفت لها ليجدها تناظره بتعجب، بينما صرخ هو بها:
"إنتي عاوزة مني إيه؟ لا إنتوا كلكم عاوزين مني إيه؟ أنا إللي بيحصل معايا شئ من درب الخيال، لو حكيته لحد هيقول عليا مجنون، حتى فارس بصلي بقصة دكتور لواحد مجنون، حرام، حرام!"
صمت وبدأ يلهث من انفعالاته وهو ينظر أرضاً، يفاجئ بها تضحك. كانت تضحك ضحكة... رائعة، ضحكة ناعمة، معزوفة موسيقية. دقق النظر بها، لأول مرة يراها. نعم، هي فتاة في بداية العشرينات من عمرها، بشرتها لم يمسها الشمس بيضاء بطريقة لا توصف، شعرها طويل يصب لمنتصف خصرها أسود داكن كسواد الليل، يتخلله خصلات بنية داكنة، تحولها من أعلى بقلعة بجر تضع يدها عليها لئلا تطير، وتدعو عيناها نظارة شمسية تحجب رؤية لونهما ورسمتنم، ولكنه يقسم أنها تغمض عيناها أثناء ضحكتها، يشعر هو بذلك. أسنانها بيضاء كالؤلؤ، منى إيه ومستقيمة بالخط، هي تحفة فنية. لم يفق من تأملها سوى على طرقعة أصابعها وهي تقول برقة:
"إيه؟ عجبتك؟ حلوة؟"
أجابه دون انتباه أو تركيز:
"جداً، حاسس إني لما شفتك عمري ماشفت بنات في حياتي."
رفعت يديها بهدوء، ليتنحنح مبعداً نظره عنها، بينما هي قالت:
"مش مهم أنا مين، حتى أما سألتكش إنت مين، بس ممكن أكون صديقة، أقرب صديقة ليك، مش هتتعب لما تحكي معايا، إحنا في حلم بس هيكون وسيلة للاسترخاء، لأني معرفتش ولا إنت ولا حتى هنتقابل، زي ما حكيت قبل كده ليك على إللي مضايقني."
ثم نظرت جهته باهتمام قائلة:
"مالك؟"
أطلق زفيراً حاراً، ثم بدأ يقص عليها ما حدث، لتجيبه بهدوء:
"وإنت إيه إللي قالقك؟ كان على إنهم يأذوك؟ مش هيقدرو لأنهم محتاجينك، وأكيد عارفين إنت مين، وإن كان على إنهم يأذوا حد قريب منك، ف إنت تحط حراسة، مش فاضل غير شركاتك ومصانعك، ودي بقى فتح عينك كويس، لأنهم ماداموا عرضوا عليك حاجة زي دي يبقى أكيد ليهم عينين وسطكم، ف خلي بالك."
أومأ برأسه، بينما سألها بهدوء:
"وإنتي متوترة ليه؟"
إجابته بقلق وكأنها قد تذكرت الأمر للتو:
"عندي فترة تدريب جاري وعليها درجات، مش عارفة أعمل إيه، خايفة، ما إنك مش كل واحد هيروح مكان ومعاه الدكاترة بتاعته، وهما تشوفوه هيعرف يعمل على أرض الواقع ولا لأ، لأن الموضوع هيكون على أرض الواقع، خايفة جداً، أنا مش شاطرة غير في شغل المزارع، مش عارفة إيه إللي هيحصل."
نظر تجاه ذاك القلق المرسوم بحرفية على ملامح وجهها، وكم ود في تلك اللحظة أن ينزع تلك النظارة القاتمة عن عينيها ليراها، ولكنه بدلاً من ذلك حاول تهدئتها:
"طيب اهدى يا بنتي، اهدى، أكيد ربنا هيقف معاكي، وزي مانجحتي السنين اللي فاتت دي كلها هتنجحي السنة دي، وبعدين ده مجرد امتحان عملي عادي، وإنتي ليكي خبرة في المزرعة، يبقى أكيد هيبقى ليكي خبرة في الباقي، إنتي في المزرعة بتعرفي تتعاملي."
أجابته بهدوء:
"آه بعرف، لشخص المرض والعلاج المناسب، نادية سواء حقن أو غيره، ومن النظر أقدر أعرف مريض بإيه."
أومأ برأسه قائلاً:
"أهوه، إنتي عارفة كل حاجة، يبقى خلاص اهدى."
ثم سألها وقد تذكر الآن قائلاً:
"إنتي اسمك إيه؟ ظهرتيلي من زمان ومش عارف اسمك، أنا باسل، وإنتي؟"
ضحكت بصخب، بتقول بشقاوة، مذكرة إياه بكلماته التي قالها:
"عفريتة إسماعيل ياسين؟ ولا نقول باسل البحيري؟"
ثم اختفت عن أنظاره بعدها، ليضرب كفاً بكف، وقد أيقن الآن أنه هالك لا محالة.
***
تتحرك بسرعة للحضور، ولكنها تتوقف أثر سماعها لأحد الأصوات يهتف باسمها. توقفت تنظر تجاهه بتعجب، لتجده ذاك المعيد. نظرت تجاهه متسائلة برقة:
"نعم يا دكتور؟ كنت عاوز مني حاجة؟"
رفع حاجبه تجاهها بتعجب، ثم ابتسم بخفة ليقول:
"إزيك يا جنا؟ عاملة إيه؟"
ابتسمت هي بالمقابل ابتسامة دبلوماسية، لتجيبه قائلة:
"إزيك يا دكتور عز؟ حضرتك اللي عامل إيه؟"
"تمام... جنا، كنت سألتك على حاجة؟ فكرتي فيها؟"
وقفت تسترجع ذاكرتها، هل سألها على شيء يخص الدراسة؟ لا بالطبع لا، هي متأكدة، لذا أجابته برقة:
"حضرتك مسألتنيش في حاجة يا دكتور."
أغمض عينيه، بينما أصبحت ملامحه جامدة، لذا سألها مرة أخرى بغموض:
"متأكدة؟"
أومأت برأسها قائلة برقة:
"أكيد يا دكتور."
فتح عينيه غاضباً، ثم قال:
"جنا، أنا مش كنت طلبت إيدك للجواز وطلبت منك تفكري؟ حصل ولا لأ؟"
الآن بدأت قوتها تظهر حينما بدأ صوته يرتفع عليها، لذا قالت:
"أولاً يا دكتور، إحنا دلوقتي في مكان دراسة، يعني ماينفعش نتكلم في حاجة زي دي، لأن ده لا وقته ولا مكانه. ثانياً، ده مش الوقت المناسب إني أفكر في حاجة زي دي، لأن دي أوقات امتحانات، ف مش وقت جواز وخلفة وكلام فاضي من ده خالص. ثالثاً، لو حضرتك عاوز تكلمنا في حاجة زي دي، يبقى في بيت أهلي، مش في الجامعة. أخيراً بقى، أنا قولت لحضرتك قبل كده إن أنا مش موافقة على الجواز، مش لحضرتك، لكنى رافضة المبدأ أصلاً في العموم، لكن إذا كنت حضرتك مفهمتش، ابقى بتاعتك، لكن أنا مش هتجوز دلوقتي أصلاً، لا منك ولا من غيرك، وكل ما فهمت الموضوع أسرع كان أحسن. عن إذنك يا دكتور."
ثم تركته وسط صدمته ورحلت، جاعلة إياه يثبت مكانه. كيف ذلك؟ كيف تغيرت بتلك الطريقة؟ من تلك الرقيقة الهادئة إلى تلك القوية الصلبة التي لا يهمها أحد. حسناً يا جنا العربي، سنرى.
***
دخلت لتجلس بجوار صديقتها بتوتر. أسألها شيرين:
"مالك يا جنا؟ فيكي إيه؟"
أغمضت جنا عينيها ثم قالت:
"دكتور عز طلب إيدي تاني ورفضت، بس بأسلوب أقوى."
نظرت لها أميرة بتعجب قائلة:
"أقوى إزاي؟ إيه يعني؟"
نفت برأسها قائلة:
"لا طبعاً، بس بطريقة توضح إن الموضوع منتهي، يعني قولتله لا هتجوزك لا إنت ولا غيرك."
أومأت أميرة، بينما قال شيرين:
"ربنا يسترها وميحطكيش في دماغه، لأنك عارفاه إنه شراني."
"يارب."
معها جنا برقة وهي تقضم أظافرها بتوتر، بينما فتح الباب ليدخل عز، الذي حول أنظاره بين الطلبة منتظراً الهدوء، وعيناه تحوم في البحث عنها، إلى أن وجدها، لذا قال بقوة:
"هدوء يا شباب. دلوقتي ميعاد التقسيم، كل واحد يشوف اسمه جاي فين، الورق متعلق بره، وإلا ليه أي سؤال يسأل، هيبقى فيه جدول ليكم مكتوب فيه الأسماء والتاريخ. أنا هنده دلوقتي وإنتوا شوفوا التواريخ بره."
ثم بدأ بالأسماء إلى أن وصل إلى الأسماء المطلوبة، ف بدأ ينظر جهتهم بتشفٍ:
"شيرين نصر الله، وجنا عزيز العربي، وأخيراً حسين مصانع."
لتجعد شيرين كاتبيها ثم تسأله:
"يعني إيه يا دكتور؟"
أجفلها بابتسامة خبيثة:
"يعني هتروحي المصانع مع لجان تفتيش مصانع أغذية أو لحوم، وتشرفي على التغليف والتعبئة، وطبعاً تاخدي عيني للمعامل وتحلليها، لئلا تكون مسببة أمراض."
"نعم!!! كل ده؟" قالتها جنا بصدمة.
بينما قالت شيرين:
"ده شغل مختصين مش أي حد، يعني التحاليل دي بيبقى باثولوجي، وأكيد بكتريا ومزارع وما إلى ذلك، كل ده هحلله، غير إني أروح مصنع أشرف، ده إيه الهم ده؟"
أما أميرة فقد فقدت القدرة على الكلام، النظر جهتها، نظرات حارقة قادرة على أن هو ده بحياته.
أما هو فنظر تجاههم ليقول بقوة:
"ده إللي عندي وده آخره، كل واحد يشوف إللي وراه، فاهمين؟"
ضربت أميرة جبهتها وهي تسبه بداخله بأبشع الألفاظ. أما هو فخرج بعد أن تبتسم في وجههم ابتسامة خبيثة قائلاً:
"Enjoy."
أغمضت جنا عينيها وهي تقول بحزن:
"كله ده بيبقى علشان رفضته، ودلوقتي إنتوا كمان بتتعاقبوا معايا، عايز يعجزها أو يبعدكم عني، لأنه أكيد عارف إنكم عارفين كل حاجة وممكن تضغطوا عليا."
نظرت شيرين تجاهها لتقول بمزاح:
"أهدى يا عم الحاج، مين إللي قال كده؟ مستحيل حد يقدر يقولك حاجة زي دي، ده إن كنت وافقتي كنت هقولك دلوقتي ارفضيه، فاهمة؟ ده بني آدم محتاج عقل، بني آدم رأسه رأس تور."
ابتسمت جنا من وسط دموعها، بينما قالت أميرة بطريقة إجرامية:
"عارفين يا بنات، أنا نفسي في إيه؟"
نظروا تجاهها متسائلين بتعجب:
"إيه؟"
لتجيبهم بما لم يخطر ببالهم بطريقة السفاحين:
"نفسي أدبحه وأقطعه وأمسكه، هو هحلله وأشوفه هو إيه المرض أو الميكروب المتغلغل في جسمه إللي مخليه بالثقالة دي، مع إني متأكدة إنه مافيش ميكروب تقدر تعيش في جسمه، نظراً لرخامة أمه، ده الميكروب نفسه هيموت بسببه."
ضحكوا ثلاثتهم بعد ذلك الرد وهم لا يعلمون ماذا يخبئ لهم هذا الأمر.
***
جلس معهم بهدوء قائلاً:
"لازم نفتح عينينا كويس، الناس دي أكيد زراعة في وسطنا، ناس تنقل أخبارنا وتوقعات في السوق، لازم يكون عاملين ثغرات يوصلولنا من خلالها. من ناحية، لازم نتبع الوسيلتين، الأول، إننا نقفل الثغرات دي بأننا نضيف الخناق، إن ما كانش نقدر نمسكهم، يبقى على الأقل نخليهم مش قادرين، بوصلة معلومات مفهوم."
أومأ نبيل برأسه وهو يقول:
"تمام."
ثم أكمل هو قائلاً:
"تاني حاجة، أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم، ودي سيبونا عليا، لازم نخليهم مايسووش في البلد تلاته تعريفة، أوكي؟"
"أوكي."
قالها الجميع، بينما سألته ليليان بتعجب:
"ودي هتعملها إزاي؟"
إجابته ب لا مبالاة:
"مش مهم إزاي، لأنه مش مهم إن إيه هعملها."
بينما سأله فارس بتعجب:
"إنت منين قدرت تفكر كده؟ إنت على حسب ما سمعت إنت امبارح كنت هايج، منين قدرت تهدى؟"
نظر له توفيق ليقول:
"أنا نفسي كنت هسأل نفس السؤال، منين يا باسل؟"
ابتسم باسل ابتسامة عاشقة، لا يعلم متى عشق أو متى أصبح يحب، ولكن كل ما يدركه أن تلك الفتاة التي لا يعلم عنها أي شيء سوى أنها تظهر له من أن لآخر سرقت راحة باله، ولكنه أجاب:
"ربك لما بيريد بيبعت الحلول."
إن جئنا للصدق، فهو لم يصدقه باسل يتغير، ولكنه سيفهم كل شيء. والآن انقضى الاجتماع حينما هتف باسل بمزاح:
"يلا كل واحد من غير مطرود من مكتبي عشان عاوز أقعد مع نفسي، وإنتوا على مكاتبكم، وياويله ياسواد ليله إللي هلاقيه بيلعب، هسله وأقطعه وأحطه ضمن اللحوم المجمدة، وقد زعتر من بعتر، يلا."
هتف نبيل بمزاح:
"وعلى إيه أنا تنفد بجلطة وأشوف رزقي معايا يا ليليان، ولا عاوزة تتعلق على باب زويلة زي رسل المغول؟"
ضحكت وهي تركض خلفه وتقول:
"لا، وعلى إيه؟ الحي أبقى من الميت."
بينما ابتسم توفيق وخرج، ولم يبق في المكتب سواه.
حول باسل أنظاره تجاهه متسائلاً بتعجب:
"خير يا فارس؟ فيه حاجة؟"
وقف فارس وهو يمُط شفتيه قائلاً:
"لا مفيش، أنا إللي كنت هسألك نفس السؤال، فيه حاجة يا آدم؟"
نفى باسل برأسه قائلاً بمزاح:
"إذا كان كل إللي بيحصل ده وتقول فيه حاجة، ف لا مفيش غير كده، مفيش خالص، لا عصابة ولا غيره، حتى أنا بفكر أروح شرم يومين."
"باسل، لا مفيش، اهدى، كنت متوتر وهديت وفكرت بس مش أكتر."
أومأ فارس برأسه قائلاً:
"أوكي، تمام."
ثم سار بخطواته إلى أن توقف فجأة، وقد تذكر شيئاً ما، لذا قال بسرعة وهو ينظر جهته باستفسار:
"باسل، بخصوص البنت إللي كانت بتظهر لك، لسة بتظهر؟"
أومأ باسل برأسه قائلاً بحماس:
"آه، ووصفها معاد عنيها زي القمر، بيضا وشعرها أسود في بني وجسمها سبحان من صوره، ورقتها كذلك، ماهو هي إللي هدتني."
"نعم!!!؟" قالها فارس بصدمة.
بينما أكمل آدم بحماس غير منتبهاً بصدمة صديقه:
"آه، ما أنا إللي حطيتها، وهي حكتلي إللي مضايقها وقلقها، عندها امتحان عملي بس على أرض الواقع وقلقانة."
"كل واحد بيحكي للتاني."
"عارف يا فارس، عندي إحساس قوي إن البنت دي حقيقة، وهشوفها قريب، إمتى وفين مش عارف."
نظر له فارس بتعجب قائلاً:
"مش ممكن، مش معقول."
الآن انتبه لصدمة صديقه ليقول:
"فيه إيه يا فارس؟ مالك؟"
لتجيبه فارس بتوتر:
"ممكن ده يكون تواصل أرواح قبل حتى اللقاء؟ دي لو حصلت هتبقى حالة نادرة بتحصل واحد في المليون."
نظر له فارس بتعجب ليقول:
"مش فاهم حاجة."
"هفهمك، بس لازم الأول تفهمني، أوكي؟"
أومأ باسل برأسه، حينما فتح الباب ودخل نبيل يقول:
"سمعت آخر خبر في لجان تفتيش فايتة على المصانع، وفيه لجنة هتجيلنا بكرة. عرفت الموضوع النهاردة دلوقتي."
أومأ آدم برأسه وقد انقلب من حال إلى حال، ليقول:
"احتمال تكون شكوى لو حاجة علشان يوقعوا فتحة عندكم لحد يجعلنا حاجة، فاهمين؟"
أجابه نبيل:
"فاهمين."
لينظر أمامه قائلاً:
"استرها يا رب."
***
تجلس على العشاء، تتناوله بهدوء متوتر، حينما سألها والدها وقد لاحظ ذلك التوتر البادي عليها قائلاً:
"أخبار امتحان العملي إيه يا جنا؟ طلع اسمك في إيه؟"
إجابته بتوتر بعض الشيء:
"طلع اسمي في تفتيش عن المصانع وتحليل عينات."
كاذب من قال إنه لا يستطيع رؤية الخوف في عينيها، فهو واضح للعيان، ويتهمون جميعاً سببه. جنا تعشق عملها، تحبه، تخشى تهدم حياتها العملية قبل أن تبدأ، وبالأخص أن هذه هي آخر سنة. لذا ربتت وفاء على كتفها قائلة:
"متقلقيش يا قلب ماما، كل حاجة هتبقى تمام، وخاصة في ده اللي تختفي منه ما يجيش أسهل منه."
أومأت هي برأسها، بينما قالت نهلة بمزاح:
"وبعدين إذا جنا هانم العربي، جميلة الجميلات وسيدة البنات، خافت، مين اللي هيكون شجاع؟ أنا ده إن كدة آخد ديلي في سناني وأجري."
ضحكت جنا على مزحتها، بينما سألها عزيز قائلاً:
"وفين طلع اسمك على شركة إيه؟"
إجابته بهدوء وهي تضع قطعة من الطعام في فمها:
"مجموعة البحيري للأغذية المحفوظة والمجمدة."
رواية ملكة قلبي الفصل السادس 6 - بقلم مريان بطرس
حبك يحرق أحشائي، يجعلنا أشبه بالمجانين. هل سأصبح مثل قيس مجنون ليلى؟ أم سأموت كـ روميو من أجل عشق جولييت؟ أجيبيني من فضلك.
عقد ما بين حاجبيه، يحاول تذكر أية معلومة عن تلك الشركة أو المصانع قد يفيد بها وحيدته، إلى أن تذكر قائلاً:
"آه، دي واحدة من أكتر الشركات المعروفة في المجال ده، إن ماكنتش الأشهر على الإطلاق. ناس كتير بتفضلها، وعلى حسب معرفتي واللي وصلني إنها شركة نزيهة بس."
ثم صمت لبرهة ليحصل على انتباهها كاملاً، إلى أن نظر له الجميع بفضول ليكمل بهدوء بعد أن حصل على ما يريد:
"أنتي مش رايحة هناك لشهرة، أنتي رايحة لشغل، مش مجرد تدريب أو امتحان. اعتبريه جزء من شغلك."
ثم رفع سبابته قائلاً:
"وفي الشغل مافيش هزار ولا دلع. لازم تحبي شغلك، تديله علشان تلاقي فيه السعادة. أنتي مش دكتورة بشرى بس، أنتي بتمنعي بالطريقة دي تيجي أمراض للناس. علشان كده أنتي أرواح كتير بين إيديكي، لازم تحافظي عليها. فهمتي؟ هتلاقي سعادة في اللي بتعمليه، غير كمان ربنا هيعوضك عن تعبك وتحققي نجاح واسم وشهرة. وعشان كده لازم..."
ثم صمت ينظر أمامه بهدوء، بينما عيونهم تتابعه جميعاً، إلى أن أكمل وهو ينظر جهتها بقوة:
"متخافيش. الخوف هو العدو الأول والأكبر للإنسان. فلازم ما تخافيش، لا من مخلوق ولا من شيء. أنتي ما اتربتيش في الصعيد، بس أكيد عندك جينات الصعايدة. ما تخافيش من مخلوق على وش الأرض. اعملي الصح حتى لو كان على حساب رقبتك أو على حساب حياتك. فاهمة؟ مافيش قوة مهما كانت تخليكي تعملي حاجة مش مقتنعة بيها أو ضد مبادئك. ولازم تكوني واثقة من نفسك ومن قدراتك، لأن بنت عزيز العربي ما بتخافش. جايز ماكونش جبت ولاد، بس لازم تكون قوتك الداخلية تساوي مية راجل. فاهمة؟"
أومأت برأسها، وقد اندفع داخلها من كلمات والدها قوة كبيرة وغريبة، قوة للعمل. وأصبح اليوم الذي تخشاه منذ دقائق، أصبح في انتظاره على أحر من الجمر. فهو كما وصفه والدها، هو أول خطوة لحياتها العملية، وقد بدأتها بشكل أو ب آخر بقوة، بأن تبدأ تدريبها بتفتيش على أكبر شركة في ذاك المجال بمصر.
***
وقف بمنتصف مكتبه يفكر: هل تلك مصادفة أم هو أمر مدبر؟ بعد رفضه مباشرة تأتي تلك اللجنة. أأدبروا له مكيدة أم ماذا؟ بينما تقف هي خلفه خائفة، وهي تجده يتحرك بشروط، ربما غير مدرك من الأساس لوجودها. لتسأله برعب:
"تفتكر فيه إيه يا باسل؟ إيه اللي يخليهم بييجوا مرة واحدة، وبالذات في وقت زي ده؟"
تحدث بشرود:
"مش عارف، بس ممكن يكون عادي. وبعدين هو ممكن تكون مصادفة مش أكتر."
ثم التفت جهتها ليقول بقوة:
"وبعدين إحنا نخاف من إيه؟ إحنا مش بنعمل حاجة غلط، إحنا بنراعي ربنا في كل حاجة بنعملها. يبقى أكيد لازم منخافش من حاجة. اللي معاه ربنا ما يخافش."
عقبت على كلامه قائلة:
"معاك حق يا باسل، بس لو طلع فيه حاجة هنا، هتبقى وقعة الشركة كبيرة. كل ما كانت الشركة أكبر، كل ما كانت وقعتها أكبر، والإشاعات حواليها بتنتشر أسرع."
أومأ برأسه بابتسامة قائلاً برقة:
"ما تخافيش يا لي لي، هتعدي على خير."
أردفت بدعاء رقيق:
"يارب."
ابتسم لها أروع ابتسامة. كم يعشق تلك الفتاة، هي عشرة عمره وصداقته. دائماً بجانبه في أحلك أوقاته قبل أفضلها. كم تهون عليه حياته من تعب، بتلك الرقة وتلك الابتسامة تتحمله في أسوأ مزاجاته قبل أفضلها. دائماً ابتسامتها الرقيقة ورقتها المهلكة سند له. لم تلومه أبداً حتى حينما يضايقها بغضب، لا تتحدث، فقط تبتسم. صديقة طفولته ومراهقته وشبابه. على الرغم من ترك والدها البلاد للعمل بالخارج، أصبحت تأتي وتساعده بالعمل لعشقها لعائلته ولهم جميعاً. كم أغتاظ والدها من حبها لهم. ربما والدها قاسي الطباع بعض الشيء، ولكنها أخذت رقة والدتها وحنانها. تلك الطفولية لم يجدها بمكان حتى الآن. تخشى عليه من الجميع، وبالطبع نبيل وفارس. ولكنه يعلم بأنه الأقرب لها، كما هي أيضاً تعتبرها كأخته، تلك الطفلة المدللة. بينما هي عندما وجدته يتأمل بها بتلك الابتسامة الشاردة، سألته مستفسرة بابتسامة خجولة:
"إيه؟ بتبصلي كده ليه؟"
اتسعت ابتسامته ثم توقف قائلاً بشرود:
"ليليان."
"نعم."
أجابته برقة ليجيب بخجل من فعلته:
"أنا آسف على اليوم اللي زعقت فيه عليكي، بس..."
قاطعته بابتسامة لتقول برقة مرحة:
"تعرف تنسى؟ انسى يا باسل، أنا مستحيل أزعل منك أبداً وأنت عارف. فانسى. وبعدين أنا مقدرة اللي أنت كنت فيه."
أومأ برأسه قائلاً:
"ماشي يا ستي، هنسى. حاجة تانية؟"
ابتسمت لتقول بمزاح:
"هو ده باسل اللي أنا أعرفه، الفرفوش أبو ضحكة جنان."
وكالعادة استطاعت تلك المعتوهة سلب الضحكة من شفتيه. ليقول:
"بحبك يا ليليان، بحبك يا أعز صديقة وأخت."
ابتسمت لتقول بمرح:
"صديقة، ماشي. لكن أخت، لا. كفاية عليك جميلة."
ثم أكملت بمزاح:
"وبعدين تقطّع عليا ليه؟ مش يمكن نتجوز وتحبني بطريقة تانية؟ ليه تقفل الباب في وشي؟"
ضحك للمرة الثانية ليطردها من مكتبه وهو يضرب كتفها للخارج:
"اطلعي يا ليليان، مش ناقص جنان. اطلعي."
لتجيبه بترجٍّ مازح:
"استنى بس، يمكن تحبني."
لم يستطع إيقاف ضحكاته وهو يقول:
"بره يلا، الرقم ده مشغول بحد تاني."
لتجيبه بمزاح:
"يا عيني عليا وأنا اللي كنت حاطة أمل. يلا، أنا مش وحشة بردة ومليون يتمنوني بشعري الأشقر وعيوني البندقي دي. وبعدين أنا أبيض من القشطة."
تحدث بجدية:
"ليليان، بره."
"حسناً، لقد تحول لذا." هربت قائلة بمرح:
"مين أنا... أنا ماكنتش هنا أصلاً. سلام."
وخرجت مغلقة الباب خلفها، بينما ضرب كفاً بآخر وهو يضحك على تلك الطفلة.
***
في صباح اليوم التالي، يقفوا معاً. اقتربت منهم بتلك الابتسامة لتقول:
"صباح الخير."
ارتفع حاجب كلاهما وهي تبتسم. ما بالها تلك؟ وكأنها تتبدل بين ليلة وضحاها. لتسألها شيرين:
"بنت يا جنا، أنتي كويسة؟ مش سخنة؟"
"يعني..." أجابتها بذات الابتسامة:
"آه، ليه؟"
لتسألها أميرة وهي تجحظ عيناها وهي تضرب باطن يدها بظهر الأخرى:
"أمال إيه الابتسامة دي اللي من الودن للودن دي؟"
ابتسمت أكثر قائلة:
"علشان إحنا كده أول يوم لينا في الشغل اللي بجد. وبعدين ما سمعتيش إن الابتسامة دي بتخفف التوتر؟ وبعدين الخوف مش هيعمل حاجة غير إنه يخلينا نفشل."
ثم تحدثت بقوة وجدية وعيناها تتحدى الجميع:
"وبعدين هو عمل كل ده علشان يخلينا نسقط؟ يبقى إحنا لازم ننجح ونتحداه ونعلمه إنه يبطل يحس إنه ليه السلطة على الناس كلها. وبدام الراجل عاوز حاجة يعملها غصب عن الكل، إذا كان عاوز يتحدى يبقى حد على قده، مش جنا العربي."
حسناً، ظهرت جنا العربي بقوتها بخلاف تلك الهالة من البراءة والرقة المحيطة بها. ابتسموا لها قائلين:
"خلاص يا ستي، نشوف مين قدها."
بينما قالت أميرة بمرح:
"عارفة يا جنا، أنا نفسي أقطّع له لسانه علشان يبطل يدي أوامر."
أجابتها شيرين بذات المرح:
"يبقى قطعي إيده بالمرة علشان ما يكتبش أوامره."
ضحكوا جميعاً، ولكن قطع ضحكاتهم صوته وهو يقول:
"ده مين ده اللي عاوزين تقطعوه كده؟"
التفت الفتيات بفزع، بينما كرر هو سؤالهم:
"مين ده اللي عاوزين تعملوا فيه كده؟"
إجابته جنا بتحدي:
"مافيش يا دكتور، ده واحد والسلام. ممكن تكون شخصية في مسلسل وممكن تكون حقيقة، بس ما ينفعش أبداً إنك تقف تسمع كلام بنات. مش ذوق أبداً."
صرخ بها قائلاً:
"أنا الدكتور بتاعتكم واستاذكم."
وجابته هي بتحدي وعيناها تتحداه أن يستطيع فعل شيء:
"بس مش سلطتك أبداً إنك تسمعنا بنتكلم على إيه. دي أمور خاصة بالبنات، وإحنا حالياً خارج المدرج، يبقى من حقنا نتكلم براحتنا."
ثم نظرت بعيناها الساحرة داخل بؤبؤي عينيه بتحدي:
"أمورنا الخاصة بتفضل خاصة بينا، ومتخصش مين ما كان يكون، مش كده يا دكتور؟"
حسناً، أمام تلك القوة وذاك التحدي، ما عليه سوى الانسحاب. ليبعد عينيه عن تلك الساحرة التي تُسقط القلوب في عشقها، من ذاك الجمال الأخاذ. وهو يتمنى أن يفقئ تلك العينان الساحرة التي يعشق النظر إليهما، لمرأى تلك القوة وذلك التحدي. ليقول:
"طيب، يلا امشوا نروح نشوف شغلنا."
لتبتسم الفتيات من خلفه وعم يكتمون ضحكاتهم بأنهم استطاعوا أن يجعلوه يصمت دون القدرة على الحديث بذاك التحدي، وهم بداخلهم يرفعون القبعة ل... جنا العربي.
***
وصل نبيل لـ باسل ليقول له:
"وصلت اللجنة يا آدم."
أومأ باسل برأسه متحركاً، وهو يدعو أن تمر الليلة بسلام دون أدنى خسائر. ثم بعد أن تحرك بضعة خطوات، سأل نبيل:
"أمال فين ليليان؟"
نظر له نبيل متحدثاً بجدية:
"سبقتك على هناك."
أومأ برأسه ثم قال:
"وفارس؟"
عقد نبيل ما بين حاجبيه ليتساءل:
"وفارس ماله ومال الموضوع ده؟!!!"
تحدث باسل بجدية أكبر:
"فارس فين يا نبيل؟"
رد عليه نبيل بتعجب:
"فارس في شغله يا باسل، يعني دكتور نفسي هيعمل إيه هنا؟ لا هو شريك ولا ليه علاقة بالموضوع."
كان كلام باسل قوياً حينما رد:
"اتصل بيه وخليه ييجي، علشان عاوزه."
نظر له نبيل بتعجب ثم تساءل:
"عاوزه في إيه يا باسل؟"
"لأ." بدأ يظهر بوادر غضبه، لذا أمسك هاتفه طالباً رقم صديقه. إلى أن رد فارس:
"أيوه يا نبيل، خير؟ كل حاجة تمام؟ الموضوع عدى؟"
تنهد نبيل ثم قال:
"مش عارف يا فارس، بس باسل طالبك تيجي."
زوى نبيل ما بين حاجبيه ثم تساءل بتعجب:
"ليه فيه إيه؟"
"مط شفتيه بجهل، وكأنه يراه. ثم قال:
"معرفش، ومعنديش علم. كل اللي أعرفه إنه قال لي اتصل بـ فارس وخليه ييجي."
عدل فارس وضعية عويناته وهو يقول:
"طيب، ادهوني خليني أفهم فيه إيه."
أومأ نبيل برأسه وهو يعطيه الهاتف ليتساءل بتعجب:
"فيه إيه يا باسل؟ حصل حاجة؟"
يبدو أنه أصاب الجميع بتوتر، لذا تدبر أمر ابتسامة مزيفة وهو يقول:
"هو لازم يكون فيه حاجة علشان أشوف صاحبي؟"
ابتسم فارس قائلاً:
"بس أنت قلقت صاحبك. وبعدين من عنيا، أنا عندي شوية شغل أخلصهم وأجيلك على طول، تمام؟"
أومأ برأسه ثم قال:
"أوكي، مستنيك. باي."
***
يقف ثلاثتهم بهدوء أمامه متوقعين حديثهم. أجرى حنجرته محاولاً الكلام ليقول بقوة:
"كل واحدة فيكم هتبتدي شغلها مع نفسها تحت إشرافنا. مش عاوز صوت."
ثم جاء ليكمل، قاطعه ذلك الأستاذ الآخر وهو يقول بقوة خارجة من حنجرته تلك القوية كالبوق، متناسبة مع جسده الضخم الذي يسير رعباً في الأبدان:
"اعتبروه ده امتحان، لأنه فعلاً امتحان... مفيش واحدة تتكلم مع التانية. كل واحدة في عيناتها اللي هتاخدوها بعد ما نمشي على المعمل وهتشتغلوا في تحليلها، مش عاوز كلمة إلا الكلام التوضيحي من الموظفين أو مننا. مفهوم كـ دكاترة بيطريين، المفروض تكونوا محل ثقة."
ازدرو فريقهم بتوتر وهم يجيبون:
"مفهوم."
لما يشعرون الآن بأنهم أحد المجندين بالجيش أمام قائدهم. حولوا أنظارهم تجاه عز، ولكنهم وجدوه صامتاً أمام هيبة ذلك الرجل. كم طرأ في بال جنا بذلك الوقت أن تخرج له لسانها كأحد الأطفال، فهو يبدو أقل من ذلك الدكتور بالرتبة. بينما أكمل الآخر بقوة مفزعة من صوته:
"هنستنى لما حد من المسؤولين ييجي وهنشتغل. مفهوم؟"
أومئوا برؤوسهم، وكم ودت شيرين بتلك اللحظة أن تقول له بهدوء منزعج:
"وطّي صوتك، خرمتلي طبلة ودني."
لحظات ووجدوا أحدهم يقول:
"آنسة ليليان جاية، وبعدين آدم باشا ونبيل بيه."
أومئوا برؤوسهم لينظروا ليجدوا تلك الفتاة القادمة. شعرها الأشقر متطاير من حولها كهالة من الرقة والقوة. عنقها الطويل وأنفه مرتفع بشموخ كفرس عربي أصيل، تسير بقوة وارستقراطية فطرية. عيناها بندقية تحوي من الرقة كما تحمل القوة والذكاء الفطري. لم تعلم جنا لما، ولكن عيناها أخافتها قليلاً. ترتدي ثياباً على أحدث صيحة وتدق الأرض في سيرها بذاك الكعب الأنثوي العالي الرفيع الذي تستعجب له الفتيات قبل الرجال، كيف تستطيع أن تسير بذاك الكعب بهذا التوازن.
ابتسمت بهدوء وهي تقول برقة:
"هاي، أنا ليليان."
ابتسم لها عز ابتسامة واسعة جعلت الفتيات يرفعون حواجبهم باستهجان متعجب. يبدو أنه من النوع الذي إذا رأى أية فتاة جميلة ينسى أن كان بحياته أخرى. بينما قالت جنا داخلها:
"مرحباً، وها قد ظهرت أخرى جديدة بالمجموعة."
أما هو فقال بابتسامة واسعة:
"هاي، أنا دكتور عز، دكتور بيطري في جامعة القاهرة."
أومأت برأسها وهي تقول لكي تقطع حديثه:
"مفهوم، مفهوم."
كتموا ضحكاتهم، يبدو أنها وجدته أيضاً سمج. بينما غمزت لهم بالخفاء ونظرت تجاه الآخر ليجيب بقوة جافية:
"إحنا ما عندناش وقت، ولا البنات. ممكن نبتدى شغلنا لو سمحتي."
أومأت برأسها وهي تقول:
"اتفضلوا."
تحرك الفتيات يتبعه هذان الرجلان بعيون بالصقور تتبعها. وفي نفس الوقت يتابعون العمل واحتياطات النظافة والأمان من العدوى وما إلى ذلك. تحت أسئلة الفتيات أثناء جمع العينات العشوائية للموظفين عن تاريخ الصلاحية، احتياطات الأمان، كيفية التخزين. وقد كانت على الرحب بأن يجيبوا. أثبتت مهارة بعينهم التي كالصقور وتدويناتهم للملاحظات بدفاترهم. كل هذا تحت ملاحظات ليليان. وأثناء العمل وجدوا ذاك الذي يأتي بصوته الهادئ قائلاً:
"آسف، اتأخرت عليكو."
لم تستدر أيه من الفتيات له، فليس هذا وقت ذاك الكلام. بينما قال لـ ليان بعتاب:
"إزاي ما ضيفتيش الضيوف يا ليليان؟"
ابتسمت وهي تقول:
"رفضوا يا بوس."
نظر جهتها بقوة ليقول:
"إزاي رفضوا يعني؟ هو إحنا بخلاء؟"
قاطعته ذاك الدكتور قائلاً:
"إحنا مش جايين نتضايف يا أستاذ."
ابتسم باسل ليقول:
"دكتور... اااجاد؟ الدكتور جاد؟"
ابتسم باسل قائلاً:
"حتى لو... هيفضل واجب الضيافة واجب محدش يقدر يرفضه. بعيداً عن أي حاجة، كوباية الشاي مش مشكلة."
تحدث نبيل قائلاً:
"ما أظنش إنك هتكسر طلب لـ باسل بيه البحيري."
حسناً، كل فتاة منهم تستطيع السيطرة على نفسها بالكاد حتى لا تنظر إلى باسل البحيري. ليجيبه جاد قائلاً بعد أن شعر بحسن نواياه:
"طيب، مافيش مانع من كوباية شاي بس."
ابتسم باسل بهدوء، بينما قال:
"ليليان، شوفي البنات هيشربوا إيه."
أومأت برأسها متحركة لتسأل كلا منهم، إلى أن وصلت لـ جنا، التي جعلتها تتجمد أنظارها داخل عيناها وهي تضيق عيناها. حسناً، فهي تعلم أنها تتساءل إذا كانت مصرية أم لا. عيناها الغريبة، بشرتها البيضاء، وشعرها المتداخل يجعلها تتساءل. ولكن ملامحها على الرغم من ذلك، فهي شرقية هادئة. تعلم أن عيناها مصدر تعجب للجميع، فهي تحوي اللونين الأزرق والأخضر دون تداخل. أي أنها تحتوي من الداخل على اللون الأخضر، ومن الخارج دائرتها محددة بالأزرق الداكن كالبحر من بعيد. تظن أنها خضراء، وهي في حالتها الهادئة بالذات تكون خضراء ناصعة. ولكن من يعرفها يعلم أنها عندما تغضب تصبح زرقاء كالبحر الهائج. هذه هي. ولكن تلك الفتاة التي أمامها، على الرغم من رقة ملامحها وهدوئها ورقتها، وعلى الرغم من كل شيء بها وجمال عيناها، لما تشعر بانقباض منها حقاً. لا تعلم. سألتها ليليان قائلة بابتسامة رائقة:
"تشربي إيه؟"
ابتسمت لتقول:
"شاي لو ممكن، لو مش هيتعبك."
ابتسمت الأخرى، فقد تأكدت من كونها مصرية. لذا تحركت للذهاب.
***
بعد نصف ساعة من العمل، كان جاد قد هتف بصوت جهوري مفزع:
"خلصتوا يا بنات؟ انتهى الوقت."
ثم تحرك هو لجلب عينات عشوائية للتحليل الحقيقي وصرخ:
"الوقت خلص."
تنهدت الفتيات ينظرون جهة بعضهم بابتسامة مقتربين من بعضهم.
في ذاك الوقت، كان باسل يقف يتحدث مع ليليان بابتسامة، وكذلك عز. فرفع أنظاره ليجدها قادمة. صدمة أصيبت كامل جسده وجعلت عقله واقف عن التفكير. الدم أصبح يضخ في كامل جسده بقوة، حتى شعر بأنه على شعرة من انفجاره. هي؟؟؟ نعم هي، إنها هي. تلك التي تسرق منه أحلامه، تقف أمامه الآن بكل قوة. لا ترتدي نظارات ولا بالليل ولا أي شيء. تتحرك بابتسامة فاتنة قادرة على سلب القلوب. حرك رأسه بكل جهة، ثم أرجعها بعد أن أغمض عينيه على أمل أن تزول صورتها من أمامه، ولكنها مازالت تقف. هل هو يحلم أم أصيب بهلوسة؟ قرص ذراعه بقوة مما جعله يصرخ متأوهاً بالألم، مما لفت انتباه ليليان. لذا سألته بتعجب:
"باسل، مالك؟ فيك إيه؟"
أجفلها وعيناه مازالت عليها:
"ليليان، إحنا في حلم ولا حقيقة؟"
نظرت جهته ليليان بتعجب:
"باسل، فيك إيه؟ مالك؟"
صرخ بها هذه المرة مما لفت الانتباه لتقول:
"اهدأ يا باسل، حقيقة. فيه إيه؟"
ليقول بشرود:
"حقيقة، ماشي."
ثم وجدته على حين غرة يتحرك صوب الفتيات، بينما تصرخ خلفه عله يتوقف، ولكنه لم يتوقف أبداً. وأثناء ركضه، ضرب ساقه في إحدى الآلات دون انتباه منه، فصرخ متأوهاً، مما جعل الفتيات يرفعون رؤوسهم وقد لفت انتباه كامل المصنع، لتنظر له الفتيات بهيام حينما وقف أمامهم. بينما صرخ هو بتلك قائلاً بغضب هادر:
"أنتي حلم ولا حقيقة؟ قوليلى، عاوزة مني إيه؟ عاوزة تجننيني؟!! ولا عاوزة تموتيني؟!! ردي عليا، أرجوكي."
ثم خفتت نبرته وهو يقول بنبرة مترجية متعبة:
"أرجوكي."
صمت حل على الجميع، بينما رفعت هي عيناها الساحرة له و....
رواية ملكة قلبي الفصل السابع 7 - بقلم مريان بطرس
قطبت جبينها بتعجب. ماذا يحدث؟ وماذا يقول؟ رفعت أنظارها له لتتوه به. كان شابًا طويلًا، عريض المنكبين، شعره كريش الغراب، أسود متفحم، وخصلاته ناعمة قصيرة، ذو بشرة حنطية، وأنفه مرتفع بشموخ. عيناه سوداء فحمية، تحتوي من الحنان ما يعادلها من التيه، وكأنه تائه. ينظر جهتها باستنجاد، كغريق يبحث عن منقذ، أو كغريب يبحث عن بيت. بينما هو كان تائه بها، تائه بتلك العيون الساحرة.
آفاق على حركة وجهها بتعجب، وهي تشير إلى نفسها بتعجب، وهي تقول:
"انت بتكلمني أنا؟"
أومأ برأسه وهو يقول باستنجاد ورجاء، وعيناه تائهة أكثر:
"آه بكلمك. حرام عليكي. بتعملي فيا كده ليه؟ كنت عملتلك إيه؟ حرام عليكي، حرام."
قطبت جبينها وهي تقول بحيرة أكبر، وقد بدأ يرتفع صوتها بضيق:
"وأنا كنت عملتلك إيه؟"
صرخ بها بضيق مما لفت انتباه الجميع له:
"يا بنتي مش عارفة عملتي إيه. هو الحرامي مش عارف اللي سرقه؟ ولا القاتل يعني مش عارف اللي قتله؟ إزاي بعد كل اللي عملتيه تسأليني السؤال ده؟ بعد ما سرقتي راحة بالي والنوم من عيني، جاية تقوليلي هو أنا عملتلك إيه يا شيخة؟ حرام عليكي. ده أنا بسببك مش عارف الليل من النهار. مش عارف أنا نايم ولا صاحي. حتى اللحظة دي مش عارف إذا كانت حلم ولا حقيقة. إنتي عايزة مني إيه؟ قوللي أنا مش فاهم. إنتي عايزة مني إيه؟ حرام عليكي."
صرخت به وقد بدأت تفقد أعصابها وتخلت عن هدوئها:
"إنت عبيط يا ولا ولا إيه؟ ما تقول كلام يتفهم، وبلاش كلام الألغاز ده. حرامي إيه وقاتل إيه؟ ليه حد قالك إني حرامية ولا مجرمة؟ وبعدين مش مخلياك تنام إيه وبتاع إيه؟ هو أنا شفتك قبل كده يا جدع إنت... ده إيه الفتاوى اللي بتتحدف علينا دي؟"
صرخ بها قائلاً:
"بنتي إنتي، هو مش إنتي بتظهريلي في الأحلام كل يوم والتاني، وكأنه بيتك اللي عايشة فيه؟ وقت ما تحبي تيجي، ووقت ما تحبيش ما تجيش. وأنا مش عارف أطردك منه. تيجي تحكيلي اللي مضايقك، وفي الآخر لما أشوفك في الواقع تستنكريني؟"
ارتفع جانب شفتها بتهكم، ثم قالت باستهزاء:
"وإيه كمان؟ اتحفني باللي عندك. اتحفني. ماهو ناقصاك."
ثم بدأت تشيح بيديها وهي تهدر غاضبة:
"إنت مصدق اللي إنت بتقوله ده ولا لأ؟ لأن بصراحة كده كلامك ده ما يصدقوش عيل بيلعب في الشارع في التراب."
بدأ أصدقاؤها يهدئونها، بينما بدأ كلا من ليليان ونبيل يسحبونه وهم يقولون:
"تعالى يا باسل، عاوزينك."
صرخ بهم وهو ينفض يديه من بين أيديهم وهو يهدر:
"ابعدوا عني كده. أنا مش مجنون. أنا زهقت من لعبة القط والفأر دي، ولازم أفضيها."
ارتفع حاجباها ذهولًا، ثم سحبت الهواء بقوة داخل رئتيها علها تهدأ، حينما صرخ بها:
"إنتي بتقولي إنك متعرفينيش؟"
صرخت به بغضب، وقد استشاطت غضبًا من تلك البلوى التي سقطت فوق رأسها الآن، لذا هدرت به وهي تضرب رأسها بكفيها:
"يا أخي ارحمني. رفعتلي الضغط. هي بلاوي وتتحدف على الناس وهي واقفة ولا إيه؟"
هدر بها بضيق:
"إنتي متأكدة؟"
اتسعت عيناها بغضب، وقد تحولت عيناها لازرق داكن كأمواج البحر العاصفة، واختفى الأثر لخضارها، وصرخت به بجنون، وقد أحدتت نظراتها وارتفع صوتها:
"لأ، ده إنت واحد مجنون. ماهو يا حاجة من الاتنين، واحد مجنون ومحتاج مستشفى، يا أما عيل تافه وبيتنطط على البنات وفاكر نفسه بالأسلوب ده بيثبتهم. وفي الحالتين بقولك إنك تغور من وشي السعادة."
أهانته ليست بقليلة، وبالأخص لواحد بمكانته، وهو في وسط مصنعه وعماله، لذا هدر بها بصوت أجفلها ورعد أوصالها:
"اتعدلي في كلامك بدل ما أعدلك. فاهمة ولا أفهمك؟"
وعلى الرغم من خوفها الشديد منه، ولكنها ليست هي من يتهاون مع أحد مثله، لذا ضربت ساقيها بيديها بغضب وهي تدور حول نفسها، ثم رفعت رأسها لأعلى تدعو صارخة:
"ارحمنا يا رب."
ثم نظرت له بأمواج عيناها الداكنة وهي تصرخ به:
"اتلم إيه وبتاع إيه؟ إنت مش شايف نفسك بتقول إيه؟ ده كلام يتعقل ده؟ أحلام إيه وكوابيس إيه؟ مش فاهمة أنا. ده كلام واحد زيك يقوله وهو في مكانتك ومركزك؟"
ربت أصدقاؤها على كتفها وهم يحاولون تهدئتها، حينما قالت أميرة:
"اهدّي يا جنا، مش هينفع كده."
بينما همست شيرين وهي تسندها وتدفعها للأمام:
"يلا نمشي يا جنا، مش هينفع وقفتنا كده."
نظر لها جنا، وجدت بعينيها رجاء، فالجميع يتابع تلك المهزلة، ولن تخرج منها سوى بجلطة ثلاثية الأبعاد، لذا تحركت للذهاب، ومرت بجانبه للذهاب، حينما وجدت يده تمسكها كالكلاب، أو كقيد حديدي، ثم سرعان ما أرجعها في محل ما كانت تقف، وهو يصرخ:
"لما أكون بكلمك، ما تسيبينيش وتمشي، فاهمة؟"
فتحت فمها بذهول، بينما يقف الجميع يتابع الموقف بتعجب. ما هذا الذي يحدث؟ أي جنان هذا الذي أصاب مديرهم؟ أحلام ماذا وأوهام ماذا التي تجعله يفعل تلك المهزلة؟ بينما يقف كلا من جاد وعز فاغرين أفواههما. ماذا يحدث؟ وماذا يجب أن يفعلو؟ أصبح الأمر خارج عن السيطرة، وهذا الرجل ذو الهيبة أصبح كالمعتوه الآن، بينما تلك الرقيقة الهادئة قد فقدت أعصابها على الأخير. ولما لا، فهذا أمر يثير التحير والجنون.
أما باسل، فنظر لها، ثم اقترب منها خطوة، سائلًا إياها:
"إنتي بتقولي إنك ما تعرفينيش، صح؟ ولا عمرك شوفتيني، كذلك، صح؟"
نظرت له وهي تهدر بقوة:
"صح."
تحدث بهدوء مخيف:
"ما أنا أعرفك منين؟ هه. اسمك جنا، مش كده؟ وطالبة في كلية طب بيطري."
رفعت جانب شفتيها وهي تبتسم بتهكم، وهي تقول:
"مابهيئليش. جبت الديب من ديله؟ أصحابي عاملين يقولوا اهدّي يا جنا ومش عارف إيه، يا جنا، وكمان بهيئلي واضح من خلال كلامك مع الدكتور وإشراف اللحوم، أننا في طب بيطري. وكمان إنه يشبه امتحان، يبقى طلبة مش محتاجة."
نظر لها ليكمل بقوة:
"في آخر سنة كلية طب بيطري."
وقبل أن تجيبه، رفع يده يوقفها وهو يقول:
"من كام يوم كان جايلك عريس، وكنتي رافضة الموضوع، وكنتي بتبكي كمان علشان الموضوع ده. بتحبي مجال المزرعة وعلاج الحيوانات أكتر من الإشراف، علشان إنتي متدربة على الموضوع ده كويس، وهو علاج البهايم، وفاهمة في مجال علاجهم كويس. علشان كده لما عرفتي إنك جاية هنا، اترعبتي، صح ولا غلط؟"
اتسعت عيناها بصدمة وصرخت به:
"إنت بتراقبني؟"
نفى برأسه قائلاً بهدوء:
"أبدا. إنتي اللي قولتلي الكلام ده."
قطبت جبينها وهي تتساءل:
"وأنا قولتهولك إمتى؟"
ليجيبها ببساطة كادت تقتلها:
"في الحلم."
لتضرب ساقيها بغضب وهي تهدر:
"تاني تقول لي الحلم؟ يابني قول كلام يتعقل."
وعلى تلك الأصوات العالية، كان قد أتى هو يركض، وهو يسمع أصوات تلك الشجارات، ليجد صديقه يقف في مواجهة فتاة، ويبدو عليهم الغضب، وبالأخص الفتاة. نظراتها له قاتلة، بينما يقف خلفها فتاتان متأهبتان للجدال والقتال في أي لحظة. بينما يقف كلا من نبيل وليليان يحاولون إبعاده عنها. الوضع غير مطمئن أطلاقًا، لذا ركض بسرعة وهو يلهث صارخًا:
"إيه اللي بيحصل هنا؟"
وكأن باسل قد حصل على نسبة إنقاذ، ليصيح بكلمات غير مترابطة:
"فارس!! كويس إنك جيت. هي دي البت؟ هي دي بتاعة الأحلام؟"
تعسر على فارس فهم ما يقول، لذا قطب جبينه متسائلًا:
"بنت إيه وأحلام إيه يا باسل؟ مش فاهم؟"
صرخ به باسل، وقد بدا أنه بدأ يفقد أعصابه من الضغط عليها وهو يهدر:
"فارس ركز شوية. هي دي البنت اللي حكيتلك عنها، اللي بقولك بتجيني في أحلامي؟ حتى إنها جات من كام يوم لما هدتني ساعة المشكلة إياها."
فك عقدة جبينه وقد بدأ يفهم ما يقال، ولكن الفتاة وجد أنها قد فقدت أعصابها على الأخير، وهي تضرب على رأسها بيديها وهي تصرخ:
"تاني تقول لي حلم؟ يا جماعة حد يفوقه أو يعالجه، ده باين عليه مجنون. حرام عليكم."
كان باسل سيقترب منها، حينما أمسكه فارس وهو يصرخ به:
"باسل، سيبني أتصرف لو سمحت."
ظنت شيرين أنه سيتهجم على صديقتها، لذا وقفت أمامها وهي تصرخ:
"ابقى تعالى قرب منها كده، وانت هتشوف هعمل فيك إيه."
أغمض فارس عينيه، يبدو أن الأمر قد أصبح جلل، لذا صرخ بالموظفين:
"إنتوا واقفين بتعملوا إيه؟ هو إنتوا هتاخدوا مرتب على الفرجة؟ كل واحد على شغله يلا."
ليتحرك الجميع، بينما حول أنظاره تجاه الفتاة وأصدقائها، ليجد أن إحداهن تقف هادئة وتنظر لما يحدث بتيه، مع ابتسامة بلهاء، وكأنها تشاهد إحدى الأفلام. بينما الأخرى متأهبة للقتال. حرك رأسه للجانبين، يبدو أن صديقه قد جن على الأخير، لذا قال لها:
"ممكن تهدي شوية."
صرخت به شيرين:
"إنت مش شايف تصرفاته عاملة إزاي؟"
بينما قالت أميرة بابتسامة ممازحة غير مبالية كعادتها:
"دي حاجة ولا في الأحلام؟ هي دي الكاميرا الخفية ولا إيه؟ ده أنا حاسة إني وقعت في مستشفى المجانين. بقولكم إيه، مفيش هنا فشار ولا حاجة تسليني لحد ما تخلصوا؟"
صرخ الاثنان بها في وقت واحد:
"أميرة!"
تراجعت وهي تضحك وهي ترفع يديها لأعلى وتحركهم باستسلام:
"خلاص خلاص مش هفتح بوقي، سكت أهو."
أنزل عينيه أرضًا وهو يبتسم، فهو كما يقال: "هم يبكي وهم يضحك." آفاق على صوت تلك البلهاء وهي تقول مازحة:
"صاحبك بيقول إنها الحمد لله وصلت لأنها تروح له أحلامه وتحكي معاه. واضح يعني إن روابط الأحلام قوية، وهي ما شاء الله عليها بتودي الناس زيارات في أحلامهم ومقطعة السمكة وديلها. على الرغم من إنها مش بتعملها معايا ولا مع التانية دي."
"ظن إن فيه تليفونات، بس هي اختارت طريقة مبتكرة ومختلفة، والحمد لله."
ثم حولت أنظارها جهة جنا قائلة بضحك وهي تقول إنها ولا تعرفه، ودة واضح من نظراتها المجنونة وغضبها ده اللي إحنا عمرنا ما شفناه ده. ثم أضافت وصلة مزاحها بأخرى متهكمة:
"يا راجل، دي عينيها دلوقتي ولا البحر، وبياضها أحمر ولا الدم؟ بقيت عينيها متحولة لكتلة ألوان."
ثم ضحكت قائلة:
"تكونش هتتحول لزومبي؟"
حول الفتاتان نظرهما بغضب جهتها، بينما أكملت بجدية:
"بيهيألي إحنا محتاجين هنا دكتور أمراض نفسية وعقلية علشان نشوف مين اتجنن."
"فيت كلنا."
نظر لها ليقول:
"وأنا دكتور نفسي."
ابتسمت شيرين لتقول:
"يا فرج الله. من الواضح إنه مجنون من زمان، وليه دكتور."
نظر لها ليقول:
"بس هو مش مجنون."
ثم حول أنظاره جهة جنا وهو يكمل:
"بيهيألي إنه يعرف عنك حاجات كتير محدش يعرفها غيرك إنتي وناس قليلة. الموضوع وما فيه إنه ده ترابط روحي، فيه حاجة إلهية رابطة روحه بيكي."
نظرت له لتتساءل بتهكم:
"وليه مش حاصل عندي أنا كمان كده؟"
كاد أن يجيب لولا صوت جاد الذي صرخ:
"بيهيألي كده كفاية المهزلة دي. لسة اليوم طويل. نتحرك لأن الامتحان لسة ما خلصش. امشوا يا شباب بسرعة."
تحركوا هم، تاركين ذاك الذي يقف يغلي.
آرائكم وتفاعلاتكم.
تفتكروا باسل هيعمل إيه؟
فارس هيتصرف إزاي؟
لو إنتوا مكان جنا هتعملوا إيه؟
صدام من البداية بغباء باسل. فيا ترى هيقدر يصلح كل ده بعد ما أحرجها وأحرج نفسه قدام الناس؟
اللقاء الأول بينهم كان صدمة وغير مبشر بالخير أبداً. يا ترى إيه اللي هيحصل بعدين؟
توقعاتكم إنتوا بقى للأحداث.
أشوفكم على خير.
#ملكة_قلبي
#marianUAE
سحبه من يده يدخله إلى غرفة مكتبه، بينما يتبعه كلا من ليليان ونبيل بتعجب. دخل وأوصد الباب خلفه، ثم صرخ به بعدها:
"ممكن أعرف إيه سبب المهزلة دي، وإيه اللي حصل بالظبط لكل ده؟"
أخرجت عيناه شرراً، ثم صرخ به:
"مهزلة إيه اللي عايز تعرفها؟ وإنت أدرى حد بكل اللي بيجري معايا. بقولك هي... هي نفس البنت."
ربع يداه ينظر جهته باستنكار، ثم أكمل:
"وحتى لو هي؟ كان لازمتها إيه المهزلة اللي حصلت دي؟ إيه؟"
صرخ به مدافعاً وقد بدا أنه فقد أعصابه بالفعل:
"خرجت عن شعوري يا أخي. يعني لما ألاقيها قدامي كده، المفروض أعمل إيه؟ أقف؟ إنت مش دريان بيا؟ لأ، كلكم مش دريانين بيا. أنا تحت ضغط نفسي وعصبي من كل اللي بيجري معايا، ومرة واحدة ألاقيها كده. عايزني أعمل إيه؟"
صرخ به الآخر بضيق وهو يحل يديه ويشيح بهما:
"اديك أهو واجهتها. استفدت إيه؟ ولا أي حاجة غير إنك أحرجت نفسك وبقيت مهزلة قدام الموظفين بتوعك، وأحرجت البنت معاك. بدل ما تكون قربت منها خطوة، فإنت بعدت عنها مليون خطوة. بدل ما تفهم الموضوع بالعقل، اديك ضيعت كل حاجة. فاهم؟... ضيعت كل حاجة."
سقط على الكرسي خلفه وهو يرجع رأسه للخلف بإنهاك، لإرهاق جسدي بسبب قلة نومه وتفكيره بمشاعره، وإرهاق نفسي مما يحدث، ثم صرح بإنهاك:
"واضح."
"المفروض أعمل إيه يا فارس؟ أنا تعبت. أنا مش فاهم حاجة... مش فاهم إيه اللي بيجري معايا ده كله، وإشمعنى أنا؟ مش عارف بجد... توقعت إنها عندها إجابة لكل اللي بيجرالي، وكمان جايلالي هنا بقصد، وكأنها بتتحداني. فار الدم في عروقي، علشان أتفاجئ بعدها بأنها معندهاش علم بكل اللي بيجرى ده كله."
ثم رفع أنظاره جهته بتعجب متعب، ثم سأله بإنهاك واضح على جميع ملامحه، جعل الآخر يرق جهته وهو يسأل:
"مش المفروض اللي بيحصل يكون لينا إحنا الاتنين؟ مش المفروض إنها هي اللي بتجيني؟ يبقى الموضوع مشترك؟"
فتح فاهه ليجيب، حينما صرخ نبيل بهم:
"ممكن أفهم إيه اللي بيجري هنا؟ لأني مش فاهم بجد. حلم إيه وبنت إيه؟ وإيه علاقة البنت دي بيك؟"
تجاهلاه الاثنان، بينما أكمل فارس وكأن شيئاً لم يكن:
"لأ، مش المفروض يا باسل."
"بص، علشان تبقى على علم، الطب ما عندوش تفسير واضح للموضوع ده. يعني ممكن تكون شفتها إنت صدفة وسرقة انتباهك، وبعدها أهو بقت تتغلغل جواك. وممكن تكون من عند ربنا، نسبة إن ليك إنت الخطوة الأولى، أو... أو..."
"وزي ما بنشوف في الأفلام، واحد يعرف اللي هيجراله قبل ما يحصل. ما فيش شيء واحد دليل على اللي بيجري ليك، ولكن في النهاية بيجري، ولكن بنسبة قليلة، فاهمني؟"
تنهد بضيق، ثم رفع أنظار منهكة له سائلًا إياه:
"طيب، المفروض أعمل إيه دلوقتي؟"
عدل فارس وضعية عويناته الطبية على عيناه، وقد تحولت عيناه إلى الجدية وهو يقول:
"متزعلش ولا ترهق نفسك. سيبها على ربنا، وهو هيدبر الموضوع كله. هيبان مع الوقت. سيبها ماشية زي ما هي ماشية."
وقبل أن يفتح فاهه ليتساءل بأمر آخر، كانت تلك الصافرة من الإزعاج قد صدحت، وهو يصرخ بضيق:
"ممكن حد يفهمني هنا إيه اللي بيحصل؟ لأني فعلاً تعبت من كتر السؤال ومفيش إجابة. إيه حكاية البنت دي وآدم؟"
ارتفع حاجب فارس ذهولًا من ذاك الطفل، ألن يكبر أبدًا؟ ولكنه أجاب بهدوء دون أن يعلق:
"أظن الموضوع واضح جداً من خلال الكلام. بنت بتظهر ل باسل في أحلامه. لحد كده كان الموضوع عادي، لكن يكتشف النهارده إنها فعلاً حقيقة، وكل اللي يعرفه عنها حقيقة. ده اللي مكانش عادي، وده اللي سبب الهرج ده النهارده. عرفت."
زم نبيل شفتيه وقد تقارب حاجبيه مع ذلك الخط الرفيع بينهما، وهو يفكر، ثم أجاب أخيرًا:
"أظن إن الموضوع ده مر عليا قبل كده. مش كان آدم كلمنا عنها؟"
أومأ فارس برأسه وشكر الله بأن اليوم لا يحتاج لتفسير الموضوع بصورة أكبر لهذا المعتوه سليط اللسان، إلا أنه أبداً لن يصمت، وهو يقول بمزاح:
"يا حلاوة يا ولاد! وبقت فيه بنت تطلع لك في الحلم زي عفريتة إسماعيل ياسين يا باسل؟ بس تطلع مش عفريتة، دي حقيقة. لأ، والعفريتة متعرفش اللي معفرتاه."
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتي فارس، تبعها هز رأسه يمينًا ويسارًا وهو يعقب داخل عقله بأنه لا فائدة. بينما شرد باسل في تلك الكلمات إلى أمر قريب لذلك، كان قد قال لها تلك الكلمات في محادثة ما، يبدو أن كل طرقه تؤدي إليها، ولا يعلم ماذا سيحدث، ولكنه يتركها لتدبير القدر.
اندمج كلا منهم بأفكاره، ولم يلاحظ أحد تلك الصامتة الشاردة التي تقف معهم، وقد اكتسى وجهها الشحوب، وقد أعلن قلبها الرعب، وهي ترتعد من القادم. ماذا سيحدث بعد؟
دخلت المكان، وهي تجد ذاك الهرج والمرج. ماذا يحدث؟ تجولت بعينيها في المكان، لتلاحظ أشياء غريبة، نظرات تحتار لها من هنا ومن هناك، أعين متهمة، وأخرى متهكمة، وكأن هناك شيئًا قد حدث. شعورها بالمكان غير مريح بالمرة. قطبت جبينها وهي تحاول أن تفهم، ولكنها مدت شفتيها بجهل، وهي تتوقع أن تفهم كل شيء حينما تخطو إلى آدم.
تحركت تفتح الباب، ليزداد تعجبها أكثر وهي تضيق عيناها وتقطب جبينها بتعجب، متسائلة:
"الله! هو إنتوا كلكم هنا؟ غريبة يعني."
التفت فارس لها بابتسامة ناعمة، وقد زال عن وجهه كل أثر الضيق، وهو يقول بفرحة طرأت على وجهه:
"وغريبة ليه يعني؟ إيه اللي فيها؟"
نظرت جهته وهي تجيبه بخجل واحمرار وجنتيها دليل، بينما حاولت تجاهل ابتسامته الرقيقة ونبرة حبه، وهي تنظر أرضًا بخجل، فهي لم تتوقع تواجده هنا.
"يعني يمكن علشان إنتوا عندكم شغل وكده، ف لازم تكون في مكاتبكم."
ثم رفعت رأسها له قائلة وكأنها وجدت الحجة القوية لها:
"وبعدين إنت مش عندك شغل المفروض دلوقتي، وكل واحد من دول برضه وراه شغل. فيه إيه؟"
سحب باسل الهواء داخل صدره ولم يتحدث، مما جعلها تقطب جبينها بقلق، متسائلة بخوف وهي تقترب تجاهه، جالسة أمامه القرفصاء:
"مالك يا باسل؟ فيك إيه؟ وإيه اللي مضايقك؟"
ابتسم مربتًا على وجنتها بحنانه المعهود، ثم تحدث بهدوء محاولًا بث الطمأنينة في قلبها، هاتفًا بابتسامة حانية:
"ما تخفيش يا جميلة، أنا كويس. متقلقيش."
وعلى الرغم من تلك النار المستعرة بداخله من الغيرة، إلى أنه حاول دمجها ببعض المرح وهو يقول:
"ماله يعني باسل؟ ماهو كويس قدامك أهو."
نفت برأسها وهي ما تزال على نفس جلستها وعيناها القلقة مسلطة عليه:
"لأ، بس فيه مشكلة، وباين أوي كمان. باسل مرهق وتعبان، عامل زي اللي تايه ومستني حد ينجده. فيه حاجة قلقاه أو تعباه. الأعمى هو اللي ما يقدرش يشوف ده."
ثم اقتربت منه تضع يدها على وجنته، وهي تتساءل بخوف غلف ملامحها الجميلة:
"مالك يا باسل... مالك يا ابن عمي؟"
نار تحترق في قلبه وتتلظى به. أكان يجب عليها أن تكون بهذا القرب منه؟ يعلم أنها تحبه كأخيها، بل وتعشقه، وبالأخص أن أخيها بالخارج دائمًا ولم يأخذ منها عاطفته، ويعلم أن باسل كذلك يعتبرها أخته وأكثر، ولكن لا يلومه أحد عن ذاك العشق الذي يتغلغل بداخله، أو عن احتراقه بناره. فتح فاهه ليتحدث، وقد خرجت نبرته حادة دون أن يقصد، وهو يقول:
"ماله آدم؟ ماهو كويس أهو."
ثم أمسكها بمرفقها يسحبها خلفه، وهو يقول:
"تعالى معايا، وأنا هفهمك."
احترقت وجنتاها من الخجل، وهو يسحبها بتلك الطريقة أمام الجميع، وبالأخص باسل، لذا تكلمت بكلمات معترضة، ولكن ماذا ستنفعها اعتراضاتها أمام رجل احترق بنار غيرته؟ لذا لم يأبه لحديثها، ووجهها للخارج دون اهتمام، تحت نظرات الجميع، منها المبتسمة، ومنها المتهكمة، وآخرهم الشاردة، فهم يعلمون كل شيء.
دخلت المنزل تغمغم بكلمات غير مفهومة، ولكنها شاردة حزينة، تبدو كفتاة أخرى ليست هي جنا ابنتهم، تلك الرقيقة الحالمة المملوءة بالحيوية والحياة، بل هي أخرى غاضبة، لأول مرة يرونها، ضائقة، عيناها تطلق شرارة أينما ذهبت. ماذا حدث لها؟ ليخرج ماردها هكذا؟ فهي رقيقة، دائمًا ما تراها بابتسامة ناعمة تعلو ملامحها الفاتنة. حول الجميع أنظارهم تجاهها بتعجب، وبالأخص حينما لم ترمي أي سلام، راكضة تجاه غرفتها.
نظر لها عزيز بتعجب، بينما تساءلت وفاء بتعجب:
"مالها دي؟"
نظر لها عزيز وهو يتكهن سبب ضيقها:
"الامتحان!!"
ثم نظر تجاه زوجته هاتفًا:
"وفاء، روحي شوفي مالها، باين بهدلت الامتحان وجاية متضايقة."
أومأت وفاء برأسها، فلم يخطر على بالها أي أمر آخر، بينما ركضت نهلة خلفها وهي تستأذن عمها لتعلم ما بها.
دخلت ليجدوها هائجة كالثور، تسب في شخص مبهم، وهي تلعن ذاك اليوم الذي قابلته به، وذاك الاختبار، وذاك المعيد السمج الآخر الذي يضايقها الآن بأسئلته الغبية، وكأنه والدها، وقد اقترب تمامًا بأنها ستصبح زوجته.
ارتفع حاجبا نهلة بعد تلك الكمية من الشتائم، ثم مالت رأسها على أذن زوجة عمها وهي تقول:
"الحقي يا طنط، بنتك اتجننت خالص."
بينما ارتفع حاجبا وفاء لأعلى بذهول، وهي تفتح فمها بصدمة. أين ذهب عقل ابنتها ذاك الذي كانت تحلف وتتباهى به؟ يبدو أنه مع الجامعة قد ذهب أدراج الريح. لذا اقتربت منها وهي تمسكها من مرفقها وتديرها نحوها، ثم تحدثت بحنانها المعهود مع ابتسامتها الهادئة، تلك الابتسامة التي قد ورثتها منها ابنتها بذات الرقة:
"مالك يا حبيبة ماما؟ إيه اللي مضايقك؟ إيه اللي حصل وخلاكي متضايقة أوي كده؟"
رفعت أنظارها ببطء تجاه والدتها، وهال وفاء منظر ابنتها، فهي تبدو بأنها على وشك البكاء، فعينيها تلتمع بها الدموع دون أن تجرؤ على هبوطها، ويبدو أنها تمنعهم من الهبوط بالقوة. شهقة خرجت من وفاء وهي تهمس بلوعة:
"جنا."
وكأن تلك الهمسة هي القشة التي قسمت ظهر البعير، لتشهق وتهبط دموعها دون أن تتوقف، وهي ترتمي في أحضان أمها.
اتسعت عينا وفاء وهي ترى فتاتها ومدللتها هكذا، فهي لم تبكي أبدًا مهما حدث، لذا تحكمت بنفسها ولم تتحدث، وتركتها تخرج مكنونات قلبها، وهي تربت على ظهرها وسحبتها تجلسها على الفراش، وهي لا تزال بين أحضانها، بينما شهقت نهلة وهي تراها بتلك الحالة.
نعم، فهي تحملت الكثير، فهي تشعر بأنه أهانها، أضاع كرامتها أمام أصدقائها وأساتذتها، عرى خصوصياتها. كيف؟ كيف يعلم أيضًا بأمر ذاك العريس؟ تشعر بذاك القهر. أهانها لما؟ فهي لا تعرفه، لا تستطيع وصف ما تشعر به، فهي لم تكن يومًا مما يستطيع وصف ما يشعر به، لا تشعر سوى بأنها أهينت إهانة بشعة، جعلتها تتحرج تنظر في وجه أي أحد، وبالأخص صديقاتها. تريد الهروب الآن. سبحان من جعلها تستطيع التركيز، للان، فهو جعلها عرضة للسؤال من ذاك وتلك، حتى ذاك السمج عز يسألها، بل يستجوبها عن حدود علاقاتها به، وما الذي كان يتحدث عنه، وكأن له سلطة على حياتها. كانت في ذلك الوقت تريد إخراج غضبها كاملاً عليه، ولكنها توقفت.
ربتت وفاء على ظهرها، بينما يدها الأخرى تسير على خصلات شعرها السوداء الناعمة، وهي تهمس لها:
"اهدّي يا حبيبة ماما. اهدّي يا حبيبتي. خلاص انسى، انسى اللي حصل. إنتي هنا معانا. اهدّي يا روح ماما."
أما نهلة، تحركت تجلس على إحدى الكراسي، وهي تنظر جهتها بقلق، وهي تنتظر أن تهدئها زوجة عمها، فهي ليست بارعة في المواساة، ولكن عيناها كانت تعصف بهما القلق عليها.
ظلت تربت على خصلاتها إلى أن هدأت، ورفعت أنظارها تجاه والدتها بأعين حمراء ووجه أحمر. ابتسمت لها وفاء ابتسامة حانية، وهي تخبئ ما بقلبها من خوف عليها، وهي تتساءل:
"هديتي؟"
أومأت برأسها، لذا سألتها الأخرى بهدوء:
"طيب، ممكن تحكي لماما على اللي حصل؟"
أنزلت أنظارها ليديها بحجرها، فكيف تشرح لوالدتها أمرًا كهذا؟ شعرت بيد والدتها الحانية وهي تسير على رأسها، وهي تقول بصوت لم يخلو من القلق:
"جنا حبيبتي، احكي لي اللي حصل. ما تقلقينيش عليكي. أنا هموت من الرعب عليكي."
ابتسمت لها ابتسامة رقيقة، وهي تقول:
"متقلقيش يا حبيبتي، أنا كويسة."
نفت برأسها قائلة بإصرار:
"لأ، عايزة أعرف مالك."
أغمضت عيناها، بينما تحثها والدتها على الحديث. نزلت دمعتان من عيونها، وهي تحكي لها ما حدث، وما حدث بعدها من تدخل سافر لذلك المعيد. وبعد أن انتهت، لم تكن هي متأهبة لذلك الإعصار الغاضب، التي صرخت بغضب:
"وبتعيطي يا عبيطة؟ ده أنا لو مكانك كنت قرقشته بأسناني ووريته مقامه وفرجت عليه مصنعه كله. إنتي مغلطيش علشان تعيطي أوي كده. وبعدين ده باين واحد مجنون وعقله ملحوس. والدكتور ده كنتوا عرفتيه مقامه. إنتي مش قلتي له مفيش جواز؟ يبقى يتدخل بتاع إيه؟ مش فاهمة. بطلي عبط. إنتي جنا العربي، يبقى لازم تقفي ورأسك مرفوعة، واللي يفكر يكلمك متسكتلوش. ده إنتي لو حد من البلد عرف والله ليقطعوه. أمال إنتي فاكرة إيه؟"
ابتسمت بهدوء، بينما فتحت وفاء فمها لتتحدث، ويا ترى إيه اللي هيحصل؟ وفاء هتقول إيه؟
فارس هيعمل إيه مع جميلة؟
ليليان إيه حكايتها؟
رواية ملكة قلبي الفصل الثامن 8 - بقلم مريان بطرس
نظرت جهتها وفاء لتربت على يدها بحنان ثم تحدثت قائلة بهدوء:
"ممكن تهدى يا جنا؟ وارد يكون فعلاً زي ما الدكتور بتاعه حكالك وقالك إنه ممكن يكون حلم بيكي. وارد وبيحصل، نشوف حد في حلم ويصدف يكون موجود في الحقيقة. ممكن بناءً على إنه شفناه بطريقة أو بأخرى، شفناه والموضوع عدى ومخنا مش فاكره، بس الموضوع اتخزن في العقل الباطن. العقل الباطن ده يا جنا عامل زي متاهة محدش يقدر يوصلها، محدش حتى عارف إذا كان بينام ولا لا، بس الأكيد لا، لأنه بينسج أحلام في غياب وعينا وممكن يسحب الإنسان من وعيه ومن دنيته وينسج له أوهام ويدخله في غيبوبة، لأن الإنسان والعقل بيصدق أوهامه لأنه جزء من جسمنا. ممكن يكون شافك وصورتك اتخزنت فيه، وللمصادفة إنه لما حلم بصورة الشخصية دي كانت عن الموضوع ده من باب الصدفة البحتة. وممكن يكون كان معدي عادي جداً وسمعك تكوني بتكلمي حد من أصحابك أو حاجة وهو مركز، بس عقله خزن. وممكن تخاطر أرواح زي ما الدكتور بتاعه قالك. موضوع العقل الباطن والأمور دي أبعد ما يكون عن قدرة الإنسان على تفسيرها، والطب وعلم النفس فشلوا في إنهم يقدروا يوصلوا لحل ليه."
كانت تتحدث بعقلانية كدكتورة جامعية في مجال علم النفس، ولكن جنا أجابتها بحزن:
"بس مهما كان، اللي عمله معايا مش صح، ده أحرجني يا ماما، أحرجني وقلل مني."
هزت وفاء رأسها بالنفي مجيبة بهدوء:
"إذا كان فعلاً زي ما بيقول كده وزي ما فسرنا، فهو ليه حق يتجنن. واحدة ظهرت في حلم يتفاجئ إنها موجودة في الواقع واقفة قدامه، حاجة تجنن صاحبها. زي واحد عايز يلمس شي يتأكد إذا كان حقيقي ولا لأ. هو ده بالظبط اللي عمله. لكن لما يتفاجئ زي ما بيقول إنك مش عارفة عنه حاجة، أكيد هيتجنن ويعمل اللي بيعمله ده، ورد فعله وقتها يبقى طبيعي."
نظرت لهم نهلة لتجيب بهدوء وعقلانية:
"بس ممكن يكون بيلعب وبيستعبط، وهو لا تخاطر ولا نيلة، ولا بتظهر في أي أحلام، وهو مراقبها وعارف عنها كل حاجة أو سمعها وهي بتتكلم وحب يكسب نقطة، فعمل اللعبة دي. وارد جداً والموضوع أكتر واقعية. بس برضه مننساش إنه قلل قيمته في مصنعه. وبعدين عايزة أقول حاجة، سواء ده صح أو غلط، انسى اللي حصل يا جنا، هو موقف وعدى. وياما هتعدي عليكي مواقف تستدعي التفكير أكتر من كده فيها وتحزني عليها. أنا شايفة إن ده مش أكتر من موقف مش مستاهل إنك تزعلي عليه، موقف حصل من واحد غريب في أحد. ننساه ونخليه يمر. المواقف اللي بتوجع اللي تكون من القريب وعملها بقصد، وإنتي لسه مبدئتيش حياتك العملية، يا ما هتقابلي ناس وهتتوجعي من ناس، وياما هتشوفي ناس عايزة تستغلك عشان توصل لحاجة معينة أو يبانوا قدامك طيبين، بس هما مش بيعملوا حاجة غير إنهم عايزين يوقعوكي وهما اللي بيبانوا إنهم أصحابك. انسى يا جنا الموضوع، لأنك يا ما هتشوفي."
تنهدت جنا بتعب لتجيبها بضيق وهي تكز على أسنانها:
"والدكتور الخايب ده."
ضحكت وفاء وهي تجيبها بمزاح:
"أهو ده الهطل كما يجب أن يكون."
اتسعت أعين الفتيات لتشاركوها الضحك لتكمل هي بمرح:
"نفضيله، اهو كلها كام شهر ويغور من وشك. عدى يا جنا."
تساءلت نهلة بنبرة شريرة:
"يعني متجبهوش من زمارة رقبته وتفرجي عليه الكلية كلها علشان يحرم يعمل كده تاني ويتدخل في اللي ميخصهوش."
اتسعت أعين وفاء لتتحرك إليها تقرصها من أذنها قائلة بحزم:
"والله ما حد عاوز يتجاب من زمارة رقبته غيرك. تقوليش ربينا بلطجي في العيلة. إنتي جاية منين يا بنتي؟ ده إنتي شيبتي الكل، خليتي أبوكي يمشي يكلم نفسه من عمايلك، وأمك كانت كل يوم يوصل صوت صراخها منك للجيران، والدور عليا أنا ولا إيه."
تأوهت بألم ثم أجابتها بضيق:
"خلاص يا طنط بالراحة، شيلي إيدك ودني اتقطعت. براحتكم. اياكش تبقوا ملطشة."
اتسعت عين وفاء وهي تضرب كفاً بأخرى ثم هتفت بضيق:
"ده شكلك هتشيبينا بدري وكل يوم والتاني توصلنا مشاكل منك. أد كده."
مطت شفتيها لتجيبها بشر:
"والله اللي هيحترمني هحترمه، واللي يبقى مؤدب معايا مغلطش فيه. لكن اللي هيستظرف مش هيطول غير الجزمة على وشه وفي نص الشارع."
"عيب!"
صرخ بها كلتاهما دفعة واحدة لتعود هي للخلف بابتسامة مصدومة مجيبة لهم:
"فيه إيه يا جماعة؟ انتوا هتموتوني ولا إيه؟"
تراجعت وفاء تمسح وجهها من تلك البلوة التي سقطت فوق رأسها والتي تجعل جميع من بالعائلة يكاد يجن لتصرخ متضرعة:
"الصبر من عندك يارب، الصبر."
***
كان يجلس داخل غرفته يتحرك بضيق. إذاً فهي لا تعرفه، لا تعلم من هو. كل تلك الأمور من نسج خياله؟ إذاً لماذا حينما واجهها أصبح كل الأمور حقيقة لا ترقى للشك؟ كل ما يعلمه عنها حقيقة، إذاً لماذا هي لا تعرفه؟ لا تعرف من هو؟ لا يستطيع الكذب، هي لا تعرفه بالفعل ولا تفتعل شيئاً. فهي حينما رأته لم يظهر على وجهها الصدمة، الجهل فقط. الجهل. حينما كانت تحدثه كانت عيناها تتابعه بتيه، سرعان ما تحول لغضب أعمى كان واضحاً بعينيها. عيناها، واه من عينيها! لم يرى بحياته عينان أجمل منها، بل هي الأجمل والأرق على الإطلاق. عيون غريبة جميلة لا تستطيع الملل من النظر إليهم وتتابع اختلافاتهم وتدرجاتهم مع كل فعل تقوم به. تحتاج إلى ألف قصيدة شعر لتكتب بهم. فقط لو كان بوقت آخر وفرصة أخرى لأخبرها كم هي جميلة بخصلاتها المتماوجة بين البني والأسود بتدرج بديع، عيناها الجميلة التي تختلط بهم الخضار مع الأزرق بجمال لا تستطيع الجزم أي اللونين منهم يجذبك أكثر، حينما تكون هادئة باللون الأخضر، أم حينما تكون غاضبة متوهجة بالأزرق. يالله! هي غريبة جميلة. ولكن لا يستطيع الكذب، هي تجهله. غضبها كان حقيقة، إحراجها حقيقة، وهي تتلفت إلى الجميع بإحراج بينما تتوهج وجنتيها بالاحمر الوردي وكأنها تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها. عيناها التي كانت تترقرق بها الدموع من الحرج والغضب، كل شيء يوضح بأنها كانت مصدومة مما يحدث. كيف؟ كيف كان غبياً لتلك الدرجة ليتفادى كل تلك العلامات على وجهها ويركز فقط بغضبه؟ لو كان تحدث معها بهدوء فقط، بهدوء لكان الأمر مر مرور الكرام. لو كان تحدث معها من البداية بهدوء وروية، أفهمها ما يحدث وعرف إجابتها، ربما كان انتهى الوضع بطريقة مختلفة الآن، ولكنه أنهاه تماماً بطريقة مثيرة للسخرية. ابتسم بتهكم. وأي سخرية؟ لقد جعل من نفسه أضحوكة بين عماله في حين الجميع كان يناظره بصدمة. ياله من غبي أبله معتوه! حول أنظاره جهة الفراش ثم توقف ينظر جهته بشرود وتفكير. ترى إذا نام الآن هل سيحلم بها مجدداً؟ أم أنها قد غضبت ولن تزوره مجدداً؟ قضم شفته السفلى بتفكير. ياله من مدمن! ضحك بهدوء على تلك الفكرة. نعم، أصبح مدمن رؤيتها والحديث معها، وكأنه ينتظر الجرعة التي سيأخذها منها. قطع سلسلة أفكاره دق على باب الغرفة ليحول أنظاره جهته هاتفا بـ:
"ادخل."
أطل عليه توفيق هاتفا بهدوء:
"ينفع أدخل يا باسل؟"
أومأ باسل برأسه مجيبا بهدوء:
"أكيد، اتفضل."
تقدم توفيق يرمقه بنظراته ثم جلس على ذاك المقعد وتساءل بهدوء:
"عملت إيه في موضوع الشركة دي؟"
حط باسل بجسده على الفراش جالساً ثم أجابه بهدوء بعد أن نحى قلقه جانباً:
"أبداً، كل رفضت ووصيت المحامي بتاعنا يتابع أمورهم. بحاول أمسك عليهم أي حاجة بحيث يبعدوا عن طريقي، ولو حصل وبعتولي أي تهديد هوديه للنائب العام، وهما أكيد عارفين من طريقة رفضي إني مش سهل."
أومأ توفيق برأسه ثم قال بهدوء:
"بس لازم تكون عارف إن الموضوع ممكن مـينتهيش بالسهولة دي."
أومأ باسل برأسه وهو يجيبه بهدوء:
"عامل حسابي، متقلقش."
ليومئ توفيق برأسه ثم أطرق بها أرضاً. ضيق الآخر عينيه:
"ها قد جئنا لمربط الفرس."
ولم يستمر الصمت طويلاً حينما رفع توفيق عيناه وهو يقول بهدوء:
"بقولك إيه يا باسل، خدلك إجازة يومين، روح غير جو واتفسح مع أصحابك وابعد عن جو الشركة والمصنع ده، لأنك تحت ضغط نفسي كبير ومش هينفع كده. وسيبلي أنا موضوع الشركة دي وأنا هحلها."
"اشمعنى؟"
كانت جملة باسل في ظاهرها متسائلة، ولكنها واضحة بشدة أنها تدل على الاعتراض الشديد. ليجيبه توفيق بهدوء:
"إنت مخرجتش من زمان ولا اتفسحت من الشركة للمصنع ودوخة، غير كمان التفتيش اللي جه ده، وموضوع الشركة دي، حاجات كتير عاملالك ضغط نفسي. فالأفضل تاخدلك راحة يومين."
نفى باسل برأسه بتعنت وهو يجيبه بعناد:
"لأ، أنا مش ماشى من هنا غير لما أحل الموضوع ده. أنا مش صغير عشان أسيب الشغل وأمشى."
نظر له توفيق ليجيبه بصبر بدافع عمره الطويل وشيبته التي طغت على شعيرات رأسه:
"أنا هحل الموضوع، متقلقش. الشركة دي أنا اللي عملتها وزي ما حميتها سنين هحميها دلوقتي. الشيبة دي مش من فراغ." ثم أكمل بمرح: "وبعدين نعتبر إن أنا برجع للملعب من جديد، لأنني تعبت من القعدة على دكة الاحتياطي."
"في ذلك الوقت صرخ توفيق وقد خرج عن طور هدوئه: "لا! إيه؟ هااه؟ هو إنت كل حاجة عندك عند؟ إيه؟ إنت مش شايف نفسك بقيت شايط أغلب الوقت وبتضغط على أعصابك ومش طايق حد؟ دايماً سرحان وبتفكر. إيه؟ مش واخد بالك باللي بتعمله؟ وأنا أقول سيبه، اهو شاب وقلقان على شغله، هيهدى ويعقل. بس إنت كل ما ده عمال تتنرفز أكتر وتايه أكتر وبتضغط على أعصابك أكتر. وآخرة المتمة ألاقي إيه؟ هااه؟ ألاقي مصيبة حاصلة في مصنع اللحوم وتوصلي من العمال، لما أسأل. فرجت علينا الناس والموظفين والعمال. لا، إنت يا باسل إنت اللي ممنوع من مروّح الشغل لحد ما تهدى، وأعصابك تهدى. موضوع الشركة دي أنا اللي هحلها، ومروّح المصنع أو الشركة مفيش لحد ما تهدى. يا تكلم فارس وتخليه يهديك ويشوفلك حل، يا تسافر وتغير جو. لكن أنا مش هسمحلك تفضل تضغط على أعصابك لحد ما يجرالك حاجة، فاهم؟"
برق باسل بنظراته بغضب لينهره توفيق بغضب:
"بصلي كويس واتعدل."
نظر باسل أرضاً بضيق ليقول توفيق بصرامة:
"ما سمعتش ردك."
زم باسل شفتيه بضيق ليجيبه بغضب مكبوت:
"ودى فيها رأي؟ أنا مش أخدت الفرمان من حضرتك إني ممنوع أعتبر الشركة أو المصانع؟ هيبقى رأيي إيه في النهاية؟ ده ملكي وأنا ممنوع من دخوله."
نظر له توفيق ليجيبه بضيق:
"فكر فيها زي ما تفكر."
ثم تركه ورحل من الغرفة بغضب مغلقاً الباب خلفه بقوة اهتزت لها أركان المنزل كافة، في حين تنهد باسل ثم تحرك جهة الخزانة ضارباً بابها بكفه بغضب. ظل يتنفس بغضب أعمى وعيناه تحترق بشرر غاضب إلى أن تحرك يلقي بثقل جسده على الفراش ينظر إلى سقف الغرفة بشرود ولا يعلم متى سحبه سلطان النوم داخل دوامته.
"بس بس."
التفت لينظر بعينيه يميناً ويساراً يبحث عن الصوت ليجدها تقف بعيداً عنه تشير إليه بابتسامة. تحرك جهتها بغضب ثم صرخ بها:
"إنتي بت، إنتي عايزة إيه مني؟"
هزت كتفيها تجيبه بابتسامة:
"جيت أشوفك وأطمن عليك."
ضرب ساقيه بغضب ليصرخ بها:
"هو أنا ناقص جنان؟ عايزة إيه مني؟"
هزت كتفيها لتجيبه بهدوء:
"ما قولتلك مش عايزة حاجة، عايزة أشوفك."
ابتسم بسخرية ليجيبها بضيق:
"عايزة تشوفيني ليه إن شاء الله؟ هاه؟ مش كفاية المصيبة اللي عملتيها ولا عايزة تكمليها فوق دماغي وتطّربق على نافوخي؟ عارفة أنا كان منظري إيه قدامك الموظفين النهاردة؟"
فُجِئ بإجابته بمرح ليصرخ بها بغضب أعمى:
"إنتي عايزة تجننيني؟ عايزة إيه؟" ثم رفع إصبعه يقول بتحذير:
"كلمة واحدة ومش عايز أعيدها، تغوري من وشي ومش عايز أشوف وشك تاني، وإلا."
"والا إيه؟"
"والا إيه؟" أجابته بابتسامة مازحة:
"الشريط سف." قالتها بضحك ثم أكملت نيابة عنه: "إيه؟ والا مش هتنام تاني؟ والا هتموتني في الحقيقة؟"
مطت شفتيها لتجيبه بهدوء:
"إنت لسه مفهمتش، حتى لو موتتني مش هختفي. أنا في حلمك من نسج خيالك، وكل ما هتفكر فيا أكتر هظهرلك أكتر." ثم أكملت بابتسامة مازحة: "أما بالنسبة للمصيبة اللي حصلت زي ما بتقول، فـ أنا مليش دعوة، إنت اللي عملتها مش أنا، يبقى تجيب الحق عليا ليه؟"
أغمض عينيه يحاول كبت رياح غضبه العاتية ثم فتحها ليجيبها بضيق:
"بصي، أنا مبقتش حمل للعب. أنا كفاية عليا اللي بيجرى فيا وكفاية عليا مشاكلي، مش ناقص مشاكل تاني. أنا فيا اللي مكفيني."
ابتسمت لتجيبه بهدوء:
"أنا قولتلك مليش دعوة، ومتحسبنيش كجزء من مشاكلك. أنا مش أكتر من حد بيظهر في حلمك، حلم زي أي حلم. إنت بس اللي مكبر الموضوع." ثم أكملت بهدوء: "سواء كان تخاطر أرواح أو نسج حلم من العقل الباطن أو أو، فـ ده بالنهاية حلم. متديلوش أكتر من حقه، فترة راحة للجسم انتهت وبعدها ارجع للواقع بتاعك."
ثم تحركت للذهاب ليصرخ بها:
"رايحة فين؟"
التفت تنظر له هاتفة بابتسامة:
"قوم من النوم يا باسل، كفاية نوم لحد كده."
ثم تحركت للذهاب حينما سمع صوت يهتف بضيق:
"قوم يا باسل، قوم يا باسل، قوم. كفاية نوم لحد كدة."
فتح باسل عينيه ليجد وجه أمه يناظره بهدوء وضيق. أجابها بنبرة ناعسة:
"إيه؟ فيه إيه؟"
أجابته بضيق:
"إيه؟ ساعة على ما تقوم. نبيل بره وعاوز يتكلم معاك."
مسح وجهه بكفيه يمحو أثر النعاس ليجيبها بنبرة ثقيلة:
"طيب ما يدخل يعني إيه الجديدة؟ هو أول مرة يدخل أو حتى يصحيني؟ إيه الأدب اللي نزل عليه فجأة ده؟"
نظرت له بضيق لتجيبه بملل:
"أنه مش لوحده بره."
رفع أنظاره له بعيون ثقيلة تحاول نفض أثر النعاس وهو يجيبه بنبرة ثقيلة متسائلة:
"ليه؟ مين تاني بره؟"
"ليليان بره معاه."
زوى مابين حاجبيه متسائلاً بتعجب:
"ليليان؟ ليه؟ فيه إيه؟ وإيه اللي جابها؟ ما إحنا كنا مع بعض النهاردة كله، إيه اللي حصل وإيه اللي جد؟"
مطت شفتيها مجيبة إياه بجهل:
"معرفش. اطلع وشوفهم عايزين إيه."
أومأ برأسه ثم أجابها بهدوء:
"تمام، هغسل وشي وأفوق كده وأخرج لهم."
أومأت برأسها مجيبة إياه وهي تخرج من الغرفة:
"تمام، بس متتأخرش عليهم عشان عيب."
"طيب."
قالها بهدوء وهو يدخل حمامه. حسناً، هو ليس بجاهل تماماً عن الأسباب، وبالأخص لذاك المتطفل. فهم على الأغلب قد جاءوا إليه ليطمئنوا عليه بعد ذلك العرض المسرحي الذي قدمه اليوم. ابتسم بسخرية على حاله. من كان يظن أنه هو من يحدث معه هذا؟ فهو باسل البحيري بكل مكانته، من ترتعد من اسمه مئات الموظفين والعمال. يحدث معه هذا؟ يا لسخرية القدر. ذهب للمرحاض ليغسل وجهه، لعله ينفض عنه آثار نعاسه الباقية وهندم خصلات شعره، ثم وقف يتطلع إلى وجهه في المرآة وهو يستند على حافة المغسلة. ماذا يحدث معه إذا؟ لطالما كانت حياته هادئة بعيدة عن أية تعقيدات، فقط تتضمن عمله وأصدقائه وعائلته وليس بها شيء عجيب. إذاً ماذا حدث له؟ لماذا أصبحت حياته مختلفة على هذا النحو بين ليلة وضحاها؟ من جهة تلك المنظمة التي تسعى خلفه، ومن جهة أخرى ذلك الحلم وتلك الفتاة، ومن جهة ثالثة والده الذي أفصح إليه صراحة بأنه قد سحب منه صلاحياته في إدارة شركته وأنه لا يريده أن يديرها إلى حين. سحب الهواء داخل صدره لعله يهدئه من أفكاره الضائقة. فقد تحولت حياته الهادئة إلى أخرى مضطربة كأمواج البحر المتلاطمة. سحبه من دوامة أفكاره دق والدته على باب الحمام وهي تهتف به بضيق:
"باسل! باسل! إنت نمت جوة ولا إيه؟!"
"باسل!!"
هتف من الداخل وهو يجبر نفسه على الخروج من أفكاره المتلاحقة:
"أيوة يا ماما، خارج اهو."
ثم فتح باب المرحاض ليخرج حينما كزت على أسنانها هامسة بضيق:
"إيه؟ كله ده في الحمام؟ بتعمل إيه ده كله؟"
ارتفع حاجبه ليجيبها بنبرة عابثة وابتسامة متلاعبة تتلاعب بشفتيه:
"هكون بعمل إيه يعني في الحمام يا ماما؟ بلاقي بنات مثلاً؟ متخافيش مش مخبي جوة بنات، حتى ادخلي شوفي. ومش معايا تليفون عشان أكلم بنت جوة."
احمرت وجنتيها من الخجل لتقترب منه ليتراجع للخلف متظاهراً بالخوف ثم أجابها بتحذير ممازح:
"إيه؟ هتقربي تشميني مثلاً؟ لا أكون كنت بشرب سجاير ولا كولة. والله لو رفعتي الشبشب هكون ناطط من البلكونة. أنا نضيف فلة، متخافيش."
ارتفع حاجبها لتجيبه باستهجان:
"نضيف فلة؟ ليه كنت قميص في الغسيل؟" ثم أكملت مستدركة: "وبعدين تنط فين يا مجنون يا ابن المجنونة؟ ده إنت لو نطيت هلاقي روحك طالعة لفوق، مفيش كلام."
أجابها ضاحكاً:
"طيب كويس إنها هتكون طالعة لفوق مش نازلة لتحت، مادام إنتي متأكدة كده مني يبقى أنا مطمئن. أهم حاجة رضاكي يا قمر."
رافق جملته الأخيرة قرصها من خدودها لتبعد يديه بضيق ثم تزيحه للخارج صارخة به بضيق:
"طيب يالا برة، الناس مستنياك."
لف وجهه جهتها وهي تقف خلفه تزيحه من ظهره وهي بالكاد تصل إلى منتصف عنقه ليجيبها بمزاح:
"طيب متزوقيش طيب، عرفنا إن البيت بيتك."
صرخت به بحزم وهي تزيحه للخارج:
"برة بقولك، يالا اطلع يا قليل الأدب." ثم أردفت بجملتها الشهيرة التي طالما تضحكه: "آه يا آخرة تربيتك يا حنان، طلعتي فنيتي عمرك كله على ربطة فجل."
ضحك بشدة لدرجة رجوع رأسه للخلف وهو يسمعها. دائماً ما يتعمد مضايقتها لتخرج عن طور هدوئها وتتحفه بإحدى تلك الجمل التي تضحكه دائماً. أجابها من بين ضحكاتهما:
"ما يمشيش معاكي جرجير طيب؟"
"أخرس يا قليل الأدب."
أجابته بحسم بينما وجنتيها تحترق من الغيظ ليضحك عليها بشدة إلى أن جلس في الردهة أمام أصدقائه يضحك لدرجة إدمع عينيه. لتنظر جهته ليليان ثم جهة تلك السيدة الوقورة التي تحترق غيظاً لتقول بضيق:
"عملتلها إيه يا باسل؟"
ضحك باسل أكثر وهو يسترجع الموقف لتتمتم والدته بضيق:
"عيل رخيم بصحيح." ثم صرخت به بعلو صوتها: "والله يا باسل لأكون مربياك، وأما أشوف البنات اللي مخبيهم في الحمام دول هينفعوك إزاي."
جعد كلاهما حاجبيه ليهتف نبيل بدون فهم:
"بنات إيه دول اللي مخبيهم في الحمام؟"
ليضحك هو بصوت مكتوم لتتساءل ليليان بتعجب:
"هو الكلام على إيه؟ مش فاهمة."
هنا تعالى صوت ضحكاته أكثر لتهتف والدته من الخارج بغيظ:
"بس يا قليل الأدب يا بتاع الكولة."
نظرت له بابتسامة متعجبة وهي تتساءل:
"هو فيه إيه؟"
ضحك نبيل وهو يجيب بهدوء:
"أكيد ضايقتها كعادتك صح؟" كان تقريراً أكثر منه سؤالاً، ليتنهد ثم يتوقف عن الضحك ثم قال بهدوء متفادياً الحديث عن الأمر: "سيبكم. المهم، فيه إيه؟ كان فيه حاجة أو كنتم عايزين حاجة؟"
تنحنح نبيل مجلياً حنجرته ثم تساءل بهدوء محرج:
"أبداً، كنت جاي أسأل عليك عامل إيه دلوقتي."
ارتفع حاجبه ثم أجاب بنبرة ذات مغزى:
"أنا كويس، لسه ما اتجننتش الحمد لله. فيه حاجة تانية؟"
تنحنح يبعد وجهه بعيداً وقد احمر وجهه حرجا حينما هتفت ليليان فجأة دون مقدمات:
"باسل، هو إنت بجد زي ما قولت؟ يعني البنت دي بتظهرلك؟ يعني إنت مؤمن بالكلام ده؟ وبعدين إنت ناوي تعمل إيه؟ أكيد مش هتطاردها صح؟"
ارتفع حاجبيه بصدمة ليصرخ بغضب من حديثها الذي بلا طعم له:
"أطارد مين وأنيل إيه؟ ليه شايفني مجنون يا ليليان وتافه للدرجة دي ومورييش حاجة أعملها عشان أطارد بنت غريبة؟ هي دي فكرتك عني يا ليليان إني مهووس وأطارد بنات؟ أكيد لا طبعاً."
تنحت تبعد وجهها عنه لتتابع بإحراج وقد احمرت وجنتيها حتى أصبحت تشبه حبات الطماطم وقد غرقت في ملابس من خجلها وإحراجها منه وهي تجيب بتوضيح محرج:
"مش قصدي يا باسل، بس إنت اللي يشوفك وإنت بتكلمها وبتتخانق معاها وبتوضح لها الموضوع في غضب، والغريب إنه تم وسط المصنع لازم يستغرب ويسأل عن خطوتك الجاية."
ارتفع حاجبيه حتى كاد يصطدما بفروة رأسه ليجيبها بصدمة:
"خطوتي الجاية؟ خطوتي الجاية إيه وبتاع إيه؟ إنت ليه محسساني إنك بتتفرجي على مسلسل وبتسألي الحلقة الجاية هيحصل فيها إيه؟" ثم أكمل وقد احمر وجهه غيظاً: "ليليان، مفيش خطوة تانية أو تالتة، ماشي؟ اللي حصل ده كان رد فعل طبيعي لحالة غريبة أنا عشتها ومالهاش تفسير بالنسبالي، وتوقعت إنها عندها تفسير للي بيحصل، وخصوصاً إني ألاقيها إنسانة حية موجودة قدامي. لكن إني ملاقيش عندها تفسير للي بيحصل ومتعرفنيش وكمان بتزعقلي، لازم يخليني أفقد أعصابي وخصوصاً من الضغط عليها الفترة اللي فاتت." ثم أكمل بغضب: "زائد إنها زعقتلي وعلت صوتها وشبه هزأتني، فكان لازم أغضب وأفقد أعصابي."
ثم نظر أرضاً مستعيداً الموقف ومعه استعاد هدوئه مكملاً بتأنيب:
"بس بيتهيألي إن أنا اللي هزأت نفسي، يعني لو كنت طولت بالي واتكلمت كويس كان ممكن موصلش للموقف ده وأقلل قيمتي قدام الكل، بس في النهاية الموقف ككل كان غصب عني لأنه خارج حدود تفكيري واستيعابي."
"طيب وهتعمل إيه يعني؟ هتحاول تدور عليها ولا هتفهم الموضوع؟ ويترى هتجيلك تاني ولا إيه؟"
ارتفع حاجبيه بتعجب ليجيبها بتعجب ممزوج بالسخرية:
"من إمتى الفضول والتدخل في حياتي ده يا ليليان؟"
صمتت ليجيبها ببساطة وإن كان يكتنفها الضيق الشديد من تدخلها السافر ذاك بحياته:
"وعشان أريحك وأرضي فضولك اللي هيقتلك وجايلك قاعدالي هنا زي المحقق كرومبو، أنا مش هعمل حاجة ومش هدور على حاجة ولا على أي تفسير. في النهاية، اهو حلم زي أي حلم، ساعتين وبنقضيهم وخلصنا. فـ مخلصتش أنا مشاكل الواقع عشان أشغل بالي باللي بيحصل في الأحلام."
تنحت بحرج لتجيبه:
"باسل، أنا مش قصدي أنا..."
رفع يده في وجهها مجيباً ببساطة:
"خلاص يا ليليان، خلصنا خلاص. لو سمحتي."
صمتت تعض على شفتها السفلى لينقل نبيل نظراته بينهم ليقول بعد فترة صمت وقد كان يتابع ما يحدث وعلى وجهه ابتسامة متسلية ولكنه وجد أنه لابد له من أن يتدخل الآن وإلا سيفقد الآخر نفسه ويبدأ بغضبه الذي للأسف هو أدرى الناس به، ليقول بحسم:
"خلاص، خلصنا. بلا أحلام بلا كوابيس، ممكن نركز في شغلنا بقى."
ثم وجه كلامه لـ باسل متسائلاً:
"ناوي هتعمل إيه يا باص في صفقة اللحوم الجديدة؟"
نظر له ليجيبه بضيق مكبوت:
"مش ناوي على حاجة. توفيق بيه البحيري أصدر فرمان بأني ممنوع إني أخطى المصنع أو الشركة خلاص. يحلها هو."
بعثر الآخر غرته وهو يجيبه بتفكير:
"بس مش هينفع يا باسل. الصفقة معاد تسليمها قرب والمخزن اللي في المصنع وفي التلاجات من اللحوم قليل مش هيكفي تسليمها. زائد إن المواشي اللي موجودة في المخزن للدبح مش هتكفي كمان. مطلوب منا نعمل برجر وكفتة وما إلى ذلك لتوزيعها في السوق المصري بعيداً عن التصدير. هتعمل إيه؟"
هز كتفيه ليجيبه بهدوء مفتعل:
"معرفش. كلم الباشا وقوله أنا حالياً بعيد عن الملعب."
نفخ بفمه بضيق ليصرخ بغضب:
"مش وقت عند يا باسل. سمعة الشركة كلها في خطر واحنا معندناش المون الكافية ولازم نلاقي حل في أقرب وقت، وإلا هنقع. لازم تأمن لينا لحوم في أسرع وقت."
صمت باسل يعض على شفته السفلى بتفكير ليهتف هو ضاغطاً على الحديد الساخن:
"أنا هكلم عمي توفيق وأقنعه إنك حتى تستلم مجايب الصفقة دي. واهو إنت في النهاية بعيد عن المصنع والشركة، بس على الأقل تجيب مواشي من أي مزرعة. واهو بالمرة تعتبر إنك بتغير جو وبتخرج بعيد عن ضغط المصنع وبتشوف ناس جديدة."
حول أنظاره جهته بتفكير لتهتف ليليان برقة محاولة مساندته:
"وأنا هحاول مع عمي وأحاول أقنعه."
التفت نبيل ينظر لها بابتسامة متسلية ليجيبها بمزاح:
"آه ياريت، مش هنلاقي متطوع أحسن منك للمهمة دي."
نظرت له بغيظ ليقطع كلامهم حديث باسل وهو يقول:
"خلاص، شوفوا بابا. ولو وافق معنديش مشاكل. هشوف كام مزرعة كده يقولوا كويسة وأشوف يقدروا يمدونا بقد إيه."
تنهد بارتياح. حسناً، إن جئنا للعمل فلن يجد أحسن من باسل في ذلك. ليقف هاتفا بهدوء:
"تمام، همشي أنا أروح أظبط الشغل وأشوف عمي أقنعه، وأتفق مع الدكاترة اللي تروح معاك المزرعة."
أومأ الآخر برأسه وهو ينظر أرضاً بتفكير، ليلف نظره تجاه الأخرى التي يجدها تحدق بـ باسل بهيام، ليجيبها بابتسامة متسلية:
"مش يلا يا ليليان عشان تقنعي عمك توفيق؟ ولا اتراجعتي وناوية تقومي بالمهمة مع باسل؟"
رفع باسل وجهه ينظر جهتهما بتعجب ليتساءل بجهل:
"تقنعني بإيه؟ فيه حاجة تانية؟"
نفت برأسها وهي تنتفض من مكانها تجيبه بتوتر:
"لأ لأ، مفيش حاجة. هو بس بيهزر."
نظر لهم بتساؤل متعجب لتهتف بالأخرى:
"يلا يا نبيل، يلا."
ضحك نبيل وهو يقول بهدوء:
"يلا يا أختي، أنا بقول كده برضه."
رفع أنظاره جهتهما يشيعهم بها بذهول متعجب وهو يقول:
"طيب ما تقعدوا طيب."
انتفضت ليليان تجيبه وهي ترى نظرات الآخر العابثة:
"لأ لأ، هنمشي عشان نشوف شغلنا. باي."
ارتفع حاجبيه بتعجب وهو ينظر لهم ليتساءل بتعجب:
"مالهم دول؟"
على الجانب الآخر ضحك الآخر لتهتف به بضيق:
"بس بقى، كنت هتفضحنا. الله يخرب بيتك."
ارتفعت ضحكاته أكثر وهو يجيبها:
"ماهو إنتي كده كده مفضوحة جاهزة. أنا معملتش حاجة."
زمت شفتيها بضيق لتهتف بغضب:
"أمال أنا مش مفضوحة عنده ليه يعني؟ كله عارف إني بحبه وبموت فيه. أشمعنى هو؟"
صمتت لتهتف بضيق:
"البعيد جبلة."
هنا تعالت ضحكات نبيل أكثر ليسمع صداها القريب والبعيد. يعلم جيداً بأنها تعشق باسل، ويعلم بأن باسل لا يبادلها الشعور، لتحترق هي بنيران الحب التي تتلظى بها بينما يتقلب هو بين ثلوج الجهل، ويتركونهم هم يشاهدونهم بضحك وهم يتنكتون عليهم.
رواية ملكة قلبي الفصل التاسع 9 - بقلم مريان بطرس
كان يقف بسيارته أمام باب الجامعة ينتظر خروجها بعد انتهائها من اختبارها الأخير. وقف ينظر إلى ساعته بقلق، وبين الحين والآخر إلى أن وجدها تطل عليه خارجة مع أصدقائها. اعتدل واقفًا ثم رفع يده للأعلى جهتها لكي يراها، وهتف مناديًا باسمها. انتبهت له لترفع عينيها جهته بابتسامة سعيدة، ثم ركضت جهته يتبعها الفتيات.
وقفت أمامه بابتسامتها الرقيقة متسائلة بتعجب:
"يعني أنت هنا؟"
ابتسم لها وهو يجيبها بهدوء:
"خلصت شغل بدري جيت أوصلك البيت وأطمن عليكي. ها، عملتي إيه؟"
ابتسمت له بهدوء وهي تجيبه براحة:
"الحمد لله، حليت كويس."
أومأ برأسه بابتسامة وهو يجيبها بسعادة:
"يعني أقول يا دكتورة رسمي إن شاء الله؟"
ضحكت أميرة وهي تجيبه بسعادة:
"رسمي، نظمي إن شاء الله يا عمي."
أومأ برأسه وهو يتساءل بمرح:
"وبالنسبة لك يا عم حزومبل، عملتي إيه؟ سبع ولا ضبع؟"
ضحكت وهي تجيبه بمزاح:
"يعني نقدر نقول... كلب."
رفع حاجبيه بصدمة وهو يتساءل بتعجب:
"نعم؟!"
أجابته بابتسامة:
"مش مهم، المهم حيوان وخلاص. أهو المهم هنعدي السنة دي وننجح، غير كده ميهمش، ضبع من كلب."
ضحك عليها وهو يحرك رأسه يمينًا ويسارًا بتعجب، وهو يجيبها بضحك:
"أقول إيه بس."
ضحكت وهي تجيبه بضحك:
"وعلى رأي سعد زغلول، مفيش فايدة."
اندفعت ضحكاتهم مجلجلة ترتج في المكان، في حين التفت جهة أخرى يجيبها بضحك:
"وإنتي يا شيرين، عملتي إيه؟"
ارتفع حاجبا الأخرى وهي تجيبه بزهو:
"وحضرتك تفتكر إيه يا عمي؟ سبع طبعًا مفيش كلام."
ضحك وهو يربت على كتفها وهو يوجه حديثه للأخرى:
"أهو ده الكلام، مش اللي بتقولي كلب."
أشاحت بيدها بلا مبالاة مجيبة ببساطة:
"أهو المهم هننجح والسلام."
ثم أكملت بزهو:
"أهو أنا مش هاممني حاجة غير إني هنجح ويقولولي يا دكتورة.. بهايم بقى، آدميين مش مشكلة، المهم دكتورة وتترسم على الناس. مع إن بعد كده لما هيعرفوا إنه بيطري هيقرفوا، بس مش مشكلة، فخامة اللقب وحدها تكفي."
ضحك الجميع عليها لتجيبها جنا بضحك:
"فخامة اللقب تكفي، ماشي يا ستي الدكتورة. اترسمي براحتك، وهي كلمة واتقالت."
ثم نطقوها ثلاثتهم في فم واحد:
"مفيش فايدة."
ضحك هو عليهم لتكمل أميرة بضحك:
"أهو يا عمي حضرتك بتديني إحساس بالأبوة صح، يعني حضرتك جيت تاخدها مش زي الحج بتاعي، ربنا يديه الصحة. عمره ما فكر حتى يوصلني لأول الشارع."
ثم أكملت بحزن مفتعل:
"حسرة عليكي يا لوزة، محدش بيفكر فيكي."
ضحكوا ثلاثتهم إلى أن جاءها ذلك الصوت الأجش الممازح من الخلف:
"حيث كده يا لوزة؟ أروح أنا مادام بدأتي تندبي حظك بدري بدري، علشان يبقى الندب بجد بقى."
انتفضت تنظر للخلف، سرعان ما ارتسمت ابتسامة واسعة على محياها وهي تقول بسعادة:
"بابا."
سرعان ما ركضت تجاهه تحتضن ذراعه وهي تجيبه بسعادة:
"لا تروح إيه؟ أخص عليك يا حج وتسيبني أروح لوحدي؟ طيب خاف عليا، لا كوز درة يعاكسني ولا حاجة."
نظر لها ليجيبها بمزاح:
"هو فيه كوز درة يعاكس كوز درة زيه؟ ده أنتي يا بنتي مش ناقصك غير شنب وتبقى أرجل مني."
نظرت له بذهول لتجيبه بصدمة:
"أنا؟"
ضحك هو على منظرها وهو يجيبها بضحك:
"أمال أنا بقول إيه من زمان؟ دايماً أقولك أنا مخلف راجل، مخلف راجل. وإنتي دايماً تضحكي وتقولي الله يخليك يا حج، ومنشكحة ومبسوطة أوي، مش عارف على إيه. أه، إنتي أرجل مني أنا شخصيًا. اديني كده إمارة بالأنوثة."
كان يقول كلماته بابتسامة واسعة وهو بالكاد يكتم ضحكاته على صغيرته التي رحل منها المزاح ليتحول إلى صدمة ووجهها تحول لحبة طماطم من الإحراج. بينما هي نظرت جهة والدها تربت على كتفه بإحراج وهي تقول بضيق:
"ربنا يخليك يا حج، مش عارفة من غيرك ومن غير تشجيعك ده كنت عملت إيه. بيتهيألي أنت رفعت من روحي المعنوية على الآخر لدرجة إنك نزلتها لسابع أرض."
ابتسم الجميع عليهم حينما أكملت هي بتساؤل:
"سمعت عن طحن الخواطر يا حاج؟"
أجابها بضحك:
"بيتهيألي."
ربتت على كتفه لتجيبه بثبات:
"لا ميتهيأش، لأنك إنت اللي عملته دلوقتي هو بالظبط طحن الخواطر. يلا يا يا عم سعد يلا، الله يخليك. بيتهيألي الحاجة عاوزاك في البيت، يلا، ده إحنا نشرنا غسيلنا الوسخ قدام الناس كلها، يلا."
ضحك عليها وهو يرفع يده مودعًا الجميع، في حين تساءل بضحك:
"مش إنتي اللي زعلانة إني مش بجيلك؟ اديني جيت."
نفت برأسها وهي تجيبه ببساطة:
"لا مش زعلانة خالص، هي حلوة الزيارة الكريمة دي، بس يا ريت متتكررش، خلي فضايحنا في قلب بيتنا بس."
ضحك عليها وهو يرى وجهها قد انقلب إلى الضجر، ليقترب منها مربتًا على كتفها بضحك وهو يقول بابتسامة:
"أمال فين ضحكتك الحلوة؟"
رفعت حاجبها له لتجيبه ببساطة:
"بعتها ديليفري للحاجة مع طلب التماس بعدم اقتراب الحاج مني منعًا للإحراج."
ضحك عليها لتنظر جهته، سرعان ما ارتسمت الضحكة على شفتيها، وبعدها تحولت إلى قهقهات وهي تنظر جهته بفخر. مهما تحدث الجميع ومهما قالوا عنه، يبقى هو فخرها وقوتها، يبقى هو قدوتها في الحياة، ومن تتلمس الطريق خلفه، من ترتاح بقربه. الوحيد الذي تحاول تقليده بأي شيء، حتى مرحه. هو ورغم بساطته وبساطة تعليمه وعمله، يبقى هو القدوة والمثل الأعلى والمكانة التي لن يرقى إليها أحد مهما وصلوا من مكانات، فهو والدها العزيز.
على الجانب الآخر كان ينظر إليهم بابتسامة، في حين قالت هي:
"عمو سعد ده طيب أوي يا بابا وجميل خالص، روحه حلوة كده، تحسه من دنيا تانية."
ربت على رأسها وهو يفتح لها باب السيارة قائلاً:
"دي البساطة. الناس دي مش بتحسد، مش بتحقد. ناس بتحب الحب والسعادة. عمره ما كان بالفلوس، بالعكس، بالروح الحلوة، بالبساطة والرضى والشكر. وهو الراجل ده عنده رضى وصبر مش عند حد. عشان كده ربنا وهبه إنه يدخل قلوب الناس من غير استئذان."
أنهى كلماته وهو يفتح باب السيارة لشيرين لتصعد، ثم بعدها التف ليركب في مكانه، في حين أجابته شيرين:
"معاك حق يا عمو، بس مش لوحده. حتى أميرة التانية روحها حلوة ومبهجة، يعني مجرد ما بتبقى موجودة بتنشر في المكان السعادة، وبمجرد غيابها عن المكان بيبان."
أومأ برأسه، في حين تساءلت جنا:
"بس فيه حاجة تانية كنت عاوزني فيها يا بابا؟"
أومأ برأسه يجيبها بهدوء وهو يقود سيارتهم:
"مش بالظبط، بس جدك اتصل وعاوزك تروحي تقضي معاهم كام يوم في البلد، وأنا جيت أسألك هنا بعيد عن البيت علشان مامتك أكيد رابحة. فمش عاوز حد يضغط عليكي. ها، تحبي تروحي؟"
ضحكت لتجيبه بسعادة:
"أكيد طبعًا يا بابا، هو أنا أقدر أقول لـ جدي لأ؟ أنا عاوزة فعلاً أروح، واحشني البيت والمكان والمزرعة، واحشني الحياة هناك وبساطة المكان. هيفضل هناك هو أول مكان بيخطر على قلبي وبحبه."
ابتسم وهو يومئ برأسه وهو يجيبها بهدوء وعيناه منتبهة للطريق أمامه:
"كنت متأكد إنك هتكون دي إجابتك."
في حين التفتت جنا بجسدها للخلف تسأل صديقتها:
"إيه رأيك تيجي معانا؟ تقعديلك يومين، وأهو تغيري جو."
نظرت لها شيرين بتعجب:
"أروح فين؟ إنتي مجنونة؟ اعقلي شوية."
نظر لها عزيز بالمرآة ثم تساءل بتعجب:
"وفيها إيه يا شيرين؟ تعالي غيريلك جو واقعدي يومين، ولا بابا مش هيوافق؟ حتى جو الصعيد حلو، متقلقيش."
نفت برأسها تجيبه بهدوء:
"لا يا عمو، مش موضوع يوافق أو لا. الموضوع إنه مينفعش، عيب إني أروح مكان غريب. وبعدين فعلاً ماظنش بابا يوافق."
أجابها بهدوء:
"لا عيب ولا حرام. إنتي رايحة المزرعة عندنا والبلد هناك تجنن وحلوة جدًا وهيعجبك الجو من الألفة والمحبة والرحمة اللي فيها. وغير العيلة هناك هتفرح بيكي، وبالمرة تكسبى خبرة في المزرعة هناك علشان الدكتور باسم هناك شاطر جدًا."
تنهدت هي بتعب لتتشدق بتفكير:
"ماظنش بابا هيوافق أبدًا."
أجابتها جنا بسرعة ودون ذرة تفكير:
"هيوافق، أنا هكلمه وهيوافق. ولا إيه رأيك يا بابا؟"
أجابها عزيز وهو يلف بالمقود ليتجه بالسيارة إلى شارع جانبي:
"أنا رأيي إننا نعزمهم كلهم يقضوا يومين عندنا في البلد. نعتبرها إن إنتوا رايحين مصيف، بس المرة دي مش في البحر، المرة دي في الخضرة والزرع، يعني كنوع من التغيير."
أجابته ابنته بابتسامة رائعة:
"فكرة تحفة يا بابا."
ثم ألتفت جهة صديقتها تسألها بسعادة:
"إيه رأيك يا شيرين؟ وبالمرة نعزم أميرة ونخرج كلنا مع بعض."
مسحت شيرين على وجهها لتجيبها بهدوء:
"معرفش، الرأي والقرار لبابا."
ضحكت جنا لتجيبها بسعادة:
"إذن معنى الكلام ده إنك موافقة، أو على الأقل إنك مش رافضة، والقرار كله لعمي."
أومأت برأسها لتجيبها بهدوء:
"بصراحة آه، يعني نفسي أزور الأرياف والمزرعة عندكم أوي وحبيت المكان من كلامكم عنه، لكن مقدرش أتكلم غير لما بابا يوافق، لكن لو موافقش مستحيل أفكر في الموضوع."
ابتسم عزيز وهو يقول بهدوء:
"حيث كده مبروك عليكي الزيارة إنتي والعيلة، لأني النهاردة هخلي بابا يوافق."
ابتسمت شيرين قائلة بحماس:
"بجد يا عمو؟ ممكن تقدر؟"
أومأ هو برأسه بهدوء:
"كيف لا يستطيع أو يرفض أن تكون تلك الصغيرة معهم؟ فهو يعشقها كابنته بالضبط. يشعر إن ثلاثتهم فتياته، ربما لم ينعم عليه الله سوى بصغيرته فقط، ولم تستطع زوجته الإنجاب مرة أخرى مهما حاول الجميع، حتى فشل الطب عن إيجاد السبب، ولكنه شكر الله راضيًا بها فقط. وقد أراها إنه أفضل من مائة ولد بأخلاقها وحنانها ورقتها. سيقولها للجميع للمرة التي لا يعلم عددها: (أن تكون أبًا لولد هو شيء، وأن تكون أبًا لفتاة هو شيء آخر). فالفتاة هي نبع الحنان، الرقة، الهدوء، الحب. هي العطاء في حد ذاته. هي من تحنو عليه بعد والدتها. كيف يفكر بامرأة أخرى وهو معه بالمنزل اثنتان؟ فهي فقط ليست فتاته، بل تعامله بحب شديد، تهتم بتفاصيل حياته من مأكله وملبسه، فهي من تركض دائمًا لجلب ملابسه واختيارها وتنسيقها، هي من تركض لإيقاظه بأرق القبلات والكلمات الناعمة، هي من تسهر بجوار والدتها بجواره حينما يمرض وتركض لجلب كل ما يحتاجه. حتى حينما يستيقظ يجدها تعدل خفه المنزلي أمام ساقيه ليرتديه ويخرج ليجد ملابسه موضوعة، إفطاره معد. فتاته نعمة جعلته يعشق تاء التأنيث ككل، فكيف لا يحب صديقاتها وهن نور حياة ذويهم تمامًا مثلها؟ هي راحته ونور حياته وعشقه الثاني والصغير بعد والدتها. فليعترف... هو أحب فتاته الصغيرة أكثر عن كونه أصبح أبًا لولد. فتلك الرقة من المؤكد لن يجدها، ولن يجد كل ذلك التفاني في التعامل بحب. إنما الولد كان سيفعل كل شيء بدافع الواجب، لا يمنع من وجود حب، ولكن ليس كحب فتاة."
انتبه من أفكاره على صوت شيرين تقول بهدوء:
"خلاص نزلني هنا يا عمو، متتعبش نفسك، أنا هدخل الشارع لوحدي خلاص، مفيش داعي."
أومأ برأسه يتوقف على الجانب بابتسامة وهو يقول بهدوء:
"خلي بالك من نفسك، عاوزة حاجة؟"
نفت برأسها بابتسامة ناعمة مجيبة ببساطة:
"لا، ربنا يخليك يا عمو."
ثم تحركت للخروج، ليلتفت لابنته قائلاً بابتسامة:
"ها، مبسوطة؟"
ابتسمت بسعادة مجيبة:
"جدًا."
ثم أردفت بضيق:
"بس لو أميرة كمان تيجي."
ضحكت مكملة بسعادة:
"يبقى ده إحنا هنخربها."
انطلق في ضحكاته، ولكنه أكمل بهدوء:
"حيث كده نكلم عم سعد ونجيبها معاكم، يبقى من ناحية أميرة ومن ناحية نهلة."
ضحكت بانطلاق لتقول بسعادة:
"ده كده جدي هيرمي نهلة بره البيت، ده كده هيشد في شعره."
ضحك ولم يتحدث لبرهة، إلى أن وجدته يقول بعدها بهدوء:
"بقيتي أحسن دلوقتي؟"
صمتت عن الضحك فجأة لتنظر أرضًا بخجل وحزن، ثم أجابت برقة:
"أنا آسفة يا بابا إني أزعجتكم وقلقلتكم عليا، بس أنا كنت متوترة من ناحية الامتحان ومن ناحية المعيد السمج ده، ومن ناحية تانية الموقف اللي حصل، حسيت إني في لحظة فقدت القدرة على التحكم في أعصابي، رغم إنه معروف عني الثبات الانفعالي الشديد، لكن..."
صمتت لينظر لها بطرف عينه وهو يركز أمامه بالطريق ليقول بهدوء:
"بصي يا جنا، أنا مش هقولك غير كلمة واحدة. إحنا بشر، يعني من حقنا نتعصب، من حقنا نتضايق، من حقنا نفقد أعصابنا، من حقنا نخرج انفعالاتنا بأي صورة كانت، صراخ، عياط، أي صورة. بس المهم منغلطش."
التفتت تنظر له بتعجب، ليومئ برأسه وهو يقول بتركيز:
"هو مش غلط إننا نزعق أو نعيط، بس المهم من غير ما نجرح اللي قدامنا. النبرة تعلى بس من غير إهانات، من غير تقليل. لازم تكوني حتى في غضبك محترمة. واعرفي إن الكلمة اللي بتطلع منك مستحيل ترجع تاني، والجرح النفسي اللي بيحصل منها صعب يتداوى، ممكن ياخد سنين، وممكن متتنسيش أبدًا. عشان كده طول عمري ربّيتك على الموضوع ده، إننا نخلي بالنا من كلامنا كويس علشان منحسرش اللي حوالينا في غمرة غضبنا."
أومأت برأسها وهي تشكر الله على والدها ووالدتها. تحمد الله دائمًا على تواجدها بتلك العائلة المتفاهمة، والدها ووالدتها أكثر الناس احترامًا، تعقلاً، تفهمًا. تشعر وكأنك تحدث إحدى المفكرين الكبار. لم تكن تحلم يومًا بأحد أفضل منهم. تحب التفاهم بينهم، تحب احتفاظهم بخصوصياتهم لدرجة ألا يعلمها أحد سواهم، واحتفاظهم بمحيط حياتهم الأسري داخل مساحتهم الخاصة. تعشق الحب والاحترام والتفاهم المتبادل بينهم الواضح وضوح العينان، وتعشق حبهم لها واهتمامهم بها. هم بالنسبة لها العالم وما فيه. الأسرة السوية والحياة العاقلة هي حلم لأي أحد، وهي قد ولدت بهم، لذا لم ينقصها يومًا شيئًا لتبحث عنه. لم ينقصها حب، لم ينقصها ثقة بالذات والتي زرعوها بداخلها من صغرها. لم يتنقصها حياة هادئة مستقرة. هي ولدت بحياة ملكية كاملة مكملة، لذا لم تحرج يومًا بالخارج لتبحث عن تكميل لشيء، فهو لديها ببساطة كل شيء.
انتبهت من غمرة أفكارها على توقف السيارة، في حين التف إليها عزيز قائلاً بابتسامة:
"حيث كده يبقى جهزي شنطك وهنمشي البلد ونروح هناك. وكمان باسم هييجي ياخدنا."
ضحكت بانطلاق وهي تقول:
"معقول دكتور باسم تنازل وجاي؟ ده كان مصدق إنه رمى نهلة وقال مش هييجي ولا عاوز يشوفها. قوم يبقى يجي تاني ليها."
ابتسم مجيبًا ببساطة:
"الدم بيحن."
تحركت للخروج وهي تقول ببساطة:
"حيث كده هو فعلاً معاه حق. البت تجنن، العاقل مابالك أخوها."
تحركت للدخول المنزل، وما إن فتحته حتى وجدت ذلك الصوت الأجش الذي يتحدث. تحركت بسعادة تجاهه، ثم وقفت أمام باب الغرفة قائلة بابتسامة:
"حمد الله على السلامة يا دكتور."
ابتسم هو من الداخل ليتحرك تجاهها قائلاً بسعادة:
"جنا، إزيك عاملة إيه؟"
ابتسمت له برقة مجيبة:
"أنا تمام الحمد لله. أنت عامل إيه يا باسم؟"
ابتسم لها باسم قائلاً:
"أنا الحمد لله."
ثم أردف قائلاً:
"مرات عمي بتقول إنك كان عندك امتحان النهارده، عماتي إيه؟"
تحركت لتجلس قائلة بانخفاض لم يخلو من سعادة:
"الحمد لله."
فتح فاه للحديث ليجد تلك السافرة المزعجة تصدح في المكان قائلة:
"أكيد هتنجحي وهتكوني دكتورة بهايم قد الدنيا."
التفتت إليها بصدمة، في حين ناظرها هو برفعة حاجب وهو يومئ برأسه قائلاً:
"أكيد هتكوني أحسن دكتورة بهايم، وإنتي أول واحدة هتعالجها وهنخليها تدرب فيها."
اتسعت عيناها بصدمة لتكشر عن أنيابها صارخة بغضب وهي تشير جهة صدرها:
"إنت بتكلمني؟ إنت متأكد إن الكلام ده ليا؟"
مط شفته السفلى مجيبًا ببساطة:
"أكيد، هو مش القرود تبع البهايم برده والحيوانات؟ ولا أنا غلطان؟"
ثم أردف ببساطة وهو يجلس واضعًا ساقًا فوق الأخرى:
"قوليلي، إنت تفرقي إيه عن القرد؟"
اتسعت عيناها بشر لتقترب منه وهي تقول بصوت مخيف:
"أنا هقولك أفرق إيه."
ثم اقتربت لتغرز أظافرها بلحم وجهه، ولكنه فاجأها بأن أمسك يدها يلفها ليضعها خلف ظهرها، لتصرخ هي من الوجع وهو يقول باستهانة:
"رجعت في كلامي، إنتي مش قرد، إنتي ديك رومي."
ثم مط شفتيه مكملاً بتقليل:
"ولا ديك رومي إيه؟ ده إنتي محصلتيش فرخة بلدي."
صرخت به بغلظة:
"والله لأموتك يا باسم إن مقرقشت لحمك بأسنانى مبقاش نهلة."
بق: "إنتِ بقيتي..."
قالها باستهانة لتصرخ به من الغيظ:
"باسم!"
في ذلك الوقت صرخ عزيز بهم بغضب:
"بس إنتو الاتنين! إيه هو مفيش حد مالي عينكم؟ مش ناويين تكبروا شوية وتبطلوا شغل القط والفار بتاعكم ده؟"
ضحكت جنا عليهم، ليترك يدها بهدوء وهو يعود بنظره أرضًا احترامًا لعمه، في حين صرخت نهلة بضيق وهي تمسد ذراعها:
"شايف يا عمو؟ شايف عمل فيا إيه؟"
رفع أخوها نظره جهتها بغضب يتمتم من بين أسنانه بغيظ:
"أما نحلة بصحيح. حقنة، حقنة مفيش كلام."
ليصدح صوت عزيز غاضبًا:
"بس مش عاوز صوت واعقلوا شوية وكبروا. ده إيه الهم ده!"
ثم صرخ بها:
"نهلة على المطبخ، طلعي الأكل مع مرات عمك، يلا امشي بدال الصداع ده."
حولت أنظارها جهة أخيها بغضب، ثم ضغطت على شفتها السفلى بغيظ، وهي تحرك يدها على عنقها بإشارة صامتة بأنها ستقتله، ليبتسم جهتها باستخفاف، في حين تحركت جنا خلفها، ليجلس عزيز ناظرًا له بتأنيب وعتاب قائلاً:
"مش عيب كده يا باسم؟ يعني ينفع كده؟ إنت مش صغير يا حبيبي لحركات العيال دي."
ضحك هو ب استمتاع ليقول بضحك:
"معلش يا عمي، بس أعملها إيه؟ هي لسانها المستفز وبتجيبه لنفسها. عمرها ما فكرت دقيقتين في كلامها."
ثم أردف بسعادة:
"وبعدين أنا بستمتع وأنا بغيظها، بيبقى شكلها حلو، عامل زي الديك الشركسي."
صدح صوت غاضب من الداخل صارخًا بغلظة:
"سمعتك على فكرة."
لم يهتم لكلماتها، في حين قال عزيز بهدوء:
"والدنيا في البلد عاملة إيه وجدك والمزرعة؟"
أومأ برأسه قائلاً بهدوء:
"الحمد لله، كله تمام."
ثم ابتسم قائلاً:
"كلهم مستنيينكم ومش ناقص غير وجودكم."
ثم ضحك قائلاً:
"بس البيت ملوش حس من ساعة ما مشيت القردة دي، وتحسه بقى عامل زي الصحرا. عشان كده قررت أجيلكم أجيبكم وأستمتع بمشاكستها شوية."
ضحك هو وهو يهز رأسه بيأس قائلاً بتعجب:
"إيه هو القط بيحب خناقه؟ ده إنت يمشي عليك المثل اللي بيقول: لا أحبه ولا أقدر على بعده."
ضحك هو وهو يقول:
"الله! مش أختي يا عمي."
ضحك هو عليه. حسنًا، ابن أخيه عاقل محترم، ولكنه حينما يتعلق الأمر بأخته فهو يتحول لشخص آخر، وكأنه طفل يستمتع بشد شعر شقيقته. لن يكبروا على مثل تلك الأفعال الطفولية، ولكنه يعلم بأن هذه هي أمور الأشقاء. ولكنه كلما نظر جهته شعر بالفخر به، باحترامه، بحبه، بعقلانيته. يحلم ويتمنى أن يتزوج صغيرته وسيكون أسعد شخص بالوجود، فهو لن يجد أفضل منه لمحبوبته، فهو إن حدث يعلم أنه سيصونها ويهتم بها ويضعها داخل عينيه. لذا سيموت سعيدًا في تلك الحال وهو يشعر بأنه قد صان أمانته وأعطاها لمن يستحقها. ولكن هل من الممكن أن تتحقق أمنيته أم للقلوب نهج آخر لا يعلم؟ حينما يتعلق الأمر بالقلب، فمن المعروف أن القلب له طريق يختلف تمامًا عن الحسابات، وهو أدرى شخص بهذا الأمر.
سحب تنهيدة عميقة، لييلتفت إليه الآخر قاطبًا جبينه متسائلاً بتعجب:
"فيه إيه يا عمي؟ فيه حاجة مضايقاك؟"
هز رأسه نفيًا بابتسامة وهو يجيبه ببساطة:
"لا يا حبيبي، سلامتك، ده إرهاق بس."
ثم أردف قائلاً:
"إحنا هنسافر بكرة ومعانا ضيوف."
أومأ برأسه قائلاً بترحيب:
"يأنسوا ويشرفوا. البيت كبير ويساع من الحبايب ألف، زي ما حضرتك عارف، وإن ما شاليتهمش الأرض نشيلهم في عينينا. ضيوفك هما ضيوفنا يا عمي."
ربت على ساقه قائلاً بحب:
"تسلم يا حبيبي."
ولكن قطع حديثهم مجيئها قائلة برقة:
"بس الضيوف دول من الأصل ليك يا باسم."
قطب جبينه ثم أشار إلى نفسه قائلاً:
"ليا أنا؟"
أومأت برأسها قائلة:
"آه، بصراحة دول صحابي وأنا عزمتهم يتعلموا منك شوية. أهو كله مصلحة، والمزارع هنا حوالينا كتير، ممكن نطلع على أي مزرعة نشتغل فيها، لو معرفناش نشتغل في مراقبة جودة أو ده جنب ده، أي حاجة."
أومأ برأسه قائلاً بمرح:
"يعني استغلال بقى."
أومأت برأسها ليتنهد بضيق، ثم أشار بسبابته قائلاً بتحذير:
"بس أهم حاجة ميكونوش من البنات الرقيقة بزيادة دي اللي الواحد يقولها كلمة تعيط وتقولي هقول لبابى ومامى."
ضحكت بشدة، وشاركها عزيز الضحك، ليقول بعدها بهدوء:
"لا اطمن من الناحية دي خالص، دول أرجل منك نفسك."
صرخت به بضيق:
"بابا!"
ليضحك الجميع، ولا يعلمون ما يخبئه القدر لهم.
____________
كان يجلس ينظر أمامه بالحاسوب، إلى أن وجد رنين هاتفه يصدح. أمسكه ينظر جهة المتصل، ثم أجاب بهدوء:
"آلو."
أجابه الطرف الآخر:
"ها، عملت إيه؟"
أجابه بهدوء وهو ينظر جهة شاشة حاسوبه:
"في إيه؟"
لم يجد الطرف الآخر بدًا من أن يصرخ ويولول كالنسوة من الغيظ:
"يالهوي! إيه في إيه يا باسل؟ عملت إيه في موضوع المزرعة وتأمين المواشي؟"
تنهد ليغلق شاشة الحاسوب أمامه، ثم تحدث بجمود مجيبًا:
"أنا مش متحرك من مكاني إلا لو جالي أمر من توفيق بيه نفسه. زي ما نحاني عن منصبي، هو اللي يوليني الموضوع ده، غير كده مفيش، إن شاء الله حتى ما أشتغلش خالص يا نبيل."
أغمض نبيل عينيه بضيق قائلاً:
"متعرضهاش يا باسل، الموضوع مش مستاهل، بلاش تنشف دماغك."
"أهو ده اللي عندي."
قالها برأس يابس، ليجيبه الطرف الآخر قائلاً:
"أنا أقنعت باباك وهو وافق على موضوع التوريد وقال مفيش مشاكل، أهو منه يغير جو ومنه تظبط الشغل البايظ ده."
أجابه باسل بعناد:
"أسمعها منه بنفسي."
صمت الطرف الآخر يتنهد بضيق، ثم بعدها سمعه يقول بضيق:
"يعني لو سمعته هتعدي وتنجز؟"
أومأ برأسه وكأن يراه، ثم قال:
"آه."
ليأتيه بضيق:
"ماشي، خد اسمع بنفسك."
قطب جبينه، ثم سرعان ما سمع صوت والده يصدح قائلاً:
"أيوه يا باسل."
صمت باسل يستوعب الصدمة، ثم سرعان ما استدرك قائلاً:
"أيوه يا بابا."
أجابه صوت توفيق بنبرة حازمة لا تقبل الجدال:
"إنت مسؤول عن التوريدات من المزارع وتظبيط الشحنات مع نبيل، وأتمنى تظبط الموضوع ده في أسرع وقت."
أومأ باسل برأسه وكأنه يراه قائلاً:
"تمام."
سرعان ما استمع إلى صوت نبيل يهتف بضيق:
"ها، ارتحت؟"
لم يجب عليه، أو بالأحرى تجاهل الإجابة، ليجيبه نبيل:
"ماشي، براحتك. ممكن تشوف لنا المزارع بقى والتوريدات؟"
أجابه باسل بهدوء:
"أنا اتواصلت بالفعل مع مجموعة من المزارع، بس عجبني مزرعة واتكلمت مع الدكتور البيطري بتاعها، و هنروح بعد تلات أيام نعاين. ولو عجبنا نقدر إننا ناخد براحتنا، لأنها مزرعة كبيرة جدًا."
تنهد ليجيبه بهدوء:
"تمام. مزرعة إيه دي وموجودة فين؟"
أجابه باسل بهدوء:
"مزرعة العربي، وموجودة في المنيا."
صمت نبيل لبعض الوقت ليقول بهدوء:
"تمام، نروح ونشوفها. هتروح إمتى؟"
صمت ينظر أمامه إلى أن أجابه بهدوء:
"بعد تلات أيام نروح، وجهز دكاترة من عندنا يروحوا معانا ويعاينوا."
أجابه الطرف الآخر:
"تمام، حاضر. على بركة الله نروح ونشوف."
أغلق الهاتف لينظر أمامه بشرود، ثم تحرك جهة حاسوبه يعمل عليه. ولم يكن في تلك اللحظة يعلم ما يخبئه له القدر وما تخفيه له تلك الرحلة له ولغيره.
رواية ملكة قلبي الفصل العاشر 10 - بقلم مريان بطرس
توقف الجميع أمام المنزل لتهبط هي بسعادة تنظر حولها بابتسامة، تستنشق عبير المكان بفرحة وحب. تدور حول نفسها كطفلة صغيرة سعيدة بهدية جديدة قد أحضرها لها والدها. تتسع ابتسامته وتتلألأ عيناها بفرحة وتلمع أكثر فأكثر.
لينظر لنا عزيز بابتسامة.
في حين هبطت شيرين من سيارة والدها تنظر حولها بانبهار، لتتحرك جهة تلك التي تقف بسعادة قائلة بانبهار:
"واو حلو المكان قوي يا جنا، ليكي حق إنك تيجي هنا ومتبقيش عايزة تروحي."
ابتسمت جنا بسعادة وهي تجيبها بفرحة:
"عرفتي بقى."
جاءهم الصوت المازح من الخلف:
"هو حلو المكان مفيش كلام، بس المهم الناموس هيسلم علينا بالليل ويقوم معانا بواجب الضيافة ولا هنعرف ننام."
ضحك الجميع. ولكن فاجئهم ذلك الصوت الضاحك من الخلف قائلاً:
"لا حيث كده متقلقيش، إحنا بنحب نسلم على ضيوفنا ونجامل معاهم بواجب ضيافتهم."
عادت شحكت بخجل ولكنها أكملت بمرح:
"حيث مدة بقى يا حاج، يبقى يابخت من زار وخف."
ضحك ذلك العجوز عليها، في حين استند باسم على سيارتها ينظر لها بابتسامة. أما ذلك العجوز فأجاب بمزاح:
"ليه بس كده يا بنتي، إحنا تجال قوي كده، متخافيش إحنا مش بخلاء."
ضحكت وهي تومئ برأسها قائلة:
"ما أنا متأكدة من كده يا حاج، والدليل على كده إن حتى الناموس هيقوم بواجب ضيافته."
ضحك الجميع على مرحها، في حين زجرتها شيرين بنظرها ولكنها لم تهتم. أما العجوز فرّبت على رأسها بحب، وقد أسرته تلك الصغيرة من الوهلة الأولى بضحكتها وخفة ظلها، ليقول بهدوء وحب:
"متخافيش يا بنتي، مفيش ناموس ولا غيره."
رفعت أنظار ناعمة له لتجيبه بهدوء:
"ولو فيه يا جدي مش مشكلة، مش بالمكان المهم الناس."
ربت على كتفها وهو يجيبها بحب:
"الله ينور عليكي يا بنتي."
لتضحك وهي تكمل بمرح:
"وبعدين يا جدي، ماشاء الله ده إنتوا الزريبة عندكم أكبر من بيتنا والله."
ضحك الجميع لتكمل بمرح:
"إنه مش بقر ولا حاجة، أنا مش عيني صفرا هي مدورة بس."
ضحك عليها الجميع، في حين ربّت العجوز على كتفها وقد أعجبته تلك الصغيرة بانطلاقها وبساطتها، ليحول عينيه جهة حفيده ليجده قد تحرك من المكان بعد أن قام بمهمته ولم يلاحظه أحد منهم. حسناً، هو طبع به أن يفعل الشيء ويتحرك بهدوء وبساطة.
في حين تحركت شيرين لتربت على كتفها وهي تهمس بهدوء:
"بقول إيه، مش نلم نفسنا شوية بدل ما الناس تفتكرنا عبط."
زوت مالين حاجبيها وهي تجيبها بمرح:
"بس أنا مش عبيطة، أنا هبلة بس."
ضحك ذلك العجوز من الخلف. ثم حول أنظاره جهة تلك التي تقف بالخلف غاضبة، لينظر لها قائلاً بمرح:
"جرا إيه يا نهلة؟ مش سامع حسك؟ إيه القطة أكلت لسانك؟"
ارتفع حاجبها لتجيبه بسيطرة:
"القطة دي لو قربت مني لأكون دابحاها وراميها للكلاب عندنا تأكلها، وأهو جزاء تعبهم معانا."
اتسعت عيني الفتيات بصدمة ليحولوا أنظارهم جهة جنا بهوف. لتبتسم هي برقة وتربت على كتفهم بـ لا مبالاة. في حين أكمل العجوز بمرح:
"جدعة وتعمليها، حيث كده اطمنا مين اللي هيدبح للتاني القطة."
رفعت كتفيها لتقول بزهو:
"محدش يقدر يعملي حاجة، أنا نهلة علوان العربي، مين هيقدر يكلمني، أنا اللي هدبحله القطة، طبعاً."
"بق انتي بق."
جاءها ذلك الصوت من الخلف لتنظر جهته يشر، ثم صرخت به بغضب:
"باسم مش طالبه خفة السعادة، فاهم؟"
ابتسم لها بسخرية لينتركها ويتحرك وهو يقول ببساطة:
"بصي الكلام مش بفلوس."
التفت الفتيات له بذهول لتحول أنظارها جهة تلك التي تقف بجوارهم، لتقول شيرين بصدمة:
"مين ده يا جنا؟"
نظرت لها جنا لتجيبها ببساطة:
"ده باسم ابن عمي علوان، أخو نهلة. الدكتور البيطري."
أومأت جنا برأسها لتقول أميرة بمرح:
"يخربيت حلاوته، ده أحلى من سنين عمري كلها."
ثم التفت جهتها متسائلة بصدمة وتعجب:
"بت يا جنا، هو إنتوا عيلتكم كلها عينيها ملونة كده؟"
أومأت جنا برأسها بضحك، لتجدها تقول بمرح:
"حيث كده أنا هتجوزه وأمري لله، حتى أضمن إني أحسن النسل شوية."
ثم أكملن بمرح:
"ما تروحي تخطبهولي يا جنا."
ضحكت جنا عليها ولم تتحدث. تلك المعتوهة مسحوبة اللسان لا تفكر بالكلام مرتين قبل أن تتحدث أبداً، كل ما يخطر على بالها تقوله وتحول المواقف الصعبة إلى حديث مازح دائماً. في حين التفتت هي جهة شيرين لتجدها تنظر جهته بشرود، لتضربها بكتفها فائلة بمزاح:
"إيه؟"
انتبهت شيرين لكلمتها لتجيبها بمرح:
"بقولك إيه يا جنا، إن موافقش بتلبت أميرة، أمانة عليكي يا بت متنسيش أختك، اهو يبقى زيتنا في دقيقنا، هنبقى كلنا بيطرين في بعض."
"هااه؟"
قالتها هي بصدمة لتومي شيرين برأسها قائلة بضحك:
"بصي ماهو بصراحة الواد قمر، كفيش كلام، وبما إنه مش في دماغك خلاص اتجوزه أنا."
هزت رأسها بذهول منهم هم الاثنين. في حين أكملت أميرة بضحك:
"خلاص نتجوزه إحنا الاتنين، أنا معنديش مانع من إننا نتقاسمه، ماهو بصراحة مش كل يوم هنلاقي حد قمر كده."
ضحكت جنا عليهم. حسناً، هي قد اعتادت على جنانهم ومزاحهم دائماً، فالاثنتين لا يتركون موقفاً إلا وقد حولوه إلى هزل وضحك. الفارق الوحيد بينهم أن شيرين تمزح مع من تعرفهم فقط، في حين أميرة تمزح مع طوب الأرض كما يقال، لا تستطيع البقاء لدقيقتين دون ضحك.
لتقول شيرين بمرح:
"ها، قولتي إيه؟ اتنين اهو، اعزمي عليه واللي تعجبه يشيل."
ضحكت بـ انطلاق في حين شاركوها الضحك. ليقطب هو جبينه ويحول أنظاره جهتهم بتعجب، لتكتم الفتيات ضحكاتها بصمت. ليبتسم هو عليهم وهو يمط شفتيها قائلاً ببساطة:
"مجانين."
لتهمس شيرين في أذن جنا قائلة بمرح:
"إنتي متأكدة إن هذا المز أبو عضلات وأبو عيون مش عارفين نحدد لونها دي أخو المجنونة دي؟"
أومئت برأسها بضحك لتقول بمرح:
"حيث كده أنا أنسحب من الصفقة، مسعاوزة أستغنى عن روحي، وبدل ما تدبح القطة تسمي بيا أنا."
ضحك الجميع بـ انطلاق، لتحمر وجنتيها خجلاً وقد لاحظت الآن أن صوتها كان مسموعاً للجميع. لتصمت ناظرة أرضاً. في حين ارتفع حاجب نهلة لتنظر لها بـ ابتسامة متعجبة وهي تضع عينيها الرمادية بعينيها، لتحول وجهها بعيداً ولا تعلم ماذا تفعل أو ماذا تقول.
ليربت العجوز على كتفيها بضحك قائلاً بمرح:
"إن كان على العيون الملونة بتاعتنا عجباكي أوي كده، ف مفيش مانع تحطي عدسات."
احمرت وجنتيها خجلاً لتنظر أرضاً. ليرحم هو خجلها وهو يدعوهم للدهول متغاضياً عن الموقف. في حين همست أميرة بمرح:
"مغرفتيش تفضحي نفسك أكتر من كده يغ لوزة؟ إيه سرينة واتفتحت؟ إنتي مش بتتكلمي؟ إنتي ماشاء الله كنتي بتعملي إعلان في البلد؟"
ضربت كتفيها بضيق قائلة بخجل:
"طيب اسكتي بقى."
ضحكت جنا لتقول بمرح:
"أنا بحمد ربنا إن عمو صالح مكنش معانا النهاردة، وإلا كان زمانه علقك على باب المزرعة."
أومأت برأسها وهي تشكر ربها لأول مرة على عدم وجود والدها بالمكان، وإلا لكان قتلها اليوم بسبب ذلك المزاح السخيف. لتنظر جهة أميرة قائلة بغضب:
"شفتي آخر صحوبيتي ليكي أهو؟ فسدتي أخلاقي."
ضحكت هي بشدة، لتجيبها بمرح:
"وأنا مالي يالمبي؟ هي كده كده فاسدة."
تحرك الجميع للدخول ولم يرو ذلك الذي كان يقف بالجانب يتطلع إليهم بـ ابتسامة بالكاد يمسكها حتى لا تتحول إلى قهقهات عالية لكي لا يحرجهم، ثم تحرك بعدها جهة المزرعة يقوم بأعماله ويتابعها.
_________________
تحرك هو ليقف أمام البناء الذي يسكنه ليجده يقف أمامه ناظراً جهته بضيق ليقول بغضب:
"مواعيدك محتاجة إنها تتعدل، وإلا والله لأعدلها أنا."
نظر له برعب من تحوله هذا، فأكثر ما يخيفه هو غضبه الأعمى، ليجيبه بخوف:
"الطريق زحمة، أعمل إيه؟"
نظر له بضيق ليستقل السيارة بجواره بعد أن نظر للسيلرة خلفه وهو يجيبه بغضب:
"اطلع بدري."
زم شفتيه بضيق وهو يتحرك بسيارته مجيباً ببساطة:
"ومتاخدش عربيتك ليه أسوق بيك أنا ليه؟"
ارتفع حاجبه له ليجيبه بتهديد مبطن:
"هو الكلام ده ليا؟ شايف إن شوكتك علت؟"
أشاح بيده بضيق وهو يتكتم بكلمات غير مفهومة ومن المؤكد أنه يسبه بها، ليجده يقول بصوت حاد:
"اكتئم."
صمت لبرهة ليجده يقول بعدها بضيق:
"مجاوبتنيش، ماخدتش عربيتك ليا؟"
نظر في شاشة هاتفه وهو يجيبه بهدوء:
"ماليش مزاج أسوق، لأن الطريق طويل، دي أول حاجة، تاني حاجة، لأن مش بـ كتر العربيات، إحنا مش رايحين نعرض عربيتنا هناك، إحنا رايحين نقضي مصلحة."
صمت ولم يجب لبرهة، لينتبه الآخر إلى انحرافه عن الطريق ليتساءل بتعجب:
"إنت رايح فين؟"
نظر له ليجيبه بهدوء:
"متخافش مش خاطفك، باسل سمع امبارح إننا رايحين المزرعة، فـ قال إنه عاوز يروح، وأهو يغير جو، وخصوصاً إنه النهاردة إجازة."
قطب جبينه ليهتف بغضب:
"إنتو عاملين عليا رباطية بقى؟ ما داهية لتكونوا فاكرني مجنون بجد ومحتاج مرافقة طبية طول الوقت؟"
نظر له بقرف ليجيبه بضيق:
"رباطية إيه ونيلة إيه، كل الموضوع إن الراجل عمره ماراح أرياف ونفسه يشوفها ويشوف المزارع والخضرة بدل قاعدته مع المرضى النفسيين، حب يغير جو بدل ما نلاقيه هو اتجنن."
نظر له بدون تصديق، ليجده يكمل بقرف:
"مش عارف عاوز يشوف إيه، ده سايب المجانين علشان يشوف البهايم. اتلهوا انتو الاتنين."
اتسعت عيناه بصدمة من حديثه الغريب هذا، الفتى يحتاج إلى إعادة ضبط لسانه العجيب ومخارج ألفاظه. فتح فمه للحديث ليجده يتوقف حول أنظاره جهة ذلك الذي يقف أمامه غلضبا وهو يصرخ بغضب:
"مواعيدك يا جدع إنت! إيه معندكش التزام؟ بقالي ساعة واقف."
أشاح بيده وهو يقول بغضب:
"يا شيخ اتلهى."
ارتفع حاجبيهم بصدمة، في حين نظر له باسل ليجيبه بتعجب:
"هو إنت معندكش غيرها الكلمة دي النهاردة ولا إيه؟"
نظر له ليجيبه بضيق:
"ماهو أنا مش سواق البهوات، كل واحد يبهدلني. اللي مش عاجبه يركب عربيته ويروح، أه."
ارتفع حاب آخر ليقول بتحذير:
"إنت قد الكلام ده."
adام يرد عليه بل نظر امامه ليقطب جبينه ويحول انظاره جهة الخلف بتساؤل، ليمط الاخر شفتيه وهو يهز كتفيه بجهل، ليعيد انظاره جهته متسائلاً بتعجب:
"فيه إيه؟ إيه اللي حصل لده كله؟"
نفخ بفمه بضيق ليقول بغضب:
"هو النهاردة اليوم العالمي للفسح وأنا مش عارف؟ أنا رايح وإنت رايح وفارس يتصل بيا ويعرف إننا رايحين وعاوز ييجي. وقال إيه ليليان تعيط وتتخانق معايا وعاوزة تيجي. إيه هو احنا رايحين رحلة وأنا معرفش؟"
ضحك عليه ولم يجب، في حين حول انظاره جهة الخلف متسائلاً بتعجب:
"وإنت إيه اللي جابك يا أترس؟ إيه عاوز تقيم الأداء النفسي للبهايم؟ ولا اتصلوا وعاوزينك تعالج جاموسة نفسياً؟ إيه تكونش واحدة فيهم جالها اكتئاب ما بعد الولادة وإنت رايح تعالجها؟"
ضحك نبيل في حين ابتسم فارس عليه وهو يجيب:
"خفة خفة."
ابتسم هو أيقول بجدية:
"لا بجد."
حول انظاره للجانب ينظر من زجاج نافذة السيارة وهو يجيب بهدوء:
"تغيير فضول، راحة نفسية مع الخضرة، إني أشوف ناس جديد، أو أقلّه نقول خروجة مختلفة عن اللي بنروحها. اعتبرها زي ما تعتبرها، بس نفسي أغير، نفسي أشوف الهضرة والطبيعة والبساطة على أصولها، بعيداً عن زيف المدن والناس. نفسي أشوف الشمس من غير ما يحجبها عني عماير."
ثم أكمل بضحك:
"ونفسي أشوف البهايم، اللي مش بعيد تكون بتفهم أكتر من البني آدميين."
كان ينظر بـ اتجاه معين وهو يتحدث، ليضحك باسل. في حين لاحظه الآخر ليهتف بغضب:
"والله لأوقف العربية وأرميكم منها إنتو الاتنين. ماهو أنا مش النكتة بتاعتكم."
ضحك كلاهما ليقول فارس:
"يابني نفسي أعرف إنت ليه المعلومة بتوصلك متأخر، وليه الزربونة وضيق الخلق دي؟ أقولك تعالى العيادة وأعالجهالك."
أشاح بيده ليجيبه بضيق:
"عالج نفسك الأول وخد جرعة شجاعة كده بدل ما إنت مش عارف تقول كلمتين."
احمر وجهه وأصبح يحاكي حبة الطماطم، ليحول وجهه جهة الهارج، ليلتسم بتسل دون تعليق، وهو يدرك إلى أين يرمي صديقه بالكلام، فهو يعلم أنه عن حبه لـ جميلة والذي لا يستطيع الحديث عنه.
ليجده يقول بعدها بهدوء:
"أظن إن الكل عارف كل حاجة ومن زمان، أنا بحبها وهي كمان بتحبني."
ليجده يكمل بعدها:
"أنا صارحتها أصلاً بحبي."
التف باسل يناظره بغضب:
"إنت بتقرطسنة يا فارس؟"
أشاح فارس بيدهزمجيبا ببساطة:
"يا شيخ اتلهى."
اتسعت عيناه وهو يحول انظاره بينهم، بتنطلق ضحكات نبيل في السيارة، في حين صرخ بهم بغضب:
"دي بقت لبانة في بقكم بقى؟"
نظر له فارس ليجيبه بضيق:
"أصل مش طريقة يعني، بـ قرطسك إيه؟ إذا كنت أنا صارحتك من زمان إني بحبها وأنا مفضوح بيها أصلاً، وعلى كلا كدة كدة هتقدملها بعد كام يوم، أصل أنا مش عيل."
تنهد باسل بهدوء، لينظر للاخر بنظرة ذات معنى، ليقول بهدوء:
"هيخطب ها؟"
نظر له الاخر وهو يمط شفتيه مجيباً ببساطة:
"آه، وماله."
أومئ برأسه وهو يكمل:
"أنا عندي إحساس إن كلنا هنتجوز، وإنت مفيش كلبة هتبصلك بلسانك ده."
حول انظاره جهته ليجيبه بمزاح:
"إن كنا ننخلل فـ إحنا هنخلل سوا. أنا مش هتجوز أصلاً، لكن مش بـ عبد بكرة تقول أنا مش هتجوز لأني خلاص اتجوزت في الحلم."
ضحك فارس بصوت مكتوم، في حين ناظره بغضب ليقول بضيق:
"طيب اكتتم واقفل على الموضوع دو أصلاً، وإلا هقتلك."
صمت لبرهة ولكنه لن يستطع الصمت أكثر، ليقول بفضول ممازح:
"الا صحيح يا باسل، بعد مغامرة المصنع مجاتلكش في الحقيقة تعتذرلك أو تديك حقيقة جديدة؟"
"نبيل."
قالها بتحذير، ليقول الآخر بمرح:
"ما أخدتش رقمها أو عنوانها في الحلم، طيب."
"نبيل بس."
صمت هو في تلك اللحظة بعد أن رأى بعينيه تحول صديقه. فقد أصبحت عيونه حمراء كالجحيم، عرقه ينبض في عنقه. تحوله هذا أصبح مخيف بل مرعب، ليجد أنه من الأسلم له أن يصمت بدل من أن يهدر عمره في سبيل إغاظته فقط. فكل شيء له حدود، وباسل بالذات إن تخطيت حدودك معه، فهو أدرى الناس بيده، فهو يملك كفاً يساوي مطرقة حديدية ثقيلة تستطيع دق عظامك بسهولة. لذا من الأسلم له عدم إغاظته، فهو عليه أن يعلم متى يجب المزاح ومتى يجب الصمت والخنوع.
ليحول انظاره للخلف جهة ذلك الهادئ الذي ينظر من الزجاج ليقول بهدوء:
"شايفك ساكت مش عاوز تقول حاجة، فيه حاجة مضايقاك؟"
هز رأسه وهو يجيبه بهدوء:
"لا، مش عاوز أتكلم. أنا عاوز أتفرج وبس."
هز رأسه ليصمت بدلاً من أن يجره لسانه إلى أن يقول كلمة تغضب أحدهم، ومن الواضح أن كلاهما لا يملك المزاج الرائق للمزاح الآن، ليركز على قيادته في حين أخرج الآخر عاتغه ينظر به بتدقيق. أما الآخر فظل ينظر من الزجاج يتطلع إلى الصحراء الواسعة أمامه بهدوء غريب.
___________________
وقف مع جده قائلاً بهدوء:
"اتصل بيا الراجل وقال إنه جاي النهاردة وعاوز يعاين، وبقول إنه جاي معاه دكاترة، ولو عجبهم عاوزين كمية."
أومئ العجوز برأسه وهو يقول بهدوء:
"هو كلمك إنت ولا أبوك؟"
أجابه بهدوء:
"هو كلم أبويا، بس برده أنا كلمته لما لقيته يسأل عن الدكتور البيطري المسؤول فيه ولا لا."
أومئ العجوز برأسه ليقول بهدوء:
"تمام، شوفهم عاوزين قد إيه واديهم، وأنا هوصي الجماعة في البيت يجهزوا أكل."
هز رأسه نفياً يجيبه ببساطة:
"مفيش داعي يا جدي، أنا كلمت أمي وهي عرفت. وبعدين كدة كدة هتجهز عشان الناس اللي جم دول."
هز العجوز رأسه بهدوء ليصمت بعدها لبرهة وهو يلاحظ بداية انشغال حفيده بالعمل، ليقول بهدوء:
"باسم."
همهم باسم دون أن يرفع رأسه من على العلاج أمامه وهو ينظر بالورقة التي أمامه، ليقول العجوز بهدوء:
"فكرت في موضوع جنا."
لم يتحرك له جفن وهو يجيب بهدوء:
"موضوع إيه؟ مش فاهم."
أغمض عبد الحميد عينيه ليقول بضيق:
"موضوع جوازك منها."
ارتفع رأس باسم كالسهم من على الأوراق أمامه ليسأل بصدمة:
"جواز إيه؟ جواز مين؟ من مين؟ مش فاهم."
أجابه عبد الحميد بهدوء:
"جوازك إنت من جنا بنت عمك. إيه مجاتش على بالك خالص؟ إيه مش عجباك؟"
نظر له باسم ليقول بصدمة:
"لا، أيتني استنى يا جدي. جنا مين اللي ارفضها أو أقبلها؟ جنا ست البنات يتمناها أعلى الصول والأنبياء. متعجبنيش إزاي يعني؟ دي جمال ورقة وطيبة وكل حاجة."
ابتسم عبد الحميد بسعادة ليقول بفرحة:
"معنى كده إني أطلبهالك من عمكن."
نفى برأسه وهو يقول بهدوء مصدوم:
"جدي، أنا بحب جنا فعلاً، لكن جنا أختي. عمري ما شفتها غير زي نهلة بالظبط. بحبها أختي، أنا في ضهرها وسندها وواقف جنبها، لكن كـ أخت."
نفخ عبد الحميد ليقول بغضب:
"وجنا عيبها إيه علشان متفكريش فيها؟"
أغمض عينيه بضيق. كيف يوضح له كيف يوصل له ما يشعر به؟ الأمر لا يعيبها أبداً، ولكن الأمر متعلق بالقلب. يقسم يقسم أنه حاول بكل الطرق أن ينظر لها بمنظور آخر، ولكنه كان يشعر بالنفور من نفسه. لم يستطع، لم يستطع سوى أن يشعر بها كـ أخت فقط، كـ صديقة. هي أفضل جميع الفتيات، هي التي لم يكن من بنات حواء من هي مثلها، ولكنه لم يكن لها أي مشاعر أبداً أبداً. لذا تنفس وهو يقول بروية:
"جدي، أنا مش بقول إن جنا بيعيبها حاجة أبداً. أقسم لك إن جنا ست البنات، بس مش كل العلاقات مربوطة بالحب والجواز. أنا بحب جنا بس كـ أختي، معرفتش أحسها حاجة تانية. معرفتش أحسها حبيبة أو أي حاجة تانية. مش شايفها غير جنا أختي اللي اتولدت قدامي، اللي كنت بمسك إيدها أعلمها المشي، اللي يا أما شلتها على كتفي زيها زي نهلة بالظبط. إزاي بقى بتطلب مني إني أشوفها بطريقة تانية؟ معرفش والله معرفت."
تنهد عبد الحميد بضيق وهو يقول:
"ماهو أو نشيل الفكرة دي من دماغنا، الموضوع هينفع."
نفى برأسه وهو يقول:
"معرفتش والله معرفت."
زم شفتيه وهو يجيبه بضيق:
"أنا مستخسرها يا ولدي، البنت كيف الجمر وعقل وطيبة وأخلاق وكل حاجة، وعاوزها هنا جنبي، وأنا عارف إن محدش هيشوفها ويخليها تعدي من تحت إيده، فـ إنت أولى بيها."
ابتسم بهدوء وهو يجيب جده ببساطة:
"الجواز قسمة ونصيب يا جدي، وإنت أدرى واحد بالقلب وطرقه، وأنا قلبي لسه مدقش لحد، ويوم ما هيدق مش هعتق اللي هحبها غير وأنا مخليها في بيتي. وأتمنى لـ جنا حد يكون بيستاهلها ويحبها بجنون."
هز عبد الحميد رأسه بـ أسى ليتحرك بضيق. كل هذا وكان تحت مرأى ومسمع عيون عسلية شاهدتهم صدفة، لتبتسم بجذل على ذلك الطبيب الرقيق، لتدعو بقلبها أن يكون ذلك الطبيب ذي العيون العجيبة لها.