تحميل رواية «ملكة قلبي» PDF
بقلم مريان بطرس
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
داخل تلك الغرفة بذاك المبنى الضخم الراقي، تدخل من بابه لتجد أثاثًا باللون البني الداكن، وأريكة فخمة على إحدى الجوانب من اللون البني والكافيه، وذلك المكتب بالجانب، وذاك الحاسب المحمول الموضوع عليه من أفخم الماركات وأغلاها، وتلك الملفات المتراصة بترتيب وتنظيم عالٍ جدًا. من الوهلة الأولى التي تنظر بها داخل ذاك المكتب، تعلم أنه يخص أحد رجال الأعمال الأثرياء وأصحاب الذوق الرفيع، وبنفس اللحظة من المهتمين بالترتيب والنظافة بشدة. وأمام تلك الشرفة الزجاجية التي تحتل حائطًا كاملاً من بعد مكتبه وبطول الحائ...
رواية ملكة قلبي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم مريان بطرس
أميرة دي يا فارس؟
صمت فارس يتطلع إليها بنظرات مبهوتة وهو يتساءل داخله نفس السؤال: لم أميرة؟ لم هي من خطرت على باله؟ لم نطق باسمها وارتعد عليها فجأة؟ ولكنه أرجع الأمر إلى أنها الفتاة الوحيدة الخرقاء التي قابلها بحياته، وهي الوحيدة التي تتصرف تلك التصرفات الهوجاء.
لينظر إليها بهدوء ثم صعد سيارته، لتصعد بجانبه وهي تنظر جهته بتحقيق. لتجده يشعل السيارة وهو يجيبها بلا مبالاة:
بنت قابلتها لما كنا في الصعيد مع باسل. وهي من هنا من مصر، بس تصرفاتها مجنونة كده، يعني تمشي وهي حاطة الهاند فري في ودانها ومعلية الصوت على الآخر وممكن تعمل حادثة.
"واشمعنى هي؟ ليه افتكرت البنت هي؟" كان السؤال تحقيقًا أكثر منه سؤالًا بريئًا.
ليعيد عينيه جهتها بتعجب، ليجد عيناها تحترق من الغيرة. ليبتسم عليها بتعجب:
جميلة! هل جميلة تغار؟ منذ متى هذا الأمر؟ ولكن صدقًا الأمر أعجبه بشدة.
ولكنه على الرغم من ذلك أجابها بهدوء:
يمكن عشان تصرفاتها زيها، ويمكن لأنها تقريبًا من ضهرها نفسها، تقريبًا يعني لون شعرها وتقريبًا رسمتها، فافتكرتها هي عادي يعني.
"بس كده؟ مفيش حاجة تانية؟"
التفت ينظر جهتها بصدمة، في حين ارتفع حاجبيه ذهولًا. لتجده انفجر في الضحك مرة واحدة وهو يجيبها بهدوء:
بس كده.
ثم وجدته يقترب منها بوجهه مرة واحدة متسائلًا بنبرة خبيثة:
اديني جاوبت. قولولي بقى انتي عاوزة إيه؟ إيه سبب الأسئلة الكتيرة دي؟
ثم غمزها بعينه بعبث متسائلًا بمكر:
ليه سر الاستجواب ده؟ عاوزة توصلي لإيه يا جميلة؟ إيه اللي قالقك؟
احمرت وجنتيها خجلًا، لتقضم شفتها السفلى بخجل. ليتتبع حركتها بعينه، ثم رفع عينيه جهة عينيها بابتسامة خبيثة. لتنتبه لابتسامته الماكرة لتزيحه للخلف قائلة بغضب وخجل:
اتأدب واقعد مكانك عدل، سامع! وبطل قلة أدب.
ضحك بشدة، ليرفع حاجبيه بذهول وهو يتساءل بمكر:
أنا عملت إيه عشان تقولي كده؟ أنا بس بسأل، عاوزة إيه من الأسئلة دي وإيه سببها؟
ظلت تنظر جهته بغضب، لتقول بضيق:
طيب اتعدل وانت قاعد وخليك مكانك، عيب وحافظ على مسافة آمنة بينا وخليك محترم، فاهم؟ وخلي بالك إحنا في الشارع.
انفجر بالضحك أكثر، لتجده يصف السيارة جانبًا، ليلف جسده ينظر جهتها بحب. ليمسك يدها يضعها بين يديه الكبيرتين، ثم نظر داخل عينيها بعشق قائلًا بصوت عميق:
جميلة! خليكي عارفة إني راجل واحد، لست واحدة، وإنتي الواحد ده. إنتي حب حياتي، طفولتي وشبابي. إنتي اللي اتولدت لقيتني بحبها. إنتي اللي عشقك وحبك هو الهوا اللي بتنفسه. إنتي حياتي وقلبي ودقاته. إنتي كل حاجة بالنسبالي يا جميلة. إنتي الوحيدة اللي عيني لما بتغمض مبشوفش غيرها. إنتي صاحبة السحر اللي قيدني من سنين. أنا مفتون بيكي وبسحرك يا جميلة. مفتون بكل حركة منك. فاهماني؟
ثم وجدته يرفع يدها يلثم ظاهرها، ثم أسدل عينيه ناظرًا بعمق عينيها قائلًا بعشق وهو يرفع يده الحرة يضعها على صدره:
إنتي اللي ملكتي قلبي وكياني. إنتي الوحيدة اللي قلبي بيدق عشانها. إنتي الوحيدة بين النساء اللي قلبي بينحني عشق وحب ليها. إنتي حبيبتي الوحيدة يا جميلة. إنتي اللي بسهر ليلي أفكر فيها. إنتي وبس يا جميلة. إنتي وبس.
ابتسمت جميلة بحياء وقد احمرت وجنتيها بخجل، في حين كان قلبها يرفرف بعشق. لينظر لها قائلًا بهدوء وحب:
جميلة، أنا يوميًا بقابل ستات بعدد شعر راسي، بس مفيش واحدة فيهم بتحرك شعرة من شعر راسي. مفيش واحدة بتسرق دقة واحدة من دقات قلبي. لكن إنتي كل دقة بتصرخ باسمك. مفيش واحدة في الدنيا ليها السحر الخاص بيكي اللي بيفتني ويجنني. سحر فتاتي الصهباء صاحبة الجوهرتين السوداويتين اللي بتسرق أنفاسي بمجرد ما بشوفها، وبعشق كل حاجة فيها بجنون.
سعادة تملكتها في حين قلبها كان يضرب داخل صدرها بجنون، وهي تشعر بالسعادة من ذلك الحب الذي يكنه لها، والذي لا يعبر عنه بكلماته فقط، إنما بكل نظرة ونفس يخرج منه. ليرد عليه قلبها بدقاته العاشقة وعينيها تضحك في وجهه بحب، بعشق، بوله وهيام. هو عزز بكلماته حبها وسعادتها وأنوثتها. هو الوحيد الذي تبحث عينيها عنه وتضحك عينيها قبل شفتيها بمجرد رؤيته. هو الوحيد المحتل قلبها وكيانها. تثق به، نعم، وأكثر من ثقتها بنفسها. تعرفه حق المعرفة كمعرفة باطن يدها. ولكنها تغار، ومن حقها، فهو الوحيد الذي لن تشاركه مع أحد، حتى بنظرته. فلينظر لها هي فقط بتلك الابتسامة، بذلك الاهتمام. فارس لها هي فقط، لها من قديم الأزل، منذ وعيت على الدنيا، ولن تقبل بحقيقة أخرى. وليفهم العالم كله هذا الكلام.
لترفع عيناها تجاهه قائلة بحب وسعادة:
فارس.
همهم فارس بابتسامة عاشقة، لتجيبه بنبرة ناعمة رقيقة عاشقة:
أنا بحبك أوي يا فارس. بحبك بجنون. بحبك أكتر من أي حد في الدنيا. بحبك من أول ما وعيت على الدنيا.
ابتسم فارس لها بعشق وهو يجيب بثقة:
عارف.
لتتوحش نظراتها وأشهرت سبابتها قائلة باجرام ونبرة متوحشة مخيفة:
عشان كده خليك عارف إني مش بشاركك مع حد ومش هسمح لحد يقرب منك مين ما كانت تكون. ف علشان كده خلي بالك كويس. لو واحدة بصتلك هقتلها. لكن لو أنت اللي بصيت لها...
نظر لها منتظرًا إجابتها، لتكمل بابتسامة متوحشة وهي تمسح على كتفه بذراعها:
هفقعلك عينك يا فارس. ووقتها مش هينفعك نضارات. وساعتها هفضل أنا اللي في حياتك وهبقى سندك بجد. وهفضل معاك واسندك منين ما تروح. لأنك حبيبي وقلبي.
اتسعت عينيه يذهولًا، ليتراجع للخلف بصدمة. لتومئ برأسها مع ابتسامة شريرة مؤكدة كلامها، وهي تشهر سبابتها قائلة:
ومش بهزر على فكرة. ف خلي بالك، لأني معنديش هزار في المواضيع دي. ماهو يا كده يا هقتلك.
أومأ برأسه بخوف وهو يجد نظرة الاجرام تلك محتلة عينيها. وهو أدرى شخص بحقيقتها من كذبها. فهو بالنهاية طبيب نفسي، وهو أدرى بنظرات من أمامه، حقيقة أم كذب. وما أمامه مرعب. ليشعل سيارته قائلًا بهدوء:
يلا نروح.
أومأت برأسها لتبعد عينيها تنظر من زجاج السيارة بجوارها بابتسامة. ربما لن تفعل ذلك، ولكنها بالفعل مجنونة بعشقه وحبه. ولا تعلم ماذا ستفعل إن ابتعد عنها. ستموت حتمًا، ستنتهي لا محالة. لذا فهي لا تدري ماذا ستفعل وقتها. ولكن ما تعرفه أن كلا من الحب والحرب لا يخضعان للمنطق، إنما للمشاعر الجياشة. وهي مشاعرها تجاهه بحر جارف لا شاطئ له، وهي قد غرقت به، وستغرقه لا محالة... لا محالة.
***
ركض للخارج بسرعة بعد سماع تلك الكلمات من فم الصبي، في حين كانت هي تتبعه بسرعة حاملة بيدها حقيبة عمله. ليركض داخل إحدى الحظائر، ثم جثى على ركبتيه أمام تلك الفرسة والتف ناظرًا لها، ثم جهر بصوته صارخًا بقوة:
شيرين، اديني السماعة بسرعة.
أومأت برأسها لتعطيه إياها، ليضعها بأذنيه، ثم بدأ العمل تحت نظراتها المدققة التي ترصد كل حركة منه. ليبدأ عمله، في حين تركض هي حوله تجلب له بعض الأشياء والأدوات. إلى أن أوقفوا الفرسة وسندوها لتبدأ في الولادة، إلى أن وضعت مهرها. وهبط معه بعض الدم والماء. ليتنفس هو بارتياح، ثم بدأ يتفحص صحتها وصحته. وما إن انتهى حتى تنهد بارتياح وهدوء أخيرًا. ليبتسم لها قائلًا بشكر:
شكرًا.
ابتسمت في وجهه برقة قائلة بهدوء:
العفو، على إيه؟ ده واجبي. وبعدين أنا استفدت، المفروض أنا اللي أشكرك.
ضحك ولم يتحدث. لتقول هي بهدوء وهي تنظر في يديها:
هروح أغسل إيدي.
أومأ برأسه، ولكنها ما إن تحركت وأدارت ظهرها جهته حتى لفت انتباهه أمر ما. ليدقق النظر بظهرها ليجده كما رأى. ليضغط على شفتيه بضيق، ثم سرعان ما هتف بها من الخلف يوقفها:
شيرين.
توقفت شيرين تنظر جهته بتعجب من حدة صوته مرة واحدة. لتجده يركض تجاهها وهو يخلع قميصه الأزرق، ليبقى بكنزته القطنية البيضاء بنصف أكمام. ثم أعطاه لها وهو ينظر بعيدًا وهو يقول بقوة:
اتفضلي.
قطبت حاجبيها بتعجب، وهي تتساءل بجهل:
إيه ده؟
تنفس بهدوء، لتجده يفرد أكمام قميصه. لتجده يسحبها تجاهه، ثم مال عليها يلف يديه حول خصرها ويقترب بجسده منها لتصبح بين أحضانه فجأة. في حين كانت أنفاسه قريبة منها تلفح عنقها وأذنها. لتشهق بفزع وخوف، لكنها تفاجأت بشيء يربط حول خصرها. في حين همس صوته الهادئ بأذنها وهو يحيطها تقريبًا بذراعيه:
اهدئي، متخافيش. إنتي طار على بنطلونك البيج من ورا دم. تقريبًا إنتي قعدتي عليه. فالبنطلون من ورا كله دم وواضح. واللّي هيشوفه هيفهم غلط.
شهقت بجزع، لترفع أنظارها جهته بخجل. ليبعد هو عينيه بعيدًا عنها بهدوء بعد أن أنهى ما فعله، محافظًا على مسافة آمنة بينهم. ليقول وهو يلف جسده وينظر بعيدًا عنها:
من الأفضل تروحي تغيري هدومك. وممكن تاخدي دش علشان الريحة وكده.
أومأت برأسها لتركض بعيدًا بخجل. ولكنها ما إن ابتعدت مسافة حتى لفت وجهها تجاهه تنظر جهته. لتجده على نفس وضعيته، ولكن وكأنه شعر بنظراتها تجاهه. لتجده يلف وجهه تجاهها، وما إن تلاقت أعينهما حتى ابتسم لها ابتسامة حنونة رقيقة. لتحمر وجنتيها خجلًا وتركض بسرعة بخجل من أمامه. في حين كانت ضربات قلبها تقرع داخل صدرها كالطبول. ولكنها ما إن أدارت ظهرها وركضت من أمامه حتى اتسعت ابتسامة هائمة على وجهه، في حين لمعت عيناه كالنجوم. وهو يدرك جيدًا بأن هناك نابضة شاردة دقت في قلبه وحاله لم يبق كما هو. إنما هناك جزء من عقله وقلبه قد سرقته تلك الصغيرة واحتفظت به.
***
بعد أن انتهت من حمامها وبدلت ثيابها، وقفت تنظر لذلك القميص الملقى أمامها على الفراش بشرود. لترتسم ابتسامة ناعمة على شفتيها. لتشرد في ابتسامة هادئة وحنان غريب عليها، وحمية رجولية لم ترها من قبل، وشهامة من رجل غريب أثار عواطف جياشة داخلها. لتقترب من ذلك القميص تنظر له بابتسامة وهي تتذكر عيون خضراء داكنة أقرب للرمادية تنظر جهتها بتيه وشرود وتدقق بتفاصيل وجهها. لترتفع لا إراديًا دقات قلبها داخلها. لا تنكر وسامته الفذة وملامحه الرجولية الوسيمة. لا تنكر عيناه الساحرة التي حينما تتطلع إليها تنسى عالمها وما فيه. فقط تتوه بمشاعر جديدة عليها. ولا تدري كم من الوقت مضى وهي تدقق بها. فقط تريد تحديد لونها جيدًا. وبالكاد تستطيع إبعاد عينيها عنها.
أحاطت جسدها بذراعيها وهي تتذكر احتضانه لها بذراعيه رغبة منه فقط بربط قميصه على خصرها منعا لإحراجها. ليحمر وجهها لا إراديًا. كم مرة سقطت في أحضانه بالمعنى اللفظي والحرفي دون رغبة من كليهما في ذلك الحضن. هذه المرة لا تدري أهي الثالثة أو الرابعة. ولكنها لا تنكر شعور بالأمان والاطمئنان يكتنفها بين ذراعيه وبجواره. لم تشعر من ناحيته بأي خوف أو بأي مشاعر مقلقة. إنما هي تشعر بالأمان والاطمئنان. صوته يهدئها. رِقته وهدوئه يثيران زوبعة مشاعر عنيفة داخل صدرها. ولكن، هل يشعر مثلها بأي شيء تجاهها؟ أم هي مجرد مشاعر من طرف واحد؟ لا تعلم حقًا. ولكنها تشعر بالأمان معه، بالراحة في الحديث معه، بالرغبة في التيه بين عينيه والإبحار بين مشاعره التي تظهر به. ترغب بأن تأكل معه دائمًا وتغرق بين ذراعيه لتستمتع دائمًا بالشعور بالأمان معه.
رفعت قميصه جهة أنفها تشمه. تسحب عطره ورائحته داخل صدرها. رائحته تشعرها بالراحة والأمان.
تعلم جيدًا أن تلك المشاعر خطر عليها. تلك المشاعر خاطئة، وبالأخص لها كفتاة. فهي حتى وإن أحبته، فهي لن تستطيع فعل شيء مقابل ذلك الحب. فهي لديها كبرياء، وبالطبع لن تقترب منه أو تحاول لفت انتباهه ناحيتها. فهي بالنهاية فتاة ولا يجوز للفتيات أن ينحنين للحب. فهي يجب عليها فقط أن تخضع لمن يحبها. فهي ليس لديها رفاهية الاختيار. فربما من ستختاره لن يختارها. إذا ماذا ستفعل؟ ولكن ما علينا، للقلب سلطان. فهو لديه سلطانه الخاص به. وهي لا تكذب إن قالت إنها منذ رأته للمرة الأولى وقد شعرت بأن هناك شيء تغير بها. دقة عنيفة اكتنفتها، شيء سُلب منها. ولكنها لا تستطيع فعل شيء.
ترقرقت عيناها بالدموع. ماذا يحدث معها؟ وترى هل هو يشعر بها؟ هل يستطيع أن يكون لهما مستقبل معًا؟ أم يجب عليها أن تدفنها داخل صدرها؟ لن تكذب إن قالت إنها أعجبت به بشدة. فهي لم تر تلك الرجولة والقوة والاحترام والشخصية القوية بحياتها. إنما من أمامها.
أغمضت عينيها تنهي تلك الأفكار. تنهيها بالفعل. لا تريد أن تتذكر. تريد أن تنسى. تريد أن تعطي نفسها هدنة. فهي قد هربت من بيتهم فقط لترتاح من تلك الأمور. ابتسمت ساخرة، فهي هربت من مشكلة لتقع ببئر عميق.
سالت دموعها على وجنتيها. ثم رفعت عينيها جهة السماء قائلة برجاء:
"يا الله أنقذني من ذلك البئر العميق. نجني يا حتفظ عبيدك. ارحمني وانقذني. فليس بين بني البشر معين سواك".
داخلها زوابع ولا يعلم عنها أحد. وزادها وجودها هنا رياح عاتية أيضًا. ترغب في الأمان والهدوء. لكن ترى هل سيحدث هذا؟ لا تعلم هذا أبدًا.
مسحت الدموع عن وجنتيها لترفع القميص تضعه على يدها لتذهب به إليه. ولكن ما إن فتحت الباب للخروج حتى تفاجئت بكلا من أميرة وجنى أمامها. نظرت لها أميرة متسائلة بتعجب:
كنتي فين؟ بندور عليكي من بدري.
ابتسمت لها بهدوء قائلة:
أنا هنا أهو. كنت باخد دش.
نظرت لها جنى بتعجب. بها شيء ما ليست على طبيعتها. ليلفت انتباهها ذلك القميص. تذكر ذلك القميص جيدًا. ذلك القميص يعود لابن عمها. هي رأته يرتديه اليوم. ولكن كيف أتى إلى يدي شيرين؟ ليترجم لسانها على سؤالها قائلة بتعجب وهي تشير جهتهما:
مش ده قميص باسم؟
نظرت شيرين للقميص، ثم رفعت عينيها تومئ لها بهدوء. لتقطب جنى حاجبيها بتعجب متسائلة:
وبيعمل إيه معاكي؟
سحبت شيرين الهواء داخل صدرها لتسرد لها ما حدث بهدوء. لتومئ جنى برأسها وهي تجيبها بابتسامة مرحة:
طيب حظك حلو إن باسم كان موجود، وإلا زمانك كنتي بقيتي فرجة.
ابتسمت لها ولم تعلق. في حين اتسعت ابتسامة أميرة وهي تقول مازحة:
أشطا يا معلم. أبو عينين مش عارفين لها لون. مهتم بيكي. مش بعيد قبل ما تخلص الإجازة تكوني مخطوباله. ويلا ضمنتي تحسين النسل. وممكن تجيبي عيون ملونة بدل الأبيض والأسود ده. أصل عيلة جنى دي عليهم ألوان في عينيهم يا خرابى تجنن.
احمرت وجنتى شيرين بخجل. في حين داخلها تتساءل: هل من الممكن أن ينظر إليها باسم؟ هل من الممكن أن ينظر إليها شخص بمكانته؟ فهي قد رأت عائلته. وعلى الرغم من كونهم يعيشون بالريف، إلا أن تلك المزرعة والأرض تقدر بمبالغ طائلة. في حين هي من أسرة متوسطة وبملامح عادية. أما هو فوسيم بشدة. ولكنها نهرت نفسها عن التفكير بالأمر. فهي قدرها معروف. حتى وإن لم تحبه أو ترغب به، ولكنه معروف. لذا لا داعي لأن تأمل شيئًا ما. وحتى وإن انتبه لها وأرادها، فهو لن يحارب لأجل قدرها ويحارب لينتزعها منه. لن يصل الأمر للحب. إنما سيكون مجرد إعجاب. لذا عليها طرد تلك الأفكار من رأسها. لذا رفعت عينيها جهة صديقتها قائلة بجدية:
متحلميش وخليكي على أرض الواقع. باسم العربي مش هيبصلنا وإحنا جايين إجازة مش جايين نتجوز.
قالت كلمتها بجدية تامة أقرب للحدة. ثم تركتهم وذهبت. لتقطب أميرة حاجبيها متسائلة بتعجب:
مالها دي؟ مش بطبيعتها. تقلب كده وإحنا بنهزر.
مطت جنى شفتيها قائلة بتعجب:
مش عارفة. بس باين مزاجها مش رايق وصوتها مش عاجبني.
ثم رفعت عينيها متسائلة بتعجب:
تفتكري باسم يكون زعقلها؟
قضمت أميرة شفتيها لتنفي برأسها مجيبة بثقة:
مظنش أبدًا.
نعم، لا تظن ذلك. فالأمر واضح للعيان. هذا الشاب معجب بها بشدة. بل إن عينه تبحث عنها. وما تراه منه أن الأمر بدأ يصبح تقرب للهوس. وتظن من خلال حديث صديقتها بأنه يتحين الفرص ليحادثها على انفراد أو يكون بجوارها أطول وقت. لذا لا تظن. والدليل قميصه الذي بيدها. إذا ماذا حدث؟ لا تعرف.
أفاقت على صوت جنى المتسائل:
أمال تفتكري إيه اللي حصل؟
هزت كتفيها وهي تنظر أمامها بشرود:
كله هيبان.
***
تحركت جهته بعد أن بدأت ملابسها. لتناديه برقة قائلة:
دكتور باسم.
التفت إليها بهدوء ليجيبها بابتسامة:
غيرتي.
أومأت برأسها بابتسامة مجاملة. ثم مدت ما بيدها قائلة بامتنان:
شكرًا.
أومأ برأسه ليتناوله من يدها وهو يجيبها بابتسامة:
العفو، ده واجبي. وشكرًا ليكي انتي إنك ساعديني.
أجابته بابتسامة:
العفو، على إيه حضرتك؟ أنا بتعلم منك والمفروض إن أنا اللي مديونالك.
رفع أنظاره ينظر بعمق عينيها. تلك الفتاة توتره بحق. توقعه بسحرها أكثر. لذا ولكي يتخلص من ذلك السحر، زعق بصوته على إحدى الصبيان. وحينما أتى، ناولها القميص قائلًا:
وديه المكتب وامشي. وأنا جاي وراك علشان ورانا شغل.
تحرجت من الموقف لتتنحنح مبتعدة تقف مع أصدقائها. ولكن عينيها ظلت تتابعه، تتابع حركته، تتابع تصرفاته. قوته وسيطرته وهيمنته على العاملين. تدقيقه بالصغيرة والكبيرة. عينيه ترصد أي شيء غير طبيعي. يتحرك هنا وهناك كشعلة متقدة. ثم يبدأ بمراجعة حساباته. أعماله. يبدو كطبيب ورجل أعمال. لا يترك شيئًا ويرفض أن يحمل والده أو جده هم العمل. كم يبدو شهم، وسيم، رجولي بشدة. يبدو كأحد أبطال الأساطير الخارجين من إحدى صفحات الروايات. يقف بشموخ وقوة. هو ذو صدر عضلي قوي وبشرة حنطية أقرب للسمرة الخفيفة. خصلاته السوداء الحالكة التي تهبط على عينيه ليرجعها للخلف. وعينيه تلك التي رغم ألوانها الجميلة وحنانها البالغ حينما ينظر إليها أو إلى أحد من عائلته، تختلف حينما تتقد وتكون حادة حينما يتعامل مع العمال. هو قوي ومسيطر، مهيمن، شهم وحنون ورقيق جدًا. محظوظة من تنال واحد مثله. ولكنها ليست من أولئك المحظوظين.
أما هو فكان يشعر بها وبتحديقها به. وهذا يزيدها سعادة على سعادته. يشعر بأنه يلفت انتباهها على الأقل. إن لم يثر إعجابها. وهذا يعزز ذكوريته وفخره بأنه يؤثر على أنثى وليست أي أنثى. إنما تلك التي يرتج لها قلبه. هو ليس بغبي. هو متأكد من ذلك. متأكد من أنه يلفت انتباهها وإعجابها. وأكبر دليل على هذا هو وقوفها الآن بعيدًا تنظر له بتدقيق. في حين هو يتحدث مع أحد عمال المزرعة يعطيه التعليمات بخصوص مواشي العلف. ماذا يفعل معهم ويتصرف.
قضم شفته السفلى بضيق حينما انتبه إلى أن العامل لف بعينيه بعيدًا ينظر جهة تلك التي تقف بالخلف. ليصرخ به بغضب أعمى:
بتبص على فين؟ هو اللي بيكلمك هناك. وأنا معرفش. متركز معايا هنا.
تنحنح الرجل ليجيبه بإحراج:
معاك يادكتور. مجصدش أبص بعيد. بس عيني سرحت.
صرخ به بغضب:
لأ. متخليهاش تسرح. بدل ما أقلعها من وشك. إنت تبص هنا قدامك مع اللّي بيكلمك. لو مش ناوي تتسرح من شغلك.
ثم أكمل بتحذير وهو يرفع سبابته بوجهه:
تركز في كل كلمة بقولها. لأني لو لاحظت غلط والله لكون مسرحك من هنا. فاهم؟
ثم احتدمت عيناه مكملاً بغضب:
وعينك متترفعش عن الأرض في حرماتنا. فاهم ولا لأ.
احمر وجه الرجل بإحراج ليردف بكلمات معتذرة. ليجد الآخر يشيح له بيده صارخًا بغضب:
امشي من هنا. غور. مش عاوز أشوف وشك.
تحرك الرجل من أمامه مطأطي الرأس. الدكتور باسم على الرغم من معرفته به وكونه دكتور وله مكانته، إلا أنه وعائلته معروفون بشدتهم وتشـددهم جهة العادات وجهة حرمات منزلهم. يرفض أن يتطلع بها أحد. ما زال على نفس المنوال القديم. لا يتمدن كما يقال أبدًا. ما زالت لديه الحمية القديمة المتشددة. وربما مع مكانتهم يخشى بالفعل من قطع رزقه. فهو يعلم بأنه قادر بالفعل على سلب لقمة عيشه حينما يتعلق الأمر بأي فتاة كانت.
وعلى ذكر الفتاة، يذكر بأنه هكذا رجلًا من يومه. يرفض أن يتحرش أحد بأي فتاة مهما كانت. حتى وإن لم تكن تعنيه. إذا تحدث أحد إلى فتاة وقام بمعاكستها أو أزعجها وكان هو حاضرًا أو مارًا، لا يمرر الأمر إلا بعد أن يمرر عليه حياته ويومه. ويقوم بتقويمه وسبه وتوجيهه. ثم إن كان عاملًا عنده، لن يتوارى عن قطع رزقه لأنه لم يكن رجلًا. والكلمة التي دائمًا يقولها: "اللي ما رضاهوش على أختي، ما رضاهوش على أي بنت".
الفتيات ومكانتهن لها مكانة خاصة لديه. وهو لن يتوانى عن مسح الأرض به إذا لاحظ أنه يتطلع بها أو يضايقها. لذا فلينظر أرضًا ويبتعد عن أي فتاة حفاظًا على لقمة عيشه التي يكد لأجلها. وليحفظ عينيه له ولرؤيته فقط. في حين التف هو ينظر جهتها مرة واحدة بغضب. لتتسع عينيها برعب وتلف وجهها بعيدًا. ليخطو هو الأرض جهتها بغضب. ثم وقف أمامها قائلًا بضيق:
إيه؟
رمشت بعينيها. ثم سرعان ما احمرت وجنتيها بخجل لتجيبه بهدوء:
إيه؟
ينظر لها بضيق ليجيبها بغضب:
إيه اللي موقفك كده؟
استطاعت بسهولة ملاحظة غضبه جهتها. ولكن ما السبب؟ هي لم تفعل شيئًا. ربما هي وقفت تتلصص عليه. تتابعه من بعيد. لا تنكر إعجابها الشديد به وبشخصيته. لا تنكر أنه يشع وسامة ورجولة. وأنه يجذبها تجاهه ببساطة بكل ما به. بتصرفاته التي لا تستطيع تحديدها. أهي راقية أم بربرية؟ هو مزيج بينهما. لتقع هي بالمنتصف بذهول وسطهم. لا تستطيع فهمه أكثر. ولكن على الرغم من إعجابها به، لا يحق له أن يعاملها هكذا. هي ليست أي أحد. وهو ما زال لا يعرفها. فهي شيرين صالح. ليس هناك أحد على وجه الأرض يستطيع التحكم بها أو إغضابها. لذا وجدت نفسها تنظر جهتها. ثم هزت كتفيها تجيبه ببرود بعد أن وضعت يديها بجيب بنطالها من الخلف:
مظنش يا دكتور إن أنا ممنوع عليا إني أقف في مكان معين. ولا إيه؟ وإذا كنت بتسألني واقفة ليه، فأنا بتابع الكلام بتاعك. أظن إنه تبع تخصصي وهيفيدني. وإن كنت نسيت، فأنا دكتورة بيطرية برضه زيي زيك.
ضغطت على جملتها الأخيرة خاصة لتنبهه إلى شخصيتها وكينونتها. ولكنها تفاجئت بنظرته الحادة تجاهها. وبالأخص جهة يديها. ثم سرعان ما وجدته ينظر يمينًا ويسارًا بغضب. ثم أرجع عينيه جهتها هادرًا بغضب:
شيلي إيدي من الزفت اللي حاطاه فيه ده. وانتبهي لحركاتك.
انتفضت من مكانها على صرخته الهادرة، لتتراجع للخلف بصدمة. في حين هدر هو صارخًا بغضب وحرقة:
انتبهي لتصرفاتك ولحركاتك طول ما إنتي برة البيت. هي مش غرور وغباء. واعرفي إنتي بتعملي إيه. إيه مش واخدة بالك إنتي حاطة إيدك فين وبتلفتي انتباه اللي حواليكي لأيه.
ترقرقت عيناها بالدموع. في حين صرخ هو غير منتبه لألمها:
إنتي متحوطة بالرجالة يا دكتورة. كفاية بنطلونك الجينز وإنك رايحة جاية قدامهم. قوم كمان مش منتبهة لحركاتك. إنتي كل اللي قدامك رجالة أغلبهم مش متعلمين. والمفروض كبنت مؤدبة تنتبهي لحركاتك. وبذات حركة زي دي.
تساقطت الدموع على وجنتيها. لينصدم هو. سرعان ما فتح عينيه وفمه ببلاعة. وهو يجد دموعها تزداد هطولًا أكثر. تنحنح ليجلي حنجرته. ثم حاول الاقتراب منها رافعًا يده وهو يقول:
شيرين أنا...
ولكنه صدم حينما رفعت هي يدها بالمقابل قائلة بغضب:
اياك.
تراجع للخلف بصدمة. في حين أكملت هي بألم وبكاء:
أنا عارفة أنا بعمل إيه كويس يا دكتور. وأنا بنت مؤدبة ومحترمة كويس أوي. وأنا مش غبية ولا مغرورة يا دكتور.
ثم صمتت تؤكد على كلامها مكملة بشهقات:
مش غبية يا دكتور. مش غبية.
قضم شفتيه وهو يعي ما قاله الآن. كيف كان قاسي وغبي هكذا. ليقول هكذا كلام دون أن ينتبه إلى حديثه. إن كان هناك غبي حقًا فهو هو. لأنه دائمًا ما يخرج كلماته دون تفكير أو دون انتباه لمشاعر من أمامه. غضبه دائمًا هو ما يتحكم به. ليجد نفسه أخيرًا واقعًا في موقع المدان. السبب غضبه. ليقول بهدوء وأسف:
شيرين أنا...
رفعت يدها تكمل بهدوء وهي تقاطعه للمرة الثانية:
إنت معاك يا دكتور. أنا غلطانة. ماهو أنا لو بنت محترمة مكنتش طلعت من بيتي. لأنه معروف من خرج من داره انقل مقداره. وأنا خرجت من بيتنا عشان أروح مكان غريب وأتقل على ناس تانية. ف طبيعي يتضايقوا مني. وبعدين أنا اللي سمحت لغريب إنه يتكلم معايا كده.
اتسعت عيناه بغضب. هل قالت إنهم تضايقوا من وجودها؟ هل تظن أنهم غاضبون من وجودها بينهم؟ ثم ما هذا؟ غريب؟ أهو غريب؟ ليصرخ بكلماته هذه بغضب:
إنتي فاكرة إن أنا متضايقين من وجودك وإني بزعقلك وبفرض تحكماتي عليكي؟ إنتي فاكرة كده فعلًا؟
رفعت عينيها تنظر جهته بقوة. نظرة مؤكدة لحديثه دون كلام. لينفي برأسه قائلًا بغضب:
إنتي مجنونة بجد. لأن كلامك ده مش طبيعي.
ثم أكمل بغضب:
وإنتي بتقولي إنه إيه غريب بيتحكم فيكي؟ مين ده اللي غريب؟
ثم أشار جهة نفسه صارخًا بغضب:
الكلام ده ليا أنا... أنا غريب بقى؟ أنا اللي غريب؟
ربعت يديها تخفي رعشتها. ثم رفعت أنفها بغرور. على الرغم من ترقرق الدموع بعينيها الصلبتين. مجيبة بقوة:
أمال إنت إيه؟ تكونش فاكر نفسك جوز خالتك وأنا معرفش؟
تفاجئ بجملتها تلك. ولكن ما فاجأه أكثر هو حينما وجدها تقترب منه بوجهها وتميل بجذعها العلوي عليه بعض الشيء قائلة بقوة:
أيوه. إنت غريب وملكش حق عليا. لا إنك تتحمم فيا أو تصرخ في وشي أو ترفع صوتك عليا أو تديني أي أمر.
تراجع للخلف مبعدًا وجهه للخلف بصدمة. ليتفاجئ بها تعود تعود بجذعها مكملة بقوة وجبروت. وإن كان لم يختف الألم أو الدموع من عينيها:
بس أنا هريحك من ده كله يا دكتور. المكان اللي تنداس فيه كرامتي، بخطيهوش. علشان كده أنا ماشية. ومش كمان شوية. لأ ده دلوقتي حالا. وارتاح مني ومن تصرفاتي بقى.
ثم دون كلام آخر وجدها تفك يديها لتتحرك للذهاب. وهي تغمغم بكلمات غير مفهومة وتدق الأرض بقدميها بغضب. ليعلم أن غضبها سيطر عليها أخيرًا. وهي الآن كطفلة صغيرة غاضبة من والدها. وقد أعلنت بغضب خصامها له لأنه لم يأخذها للملاهي. ويا ويل من يقع بين براثن غضبها. ليمسح هو على وجهه بضيق. ثم قال بغضب:
وهتحلها إزاي دي يا فالح؟
تحرك بغضب أعمى يلف حول نفسه. ها قد غضبت منه وردته الجميلة وطفلته الصغيرة أصبحت غاضبة. والسبب كل السبب هو وغضبه وغيرته.
بسسسسس.
ياترى باسم هيعرف يصالح شيرين ولا لأ؟
إيه سر شيرين؟
شيرين هتمشي فعلاً ولا لأ؟
إيه التطور بين فارس وجميلة؟
رواية ملكة قلبي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم مريان بطرس
ركضت من أمامه ودموعها تتساقط على وجنتيها.يالها من غبية سخيفة، صدقت حلم وردي رسمته بيدها. كيف اتبعت أحاسيس غبية وكانت كالبلهاء، ظناً منها بأنه ربما ينظر إليها. ولكن هاهي النهاية، هاهي طريقة نظره إليها: مجرد غبية وقحة تركت بيت والدها لتأتي إليهم بثقل ظلها. تتحرك هنا وهناك دون إذن أو احترام لمكانهم. وهي التي كانت قد بدأت ترسم أحلاماً وردية سخيفة، هو بطلها. يالها من سخيفة!! ياللحسرة عليها وعلى أحلامها.
مسحت دموعها وهي تمشي من جانب صديقتيها لتنتبه إليها الفتيات.
"هي شيرين بتعيط ولا أنا بيتهيألي؟" تساءلت نهلة بتعجب وهي تقطب حاجبيها.
رمشت جنا بعينيها متسائلة بخوف: "لا دي كانت بتعيط فعلاً. يا ترى إيه اللي حصل؟"
لفت أميرة وجهها للبعيد لترى باسم يقف كمن يقف داخل بركان مغلي، يلتف حول نفسه وهو يشد خصلات شعره بغضب. ثم التفت بعينيه ينظر بأثرها بألم.
"الظاهر إنها اتخانقت مع باسم،" قالت بهدوء.
لفت البنات أنظارهم جهته بتعجب.
"ده الواضح، بس ليه؟ دول كان واضح إنهم كانوا منسجمين مع بعض أوي،" تساءلت جنا بحزن.
"الأعمى هو من لا يرى ذلك الانسجام بينهم. الأعمى هو من لا يرى اهتمام باسم بها لدرجة الجنون. الأعمى هو من لا يرى عيناه التي تنظر إليها دائماً، التي تبحث عنها أينما ذهبت، تتابعها وتتابع حركاتها. الأعمى من لا يلاحظ اهتمامه الغريب بها وتجاهله لأخطائها على الرغم من طبعه العصبي. وعلى الرغم من رفضه أن تلمسه أية فتاة أو أن تقترب منه، إلا أنه يحمر خجلاً من لمساتها. يتحين الفرص للأكل معها ولمساعدتها له. أي أحد يستطيع رؤية ذلك الاهتمام. أما هي، فتستطيع ملاحظة اهتمامها الواضح به، حتى أنها جلبت الطعام له لئلا يجوع. إذاً، ماذا حدث بينهم لتتركه وتخرج باكية هكذا؟"
هزت أميرة رأسها قائلة بسرعة: "أنا هروح أشوف إيه اللي حصل وإيه اللي زعلها كده. مش هسيبها لوحدها."
أومأت جنا مؤكدة وهي تقول برقة: "أنا جاية معاكي، يلا."
ركضت الفتيات. وقفت نهلة تتطلع لأخيها الغبي.
"حسناً، هو طبع في عائلتهم. لديهم ذلك الطبع العصبي والعنيف، وذلك اللسان الذي يقول الكلام دون أن يحسب حسابه، وبعدها يندم على ما قاله. هو طبع بهم، هما الاثنان، أن يفعلا الفعلة ويعودا يندمان عليها. وهذا الواضح الآن أن أخيها واقع في حبها. ولكن من الواضح بأنه قال شيئاً ما جعلها تغضب منه وتتركه وتذهب. ومن الواضح بأن تلك الرعونة والطبع العصبي، فإنه لن يجعل نفسه مخطئاً ويعود معتذراً أبداً، وأنه سيجعلها تتسرب من بين يديه كالماء."
مطت شفتيها ضيقاً لتسحب أنفاسها داخل صدرها، ثم تحركت لتقف بجوارها.
نظر لها باسم بطرف عينه ليعود ينظر أمامه مرة أخرى.
لتمط شفتيها بلا مبالاة، متشدقة بتقرير: "البنت مشيت من جنبك معيطة ومش شايفة في وشها. متر، حتى إنها مشافتناش ولا جالت لنا كلمة واحنا واقفين. من الواضح إنك جولتلها حاجة ضايقتها."
رمقها بطرف عينه. نعم، هذه طباعهم. حينما يكونون معاً يتحدثون بلكنتهم الصعيدية، أو حينما يغضبون. ولكن إن كانوا هادئين أو بصحبة أحد، فإنهم يتحدثون باللهجة القاهرية. ولكنه على الرغم من ذلك لم يرد عليها.
لتكمل هي بتقرير: "من الواضح إنك حدفتها بكلمتين كيف الدبش والبنية ما اتحملتهمش، ولا اتحملت طبعك العصبي."
ثم مطت شفتيها لتكمل بلا مبالاة: "مظنش إن فيه واحدة تقدر تتحملك عاد، وإن اتحملتك يوم مش هتتحملك التاني."
لف وجهه تجاهها وقد أغضبته برودها ولا مبالاتها.
ليصرخ بها بضيق: "إنتي جاية تضايقيني عاد ولا جاية تسممي بدني بكلمتين؟"
لفت هي وجهها له لتقف بمقابله. ثم صرخت به بضيق: "لأ مش أكيدة خالص، لكن كل اللي جاية أقولهالك إن طبعك ده ماهيخليش بنت تفضل جنبك ومعاك. عصبيتك على الفاضي والمليان، وإنك متقدرش تتحكم في غضبك وتهيج. ومتوجع إنها هتستنى لما تهدى وتراضيها، بس الله أعلم هتتحمل إيه في غضبك. هتجولها كلمة تزعلها؟ ولا هتمد إيدك عليها؟"
أرفقت جملتها الأخيرة بوضع يدها على وجنتها لتذكره بفعله الحمقاء.
لينظر أرضاً بخجل.
لتكمل هي بهدوء وهي تتطلع داخل عينيه بحنان: "باسم يا حبيبي، عصبيتك دي ماهتجدمش حاجة. آه إحنا بنحبك في كل حالاتك، بس إنت لو بتحبنا امسك نفسك شوية. فكر في الكلام اللي بتجوله، متخليش غضبك يتحكم فيك فتهد المعبد على أصحابه."
ثم رفعت يديها تمسكه من مرفقيه قائلة بحنان وحب: "أنا عارفة إنك بتحبها، وعارفة إنك بتغير عليها."
رفع أنظاره مصدوماً تجاهها.
لتومئ برأسها مكملة بهدوء: "أنا متأكدة من كده، حتى لو إنت مكنتش واعي لمشاعرك أو ما اكتشفتهاش. بس اللي يبص من بعيد بيقدر يشوفها كويس جوي. نظرتك اللي بتتغير كل أما بتشوفها، عينيك اللي بتلمع كل أما تيجي في عينها، ابتسامتك اللي بتترسم لوحدها عشان حركة بسيطة بتعملها، سعادتك اللي باينة كل أما بتكون جنبها، وإنك بتدور على فرصة تكون معاها. كل ده باين يا أخوي، باين جوي. بس اللي مش فاهماه، إزاي إنت مش عارف مشاعرك دي؟ وليه؟ ليه بتأذيها إذا كنت بتحبها، ليه؟"
ظل ينظر إليها بحزن إلى أن طأطأ برأسه أرضاً ليجيبها بألم: "مفتكرش إني معرفش إني بحبها. مش عارف فعلاً إذا كان حب ولا إعجاب، مش قادر أحدد. ومش عاوز أمشي وراها وتطلع في الآخر مشاعر وهمية."
ظلت تنظر إليه لبرهة لتهز كتفيها قائلة ببساطة: "بس شيرين جدعة وبنت حلال وعاقلة ورزينة، وألف مين يتمناها."
أومأ برأسه بتأكيد ليكمل بهدوء: "بس من القاهرة، إيه اللي هيخليها تسيب مكانها وعيشتها وتعيش في الأرياف وسط الفلاحين؟"
اتسعت عيناها الرمادية لتطلق حمماً مميتة.
ليومئ برأسه مكملاً بهدوء: "حتى وإن كنا أغنياء ومستوانا المادي عالي، بس برضه قاعدين في الأرياف وفلاحين. إيه اللي يجبرها تعيش وسط البهايم والتراب والفلاحين؟ مع إنها لو صبرت ممكن تتجوز جوازة أحسن ومن واحد مش عصبي وتفكيره رجعي زيي."
ظلت تنظر إليه لبرهة من الوقت. هذا ليس أخيها. فلأول مرة تجد أخيها هكذا، لأول مرة تراه فاقداً للثقة بنفسه ومكانته، مع إنه دائماً كان شامخاً، مغروراً، معتزاً بمكانته وعمله وعائلته، واثقاً من كل شيء به. وسيم بشدة، وكانت وسامته سبب ثقته. إن لم يكن غروره، فجسده الرياضي وعيناه الخضراء كفيلان بإيقاع أجمل الفتيات وأكثرهن إغراء. ومع ذلك لم يكن يهتم بذلك. ومع كليته ومستواه المادي، فهو يعتبر كنزاً لأي فتاة وحلم لها. ولكن مع أن شيرين أقل منه بكثير، فلأول مرة تراه مهتزاً هكذا، غير واثق بنفسه وقدراته. تُرى، هل الحب يجعل الإنسان خائفاً؟ يجعله يشعر بأنه دون المستوى؟ لا تعرف. ولكنها ربتت على كتفه قائلة بهدوء: "لازم تعرف إنت عايز إيه الأول وتتأكد من مشاعرك، وبعدها كلمها. ما هتعرفش إجابتها إن مسألتهاش."
ثم هزت كتفيها.
"في حين قست عينيها حتى أصبحت تشبه ماستين براقتين، وتحدثت بشراسة وقوة: 'ومع إني لو مكانك وبحب حد ورفض، هعمل المستحيل عشان أخليه يحبني، خصوصاً إنه يستاهل. فليه أضيعه من إيدي عشان الغرور ده؟'"
حول عينيه تجاهها بصدمة ليجد نظرتها القوية التي تجابهه.
لتومئ برأسها له بهدوء ثم ربتت على كتفه قائلة بمؤازرة: "الإيد اللي تمسك إيدك متسبهاش. الوش اللي يرسم الضحكة على وشك ويخلي عينك تلمع، والصوت لما تسمعه يخلي قلبك يدق. متسبهوش. لازم تمسك صاحب الإيد بكل قوتك، لأنك مش ضامن إنك تلاقيها تاني."
قالت كلماتها ثم تركته وذهبت. ولكنها ما إن سارت عدة خطوات حتى التفتت إليه قائلة بهدوء: "من رأيي تصالحها، لأنها كانت عمالة تعيط. فمتجرحهاش بدل ما ترجع تندم."
ثم تركته بعدها وذهبت، تاركة إياه يفكر بكلماتها ويعيدها برأسه مئات المرات، ويفكر: ترى، هل سيكون لقصة حبهما بقية أم هي منتهية؟
"والله ما أنا قاعدة فيها، وقولت ماشية يعني ماشية."
صرخت شيرين بتلك الكلمات ببكاء، تتبعها بوضع ملابسها داخل حقيبتها.
لتتنهد جنا بضيق وهي تمد يدها لتزيل الملابس من الحقيبة قائلة بضيق: "طيب، ممكن تهدّي وتفهمني إيه اللي حصل للعياط والعصبية بتاعتك دي؟ ماهو مش معقول الصبح تكوني كويسة ودلوقتي تبقي حالفة مية يمين."
"فيه إيه؟" صرخت ببكاء وانهيار. "محصلش حاجة. احنا زرنا وقعدنا، ويابخت من زار وغار. وأنا هغور يا ستي، بلاش أبقى ضيفة تقيلة عليكم."
اتسعت عينا جنا من أسلوبها ذلك لتقول بصدمة وقوة نادراً ما تتحدث بها: "ضيفة إيه وتقيلة إيه؟ إنتي يابنتي اتجننتي؟ مين حط الكلام الفاضي ده في دماغك؟ هو حد كلمك؟ وبعدين إنتي جاية معايا، إنتي وأميرة، يبقى هتمشي معايا. انتهت."
أعقبت كلامها بإزالة الملابس من الحقيبة.
لتصرخ شيرين بضيق وبكاء: "آه يا جنا، سيبيني بقى براحتي."
"مش سيباكي، وخلص الكلام."
نفخت بفمها بضيق لتسحب الملابس مرة أخرى وتكومهم داخل الحقيبة بدون ترتيب، وهي تصرخ بأميرة: "أنا غايرة من هنا. هتغيري معايا ولا أتهبب براحتي؟"
اتسعت عينا أميرة في حين ارتفع حاجباها بصدمة من طريقة صديقتها وانهيارها غير المفهوم ودخولها في تلك الوصلة المنهارة من البكاء.
لتجيبها بهدوء: "تمام، همشي معاكي ونغور زي ما بتقولي. وعلى رأيك، يا بخت من زار وخف."
اتسعت عينا جنا لتلف وجهها بصدمة جهة أميرة. وما كادت تفتح فمها حتى وجدتها تتساءل بجدية: "بس مش هنمشي من هنا غير لما أعرف إيه اللي حصل مرة واحدة وخلاكي بالمنظر ده؟"
حولت شيرين رأسها الجهة الأخرى وعادت لتكمل وضع الأشياء بالحقيبة.
لتلف أميرة تقف أمامها تنظر في عمق عينيها. ثم سألت بقوة ودون مواربة: "باسم قالك إيه؟ دخلك في الانهيار ده وخلاكي تبقي بالحالة دي؟ قالك إيه وضايقك؟"
اتسعت عينا شيرين لترفع أميرة إصبعها قائلة بتحذير: "وبدون كدب."
تساقطت الدموع من عينيها لتلقي بجسدها على الفراش خلفها، تجلس بانهزام.
لتقطب كلتا الفتاتين جبينهما بتعجب.
لتتساءل جنا بخوف: "شيرين؟"
بكت شيرين قائلة بألم: "بنت غبية ومغرورة وبتتحرك في المكان بدون تقدير. ولما حطيت إيدي في جيوبي من ورا، زعقلي جامد وصرخ فيا إني بلفت انتباه الناس ل جسمي بطريقة مش كويسة. وكفاية إني رايحة جاية قدامهم بالبنطلون ده، وكفاية غرور وكبرياء وغباء."
اتسعت عينا جنا بصدمة. هل ابن عمها قال هذا؟ هل باسم من قال هذا؟ لم تره يوماً يقول تلك الكلمات من قبل. أيكون غيرته هي سبب كل ذلك الكلام، وهي دافعه؟ ولكن ممن غار؟ أم هم قد فهموا مشاعره خطأ؟ ولكن ما سبب غضبه الأساسي؟ هو لم يضايق ضيفاً من قبل، دائماً ما كان للزوار والضيوف مكانة كبيرة في قلبه. إذاً، لماذا؟
لفت وجهها جهة شيرين حينما وجدتها تقول ببكاء: "اللي قاهرني إني معملتش حاجة لوصلة التهزيء دي كلها. ده كان واقف مع واحد، ولما خلص، لقيته جاي يتخانق معايا من غير سبب."
لفت وجهها جهة أميرة بإدراك لتبتسم أميرة بخبث وهي تقول بمكر: "وده مالتفتش نظرك لحاجة يا أذكى أخواتك؟"
نظرت لها شيرين بجهل.
لتنفخ أميرة فمها بضيق وهي تجيبها بهدوء: "إنه يكون غيران مثلاً."
قطبت شيرين حاجبيها.
في حين قالت جنا بهدوء: "أميرة معاها حق يا شيرين. باسم ما يعملش كده إلا لو غيران. أنا أعرفه من سنين، عمره ما اتضايق على بنت. لكن هو لما لقاكي واقفة، وأكيد الراجل بيبص عليكِ، فاتضايق من غيرته."
نفت شيرين برأسها تقول بثقة: "أبداً. دي طريقة واحد متعصب مش غيران. وبعدين هيغير ليه؟ اللي بيغير بيغير من الحب."
ابتسمت أميرة مجيبة بسخرية: "أديكِ جاوبتي على نفسك."
ظلت شيرين واقفة أمامها ببلاهة تستوعب ما يقال وما يلقونه من كلمات جزافاً. باسم يحبها؟ لا، بالطبع لا. لم يظهر عليه أي من تلك العلامات. وإن كان يحبها، ماذا فعلت هي لتجعله يقع بغرامها؟ إضافة إلى كونها عادية بالنسبة له، فهم يمتلكون ملايين، أما هي فمن أسرة متوسطة الحال. لا، بالطبع لا. هذا كلام لا يدخل إلى عقل عاقل.
لتجيب هي بالنفي: "لأ طبعاً. هو إنتِ بتجيبي كلام من جيبك؟ حب إيه وغيرة إيه اللي في دماغك دي؟ بلاش كلام فاضي. هو متعصب لأنه مش طايقني زي ما قال، وشايفني غبية لأن فعلاً تصرفاتي معاه بتدل على الغباء. وأنا كمان اللي كملتها لما عريت ذكرياتي وحكيتله عليها عشان أقلل من قيمتي أكتر قدامه. بلاش كلام فاضي."
زفرت جنا أنفاسها بضيق لتقول بمهادنة: "شيرين، ممكن تدي لنفسك فرصة. باسم بيحبك، والله بيحبك. بس ممكن هو مستوعبش مشاعره لسه، ف عمال يخبط يمين وشمال لأنه مش عارف إيه اللي بيجراله."
ابتسمت ساخرة لتصرخ بضيق: "جنا، إنتي مستوعبة بتقولي إيه؟ كلامه كان واضح فعلاً، وهو ما اتواناش عن إنه يوضح كلامه كويس، سواء بالكلام أو بالنبرة."
ثم ابتسمت ساخرة وهى تقول بنبرة هازئة: "وبعدين اعقلي الكلام اللي بتقوليه. يعني هو معرفش مشاعره ولا فاهم إنه بيحبني، وإنتوا اللي دخلتوا قلبه وعرفتو اللي جواه واللي بيحس بيه؟"
ثم أشاحت بيدها قائلة بضيق: "بلاش كلام فاضي."
نظرت لها جنا تجيبها برقة: "لأن فيه حاجات بتبقى باينة أوي يا شيرين. إنتي تقدري تلاحظيها أكتر من صاحبها. باسم عمره ما اهتم بكلام بنت إلا إنتي. عمره ما فكر يقعد وياكل ويتكلم مع حد غيرك. عمره ما كان متابع حركات بنت وعمره ما عينه تنزل من عليها غيرك. بيضحك تلقائي لما بيلاقيكي بتضحكي. فيه حاجات واضحة أوي بالنسبالنا. إنتي مش ملاحظاها، لكن إحنا ملاحظينها كويس أوي ومحدش يقدر يفهمها غير القريبين منه."
ثم أكملت أميرة: "خديها مني كلمة ثقة. الواد ده معجب بجد، بس صعيدي وعصبي، مش عارف لسه يعبر عن مشاعره. بس أدّي دقني إن مجاش كمان شوية وصالحك، وإنتي زي الهبلة قبلتي اعتذاره كمان."
ربعت يديها ووقفت متمتمة بشموخ مجيبة بثقة وهي تهز رأسها نفياً: "أبداً. ولو جالي زاحف مش هقبله."
"هنشوف،" قالها كلتاهما في فم واحد.
لتومئ هي برأسها قائلة بثقة: "هتشوفوا."
كان يجلس بمكتبه إلى أن جاءه ذلك الاتصال الهاتفي.
لينظر جهة الرقم ثم أجاب بلهفة: "أيوه يا دكتور، إيه الأخبار؟"
رد عليه الطرف الآخر ليومي برأسه مجيباً بجدية ولهفة: "آه، جنا عزيز عبد الحميد العربي."
صمت للحظة يستمع للطرف الآخر لترتسم الابتسامة على وجهه وهو يجيب بسعادة: "بجد يا دكتور؟ شكراً، شكراً جداً."
ليغلق الهاتف ناظراً أمامه بفرحة. إذاً، فقد نجت تلك الصغيرة صاحبة العيون الساحرة. إذاً، فقد أصبحت دكتورة رسمياً. وها هو الآن يقف بسعادة لسعادتها، يتخيل فرحتها ويتمنى أن يشاركها لها. ولكن هذا مستحيل.
لم يستطع منع نفسه من الاستطلاع على أخبارها ومعرفة أهم خطوة بحياتها. وهي دائماً ما شاركته حياته وأسراره، فرحه وضيقته. دائماً ما زارته بأحلامه وهونت عليه مآسيه. حتى وإن كان حلماً، فهو رآها على أرض الواقع، ناعمة، جميلة، رقيقة كأوراق الورد. عطره كرائحة الأزهار. لا يستطيع أحدهم استنشاق عبيرها والاقتراب منها ورؤية رقتها وحنانها وهشاشتها وضعفها، وحتى قوتها. وأن يبقى على حاله. ربما عاهد نفسه بالابتعاد وألا يظهر بطريقها، ولكنه لم يستطع إلا يستقصي أخبارها ويفرح لفرحها. هي كانت بالنسبة له حلم، وقد عاهد نفسه قبل لقائها ورؤيتها في الواقع بأن يبتعد. لن يحنث بقسمه. هذا هو. لن يتدخل بحياتها. سيتركها كالطير الحر ويتابعها من بعيد. ولكن يقسم أن سقطت أمامه مرة أخرى ووقفت في دائرته، فلن يتركها إلا وقد أصبحت ملكه، فهي كنز ثمين. وهو أدرى الناس جيداً بالكنوز. فهو ليس بساذج لكي لا يلاحظ تلك النعومة المنبعثة منها وهالة الرقة والبراءة المحيطة بها، بجانب عيون بريئة وجميلة وجمال ليس له مثيل، أشبه بحورية قادمة من عالم الأساطير، ليس لها مثيل بين البشر. كل ما بها جميل، قلباً وقالباً. لذا يقسم أن سقطت أمامه وفي طريقه، لن يتركها إلا وقد أصبحت له هو فقط، تشاركه حياته وأسراره، ليس بالحلم، إنما بالواقع أيضاً. وهذا قسم من باسل الدمنهوري. وهو إن أقسم، بالتأكيد سيفي.
كان يقف أمام باب المنزل، يقدم ساقاً ويؤخر الأخرى. ليقف مكانه يحك فروة رأسه وهو يفكر. ترى، ماذا سيقول لها؟ وكيف سيبرر موقفه وحديثه؟ بالتأكيد هي غاضبة منه، بل إنما هي تغلي على مرجل مشتعل. وربما في غضبها تفعل أي شيء. ربما هي تبكي الآن.
انطفأت عيناه بحزن. لابد أنه هو بحديثه الغبي قد جرحها وتسبب في هطول دموعها وأن تحزن عيناها الجميلة. فهو يجب عليه الذبح جراء ما فعله معها بحديثه الغبي دون أن يفكر ولا لثانيتين. ولكن ماذا يفعل؟ لأول مرة يشعر بتلك النار الحارقة التي كانت توقد بصدره، ليخرج الكلمات دون تفكير. فهو لم يقبل وقوفها ونظرة الرجل لها، فقد شعر بأن هذا العامل يتعدى على أملاكه الشخصية، يتعدى على أحقيته هو. لذا فلم يقبل أبداً بذلك.
زفر الهواء من صدره. وما إن تقدم خطوتين حتى تفاجأ بها تهبط الدرج. رفع أنظاره لها. وما كاد يتحدث حتى تفاجأ بتلك الحقيبة التي تجرها خلفها. بهتت ملامحه ليقول بصوت مبهوت استطاعت الشعور بالألم به: "شيرين."
نظرت شيرين أرضاً بألم لتجيبه بصوت مجروح: "شكراً على حسن الاستضافة يا دكتور."
ثم لفت جسدها لتتحرك. ليركض خلفها بسرعة يمسكها من ذراعها يديرها جهته وهو يقول باعتذار: "شيرين، أنا آسف. والله آسف. أقسم لك إن ما قصدتش اللي وصل لدماغك أبداً، ولا كنت أقصد الكلام اللي قولته. أنا كنت غضبان وطلع معايا كده."
رفعت نظرات جريحة جهته تجيبه بهدوء وقد تلمعت الدموع بمقلتيها السوداوين: "الإنسان في وقت غضبه بيقول اللي في قلبه يا دكتور، من غير تزييف أو تجميل. وإنت طلعت اللي في قلبك، ومقدرش ألومك. أنا ضيفة تقيلة جيت من غير دعوة، وأخدت راحتي في مكان مش مكاني بزيادة. ف ليك حق تضايق. ف عشان كده دايماً بيقولوا: يا بخت من زار وخف. وأنا ماشية يا دكتور، ومتشكرة على استضافتكم واليومين اللي قعدتهم هنا."
ثم لفت بجسدها لتذهب بعد أن أنهت كلماتها.
ليمسكها من مرفقها يديرها تجاهه بسرعة وهو ينفي برأسه بهستيريا قائلاً بقوة وهو يدافع عن نفسه أمامها باستماثة: "لأ أبداً، والله أبداً. عمر ما كان اللي وصلك أبداً، ده أنا مكنتش أقصد اللي وصلك. والله ما كنت أقصد. أنا كنت متضايق من حاجة تانية وجات فيكي. بس أقسم لك ما كنت أقصد. بالعكس، ده إنتي مكانتك كبيرة أوي عندي.... أوي."
ظلت تنظر داخل خضرتيه التي تشعان في تلك اللحظة حزن وألم. ولكن وجدته يقترب منها قائلاً بحرارة ودفء: "شيرين، اديني فرصة وبلاش تحكمي عليا بسرعة كده. أنا عارف إني غلطت، بس صدقيني مكنتش أقصد. أنا حاسس إني متلخبط الفترة دي وخمسين حاجة مضايقاني. محتاج أهدى وأقعد مع نفسي شوية. وصدقيني بعدها هفهم اللي بيجري معايا، بس محتاج شوية وقت. أنا حاسس إني تايه وفيه حاجات بتحصل معايا مش فاهمها. ف اديني فرصة أفهم وأقرر أنا عايز إيه. ومتزعليش مني."
قطبت جبينها تحاول فهم ما يقول، وهي لا تعي إلى ماذا يرمي أو بماذا يهذي. لتنظر داخل مقلتيه علها تفهم ما يقول. لتجد نظراته مليئة بالدفء، الألم، الاعتذار، والرجاء، والتيه الشديد. لتقطب جبينها أكثر، ترى ماذا به هذا؟ في حين كان هو يتتبع نظراتها تجاهه بهوس، ينتظر أن تبتسم عيناها تجاهه، ينتظر أن يرى التسامح في تلك الجوهرتين السوداوين، ينتظر أن تحنو عليه صاحبة السحر الأسود والجمال الرقيق. ولكن ما أفاق كلاهما من تلك المحادثة وذلك السحر هو ذلك الصوت الهاتف بقوة وكأنه يتقصد.
أفاقاهم: "أنا جاهزة يا شيرين، يلا."
التف إليها ناظراً جهتها بغضب لتقابل هي نظراته بأخرى عابثة تنتظر كلمة منه لتبدأ في مضايقته.
لينفخ بفمه بضيق لترفع حاجبيها بمشاكسة وهي تقول برزانة سطحية: "شكراً على حسن الاستضافة يا دكتور. وأتمنى مانكونش سببنالكم أي إزعاج في زيارتنا دي. ومتشكرين جداً لضيافتكم وترحيبكم لينا."
ثم لفت وجهها جهة الأخرى قائلة بهدوء جاد: "يلا شيرين، أنا جاهزة، ف يلا بسرعة عشان منتأخرش."
أغمض عينيه يمنع نفسه من قول كلمة في غير محلها. ليفتح عينيه قائلاً بهدوء ظاهري وهو يطحن أسنانه بضيق، وهو يشير بيده جهة الداخل: "اتفضلي، ادخلي يا دكتورة أميرة. مينفعش اللي بتعملوه ده."
حولت أنظارها بينهم لتمط شفتيها قائلة بهدوء وهي تهز كتفيها بلا مبالاة: "لأ، هو لا ينفع ولا مينفعش. إحنا كده قعدنا واتضافينا، وحان الوقت إننا نروح. مش هنعيش هنا العمر كله. وبعدين إحنا في الأول والآخر بنات، مش هينفع نقعد بعيد عن بيتنا وأهلنا أكتر من كده."
هزت شيرين رأسها بتأكيد وهي تقول بهدوء: "معاكي حق."
صرخ بكلتيهما بغضب وقد انفلت زمام صبره أمامهم قائلاً: "بلا ينفع بلا مينفعش. مينفعش إنتوا اللي تروحو لوحدكم كده. بين دقيقة والتانية لازم حد يوصلكم."
"المواصلات موجودة يا دكتور، والقطر موجود، والعربيات والأتوبيسات على قفا مين يشيل."
"مفيش مرواح، ومش كل أما واحدة تغضب تمشي كده وصاحبتها تشجعها على كده. دي مش حالة." قالها بضيق.
لترفع أميرة حاجبيها بصدمة وهي تحول نظرها بينهم لتقول باستنكار: "حيلك حيلك، غضب إيه وبتاع إيه؟ إحنا مروحين عادي. وبعدين النتيجة بانت وحظرينها ومانعين حد ياخدها غير صاحبها ييجي الكلية وياخد نتيجته بنفسه عشان يتأكدوا إنه معليهوش مصاريف للجامعة. ف لازم نروح عشان نشوف هببنا إيه، لأن أهالينا قاعدين مستنيينا ومستنيين يشوفوا هنعمل إيه، خصوصاً لما عرفوا إنها بانت ومعرفوش يجيبوها. يعني هما هناك مستنيينا على نار. وإن مروحناش يبقى معناها إننا ساقطين وهييجوا هما يجيبونا من شعرنا."
ثم أكملت ساخرة: "الحكاية بسيطة، مش محتاجة أفلام."
حول أنظاره بصدمة بينهم ليعود بنظراته لتلك التي أبعدت عينيها عنه بعيداً بخجل لتقول هي بضيق: "هتروحي ولا أمشي لوحدي؟ لأني لو مروحتش هلاقي الحاج سعد جاي وشاحني على أقرب عربية ورايح يشوف هببت إيه. ووقتها هيكون لا فيه آدمية ولا غيره."
أومأت براسها وما كادت تتحرك حتى سمع ذلك الصوت الرقيق الذي يهتف من خلفهم: "استنوا، أنا جاية معاكم."
التف برأسه ليرى ابنة عمه واقفة أمامه وتحمل حقيبتها. ثم نظرت لهم قائلة بهدوء، وإن ظهرت بها آثار الخوف: "أنا جاية معاكم. أنا مش هرتاح ولا هيجيلى نوم غير أما أعرف عملت إيه."
نظر لها قائلاً بيأس: "حتى إنتي يا جنا؟"
أجابته جنا بهدوء: "لازم أروح وأشوف نتيجتي يا باسم. ومادام جينا كلنا نروح كلنا. والعربية موجودة، نروح مع بعض."
نفخ بفمه بضيق وغضب ليقول بمهادنة: "جنا، حتى لو روحتي مش هتعرفي تشوفيها. ده هتكون المغرب أو العصر."
أجابته أميرة ساخرة: "ما إحنا عارفين، بس برضه لو طلعنا بكرة الصبح مش هنلحق. يبقى نمشي النهاردة ونروح نشوفها بكرة. وهنتحمل قلق الليلة دي النهاردة وخوف أهلنا."
حول أنظاره للبعيد مجيباً بقنوط: "يعني مُصِّرين؟"
أجابته أميرة بهدوء ضائق: "أنا بالنسبالي الموضوع منتهي. اللي عاوز يقعد يقعد، واللي عاوز يمشي يمشي."
هنا صدح صوت ذلك العجوز قائلاً: "يابتي، أكده تمشوا على غفلة؟ معرفناش نكرمكم ونجهز لكم واجبكم."
لفت وجهها جهته بابتسامة ناعمة قائلة برقة: "واجبنا خدناه من احترامكم لينا واستضافتكم ومحبتكم. أكتر من كده يبقى طمع. وربنا يخليك يا حاج ويجعل بيتك مفتوح وعامر على طول، وميقطعش الخير منه، ويجعل أيامك كلها خير يا رب."
ابتسم لها بحنان ليشير لها بكفه لتأتي. فتقدمت إليه بابتسامة ليربت على رأسها قائلاً بحب: "ربنا يحميكِ ويحفظك يابتي."
ثم نظر بعمق عينيه قائلاً بهدوء: "أنا حبيتكم كلياتكم، بس إنتي ليكي مكانة خاصة عندي عاد. وأعرفي إنّي حبيتك كيف أحفادي بالظبط."
ضحكت قائلة بمرح: "ربنا يكرم أصلك يا حاج، بس بلاش أنا، لأني كارثة متحركة، وإنت مش ناقص كوارث. دول أهلي نفسهم قربوا يتبروا مني."
ابتسم هو على جملتها ولكنه قال بتأكيد: "أنا مش بهزر وبتكلم جد. لو احتجتي أي حاجة، اعرفي إن فيه عجوز في الصعيد شايفك بته، وبيته مفتوحلك في أي وقت، وواقف في ضهرك وساندك، ويتشددلك ويجف جدام مين ما كان يكون عشانك."
ابتسمت له بنعومة لتجيبه بحنان: "ربنا يخليك يا حاج، وميحرمناش منك."
نفى برأسه قائلاً بحنان وهو يربت على رأسها بحنو: "جدّي... أنا دلوقتي بجيت جدك، وإنتي عندي كيف جنا ونهلة بالظبط."
ابتسمت له وهي تطيبه بهدوء: "ربنا يخليك يا جدي."
ثم التفت قائلة لهم: "هنمشي."
أومأوا ليتحرك عزيز بصحبة زوجته بعد أن ودعوا الجميع. لتتبعه الفتيات للسيارة. ولكن ما إن مرت شيرين بجانب باسم حتى مال على أذنها قائلاً بثقة: "خليكي متأكدة إن حديثنا منتهاش."
لتنظر جهته بتفاجؤ، ولكنه تحركت بسرعة تتعثر بخطواتها تهرب منه.
وما إن تحركت السيارة حتى وقف باسم بجوار جده متسائلاً بتعجب: "ليه جولتلها كده يا جدي؟"
لف نظره قائلاً بنظرات منطفئة: "مش عارف يا ولدي، بس جلبي حاسسني إن البت دي اللي مستخبيلها أكبر بكتير من اللي شايفينه. حاسس إن ضحكتها هتطفى وهتبكي بدل الدموع دم. لأول مرة جلبي ينجبض على حد كده، كيف ما يكون البنية مكتوبلها الألم في كل خطوة."
اتسعت عينا باسم وبهتت ملامحه وهو يسمع كلمات جده التي يقولها لأول مرة. والغريب أن حدسه دائماً صادق. ليلف وجهه جهة السيارة بخوف وهو لا يعي ماذا سيحدث لهم.
ليتساءل بخوف: "وشيرين وجنا؟"
نفى برأسه قائلاً بثقة: "فيه جلج في جلبي عليهم، بس البنية دي هي اللي جلبي مجبوض عليها."
ضرب الخوف أركان قلبه بشدة. وفي تلك اللحظة كان يتمنى أن يركض ورائهم ويرجعهم. ولكن ليس بمقدوره فعل شيء. نعم، فهو أحب ثلاثتهم. أحداهن لها مكانة خاصة، والاثنين يعتبرهم إخوته. لذا كان قلقاً تجاههم، ولا يعلم لماذا. ولكن كلام جده أقلقه. ولم يكن أحد يعلم أن بالفعل حياة الجميع ستتغير وتنقلب من هدوئها إلى إعصار عاصف سينقلب على رؤسهم.
"بسسس"
"ياترى إيه اللي هيحصل؟"
"باسل هيقابل جنا تاني ولا إيه؟"
رواية ملكة قلبي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم مريان بطرس
وقف من بعيد يتطلع إلى فرحتها، ضحكتها، تلمع عينيها العجيبة، والتي أصبحت في ذلك الوقت تجمع بين زرقة البحر وخضرة الزرع.
"يا الله، عيناه جميلة جداً، وقد جمعت الطبيعة كلها بين حدقتيها."
ارتسمت ابتسامة ناعمة على شفتيه وهو يتطلع إلى ضحكتها التي ملأت المكان.
"يا الله، كم هي جميلة. فليحفظ الله عقله وقلبه. كيف هي جميلة هكذا؟ فهي جميلة وناعمة لدرجة أنها قادرة على اقتحام القلب بدون أدنى دعوة."
أما هي، فقد احتضنها والدها بسعادة، في حين احتضنت هي صديقتيها قائلة بسعادة:
"أخيراً.. أخيراً بقيت دكتورة رسمي."
ضحكت أميرة قائلة بسعادة:
"بصراحة، ممكن أصدق إنكم تنجحوا، لكن أنا ماشاء الله عليا، نجاحي ده كنت حاساه من سابع المستحيلات."
ضحك الجميع، في حين أكملت بمرح:
"أنا بيتهيألي لو الحاج كان هنا كان زمانه افتخر بيا أوي، أصل بنته بقت دكتورة بهايم قد الدنيا."
ضحك الجميع، في حين جاء ذلك الصوت المازح من خلفهم قائلاً بمرح:
"من ناحية هفخر، فأنا هفخر جداً كمان. أنا فدا الساعة اللي بنتي هتبقى فيها دكتورة. ومن ناحية الموضوع ده، متقلقيش، أكتر من البهايم مفيش."
التفتت للخلف بسعادة، وقد اتسعت ابتسامتها بشدة، لتركض جهته قائلة بفرحة:
"بابا... مقولتش إنك جاى؟"
سحبها والدها في أحضانه بحب، ثم مال مقبلاً جبهتها ليقول بسعادة:
"مقدرتش أمنع نفسي، قلبي كان هيقف عليكي من القلق، فقلت أجي أشوفك وأطمن عليكي بنفسي. مبروك يا حبيبتي."
ابتسمت في وجهه بسعادة، في حين اتسعت ابتسامته المحبة، مكملاً وهو ينظر داخل عيني صغيرته بحنان:
"مقدرتش أقاوم أشوف الضحكة الحلوة دي ولمعة العيون البريئة دي."
ابتسمت بحب. والدها حبيبها، سندها وبطلها، هو كل ما تملكه. هو فارس أحلامها، ولن تقبل أن تتزوج سوى ببطل مثله. هو مثلها الأعلى، قدوتها، فارسها، والدها الحبيب. كل ما تملكه في هذه الحياة. وهي لا تستطيع سوى أن تسير على خطواته، وترغب أن تكون مثله. ترغب أن يشير الجميع إليها قائلاً بفخر: "إنها ابنته". ترغب أن توفيه حقه عليها، ترغب أن يرتفع رأسه بسببها ويفتخر بها كما هي فخورة بكونها ابنته.
نظر لها ليكمل بمرح وهو يتصنع الغرور:
"وبعدين مقدرتش أقوم، خوفت لتسقطي ولا حاجة، تقومي تنتحري ولا حاجة، فجيت الحقك."
ضحكت بشدة، ليشاركها الجميع الضحك، لتبتسم له بحب، لتجيبه بمرح:
"لا متقلقش، بنتك جبلة وباردة، ولا هيأثر عليا سقوطي. أنا كنت خايفة أسقط عشانك أنت، ليجرا لك حاجة أنت والحاجة اللي في البيت دي. لكن بالنسبالي، فمتقلقش، أنا معنديش دم أصلاً."
ضحك بشدة، ليسحبها داخل أحضانه، يقبلها بحب، بينما شددت هي من احتضانه. في حين كانت تراقبهما شيرين وجنا بابتسامة. أكثر ما يحبونه في هذا الرجل حنانه الواضح، حتى إنه لا يخجل من إظهار حبه لابنته وسط الناس ووسط الجميع. بل إنه حنون، مرح، تتمنى أي فتاة والد مثله. وأميرة أكثر من محظوظة لكونه والدها. ليس هناك أب مثله أبداً، فهو وعن جدارة يستحق لقب "الأب المثالي".
ليربت على رأسها، ثم لف بوجهه جهة عزيز، يمد يده له قائلاً برزانة:
"مبروك لجنا يا أستاذ عزيز."
ابتسم عزيز وهو يصافحه، في حين أومأ برأسه قائلاً برزانة:
"الله يبارك فيك، ومبروك لأميرة."
ابتسم سعد، ثم نظر للفتيات قائلاً بمرح:
"مبروك يا دكاترة المستقبل."
ابتسمت الفتيات ليجيبوا بمرح:
"الله يبارك فيك يا عمو."
أومأ برأسه، ثم نظر لابنته قائلاً بمزاح:
"وانتي فكرتي في الخطوة الجاية ولا أخلي الحاجة تجيبلك شوية بط على فراخ وتربيهم إنتي وهي، وأهو يبقى مشروع المستقبل."
لف الفتيات لينظروا جهة بعض، متذكرين كلام أميرة المشابه لذلك الكلام، لينفجروا بالضحك. في حين أكمل هو بمرح:
"ولا أخليكي تجيبي علاج بيطري في البيت وتبيعي للستات، كل واحدة تيجي اللي تقولك البط بيعض في بعضه، واللي تقولك الفرخة مش بتبيض، وأهو تنفعينا بحاجة."
زمت شفتيها بضيق، لتكزر على أسنانها قائلة بغيظ:
"هو ده فكرتك عن البيطري؟"
هز كتفيه يجيبها بهدوء:
"مش أحسن من اللي بيقولك عندي صداع، شوفيلى دوا."
ضحك الجميع أكثر. لقضم شفتيها بضيق، ولكن مهلاً. وعلى ذكر الفراخ والبط ووالدتها، هذا الحديث ذكرها بأمر ما، لذا وجدت لسانها دون إرادة منها ينطق بسرعة:
"لا، ماهو أنا لقيت شغل وهقدم عليه بكرة، بس يا رب أتقبل."
لف الجميع أنظارهم جهة بعض بتعجب. عمل؟ أي عمل؟ ومتى ظهر؟ لتتساءل شيرين بتعجب:
"شغل؟ شغل إيه ده؟ وفين؟ ولقيته إمتى بالسرعة دي؟"
انتبهت إلى ما نطقت به، وبالأخص تحت نظرات والدها المحققة، والتي انمحى من عليها أثر المرح، وقد أصبحت جادة صارمة بين دقيقة وأخرى. لتبتلع ريقها بخوف قائلة بتلعثم:
"مش أنا لوحدي، ده كلنا."
حولوا أنظارهم جهة بعض بتعجب، لتقول بسرعة قبل أن تفقد شجاعتها:
"شغل في شركة الدمنهوري اللي عرضها علينا باسل بيه الدمنهوري في المصنع الجديد."
اتسعت أعين الفتيات بصدمة، في حين ضيق سعد عينيه ليقول بنبرة خطيرة مخيفة، وهو يمط الكلمات بطريقة مخيفة:
"باسل بيه الدمنهوري... آآآه... وده عرفتيه منين؟ وقابلتيه فين؟"
تراجعت للخلف لتبتلع ريقها بخوف، في حين قالت شيرين بغضب مكبوت:
"بتهزري صح؟ انتي عايزة تشتغلي عنده؟"
رفعت يديها بخوف، ولكنها أكملت بهدوء:
"ممكن أعرف سبب رفضكم إيه؟ هو قال اللي عايز يشتغل يشتغل صح ولا لأ؟ وبعدين إحنا مش هنشتغل في الشركة، لا ده في المصنع. ويا اتقبلنا يا اترفضنا. ممكن أعرف سبب الرفض إيه؟ الراجل كان ذوق والله."
صرخت شيرين بغضب:
"السبب إحنا عارفينه، ولا إنتي عامية؟"
جابهتها أميرة قائلة بقوة:
"الشغل شغل. وبعدين مين قالك إننا ممكن نتقبل؟ وبعدين عندك مكان تاني؟ وقولنا لأ؟ إحنا لسه هندور وهنشوف؟ هنتقبل أكيد هنتقبل."
أجابتها شيرين بغضب، لتقول أميرة بضيق:
"يا ريت نتقبل."
ما أوقف ذلك الجدال هو صوت عزيز القائل بهدوء:
"ممكن أعرف إيه سبب الضيق ده؟ إنتوا هتقدموا من وسط آلاف، وأهو تاخدوا خبرة. اتقبلتوا ماشي، وبعدين إنتوا وسط مجموعة مش لوحدكم، وإن حسيتوا إنكم مش مرتاحين، سيبوا المكان فوراً."
رفعت جنا أنظارها جهة والدها بصدمة لتقول بصوت مبهوت:
"يعني إنت موافق يا بابا؟"
ربت والدها على رأسها قائلاً بحنان:
"وماله؟ الراجل ماشوفناش منه حاجة وحشة، ومتصرفش بأي طريقة تضايقنا أو حاجة تدل على عدم احترام منه، يبقى ليه الخوف؟ كان إنسان راقي ووقور ومحترم جداً، ومشكلته ممكن أي حد يكون فيها، حتى إنتي."
احمرت وجنتيها بخجل. كيف تخبر والدها بأنها قد زارتها تلك اللعنة، ومنذ لقائهم في المزرعة وهو دوماً ما يزورها بأحلامها بصورة شبه يومية، يتحدث معها، يحاكيها، يخبرها بأمور لا تعرفها. لا تعلم أهو واقع أم كذب، أم هي مجرد تخيلات من عقلها الباطن. لذا دائماً ما كان داخلها شعور بأنها تريد الاقتراب منه أكثر، تريد التعرف عليه. ولكنها لم يكن لديها الجرأة لتقول هذا لوالدها. ولكن الآن، وهي تجده واقفاً أمامها يقول هذا الكلام بكل هذا الهدوء والرزانة، فهي تشعر بأنه قد أزال أثقالاً عن كاهلها. لذا رفعت عينيها إليه قائلة بتعجب:
"يعني حضرتك موافق؟"
أومأ برأسه، ولكنه قال:
"الأمر في الأول والآخر ليكي، ولِيكي حرية القرار."
أومأت برأسها، لتحول شيرين عينيها بينهم بصدمة ممزوجة بتعجب، متسائلة بعدم تصديق:
"عمو، هو حضرتك بتتكلم جد؟"
أومأ عزيز برأسه قائلاً بهدوء:
"أكيد يا شيرين. إنتوا ليكم حرية الاختيار في قراراتكم، طالما إننا شايفينها ومدركين إنها مش خطر ولا غلط. وأنا من نظرتي شايف إنه إنسان كويس ومحترم، ومن تاريخه اللي عارفه عن شغله وشركته، شايف إنه إنسان محترم، ماشي بما يرضي الله. وإنتوا كمان لازم تخوضوا التجربة وتجربوا ويكون عندكم خبرة، بس تخلونا دايماً على اطلاع، وما تبعدوناش عن مشاكلكم، عشان لو احتاج الأمر لتدخل مننا نتدخل بسرعة، فاهمين؟"
هزت رأسها بعدم تصديق قائلة بصدمة:
"مكنتش متوقعة الكلام ده منك."
ابتسم في وجهها قائلاً بهدوء:
"كل حاجة هتبان مع الوقت، وأنا نظرتي مبتخيبش."
ثم حول وجهه جهة سعد قائلاً بهدوء:
"ولا إنت إيه رأيك يا عم سعد؟"
ظل سعد يحول أنظاره بينهم، إلى أن قال أخيراً بجمود:
"كلامك صح، وكده كده هيشتغلوا وهييشوفوا الدنيا. وما هنقدرش نقفل عليهم."
لكنه حول أنظاره جهة صغيرته قائلاً بجمود:
"بس، بيتهيألي محتاج أتكلم مع أميرة وأفهم منها الموضوع بالتفصيل أكتر قبل ما أدي رأيي في أي حاجة."
صمت لبرهة، ولكنه أكمل بعدها وهو ينظر جهتها نظرة حادة وقال بنبرة ذات مغزى فهمتها جيداً:
"وإلا الواد حسين السباك مستني ردي."
ابتلعت ريقها وهي تفهم إلى ماذا يرمي والدها بالكلام، لتومئ برأسها بخوف وهي تقول برعب:
"بريء يا بيه."
أومأ برأسه، ليقول بهدوء وهو يمسك يدها كطفلة صغيرة يسحبها منها:
"طيب، بعد إذنكم، إحنا مروحين."
أومأ الجميع له، ليسحب ابنته بيده ويسير معها بهدوء. وما إن ابتعد مسافة كافية، حتى نظر لها بجانب عينه قائلاً بصوت جاد:
"محتاجين نتكلم برواقة بعيد عن البيت."
ثم أكمل بصوت مرعب رغم انخفاضه، في حين انقلبت سحنته المرحة لأخرى خطيرة:
"وعاوز أفهم إيه حكاية باسل ده، وليه رافضين الشغل معاه، وعرفتيه منين؟ وإلا والله هيبقى ليا تصرف تاني مش هيعجبك."
أومأت برأسها قائلة:
"هتكلم والله، هتكلم."
ليومئ برأسه قائلاً بهدوء:
"هنشوف."
في حين كان الجميع يتابع ابتعادهم بنظرات تتراوح مابين الابتسامة والتفاهم، وأخرى الحزن والألم. كانت تحسدهم بالمعنى الحرفي، تحسد تقاربهم من بعض. لا يشبهون أب وابنته، إنما كأنهم أصدقاء. من يراهم من بعيد يظنه عجوز واقع في غرام طفلة صغيرة، وفتاة مغرمة برجل يكبرها. اقترابهم لبعض عجيب. حب العم سعد لأميرة يستطيع الأعمى رؤيته ورؤية حنانه تجاهها، حتى إنه لا يخجل من إظهاره أمام العامة، من احتضانها وتقبيل جبهتها في الشارع، مرحه معها، ركضه دائماً ليكون بجوارها ويسندها ويدعمها. هو أب بمعنى الكلمة. خوفه عليها غير طبيعي، حتى إنه تقريباً يخصص أغلب وقته لها، لا يثنيه شيء عنها ولا يبعده أمر عنها. هي الأهم بحياته دائماً. اهتمامه بها اهتمام أب بطفلته الصغيرة التي لم تكبر بعد.
حولت أنظارها جهة جنا ووالدها، لتجدها أيضاً تتطلع جهتهما بابتسامة. لا تنكر أنها أحياناً تغار من جنا أيضاً. فوالدها يهتم بها، ولكنه يختلف عن اهتمام سعد بأميرة. فسعد يرى أميرة تقريباً لم تخرج من طور الطفولة، يراها دائماً مدللته التي يركض جهتها دائماً، يمسك بيدها خوفاً عليها حتى من مرور الشارع وحدها، وكأنها طفلة. يمازحها دائماً، حتى إنها ورثت خفة ظله. دائماً ما تتحاكي به، أنه بطلها المغوار ومثلها ومن تتمنى زوج مثله. وأنها تجلس معه أغلب الوقت في محل عمله لتتحدث معه أغلب الوقت، تذاكر بجواره، تهتم به. أما جنا، فاهتمامها بوالدها واهتمامه بها اهتمام عاقل رزين من أب لابنته الوحيدة الرقيقة التي يخاف عليها. ولكنه دائماً ما يدعمها في كل قراراتها ويقف بجوارها، يشعرها بأنها يجب أن تعتمد على ذاتها، ولكنها تثق بأنه دائماً خلفها ويسندها وداعمها الأكبر. ويتدخل فقط حينما يحين الأمر تدخله. غير ذلك، فهي لها حرية الاختيار وحرية التصرف، وهو عليه الدعم والنصيحة من عيون خبيرة. علاقتهما ناضجة بشدة.
أما علاقتها بوالدها...
مطت شفتيها، في حين لمعت عينيها بالدموع. هي دائماً ما تمزح، تمرح، ولكنها من داخلها حزينة جداً. فعلاقتها بوالدها عجيبة، سطحية بشدة، لا تنتمي لعلاقة الأبوة، وكأنهم كأنهم غرباء يعيشون تحت سقف واحد فقط. واجبه العمل والكد وإحضار المال، أما غير ذلك، فلا. هو غير مهتم بها البتة. حسناً، هو ليس متفرغاً من الأساس لتلك الأمور الطفولية من وجهة نظره. هو فقط يعمل صباحاً موظف، وبعد الظهيرة يعمل بأنه يقف داخل إحدى الصيدليات كبائع للأدوية. لذا، فهو ليس لديه الوقت ليسمع قراراتها أو يهتم بها. في حين والدتها لا تهتم بمشاعرها. كل ما يهمها أن تكون زوجة صالحة، أن تركض لتصنع طعاماً جيداً في انتظار زوجها الذي يأتي من عمله ظهراً أو مساءً منهك القوى، يأكل وينام. وإن سمع أي صوت يبدأ في الصياح والغضب. والدتها سيدة طيبة نعم، ولكنها غير متعلمة. لا تستطيع أن تأخذ رأيها في أي كلية أفضل، أي قرار عمل أحسن. ومنذ تلك الحادثة، فهي قد انفصلت عن الواقع لتتقوقع داخل أحزانها. ليصبح المنزل أشبه بمقبرة، صعب الحياة بها، ممنوع به الضحك، وحتى وإن صدر، يكون ليس أكثر من صدى صوت بعيد عن القلب. الألم بمنزلهم ينخر العظام. أما والدها، فهو لا يهتم بكل تلك الأمور، فقط ما يهمه أن تنهي كلياتها وتتزوج. فهذه هي سنة الحياة. فالبنت نهايتها بيت زوجها. والأهم أن تعمل ابنته بمكان جيد ليفتخر بها أمام الجميع، وبالتخص زوجها، بأنها ليست قليلة. تذكر حينما رغبت بالدخول إلى كلية التربية قسم اللغة الإنجليزية، هاج وماج ورفض. لتكن طبيبة، أهي مجنونة أن ترفض؟ يريد أن يقولوا إن "والد الدكتورة ذهب، والد الدكتورة أتى". أهو دفع كل تلك الأموال فقط لتصبح ابنته مجرد مدرسة مثلها مثل الجميع، والأكثر منهم لا يجدون عمل؟ فالبنات نهايتهن الزواج، وهي زواجها سيكون...
أغمضت عينيها، تمنع عينيها من البكاء. لا ينبغي عليها البكاء، ليس الآن، وليس بهذا الوقت. هذا ليس الوقت المناسب للبكاء ونكب الجراح. فل تتناسى كوارثها وآلامها لبعض الوقت، ول تفرح بلقبها الجديد. ربما تتغير الأمور مع الوقت. فتحت عينيها الملتمعة بالدموع على من تضحك. قدرها معروف ومرسوم. هي فقط تهذي، فل تتقبله، فالهروب منه ليس بحل.
زفرت الهواء من أنفها بضيق. حسناً، فل تنتظر صديقتيها، ول تعلم ماذا سيفعلون لتقرر بعدها. فالعرض كان لثلاثتهم، وإن توجه في الظاهر لأميرة، ولكنه يعلم أنهم لن ينفصلوا أبداً. لذا لن يجازف. وإن كانت تعلم يقيناً بأنه يتقصد ذلك فقط للتقرب من جنا.
انتبهت على صوت عزيز قائلاً:
"يلا نروح يا جنا."
أومأت جنا برأسها لتتحرك مع والدها. ليهتف عزيز قائلاً:
"يلا يا شيرين نوصلك في طريقنا."
أومأت برأسها لتتحرك معه. ولكن ما إن تحركت بضعة خطوات، حتى شعرت بأحدهم يراقبها، لتلف وجهها بسرعة، ولكنها لم تجد أحد. ليقول عزيز بتعجب:
"فيه حاجة يا شيرين؟"
نفت شيرين برأسها قائلة بهدوء:
"لا، الظاهر كان بيتهيألي."
ليومئ عزيز برأسه، ليصعد الجميع السيارة ويبدأوا في التحرك. ليخرج بعدها باسل من خلف الشجرة، يزفر أنفاسه براحة. كاد يُمسك به الآن، لولا ستر خالقه. لو كانوا رأوه، لكانت أصبحت معضلة.
زفر الهواء من صدره بضيق، ليحك جبهته بإرهاق. في الآونة الأخيرة أصبح يتصرف بطفولية، كطفل مراهق، وهذا ليس بطبيعته الرصينة العاقلة. إن لاحظوا لكانت أصبحت مشكلة كبيرة. يجب عليه التوقف، ولكنه لم يستطع منع نفسه من المجيء ورؤيتها. كان عليه أن يراها، يريد أن يرى فرحتها، يريد أن يشاركها إياها، حتى وإن كان من على بعد.
مسح وجهه بضيق. الإرهاق أصبح سيد موقفه، ولا يستطيع اتخاذ قرار. كلما اقترب منها شعر بأنها تجذبه أكثر. نعومتها ورقتها وجمالها. أصبح موقناً الآن، هو ليس بحلم. ولكن في وجود تلك الفتاة، فإن دقات قلبه تتمرد عليه، ليصبح قلبه أشبه بمضخة قوية تدفع الدم لكل أنحاء جسده، ويسيطر عليه فرحة كبيرة لمجرد رؤية ضحكتها وسعادتها. لذا يريد أن يقترب ليحظى بالكثير من السعادة. ولكن ما باليد حيلة. عليه أن يعترف بأن القرب منها متعب له وبشدة، فهو لن يستطيع فعل شيء. لذا، فل يترك الأمر، ول يرى أين ستتجه به المركب.
***
كانت تجلس بصحبته في إحدى الحدائق العامة، تبتلع ريقها بخوف. لينظر جهتها نظرة مخيفة قائلاً بصوت قاطع:
"عاوز أفهم كل حاجة من الأول للآخر، ماشي؟ ومن غير كذب."
أومأت برأسها، ليكمل بجدية صارمة:
"ومهما حصل، متخبيش عني حاجة. أنا أبوكي، مش غريب، ومحدش هيخاف عليكي قدى، ولا هيهمه مصلحتك غيري. مين ما كان، ولا حتى باسل ده."
ارتفع حاجباها بصدمة، لترتسم الابتسامة على وجهها لتقول بمرح:
"لا يا عمو سعد، ده أنت شطحت مني أوي، هي مش كده خالص."
"أميرة!"
صرخته الصارمة تزامناً مع ضرب يده بقوة على المقعد الجالسين عليها، ليدوي صوته المرعب. أثار رجفتها ورعبها، لتبتلع ريقها بحلقها الذي جف من الخوف، متراجعة على المقعد للخلف برعب. ليقترب هو بوجهه قائلاً بحدة:
"مش وقت هزار، عاوز أفهم كل حاجة ودلوقتي."
أومأت برأسها لتجيبه برعب:
"طيب، بالراحة الله يخليك، هحكيلك كل حاجة بس بالراحة، لاحسن قلبي هيوقف من الخوف، ووالله مفيش حاجة للرعب اللي عاملهولي ده."
حول عينيه يتطلع بوجهها، ليجد ملامح الرعب مرتسمة بوضوح على وجهها، ليهدأ من حدته بعض الشيء. فهو لم يكن يوماً حاداً وجاداً بهذا الشكل مع صغيرته، فهي أميرته، مدللته، هبة الله له بعد سبع سنوات من الركض خلف الأطباء، لتأتي هي بطلتها الملائكية وخفة ظلها المرحة لتنير حياته. ولكن شاء الله أن تكون هي وحيدته وكفى. ليضعها داخل عينيه ويحملها داخل قلبه، حتى إنه لا يطيق ابتعادها عنه أبداً. لطالما كانت هي سبب غيرة والدتها، ولكنها بالنسبة له حياته. لذا، خوفه عليها أكبر من أي شيء. ليتراجع في المقعد وقد هدأ بعض الشيء، ولكنه ما زال محتفظاً بحدته الخفيفة وضيقته، قائلاً:
"متعودتش منك تخبي عليا حاجة، حتى أبسط الأمور. إنتي حتى لما كنتي بتعكي الدنيا في الامتحانات كنتي بتيجي تقوليلى وخايفة أمك تعملك حاجة، فبتفضلي مستخبية جنبي اليوم كله. لما حد يضايقك كنتي بتقوليلى."
ثم أكمل بخيبة أمل:
"لأول مرة أحس إني شبه الطرطور، كله واقف يتكلم وفاهم الموضوع وأنا اللي مش فاهم أي حاجة ومش عارف أدي رأيي، لأن بنتي حبيبتي خبت عني حاجة، رغم إني دايماً جنبه ومديها الأمان. تفتكري دي حاجة تضايق ولا لأ؟"
ابتسمت بحب على حنان أبيها الحبيب، لتقول برقة ونعومة:
"لا، مش كده خالص، ومانيش حاجة. وأنا مخبتش، بس مجتش فرصة، خصوصاً إن الأمر في البداية مكانش يخصني، عشان كده محكيتهوش. ومع ذلك، هحكيلك كل حاجة."
ثم بدأت تقص عليه الأمر من البداية، من حيث أول لقاء لهم به، إلى التقائهم له في المزرعة وحديثه، ثم عرضه عليهم للعمل، لتنهي الأمر هازة كتفيها قائلة بهدوء وبساطة:
"بس، أدي الموضوع من البداية، وزي ما شفت، ده رأي عمو عزيز فيه بعد ما اتكلم معاه، وكذلك كان رأي الحاج عبد الحميد، إنه شاب كويس ومحترم."
أومأ برأسه بتفهم، لينظر داخل عينيها متسائلاً:
"وإنتي رأيك إيه في الموضوع ده؟"
هزت كتفيها تقول بهدوء:
"من وجهة نظري، إنه بيحب جنا بجد. مش عارفة موضوع الأحلام دي حقيقة ولا لأ، أو وجوده في المزرعة صدفة ولا لأ، بس الواضح إنه بيحبها بجد. نظرة عينه اللي بتلمع واللي بتبان للأعمى، عينه اللي بتدور عليه، وشه اللي بيضحك بمجرد ما بيشوفها. لغبطته في الكلام قدامها ومبيعرفش يجمع الكلام غير لما يودي وشه بعيد. بيبان إنه بيحبها. مش عارفة هو واخد موضوع الشغل عنده ده كُبرى عشان يتقرب منها ولا لأ، بس هو في العموم باين عليه كويس، عاقل ورزين، ومليش عليه غبار."
أومأ برأسه ليقول بجدية:
"مفيش شغل عنده لحد ما أفكر وأقرر، فهماني."
اتسعت عينيها بصدمة لتقول باستنكار:
"بس يا بابا."
هنا صدح صوته عالياً بغضب وهو يقف على قدميه، ضارباً بيده على المقعد بقوة:
"مفيش بس."
"إلى هنا وكفى."
وقفت وقد صدح صوتها رافضة ومستنكرة رفضه:
"ليه بس يا بابا؟ كل حاجة وليها سبب."
لم يستطع احتمال عنادها ورفضها. ألا تفهم تلك المعتوهة أنها حياته وقلبه متعلق بها؟ هي ابنته وصغيرته ونبض قلبه، هي وحيدته. إن حدث لها شيء، سيموت. ولما كل هذا؟ فقط لأجل العمل؟ هل سيلقي بها في أحضان نيران مجهولة، بين يدي شخص ربما يكون معتوهاً مجنوناً، فقط لأجل أمور تافهة؟ إن كان على إثبات نفسها وكيانها، فلتثبتها في مكان آخر. وإن كان على المال، فهم لا يحتاجونه. ربما حالتهم المادية ضعيفة، ولكنهم مهما كان، لن يلقوا بأنفسهم في التهلكة، فقط لأجل المال. وخاصة هي، ابنته وحيدته وحياته ونبض قلبه، هي من يحيا فقط لأجلها ولأجل حياتها. هي فقط من يركض لأجل سعادتها. هي ضحكتها من تعطيه الأمان. لن يلقي بها أبداً مهما حدث. فليكُسر رأسها العنيد ذاك، ولا يطاوعها. فهم لا ينامون من الجوع.
لتصرخ أيضاً ببكاء:
"ليه يا بابا؟ أنت مش واثق فيا؟ مش واثق في بنتك أنت؟"
وقبل أن تكمل كلامها، كان قد فقد آخر ذرات تحكمه بغضبه وخوفه، لتجده يضرب المقعد بساقه بغضب، ليسقط أرضاً محدثاً صوتاً مزعجاً. في حين أمسكها من ذراعها صارخاً بغضب:
"إيه هو كلامي مش عاجبك؟ عاوزة تكسري كلمتي؟ أنا قولت لأ يعني لأ. إيه ماليش حكم عليكي؟ أنا لو كده أكسر راسك وضلوعك وما أطلعكيش من باب البيت لو هتكسري كلمتي، فاهمة؟ إن كنت بضحك وبـهزر معاكي مش معناها إني مقدرش أشد. أنا كلمتي متتعادش. أنا مش براهن بيكي، إنتي وحيدتي ومليش غيرك ومش هرميكِ. واقف أتفرج هيحصل حاجة ولا لأ؟"
ثم نفضها بعيداً صارخاً بغضب:
"تفتكري لو فكر يعملك حاجة هنقدر نقف قدامه أبداً؟ والله إحنا في الأول والآخر ناس على قدنا، ودول إيديهم طايلة. وأنا مش هرميكِ حتى لو حكمت متطلعيش من باب البيت لحد ما تتجوزي."
بكت بشدة وهي تجد والدها الحبيب يقسو عليها هكذا، لتقول ببكاء وهي تجلس أرضاً تضم جسدها بذراعيها تحتضنه بألم:
"ماشي، مش هشتغل عنده. بس البنات لو فكروا يشتغلوا عنده، أنا هعمل إيه؟"
اقترب منها بخوف ليهدر بها برعب:
"اللي يغور يغور. أنا مش هراهن عليكي، فاهمة؟ إنتي اللي ليا في الدنيا. إن روحتي راحت معاكي كل سنين عمري."
أرفق كلماته بمد يده، وهو يرغب في تلك اللحظة باحتوائها وطمأنتها وطمأنة قلبه. فهي بالنهاية وحيدته، ولا يستطيع تحمل بكاءها. ولكن في تلك اللحظة، وجد يد تمتد لتلكمه بقوة، ليتراجع للخلف بصدمة، في حين صدح صوت مرتعد في الأجواء صارخاً بخوف وهو يقترب منها ممسكاً بها من كتفيها، يوقفها من على الأرض، يتطلع إليها بلهفة، يتفحص ملامحها بخوف، ثم صدح صوته مرتعباً بشدة:
"أميرة، إنتي كويسة؟"
رفعت أميرة أنظارها له بصدمة، وقد أفقدتها الصدمة القدرة على التفكير، وهي تجد آخر شخص تتوقعه على وجه الأرض يقف أمامها. في حين سحبها خلف ظهره ناظراً جهة سعد بغضب:
"عملك حاجة المجنون ده؟ اتعرضلك بأي شكل من الأشكال؟"
وقفت أميرة مكانها بصدمة، وقد أفقدتها الصدمة القدرة على النطق، وهي تجد ما يحدث أمامها أشبه بفيلم سينمائي. في حين وقف سعد بغضب وهو يجد شخصاً آخر يحمي ابنته منه. ما هذا الغباء! بل والأدهى، من أين له أن يعرفها؟ وكيف تقف تلك المجنونة مكانها هكذا مثل التمثال الحجري؟ كيف تقف مكانها هكذا وقد صفع أحدهم والدها أمامها؟ ليخرج صوته جاهراً بغضب:
"مين ده يا أميرة؟"
يقسم أن كان ما بباله، ليقتلها اليوم ويسوي جثتها بالأرض، إن كان ما بباله. وحينما لم تجب، صدح صوت الشاب ناظراً جهتها بخوف متسائلاً برعب:
"مين ده يا أميرة وعاوز منك إيه؟"
تطلعت أميرة في وجهه ثم...
بسسس...
ياترى أميرة هتعمل إيه؟
مين الشاب ده؟
سعد هيعملها إيه؟ سعد بينه وبين نفسه هنفخك😂😂
قرار جنا وشيرين إيه؟
إيه حكاية شيرين؟
البت شيرين عينها قرّت، حسدت البت خلتها عملت خناقة مع أبوها😂😂
رواية ملكة قلبي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم مريان بطرس
رواية ملكة قلبي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم مريان بطرس
تحركت للدخول إلى المنزل، تجر قدميها جرا، مرهقة منهكة القوة بعد تلك المواجهة الخاصة بينهم. وكالعادة، تصاب بحالة من الاكتئاب بعد رؤيته والحديث معه. الأمر ليس بإرادتها، ولكن الأمر كله يؤلمها. يشعرها بأنها بلا قيمة، بأنها جارية تباع بسوق النخاس. بل على العكس، تشعر بأن الجارية بحال أفضل منها، فالجارية تعرف بأن هذا قدرها، بأن لا تكون حرة. ولكن هي قد سُلِبَت حريتها عمداً واجباراً. فالجارية أفضل حالاً منها، فهي تستطيع الحديث، تستطيع الكلام أو الإفضاء لأحدهم، تستطيع التعبير. أما هي، فتكبت كل انفعالاتها داخلها. نعم، فالجارية أفضل حالاً، فظروفها هي من جعلتها جارية، ربما ولدت جارية أو اضطر حالها إلى هذا. كما أنها تستطيع العتق من عبوديتها إذا وصلت إلى حل مع سيدها. في حين هي...
أنزلت عينيها أرضاً لتسيل دموعها على وجنتيها. فوالدها هو من يفعل بها هذا، هو من يحرمها من حريتها، هو من يسلبها حق إرادتها أو اختياراتها، هو من يختار نيابة عنها. وفقط، لاجل ماذا؟
ابتسامة ساخرة شقت وجهها، في حين دموعها مازالت تسيل أكثر. لتمد يدها بالمفتاح، تفتح ذلك القفل اللعين لذلك السجن الذي طالما مقتته ورغبت بالهروب منه. تلك المنطقة وهذا البيت، بمجرد الاقتراب منه يقبض قلبها. تريد الهرب منه وبشدة، تريد الابتعاد عن ذلك المكان. ولكن أي مكان؟ لن يكون أرحم من ذلك السجن. لا تدري. فـ هنا على الأقل تستطيع حماية جسدها وشرفها، رغم دمار قلبها ونفسيتها.
تحركت تخطو داخل المنزل بنظرات حانقة، وهي تشعر بالاختناق، بالكآبة، بالضيق، برغبة شديدة في البكاء. تشعر بأن حوائطه تتحرك لتقبض على صدرها أكثر. لا تريد شيئاً سوى الهرب لداخل غرفتها، حتى تفرغ مابداخل جعبتها من دموع وألم، في المكان الوحيد الذي تستطيع الشعور به ببعض الراحة.
ولكن ما أن خطت خطوتين حتى تفاجئت بوالدتها تظهر أمامها من العدم، بملابسها السوداء الكئيبة والمغبرة من ترتيب المنزل. لتتراجع للخلف بجزع، في حين التفت مُنيرة إليها قائلة بتعجب:
- مالك؟ إيه اللي حصل؟ شوفتي عفريت؟
نفت برأسها قائلة بصوت متحشرج:
- لا، بس اتخضيت.
تفرست مُنيرة في ملامحها ثم سألتها برتابة:
- شايفاكي معيطة، إيه سقطتي؟
نفت برأسها لتتناثر خصلات غرتها السوداء على وجهها، قائلة بهدوء:
- لا، نجحت وجبت تقدير كويس.
أومأت برأسها قائلة ببرود:
- كويس.
حسناً، تظن بأن الحديث انتهى، لذا تحركت للذهاب إلى غرفتها، لتجد والدتها تهتف عليها من ظهرها قائلة بهدوء:
- شيرين.
التفت شيرين تنظر لها بعيون ملتمعة بالدموع، لتقول مُنيرة بهدوء:
- رافد كان هنا، جه وسأل عليكي.
أومأت برأسها وهي تجيبها بصوت مختنق:
- عارفة، قابلته تحت وقالي إنه جه.
ظلت مُنيرة تتفرس في ملامح ابنتها أكثر، وقد ظهر بأنها تخترقها بنظراتها لبعض الوقت. حسناً، هناك تواصل بينهم، وكأنها تربطها بنظرات آمرة بألا تتحرك. لتظل الأخرى كتمثال حجري واقف أمامها، لا تتحرك بها سوى عينيها الملتمعة بالدموع، وحلقها الذي تبتلع الغصة التي به بين ثانية وأخرى. وقد أضحى واضحاً بأنها بالكاد تتماسك على ألا تنفجر بالبكاء.
لتتنازل مُنيرة أخيراً قائلة بهدوء:
- رافد اتضايق لما عرف إنك روحتي من غير ما تقولي له. وقال إنه حاسس إنك مش بتعملي له قيمة، وإنك مش مهتمة تعرفيه عنك حاجة.
أبعدت عينيها عنها بعيداً لتقول بألم:
- قالي واتفاهمنا.
ثم تحركت من أمامها ذاهبة لغرفتها، لتغلق الباب على نفسها. وما هي إلا ثوانٍ حتى كالعادة سمعت صوت بكائها وانفجار دموعها. لتقترب من الباب، تقف خلفه تتلمسه بألم، وهي تُمني نفسها باحتضان صغيرتها. لتسقط أمامه تستمع صوت بكاءها. لتهبط دموعها على وجنتيها بألم، وهي تشعر بأنها فارغة اليدين، ليس بيدها حيلة. تريد الاقتراب من ابنتها، تريد احتضانها، تريد طمأنتها، ولكن لا تستطيع.
تتصنع الجمود، تمثل بأنها لا ترى ألمها، لا ترى حزنها. ولكن تلك الدموع الملتمعة بمقلتيها هي أكثر من يراها. تلك الغصة بحلقها هي أكثر من يشعر بها. تلك الرجفة التي تصدر عنها هي أكثر من يهتز لها. تشعر بأن دموع صغيرتها أشبه بخنجر يطعن داخل صدرها ليمزق قلبها إلى أشلاء. ولكن لا تستطيع فعل شيء. فهي إن كانت أظهرت شيئاً ما، فهي كونها أم فاشلة. هي لم تستطع فعل شيء لأطفالها. صغيرها مات وذهب، وهي السبب فيما ألم بصغيرتها. فلولا فكرتها ما حدث لها ما حدث. ولكنها تتصنع عدم الانتباه لها. ولكنها أم تتألم لألمها. هو ليس ابنها فقط، بل هي أيضاً صغيرتها، محبوبتها، وعشقتها.
بكت أكثر لتضع يدها على فمها، تمنع خروج صوت بكاءها. ثم تركت غرفتها تحتمي بها، وهي تضع يدها على صدرها بألم. كم يؤلمها ابتعادها عن صغيرتها، كم يؤلمها شوقها لها. في حين هي أمامها تتمنى... تتمنى أن تعود بها الأيام لتمنع ماحدث. ربما لو لم يحدث ماحدث، لكان وليد لا يزال حياً. ربما ماحدث لم يحدث هنا حتى الآن، وكانت استطاعت احتضانهم سوية، تتنعم بعبيرهم الطفولي ورائحتهم العطرة. تتنعم بعناقهم الذي يعطيها الأمان الذي يمحى من قلبها كل ألم وحزن. ولكن منذ ذهب، نخر الحزن أرجاء المنزل ليُغيم عليها سحاب الكآبة. وها هو ذهب من يدها، في حين امتنعت هي من الاقتراب من الأخرى. فكيف تنظر بعينيها واحتضانها، وهي لا تستطيع فعل شيء لها؟
ترى تغير ملامحها كلما تطئ المنزل. ترى نظرة الحزن الملتمعة بعينيها. ترى انقباض ملامحها وتسمع تنهدات بكاءها التي تقتلها وتغرس نصل الألم بقلبها. ولكنها فارغة اليدين، لا تستطيع فعل شيء. نعم، تعلم عدم رغبتها في رافد. تعلم رفضها له. ترى الألم الذي يرتسم على ملامحها كلما رأته أو سمعت باسمه. وهي تشعر بأنها أمامه بلا قيمة، عارية من أية كرامة. قلبها يصرخ بالرفض والنفور. ومن ذاك الذي يستطيع سماع صوت قلب الطفل سوى أمه؟
ولكنها بكت أكثر، وهي تشعر بأنها بدون فائدة. ضعيفة أمام سبل الحياة. ليست لديها القوة الخاصة بالأمومة. نعم، توارثت منذ قديم الأزل بأن للأم قوة خاصة بها، تستطيع ترويض الأسود وقتلهم فقط لأجل صغارها. ولكنها تظن أنها الأم الوحيدة التي لا تستطيع فعل شيء. تبدو ضعيفة، لا تستحق ذلك اللقب. لا تستطيع فعل شيء سوى البكاء. حتى أنها لا تستطيع مواساة ابنتها أو دعمها. لا تستطيع إعطائها نصيحة أو تسييرها في طريق الصواب. كيف؟
ولكن ما أن انتهت من البكاء، حتى مسحت عينيها، ثم تحركت للخروج جهة غرفة ابنتها. وضعت أذنها على الباب بألم، ليقابلها الصمت. يبدو بأنها كما هي العادة، أنهكها البكاء لدرجة سقوطها في سلطان النوم. لـتفتح الباب بألم، في حين دموعها التي ظنت أنها نضبت بدأت تسيل مرة أخرى. ولكنها لم تأبه، هذه المرة بإزالتها. إنما تحركت لتجلس بجوار صغيرتها، تُملس على خصلاتها الناعمة برقة وحنان، في حين عيونها يرتسم بها الحنان والحب، كما هو الألم. لـترفع الغطاء على جسدها بحنان، لتهمس لها في أذنها بندم:
- سامحيني، مقدرتش أكون أم تقدر تقف في ضهرك وتقويكي. كنت بس ضعيفة، مش قادرة أعملك حاجة.
ثم مالت على وجنتها تقبلها بحنان وحب. وما إن رفعت رأسها، حتى تفاجئت بيدي ابنتها تلتف حول جسدها، في حين ألقت رأسها على صدرها بألم. تفاجئت مُنيرة من الموقف، ولكنها صُدمت من بكاء ابنتها أكثر، وهي تصرخ بألم:
- مش عاوزاه ياماما، مش عاوزاه. أرجوكي مش عاوزة اتجوزه، مش عاوزاه. حاسة إني كل أما بشوفه بتقهر، حاسة إنه بيتداس على كرامتي أكتر. مش حاسة إني هكون زوجة، حاسة إني جارية اشتراها بالفلوس. كل أما بشوفه ياماما بحس بضعفي وقهرى، بحس إني بدون كرامة وكرامتي متداسة تحت الرجلين. أرجوكي ياماما اتصرفي، مش عاوزاه.
ثم أبعدت عينيها عنها، ليهالها احمرار عينيها أكثر من الدموع، لدرجة أصبحت ككتلات دم تتوسطها بقعة سوداء، في حين وجهها كان كالدماء أمامها. لتتراجع للخلف بصدمة، بينما وضعت شيرين يدها على صدرها مكملة بألم يقطع نياط القلوب:
- حاسة إن قلبي بيتقطع، حاسة إني ماليش قيمة وكرامة. حاسة إني لعبة بتتحدف لكل واحد شوية. حاسة إني خدامة اشتراها بالفلوس من غير حساب لكرامتي ودمي.
ثم تراجعت للخلف أكثر قائلة بصوت متعثر أثر شهقات بكاءها:
- أنا من الأساس مبحبوش، مش راغباه. أنا أصلاً كنت بخاف منه، شكله بيخوفني. ملامحه بترعبني، قربه ونظراته كانت بتخلي جسمي كله بيتنفض. بحس في قربه بالرعب مش بالأمان. كنت كل أما بشوفه في الشارع ببقى عايزة أهرب منه، عايزة أجري من وشه. كل فيه نظراته، حركاته، كلامه كله بيخوفني، بيرعبني، بيخليني مش مطمنة. إزاي؟ إزاي هتجوزه إذا كنت كدة من قبل أي حاجة؟ إزاي هكون بعد اللي حصل؟ أنا مش عاوزاه، أرجوكي اتصرفي.
ثم تفاجئت بها تميل على يدها تقبلها قائلة برجاء:
- أبوس إيدك، أنا عمري ما طلبت منك حاجة. أرجوكي، أرجوكي يا أمي اتصرفي، أرجوكي، أرجوكي مش عاوزاه.
تراجعت منيرة للخلف بصدمة، وهي ترى ذلك الألم الذي لم تكن تظن أنه بقلب ابنتها. تراه واضحاً أكثر، تراها لأول مرة تُخرج ما بصدرها بعد أن شعرت بأنه يكاد يقتلها. كيف تتصرف؟ ليس بيدها شيء. إن رفضت، فهي تكون قد قتلتها. ولكن بالفعل، ليس بيدها شيء. فـ رافد يريدها بجنون.
لتجدها تكمل بألم:
- مش هعرف أكون زوجة سوية معاه وأنا مفيش في قلبي ليه غير النفور. بلاش... بلاش تدبحوني بالسكينة دي، بلاش يا أمي، بلاش، بلاش.
بكت مُنيرة في المقابل تحتضنها، تذرعها داخل قلبها، تواسيها بالبكاء. في حين كانت هناك عينان تتابعهما من بعيد، ترى، تسمع، تسيل دموعهما أكثر وأكثر على ضعف وقلة حيلة جعلت ظهره محنى وهو يرى ضعف الرجال من ضعفه الكبير في عدم قدرته على تلبية طلب صغيرته. فهو لا يستطيع الوقوف أمام رافد الدسوقي. لا يستطيع رفض طلبه، وهو يعلم بأنه متيم بعشق ابنته. ليبتعد بعيداً تاركاً إياهم معا يعلقون جروح بعضهم. في حين ابتعدت مُنيرة عن ابنتها مكوبة وجهها بين كفيها. ثم قالت بألم:
- ممكن تسمعيني؟
أومأت شيرين بألم وحزن لتقول مُنيرة بدموع:
- أنا عارفة إنك مبتحبيش رافد، عارفة إنك شايفة إنه بيشتريكي بفلوسه. عارفة إنك حاسة إنك لعبة. بس عمرك بصيتي في عيون رافد بجد؟
استطاعت في تلك اللحظة اقتلاع انتباه ابنتها لها. لتنظر مُنيرة بعينيها قائلة بهدوء:
- رافد هيعمل المستحيل عشان يطولك يا شيرين. رافد عينه مليانة هوس بيكي، رافد عمل كل حاجة عشان يطولك. تفتكري بعد ما وصل للمرحلة دي واسمك ابتدى يتكتب مع اسمه إنه هيتراجع؟
ثم نفت برأسها قائلة ببكاء:
- أبداً... أبداً. تفتكري رافد الدسوقي اللي مفيش حاجة تعصى عليه هيتنازل عن حاجة عاوزها بسهولة؟ مفتكرش، ده ممكن يهد المعبد على أصحابه عشان خاطر بس يوصلك. رافد اللي الكل بيترعب منه، رافد الوحش المخيف. تفتكري هيسيبك تمشي براحتك من غير ما يعمل اللي يقدر عليه عشان تكوني معاه؟
ثم أكملت ببكاء:
- حاولي تتفاهمي معاه يا شيرين، حاولي. انتي مش فاهمة ممكن نخسر إيه لو وقفنا قدامه.
صرخت شيرين بألم كشاه مذبوحة مقتولة تنتفض في موتها:
- هنخسر إيه أكتر من اللي خسرناه؟ إحنا حيلتنا إيه عشان نخسره؟ الوحيد اللي كان ممكن تخافي عليه مات خلاص. فيه إيه تاني ممكن تخافي عليه؟
صرخت منيرة مقابلها بانهيار:
- فيه... فيه انتي. ممكن أخاف عليكي وأنا متوقعش وحش زي ده ممكن يعمل إيه عشان يوصلك أو يعمل إيه بعد ما انتي هنتيه ورفضتيه. فيه... فيه أبوكي. مقدرش أتوقع إيه ممكن يعمله.
ثم صرخت ببكاء ورعب:
- انتي مش متخيلة شكلك ولا تعرفي اللي ممكن يعمله.
رفعت انظار ذبيحة جهتها لتجيب بنبرة مبهوتة وهي تسقط كفيها بجوارها بصدمة:
- يعني إيه؟
أبعدت مُنيرة عينيها بعيداً لتجيب بجمود وهي:
- يعني حاولي تتفاهمي معاه وتفهميه. واعرفي إنه قدرك ومحدش بيقدر يهرب من قدره.
نفت برأسها بهيستريا لتجيبه بعدم تصديق:
- انتي بتهزري صح؟
أعادت مُنيرة عينيها جهتها بجمود لتجيبها بصوت بارد جامد:
- لا مش بهزر. كل واحد له قدره اللي ميقدرش يهرب منه ولازم يتعايش معاه. وده قدرك. استغلي جنونه بيكي بإنك تخليه يعملك اللي انتي عاوزاه، لأنه وحش وممكن يعمل أي حاجة عشان اللي عاوزه ومش هيقبل الرفض.
تراجعت شيرين للخلف بذهول وصدمة، وهي تستوعب ما تقوله والدتها التي صدمتها بتلك الحقيقة. وما عليها سوى السمع والطاعة لتلك الأمور التي لن تقبلها. وقد شعرت في تلك اللحظة بأن مستقبلها وأحلامها وآمالها قد اندفنت تحت وطأة الثرى. لـترفع يديها تضعها على وجهها وتنخرط في نوبة بكاء. لتنظر لها مُنيرة بجمود ظاهري، في حين يتمزق قلبها داخلها على صغيرتها. لتتركها وحدها تستوعب حجم كارثتها وتتعايش معها.
***
كان قد استقر ثلاثتهم على ذلك الرأي، فهم معاً في كل شيء ولن يتركوا أيدي بعضهم البعض. إما أن يعملوا معاً أو يتركوا معاً. إذا رفع أحدهم عينه في واحدة منهن، فلتـمتد ثلاثة أيادي لتفقأها. هذا ما استقروا عليه جميعاً في ذلك المساء. إذاً، فغداً التقديم لذلك العمل. ومع ذلك، فإن هناك شعور يجوب داخل ثلاثتهم بأن الأيام لن تمر هكذا. فحتماً ستتغير حياتهم، وهم يدركون هذا. ولكن ما باليد حيلة، فليخرجوا للحياة وليتعلموا. فقوتهم معاً، ولن يستطيع أحد الاقتراب منهم. وما سيحدث ليس إلا تقديم، أما أن يقبلوهم أو لا.
***
صباح يوم جديد. استيقظت من نومها لتجده ينظر لها بابتسامة مازحة. لـترفع عيني ناعستين جهته متسائلة بتعجب:
- إيه؟
ابتسم ساخراً ليجيبها باستهزاء:
- إيه اللي إيه؟ خرتيت نايم؟ نايمة واخدة السرير كله؟ فيه حد ينام في نص السرير على بطنه وكل إيد ورجل في ناحية؟ إيه حجزاه لحد ولا إيه!!
نظرت جهته بضيق متسائلة بسخرية:
- والله بجد!!... شوف مين بيتكلم طيب، شوف أنا شبه مين في نومي من غير ما تتريق.
ثم رفعت رأسها تلقى عن جسدها الغطاء لتتحرك. لتتفاجئ به يتراجع للخلف قائلاً بصدمة:
- أعوذ بالله، إيه ده يابنتي.
رمشت بعينيها بنعاس لتجيبه بدون تركيز:
- إيه؟
ظل ينظر لها بقرف ليجيبها بضيق:
- تصدقي بالله، أهو إنتي بنتي أهو، بس بشفق على اللي هيتجوزك. والله ده إنتي لو طلعتي للعفريت نفسه لتخوفيه. إيه المنظر ده؟؟
ظلت ترمش بعينيها بنعاس لتقول بنبرة ضائقة ولكنها ناعسة:
- ماله منظري!!
ظل ينظر جهتها بقرف ليشير جهة المرآة. لتتحرك هي تنظر جهتها. ولكن ما أن وقفت أمامها، حتى شهقت برعب قائلة بقرف:
- يا أمي، إيه المنظر ده.
نظر لها باشمئزاز مجيباً بقرف:
- ماهو ده اللي بقوله.
كان منظرها بالفعل مرعب. خصلات شعرها السوداء فالته من معقلهم، وكل واحدة باتجاه ليصنعوا ما يشبه عش العنكبوت. بل وأكثر. عيون ناعسة منتفخة بشدة، ووجه لم يمحى منه الكحل ليسيل ليلاً على وجهها ليصبح عينيها ووجهها ملطخ بالسواد، مما يجعل الأمر مخيفاً بشدة. مع تورم وجهها من النوم، أصبح الأمر مخيفاً بالفعل. ليقول سعد بقرف وسخرية:
- سبحان الله، الحاجات اللي المفروض معمولة عشان تحلي البنت وتجملها، حتى دي مش قادرة تعمل معاكي حاجة. بل بالعكس، خليتك تخوفي أكتر. ماهو القرد هيفضل طول عمره قرد، مش هيتقلب بالأحمر والأخضر لغزال.
التفت جهته تناظره بأعين تقدح شرراً. ليتراجع للخلف بخوف صارخاً بها بضيق:
- يقطع اللي جابك، هتقطعلي الخلف؟ يخربيت شكلك، منظرك يقطع الخميرة من البيت. فاكرة شكلك حلو؟ بتوحشيه.
اقتربت منه خطوة صارخة بغضب وضيق، وقد انقلبت سحنتها بالفعل في تلك اللحظة:
- بابا.
- انصرف، انصرف.
قالها سعد وهو يشير جهتها بيده. لـتقول بغضب:
- بابا.
- امسكها من مؤخرة عنقها وهو يزيحها أمامه قائلاً بضيق:
- اكتمي وانجري قدامي، اغسلي وشك ولا سنفريه ولا هببي فيه أي نيلة تعدليه بدل ما هو شبه بوز القرد كدة. واعملي أي حاجة في شعرك ده، مع إن أنا شايف إنه ملوش حل غير عود كبريت.
صرخت تتلوى بيده قائلة بضيق:
- بس يابابا، سيبني.
أجابها بضيق:
- انجري قدامي، ده إنتي لو طلعتي لواحد في الشارع هتجيبيله جلطة. يخربيتك، ده إحنا لينا الجنة إننا بنصطبح على الصبح بالخلقة دي. يخربيت وشك العكر.
تركها أمام باب الحمام. لتنظر له بضيق لتقول بسأم:
- ده أنا اللي ليا الجنة إني مستحملة الهزار بتاعك ده. فيه أب يعامل بنته الرقيقة كدة؟ دي معاملة تتعامل بيها أنثى.
تفاجئت به يتلفت حوله يميناً ويساراً. ثم بدأ يبحث أرضاً. لتقطب جبينها متسائلة بتعجب:
- إنت بتدور على إيه؟
نظر لها ليجيبها ببرود:
- بدور على الأنثى اللي بتقولي عليها دي.
ثم أكمل بوقاحة:
- أنا مش شايف قدامي غير أنثى الضبع الجربانة.
لتـدب الأرض قائلة بضيق:
- يا بابا.
وضع سبابته على فمه قائلاً بحسم:
- ولا كلمة. ادخلي الحمام انضفي، ولما تبقي بني آدمة أبقى تعالي اتكلمي.
لتنفخ بفمها بضيق. لتتحرك تدخل الحمام. وما أن أغلقت الباب، حتى فتحته قائلة من فتحته الصغيرة:
- على فكرة، أنا أنثى وأحسن من أي أنثى كمان. تحب أوريك؟
ثم أطلقت ضحكة مائعة تردد صداها في المنزل. لتنكتم حينما التصق بوجهها خف منزلي وصوت أنثوي يهتف بها بحسم. في حين وقفت تضع يديها بخصرها بقوة:
- المرة دي الشبشب، لكن إن سمعتها تاني هتكون المقورة اللي هقور بيها زورك عشان أمنعه يطلع الصوت ده تاني. وتتعدلي كده وإنتي ماشية زي العسكري مش زي الرقصات.
الـلمعت عيناها بالدموع بعد أن احمر وجهها من أثر الخف. لتهتف بضيق:
- والله أنا ما قاعدة لكم في البيت ده. ده كل واحد فيكم يحط عليا شوية. ده شارع الهرم أرحملي.
وما أن وجدتها تميل بجسدها مرة ثانية لأسفل، حتى اتسعت عينيها لتغلق الباب بسرعة. ليصدر صوت ضربة على الباب. في حين هدر صوت والدتها قائلة بضيق:
- المرة الجاية مش الشبشب. المرة الجاية هتكون إيد الهون يا بت سعد، فاهمة؟ وانجزي عشان تغوري تشوفي شغلك ده، إن رضوا بيكي يا بوز القرد.
لتهتف بضيق وهي تغسل وجهها:
- الأدمية في البيت ده معدومة والله. ده أنا لو شمبانزي هيعاملوني أحسن من كده.
***
تحركت للخروج من حارتهم الشعبية تدقق بالملفات بيدها تتأكد من عدم نسيانها أي شيء. ولكن تفاجئت بذلك الحائط الذي اصطدمت به فجأة، لتتراجع للخلف بألم وهي تدلك رأسها قائلة بتأوه:
- آه ياني، اتعميتي بدري ياشيرين ودخلتي في الحيطة.
انطلقت ضحكات ذكورية رنانة بالمكان. لـترفع عينيها بصدمة لتتفاجئ بأنها لم تضرب بالحائط، إنما بجسد رجولي قوي معضل، صدر عريض وجسد طويل بشدة. بالكاد تصل إلى أسفل كتفه. اتسعت عينيها بصدمة. ذلك الجسد تعرفه، بل من لا يعرفه؟ هو الجسد الوحيد بالمنطقة كلها الذي لديه تلك الهيئة المخيفة والحضور المهيب. في حين قاطع عليها سلسلة أفكارها ذلك الصوت الذكوري الأجش قائلاً بمرح:
- سلامة نظر القمر، إن شاء الله العدوين. وإنتي لا.
ارتفعت عينيها جهته بصدمة لتجده يقف بهيأته القوية وحضوره المخيف المهيب. ولكن المختلف هو وجهه الضاحك وعيناه التي يلمع بها العبث. لـيميل عليها فجأة لتشهق هي برعب متراجعة برأسها للخلف. في حين تجاهل هو حركتها ليقول بعبث:
- اللي واخد عقلك ياجميل.
ظلت تنظر جهته بصدمة. رافد الدسوقي يضحك. المرة الأخيرة التي رأته يضحك بها ربما كان بعمر السادسة عشر أو شيء من هذا القبيل. فذلك الوجه المخيف لا يلتوي وجهه بالضحك أبداً. في حين أكمل هو بمكر:
- إيه الجميل سرحان في إيه ومش مركز في الطريق؟
ابتلعت ريقها بصعوبة بعد أن شعرت بتلك اللحظة بجفاف حلقها. لتتطلع إلى وجهه القريب منها. عيناه السوداء الضاحكة. ملامحه التي وبالرغم من خشـونتها الفذة، إلا أنها تمتلك وسامة غريبة. وسامة بربرية عجيبة. طابع الحسن في ذقنه وأهدابه الطويلة بشدة، والتي دائماً ما تتعجب لها. فهي تتنافى دائماً مع أهداب الرجال. ولكنها أفاقت من الصدمة لتتراجع للخلف بسرعة. ليبتسم هو عليها ليعود بجسده كما كان وهو يحك جانب عنقه. ليلفت انتباهها ذلك الجرح القديم الذي بالكاد تظهر آثاره، والذي هو أسفل أذنه ناحية عنقه. ليس بكبير بشدة، ولكنه لفت انتباهها. والذي يظهر بأنه قد حصل عليه ربما في أحد معارك الحي. لتتساءل داخلها ساخرة:
- إذا كان هذا ما أصاب رافد الدسوقي، إذاً ماذا سيكون قد حدث للمتسبب بالضرر له؟ ربما يقبع الآن تحت الثرى.
أفاقها من تأملها صوته القائل بمرح:
- مقولتيش رايحة فين على الصبح ومستعجلة كده ومش شايفة قدامك؟
ابتلعت ريقها بخوف. ها هو أسوأ مصائرها يحقق معها. ولا تعرف نتائج الحديث معه. لـتقول بخوف:
- رايحة أقدم في شغل.
- نعم؟!!
تلك كانت إجابته المصدومة. ليجيب بتعجب:
- ده اللي هو إزاي؟ إنتي لسه يادوب نتيجتك باينة، لحقتي تلاقي شغل منين؟
أبعدت عينيها عنه تنظر في كل الجهات عداه. لتجيبه بخوف:
- أنا مقولتش هشتغل. أنا لسه هقدم وأشوف وهروح أنا والبنات. ويا اتقبلت يا اترفضت.
- لا ياشيخة، من نفسك كده؟ وأنا آخر من يعلم.
قالها بحدة أخافتها. ولكنها تماسكت بقدر إمكانها. فدائماً كانت هي الوحيدة في حيهم. على الرغم من رعبها منه كما الجميع. إلا أنها كانت دائماً ما تجابهه بالكلمات والإجابات. لتجيبه بضيق وغضب:
- فيه إيه يارافد؟ هو حصل جديد ومعرفتش؟ أنا لسه بقدم وبعدين أنا قايلة لبابا وماما إني خارجة وعارفين ليه غضبك ده.
أمسكها من ذراعها صارخاً بغضب:
- طيب وأنا؟ أنا طرطور معرفش حاجة؟ مليش حق أعرف حاجة عن خطيبتي؟ أنا كنت متلقح معاكي امبارح، مقولتيش ليه على اللي بتفكري فيه؟ ولا أنا في حياتك مليش لازمة؟
أبعدت عينيها عنه ناظرة للناس التي بدأت تنتبه لحديثهم. لـتقول بضيق:
- رافد، مش هينفع كده. الناس بتبص علينا.
رفع انظار حارقة مرة واحدة جهة الجميع. لـيلتف كل فرد ينظر جهة عمله. في حين تحرك الآخرين يركضون برعب. ليصرخ هو بغضب محذراً لها وللجميع:
- محدش له عندي حاجة. أنا بعملش حاجة غلط. واحد وخطيبته، وكل واحد يخليه في حاله.
أحمر وجهها بضيق غاضب. لتحاول إفلات يدها من يده. ولكن هيهات. لـتصرخ بضيق وقد احمر وجهها من الإحراج والغضب. في حين لمعت عيناها من الخزى:
- سيبني يا رافد، سيبني بقى! إنت عايز إيه؟ أنا معملتش حاجة غلط.
صُدم هو من انهيارها. لينهار ضيقه وغضبه عليها في لحظة ويحل محله الألم على حالها. ليقول بمهادنة:
- طيب خلاص، اهدى. اهدى. أنا مقصدش.
رفعت انظارها جهته لتجد الحنان الهادئ بعينيه. لـتبدأ في الهدوء. ليقول بعتاب:
- شيرين، هو مش إحنا اتكلمنا امبارح وقولنا إني مش غريب؟ ليه بتحاولي تبعديني وتحسسيني إني مليش قيمة؟ أيوه أنا مش باباكِ، بس حقي على الأقل إني أعرف. مش أتفاجئ بكل حاجة كده.
صرخت به بضيق:
- مفيش حاجة يا رافد، مفيش حاجة أصلاً. أنا لسه بقدم هنا وهنا. ولما يبقى فيه حاجة أكيدة هتعرف. بس هو كل شغل هروحه ومتقبلش فيه، أقولك ده؟ كفاية كرامتي يا جدع، وأنا بتطرد كده ومليش قيمة، وخصوصاً إني معنديش خبرة. أنا مش ضامنة مكان يرضى يوافق بيا لسة، لأني زي ما إنت قايل لسة متخرجة.
ظل ينظر جهتها بضيق. ليقول بغضب مكتوم:
- رفضهم ليكي ميقلش منكِ. بس على الأقل شاركيني إنك بتدوري على شغل. مش ممكن أساعدك حتى لو أعرف إنك بتدوري؟ مش لازم الأماكن.
أبعدت عينيها بعيداً. ليصمت هو بضيق. الحديث معها لن يأتي بفائدة. وهو لا يريد الغضب منها أو عليها. فهي لن تتحمل غضبه أبداً. ليتحرك أمامها قائلاً بضيق:
- طيب، يلا أوصلك.
اتسعت عيناها بصدمة. هل قال سيوصلها؟ لا وألف لا. كيف ستفسر وجوده معها؟ كيف تقول لصديقاتها عن علاقاتها به؟ كيف ستجعل نفسها مثيرة للشفقة هكذا؟ لـتهتف به بسرعة:
- لا، أنا رايحة مع البنات.
ارتسمت ابتسامة ساخرة على وجهه. في حين ارتسم الألم في عينيه بأقصى درجة. وهو يجد نفورها الواضح منه، وعدم رغبتها في الظهور بجواره أبداً. ليقول بهدوء:
- متقلقيش، مش هظهر معاكي. أنا هوصلك للمكان وهمشي. مش هتعرف عليهم.
ثم تحرك أمراً لها قائلاً بهدوء:
- يلا، ورايا.
لتتبعه بهدوء وحزن. وكلا منهم ارتسم الحزن بقلبه لأقصى درجة. لدرجة أنه يمزق قلبه. ولكن لكل منهم أسبابه.
رواية ملكة قلبي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم مريان بطرس
وقفت الاثنتان تنتظران مجيئها.
نفخت جنا بفمها بضيق، ثم بدأت تنظر في ساعة معصمها بملل.
لتقول بضيق شديد:
"أوف، هي شيرين اتأخرت كده ليه؟"
ظلت أميرة تهز بقدمها أرضًا بتوتر، لتجيبها بملل:
"مش عارفة."
ثم تحركت عدة خطوات للأمام، لتسألها جنا بتعجب:
"رايحة فين؟"
التفت تنظر جهتها، مجيبة بهدوء:
"رايحة أبص عليها قدام، لتكون تاهت ولا حاجة، ما هو مش هنفضل واقفين كده."
ثم التفت تنظر جهتها، متسائلة بضيق:
"رنيتي عليها تاني؟"
أومأت برأسها، لتجيبها بهدوء:
"مابتردش."
أومأت برأسها في المقابل، قائلة بهدوء:
"خلاص، يبقى هروح أبص عليها."
ثم تحركت للذهاب، حينما هتفت جنا من خلفها:
"استنى، أنا جاية معاكي."
ثم ركضت خلفها.
وما أن وصلا لأول الشارع، حتى تفاجئا بها تهبط من سيارة أحد ما.
لتحول كلا من أميرة وجنا عينيهما تجاه بعضهما بتعجب.
لتتساءل أميرة:
"جنا، هو مش شيرين قالت إنها ماعندهاش إخوات؟"
أومأت برأسها، تجيبها بهدوء:
"اللي أعرفه آه، وكمان باباها مستواهم المادي على قده."
رمشت بعينيها، لتقول بتعجب:
"أمال مين اللي راكبة معاه ده؟"
مطت جنا شفتيها، وهي تجيبها بهدوء:
"معرفش، بس ده غني جدًا."
التفت أميرة جهتها بتعجب، لتومئ برأسها مشيرة جهة السيارة، قائلة بهدوء:
"بصي على العربية كده، العربية دي بمبلغ وقدره."
أعادت أنظارها جهة السيارة بتعجب.
من أين تعرف شيرين ذلك الشاب الغني ذاك؟ فهم يعلمون بأن حيها فقير بشدة.
إذا من أين جاء ذلك الغني؟
على الجانب الآخر، قالت له بهدوء:
"رافد، أوقف هنا."
نظر لها بتعجب، ليجيبها بغرابة:
"فيه إيه؟"
أجابته بهدوء، وهي تجمع متعلقاتها:
"هأنزل هنا."
قطب جبينه، ينظر لها وكأنها برأسين، وهو يجيبها:
"ليه؟ ما هو المكان قدام."
أومأت برأسها، لتجيبه بهدوء:
"عارفة، بس أنا هنزل هنا، متشكرة."
زم شفتيه بضيق.
"حسنًا، إذا."
هي بين كل لحظة وأخرى تظهر جهته نفور لم يرى له مثيل.
وبالنهاية تتساءل بتعجب عن لما يظن بها هذا بأنها تستنفره.
وكل حركاتها تدل على هذا.
يريد الحديث معها وفهم كل شيء.
ولكن الغريب كونها لا تقول شيئًا.
كلما سألها تنفي ما يثير غضبه تجاهها.
إنها لا تتحدث.
تكاد تجعله يجن.
حديثها شيء وتصرفاتها شيء آخر.
وكلما دفعها للحديث ليفهم فيما تفكر، يجدها قد انغلقت على نفسها أكثر وأكثر.
ذلك جانب رأسه بإرهاق.
الأمر أصبح يسبب له الصداع.
أصبح يشغل باله بشدة.
نعم، يريدها.
نعم، يحبها بجنون.
بهوس يتمناها.
هي أمنيته وطلبه الوحيد من ربه.
ولكن لا يريدها جسدًا فقط، بل يريدها كاملة، جسد وروح وقلب.
يريد قلبها وحبها واحتوائها.
وهي على الرغم من وجودها معه، إلا أن عقلها وقلبها بمكان آخر.
ليست كاملة.
لا يفهم ما بها.
هو لا يريد الضغط عليها، فهو كلما ضغط عليها لم يقابله سوى دموعها فقط.
لذا يحاول دائمًا باللين، بطول البال.
ويشهد الله بأنه بالأصل ليس صبورًا أو طويل الأناة.
إنما هو سريع الغضب بشدة.
ولكن معها يكون له طابع آخر.
ليس به، يحاول دائمًا كسبها باللين.
ولكنه يشعر دائمًا أنه كلما اقترب منها خطوة، تبتعد أمامه ثلاث.
كلما ظن أنه وصل إليها، فاجأته بأنها انغلقت على نفسها أكثر.
لا تعطيه الفرصة للتعبير عن حبه، قلبه، مشاعره.
لا تعطيه فرصة للاقتراب منها أبدًا.
ولكنه على الرغم من ذلك، التف إليها متسائلاً بغرابة:
"طيب، ليه تنزلي هنا؟ ما تستني وأوصلك لحد الباب."
هزت رأسها وهي تهبط، تجيبه بهدوء:
"لا شكرًا، مش عاوزة أتعبك وأأخرك. هنزل هنا."
قطب جبينه أكثر، ليشير للامام، قائلاً ببديهية:
"ده كله خطوتين بالعربية. هتتعبيني في إيه وهتأخريني إزاي؟"
لم ترد عليه، معلنة نهاية الحديث.
لتميل على زجاج السيارة، قائلة بهدوء بعد أن هبطت منها وأغلقت الباب:
"شكرًا."
زم شفتيه، ليومئ برأسه بعدم رضا.
لتتحرك للذهاب من أمامه.
ولكنها ما أن تحركت عدة خطوات، حتى تفاجئت به يهتف باسمها.
لتتسع عينيها بصدمة، وهي تجده يهتف عليها من خلفها:
"طمنيني لما تخلصي."
ابتلعت ريقها، وقد شعرت بأن حلقها قد جف تمامًا.
ولكنها على الرغم من ذلك، أومأت برأسها بتوتر.
ليومئ برأسه باستحسان.
ولكن على الرغم من ذلك، لم يتحرك.
بل إنما ظل منتظرًا أن يطمئن عليها لتدخل المكان.
ظلت تنظر جهته منتظرة تحركه.
ولكنها حينما يأست من تحركه، لفت جسدها للذهاب.
ولكنها تفاجئت بنظرات صديقاتها المحققة.
لتبتلع، لتتلع ريقها بتوتر، وهي تعلم بأن عليها التفسير الآن.
وهي لا تريد ذلك.
لترفع نظراتها جهتهما، لتجد ارتفاع حاجب أميرة الأيسر بتساؤل وتحقيق.
تلك الحركة تعرفها منها جيدًا.
هي لن تترك الأمر هكذا.
لن تتركها إلا حينما تفهم كل شيء.
في حين لفت وجهها جهة جنا، لتجدها قاطبة جبينها بشدة، تريد التوضيح واستقراء الموقف.
في حين كانت تهز قدمها على الأرض بتوتر.
لتبتلع ريقها، لتعود بعينيها لذلك الجالس بسيارته الفارهة خلفها بتوتر.
لتجده كما هو منتظر دخولها.
سبته تحت أنفاسها الآن، عليها التوضيح.
ولكنها حينما أعادت رأسها إليهم بعد تلك الحركة الخاطفة، وجدت أعينهم تدقق بها أكثر، وكأنهم تعجبوا نظراتها جهته أكثر وأكثر.
ليعودوا بعينيهم لذلك الشاب الضخم الذي يحتل مقعد السائق.
كان يتطلع إليها بعيون حنونة، رقيقة، وكذلك حزينة.
لا يريد التحرك أبدًا.
أول من قطع سلسلة الصمت كانت هي، حينما قالت بتوتر:
"أنا آسفة إني اتأخرت عليكم."
أجابت جنا بهدوء، على الرغم من تعجبها:
"لا أبدًا، حصل خير."
"طيب يلا، بدل ما نتأخر أكتر."
قالتها أميرة وهي تتحرك للأمام، لتومي هي برأسها متحركة خلفهم.
في حين لفت أميرة وجهها مرة واحدة جهة الشاب، لتجده مكانه، لم يتحرك.
في حين كانت هناك ابتسامة عاسقة محتلة وجهه بالكامل.
لترمشي بعينيها بتعجب، ثم رفعت رأسها مرة واحدة على حين غرة، سائلة شيرين:
"مين ده يا شيرين؟"
صُدمت شيرين من السؤال، على الرغم من توقعها له.
ولكنها ظنت بأنهم سيتغاضون عن الموقف، حينما لم يتحدثوا.
في حين، لما وجدت أميرة صمتها، بادلت جنا نظرات متعجبة، ثم أعادت الهتاف باسمها.
لتجيبها الأخرى بتوتر:
"رافد الدسوقي."
"أيوه، اللي هو مين يعني؟"
سألت بتحقيق أكبر وصيق، وهي لا تجد إجابة لسؤالها.
لتصمت لبرهة، ثم أجابت بهدوء:
"واحد من المنطقة من عندنا."
ارتفاع حاجبها مع رفع جانب شفتها العليا كان خير دليل على عدم تصديقها.
لتقول بتعجب:
"بيه؟ هي المنطقة عندكم بتحدف ناس متريشة كده؟ انتوا قاعدين في زايد وأنا معرفش؟ ولا تكونش فاتحة باب الوراني على مدينة نصر؟"
نظرت لها، لتجيبها بضيق:
"لا، بس ربنا فتحها عليهم واداهم يا أميرة."
ظلت أميرة تنظر جهتها بعدم تصديق.
لتوخزها جنا قائلة بهدوء:
"مش وقته، خلينا في بال واحد."
أومأت برأسها، وهي تشعر لأول مرة بأن شيرين تُخفي عليهم شيئًا ما.
حسنًا، هي ليست أول مرة.
فدائمًا ما تظن بأن شيرين تخفي الكثير من الأسرار داخل جعبتها، وما تظهره عكس ما تبطنه.
ولكنها دائمًا ما كانت تصمت، معطية لها دائمًا قدرًا من الخصوصية.
ولكن مع وجودها بسيارة شاب غريب، مدعية بأنها تعرفه، فالأمر لن يمر.
ف اختر الصديق قبل الطريق.
فإما أن تفهم ما يحدث، أو فلتبتعد عنها.
حتى وإن كان هناك سر ما، فدائمًا الصديق هو مخزن الأسرار.
ومن لا يأتمّن صديقه على أسراره، فهو لا يثق به.
وتلك العلاقة المبنية على عدم الثقة، هي لا تريدها أبدًا، أبدًا.
***
كان ثلاثتهم يقفون أمام ذلك الموظف، في حين كان يطلع على أوراقهم بتدقيق.
ليقول باستحسان:
"درجاتكم كويسة في العملي والنظري. تقديراتكم حلوة جدًا. عندكم أكتر من كذا سنة خبرة في شغل في معامل تحاليل، دبلومة تحاليل، وفترة اشتغلتو فيها في مزرعة تحت التدريب. وكمان اتدربتو في مجال مراقبة الجودة. كله ده ممتاز. انتوا يعتبر ملمين بالشغل من أكتر من اتجاه."
ابتسامة سعيدة ارتسمت على ملامحهم.
في حين مط هو شفته بتعجب، ليرفع أنظاره سائلاً بذهول، وإن كان به بعض من التقدير والاستحسان:
"بس لحقتوا تعملوا كله ده إمتى؟ أنا اللي لسه شايفه إنكم لسه متخرجين من الكلية مابقاش ليكم حاجة؟"
ارتسمت ابتسامة سعيدة على وجه أميرة، لتجيبه بهدوء:
"في الإجازة يا إما بنتدرب في معمل أو نعمل دبلومة تحاليل، وكان بيبقى معانا أوراق خاصة بيها بنذاكرها من قبل كده، أو نتدرب في مزرعة، أهو منه شغل ومنه تدريب وتعليم."
هز رأسه باستحسان، ليلم الأوراق أمامه، قائلاً بهدوء:
"بصراحة، أنا معنديش أي سبب للرفض. على الرغم من صغر سنكم، إلا إنكم عندكم العلم والخبرة. يعني مقفلين الطريق قدامي."
التفوا جهة بعض بسعادة، ليتساءلوا بذهول:
"يعني موافق؟ تقصد إننا اتقبلنا؟"
أومأ برأسه، قائلاً بهدوء:
"آه، تقدروا تقولوا كده. أنا بس محتاج ألم أوراق الموظفين وأبعتهم لمستر نبيل يتأكد منهم، وإذا كان عنده أي تعليق على أي موظف، لأنه مسؤول عن الأمور دي. وبعدها ناخد إمضته هو وتوفيق بيه. بس بإذن الله من أول بكرة أو بعده هتكونوا هنا."
نظروا جهة بعض وقد خاب ظنهم بذكر اسم باسل.
لينظروا جهته متسائلين بتعجب:
"وباسل بيه؟"
رفع أنظار متعجبة من سؤالهم، ولكنه أجاب بهدوء:
"باسل بيه مسؤول عن التوريدات للمصنع ومسؤول عن التصدير والتعامل مع الشركات والبنود. ملوش دعوة بالموظفين. شغله في الشركة بس التجاري فقط، لأنه تخصصه تبع كلية تجارة."
ظلوا ينظرون جهة بعضهم البعض.
في حين أكمل:
"لكن نبيل بيه هو المسؤول عن الأمور الخاصة بالداخليات الخاصة بالشركة والمصنع، إضافة إنه بيراجع أي عقود أو بنود شراكة بعد ما بيوافق عليها مستر باسل. ده لأنه معاه كلية حقوق."
أومأوا برءوسهم بتفهم.
ليتساءل هو بتعجب:
"بس إيه سبب السؤال؟"
هزت شيرين كتفيها، مجيبة بهدوء:
"مجرد سؤال."
أومأ برأسه بهدوء، ليشير إليهم جهة الباب، قائلاً:
"هنتصل بيكم بعد الإمضاء، تيجوا تبتدوا شغلكم. هيبقى بكرة أو بعده."
تحركوا للخروج من المكان بسعادة تتملكهم، لا يصدقون أنهم قد نالوا العمل هكذا دون واسطة ودون حتى أن يعرف باسل الدمنهوري بأمرهم.
وما أن خرجوا من المكان، حتى دق هاتف جنا.
لتنظر جهته بسعادة، ثم ركضت قائلة لهم بهدوء:
"طيب، أنا ماشية عشان بابا مستنيني."
ابتسموا لها، لتتحرك من محيط المكان.
في حين ظلت أميرة تنظر جهة شيرين بغموض.
وما أن كادت تفتح فمها، حتى تفاجأت بالهاتف الخاصة بها يرن.
وما أن رفعته لتنظر جهة المتصل، حتى تفاجئت برافد يتصل بها.
لتلف عينيها، تنظر جهة أميرة، لتجدها تنظر جهة هاتفها، ثم تنظر لها بغموض.
لتبتلع ريقها وتمسك الهاتف بيدها، معلنة عن عدم رغبتها في الإجابة.
صمتت أميرة، تزم شفتيها بضيق.
وما كادت تفتح فمها، حتى تفاجأت بهاتف الأخرى يرن مرة أخرى.
لتنظر له، لتجده مرة أخرى يعلن عن اتصال هاتفي منه.
ابتلعت ريقها بتوتر.
لتجد أميرة تجيبها بغير رضى، وهي تربع يديها بضيق:
"من رأيي تردي، لأنه واضح إنه مصر إنك تردي عليه."
أومأت برأسها بتوتر، لتفتح الاتصال، تجيبه ببعض الكلمات مفادها بأنها قد حصلت على العمل وستبدأه في خلال يوم أو اثنين.
ولكن ما أثار انتباهها بالفعل، هو فرحة ذلك الرافد بالخبر، الذي يتضح من خلال صوته الواضح في الهاتف الخاص بصديقتها.
في حين يبدو عليها الضيق من أسئلته، ولكنها لا تملك وسيلة للرفض.
في حين كانوا يتحدثون معًا، وكأن معرفته بأمورها الخاصة أمر مُسَلّم به.
ومتى ستصل؟ وأين هي؟
تلك الأمور لا تخص مجرد شاب من حارتهم الشعبية أوصلها بالسيارة، بل إنها توضح علاقة أكبر من هذا بكثير.
علاقة أو ارتباط ما بين شخصين يحق له معرفة ما يخص بعضهما البعض.
ظلت صامتة إلى أنهت الأخرى مكالمتها.
لتلف تنظر جهتها قائلة بنبرة ساخرة:
"جدع أوي رافد ده، يعني قالق نفسه وبيتصل يتطمن إذا كنتي اتوفقتي ولا لأ."
نظرت لها لتجيبها بتوتر:
"آه."
مطت شفتيها، تجيبها بضيق:
"يعني ما اتصلتيش تطمنيه، اتصل هو؟ يعني الراجل مش مجرد موصلاتي، لا وبيتطمن عليكي كمان. فيه الخير والله، ولاد البلد دول."
رمقتها بطرف عينها ولم ترد.
لتتوقف هي، ناظرة جهتها، مكملة بضيق:
"بس مش غريبة شوية؟ يعني يوصلك بعربيته الغالية ونقول كتر خيره، الراجل منسيش أصله، يمكن قابلها في منطقة وقال يوصلها، يتصل يتطمن على شغلك، ونقول آه، مجرد واجب. لكن يسأل هتروحي إمتى وهتأخري ولا لأ؟ ليه؟ وإيه دخله؟ انتي مع مين ورايحين فين؟ ماله ومال كله ده؟ وبعدين عاوز يجي يجيبك ليه؟ هو عجبته حكاية السواق دي ولا إيه؟ مش غريبة شوية يا شيرين؟"
نظرت لها شيرين، لتجيبها بضيق:
"إيه اللي غريب يا أميرة؟"
نظرت لها أميرة، لتجيبها بضيق:
"إن كان مجرد جار أو واحد من المنطقة، ف رقمه معاكي بيعمل إيه؟ بيتصل بيكي يسأل ليه؟ إذا كنتي انتي معبرتيهوش وما اتصلتيش، طيب عدينا كله ده. إيه دخله في أمورك الخاصة؟"
قم هزت كتفيها، تكمل بعدم تصديق:
"والغريب إنك موقفتيهوش عند حده. لا، ده انتي بتجاوبيه. وده استحالة يكون إحراج."
ثم أكملت بضيق:
"شيرين صالح اللي محدش يقدر يتخطى حدوده معاها، اللي وقفت لـ باسم لأنه زعقلها، بترد على ده بمنتهى الخنوع من غير ما تقوله كتر خيرك خلاص عملت جميلة وخلصت، أو خليك في حالك، إنت مالك بحياتي أو أي حاجة."
نظرت لها شيرين، لتسأل بضيق متألم:
"إنتي عاوزة توصلي لإيه يا أميرة؟"
صرخت أميرة بغضب:
"مين رافد ده يا شيرين؟"
"قلتلك."
أجابتها شيرين، لتصرخ بها أميرة بضيق:
"الرد ده ما أقنعنيش، ف عايزة إجابة مقنعة. من الآخر، مين رافد ده يا شيرين؟ إيه علاقته بيكي؟ إيه سر تدخله في حياتك؟ إيه اللي يخليكي تردي على أسئلته كده؟ فين شيرين اللي أعرفها؟ مش ضعيفة الشخصية؟ وف نفس الوقت متغلطش؟ ف قوليله مين رافد ده؟"
صرخت بها شيرين بضيق، في حين سالت دموعها بألم:
"خطيبى."
تراجعت أميرة للخلف بصدمة، لترفع عينيها ناظرة جهتها بذهول.
ما هذا؟ وأي تراهات هذه؟
هي تعرف شيرين منذ خمس سنوات، لم يحدث أن قالت بأنها مخطوبة من أحدهم.
لم يحدث أن قالت بأنها تنوي الزواج.
لم تأتِ بسيرة ذلك الشاب حتى، وإن جاءوا للتقدم لخطبتها أو أي شيء.
متى حدث هذا؟ ولماذا تخبئ هذا الأمر عنهم؟
لتكرر هي الكلمة بذهول:
"خطيبك؟"
أومأت برأسها.
لتقطب أميرة جبينها، قائلة بضيق:
"شيرين، ممكن تقوليلي الحقيقة؟"
أجابتها شيرين بضيق:
"هي دي الحقيقة. رافد الدسوقي خطيبي، سواء صدقتي أو لأ."
نظرت جهتها بذهول، لتسألها بتعجب:
"وليه خبّيتي علينا ومقولتيش إنك مخطوبة أو حتى اتقدملك حد؟ حتى إننا لما سألناكي عليه مقولتيش إنه خطيبك."
ثم صرخت بها بضيق:
"ولما انتي مخطوبة ومربوط اسمك بحد، مصدتيش قرب باسم ليكي ليه؟ هاه؟"
نظرت لها شيرين، لتحول عينيها للجهة الأخرى بدموع.
لتصرخ بها أميرة بغضب، حينما وجدتها تتقوقع داخل قوقعة الصمت مرة أخرى:
"قولي يا شيرين، ليه كله ده؟ متقوليش الكلمة وتسكتي؟ لازم لكل شيء مبرر. إيه مبررك للي بتعمليه في نفسك ده؟"
صرخت بها شيرين بغضب:
"لأني مبحبهوش."
احتدمت عينا أميرة بغضب أكبر، لتصرخ بها باشمئزاز:
"ده مش مبرر للي بتعمليه على فكرة. مش مبرر إنك تخبي علاقتك، مش مبرر إنك تخلي واحد يتقرب منك وإنتي مربوطة في علاقة مع حد تاني. وبعدين، مادام مبتحبيهوش،وافقتي تتخطبيله؟ هتشيلي اسمه وهترتبطي بيه حياتك كلها ليه؟ وافقتي ليه عليه يا شيرين؟ هاه؟ وافقتي ليه؟"
صرخت بها شيرين بانهيار، وقد سالت دموعها.
في تلك اللحظة، وقد بان أنها قد انهارت حصون قوتها في تلك اللحظة، لينفرط عقد احتمالها أرضًا:
"وافقت لأن مفيش حل تاني. هو بيتجوزني إجبار، فاهمة؟ إجبار. مخبية علاقتي بيه ليه؟ عليكي وعلى الناس كلها؟ عشان كرامتي، فاهمة يعني إيه؟"
ثم أكملت بانهيار ودموعها تسيل بلا هوادة على وجنتيها، في حين ينغرس نصل الألم بصدرها:
"تفتكري لما أجي وأقولك مخطوبة، أول سؤال هتسألونيه هو إيه؟"
صمتت أميرة، ترمش بعينيها، لتكمل هي بانهيار:
"بتحبيه ولا جواز صالونات ولا جواز عن حب؟ عرفتيه منين؟"
ثم صرخت بألم:
"مقدرش أقول وأجاوب عشان كرامتي هتتهان."
ثم هزت رأسها، تئن بألم واشمئزاز ودموعها وبكاؤها يمزق القلب:
"بس مادام الأمر اتحط قدام شرفي، ف أحب أقولك إن رافد الدسوقي بيتجوزني لأني اشتريت بفلوسه. قيدني بموافقته. لف حبل الإجبار حوالين رقبتي عشان أوافق عليه وأنا راضية. بس حقيقة الأمر، أنا مجبرة. رافد الدسوقي خلاني بيعة وشروة، واتخدت بدل. يعني أنا اتخدت بقيمة الفلوس اللي ليه عندنا. أنا بقيت شبه البهيمة، جارية بتتباع في سوق الجواري. يمكن للبهيمة، للجارية قيمة عني؟ ها؟ تحبي أقولك إيه تاني؟ تحبي أعرفك إزاي؟ أنا مليش قيمة."
ثم أكملت بنفور:
"عارف كويس أوي إني مش هوافق عليه. عارف إني مش بطيقه. بنفر منه وبخاف وبترعب منه. عشان كده استخدم أكتر أسلوب واطي في الدنيا، وهو إنه يشتريني بفلوسه، يحكم عليا بجوازه غصب عني. الظاهر إنه برضايا، لكن في الحقيقة إجبار."
ظلت أميرة ترمش بعينيها، محاولة فهم واستيعاب ما تقول، ولكن استصعب عليها فهمه، لا تستطيع استيعابه بالفعل.
لتقول بتيهان:
"مش فاهمة حاجة. ممكن تهدّي كده وتفهمني بتقولي إيه؟"
***
كانت تركض بالشارع، تمسك بالهاتف، تنظر جهته بسعادة.
تتطلع إلى ما ترسله لها والدتها بفرحة، لتعود وتنتبه للطريق.
ولكن ما أن كادت تعبر الطريق، لم تنتبه للسيارة القادمة وهي تعبر.
ولكنها تفاجئت بصرخة فزعة من أحدهم:
"خلي بالك!"
في حين توقفت السيارة المارة على آخر لحظة أمامها.
لتنظر جهتها بخوف، لتبعد وجهها بعيدًا، تضع يدها على صدرها، تحاول تنظيم ضربات قلبها.
في حين هبط قائد السيارة، صارخًا عليها برعب:
"إنتي كويسة؟... مش تخلي بالك يا آنسة وإنتي بتعدي؟ كنتي هتموتي. خلي بالك!"
لفت وجهها، تتطلع إليه بجزع، ليتراجع للخلف بصدمة، هامسًا بذهول:
"جنا؟!"
ابتلعت جنا ريقها، وهي تجد آخر من قد تتوقعه أن تتقابل معه يقف أمامها الآن.
ولكنها أومأت برأسها، قائلة:
"إزيك يا مستر باسل؟"
لم يهتم بالإجابة، إنما هتف بها بفزع:
"إنتي كويسة؟... حصلك حاجة؟... تحبي تروحي للمستشفى ولا أوديكِ للدكتور؟"
نفت برأسها، قائلة بهدوء:
"لا، أنا تمام، متقلقش."
"أكيد؟"
أومأت برأسها، قائلة:
"أكيد."
ظل ينظر جهتها لبرهة من الوقت، وكأنه يتأكد، ليومئ برأسه، قائلاً:
"تمام، تعالي أوصلك."
نفت برأسها، قائلة:
"لا، مش هينفع. أنا هروح لوحدي."
ثم جاءت لتتحرك، ليتحرك واقفًا أمامها دون أن يمسها، قائلاً بهدوء:
"جنا، لو سمحتي، أنا فعلاً قلقان وخايف لا أكون آذيتك بحاجة. فلو سمحتي تعالي أوصلك، حتى على الأقل أتطمن إنك كويسة وتقدرى تتحركي."
زفرت الهواء من أنفها، مجيبة بروية:
"أنا كويسة."
"والله كويسة. مفيش حاجة، متقلقش."
ولكنها حينما لاحظت نظراته المتشككة، وهو يجيب بهدوء:
"كده كده هتركبي تاكسي، ف هتأمني للغريب عني. اتفضلي."
لم ترد إحراجه، لذا زفرت الهواء من فمها بضيق، لتومئ برأسها، متحركة صوب السيارة.
لتجده تحرك خلفها، يفتح لها الباب بلفتة راقية منه، لتلف وجهها تنظر جهته بتعجب، لتجد عيناه تنظر للبعيد.
لتبتسم بهدوء، وتتحرك لتجلس في المقعد، في حين تحرك هو ليجلس في مقعد السائق الخاص به.
لينظر جهتها بطرف عينه، قائلاً بهدوء حازم:
"ربطي الحزام."
تعجبت من الطلب الذي نادرًا ما تسمعه من أحدهم باهتمامه بتلك الأمور.
لتومئ برأسها، وبدأت في ربطه.
ليتحرك بسيارته، منتبهًا للطريق.
وما هي إلا ثوانٍ، حتى سمعته يسألها بتلقائية:
"على فين؟"
نظرت أمامها، ثم أملته العنوان، ليومئ برأسه، متحركًا صوب ما قالته.
صمت حل على المكان.
وما كاد يفتح فمه، حتى تفاجئ برنين الهاتف.
لينظر جهته، ثم ضغط على سماعة البلوتوث الموضوعة بأذنه، مجيبًا بهدوء وهو يقود:
"أيوه يا نبيل."
"........... لا، مروح."
"......... لا، ماما اتصلت قالت إنها عاوزاني في حاجة، ف هروح أشوف فيه إيه. وبعدها عندي اجتماع مع واحد من العملا في المطعم، هروح أقابله. هاه؟ هتيجي ولا كالعادة؟"
صمت، يستمع لكلمات صديقه، ليومئ برأسه قائلاً بتوقع:
"أنا قولت كده برضه. طيب، خلص الشغل اللي عندك وروح. هتيجي بالليل ولا إيه؟"
صمت، يستمع إليه، ليومئ برأسه في حين عيناه على الطريق، ليجيب بهدوء:
"تمام. على تليفون."
أغلق صديقه الهاتف.
ليقول لها مرة واحدة بضيق:
"هو إنتي مستعجلة على الموت للدرجادى؟... فيه حد يعدي الشارع كده؟"
كانت في أثناء مكالمته تنظر بعيدًا، تلتهي بالنظر إلى الطريق.
ولكنها تفاجئت بحديثه لها، لتعيد أنظارها له، قائلة بصدمة:
"نعم؟ هو الكلام ده ليا أنا؟!"
أومأ برأسه، قائلاً بضيق:
"آه ليكِ. فيه حد يعمل كده؟ ده إنتي لو عاوزة تموتي مش هتعملي كده. مش تخلي بالك من الطريق."
احمرت وجنتيها خجلًا.
ليكمل هو بضيق:
"إيه اللي كان شاغل بالك بالتليفون أوي كده لدرجة إنك تكوني بالإهمال ده؟ معرفتش عنك إنك تكوني من مهووسينه أبدًا."
التفت جهته، تقطب جبينها، متسائلة بتعجب:
"وإنت عرفت منين إني مش من محبين التليفون؟"
هز كتفيه، وهو يقول ببديهية:
"من الفترة اللي قضيتها في المزرعة، ملاحظتش إنك حتى مهتمة تمسكيه أبدًا. بس كده."
أومأت برأسها بتفهم، لتجيبه بخجل:
"آه، بس أنا مكنتش عاوزة أموت ولا حاجة، ولا مهووسة بالتليفون."
"أمال؟"
سألها السؤال، وهو مركز على الطريق، ويبدو بأنه يتوقع بأنها لن تجيب.
ولكنها فاجأته حينما قالت:
"أبدًا، بس ماما كانت بتصور لي حاجات أختار منها هدية لجدّي بمناسبة عيد ميلاده، ف أنا كنت مبسوطة وبختار معاها، بس مش أكتر."
ظل صامتًا لبرهة، ليجيبها بهدوء:
"الهدية بغلاوة صاحبها. وإنتي مهما جبتي هتبقى غالية، لأن إنتي غالية جدًا عند جدك. إنتي يعتبر أغلى حفيدة عنده."
نظرت جهته بصدمة، لتسأله بتعجب:
"إنت عرفت منين؟"
هز كتفيه، يجيبها بلا مبالاة:
"لاحظت ده وأنا هناك، إنك يعتبر أغلى واحدة عنده، لدرجة إن عينيه متابعاكي على طول، وابتسامته بتظهر تلقائي بمجرد ما بيشوفك."
قطبت جبينها بتعجب، لتبتسم بنعومة، قائلة:
"واضح إنك قوي الملاحظة."
ارتسمت ابتسامة متباهية على وجهه، ليجيبها بتلقائية:
"لازم أكون قوي الملاحظة، لأن في شغلنا الغلطة بتضيع كل اللي عملناه وتعب سنين."
ابتسمت، تومئ برأسها.
ولكنه صُدِمَت حينما توقف بالسيارة، قائلاً بهدوء:
"حمد الله على السلامة."
قطبت جبينها، لا تعي ماذا يقصد.
لتطالعه بعينيها الجميلة، متسائلة بتعجب:
"نعم؟!"
ضحك بشدة عليها، ليشير إلى شيء ما خلفها، يجيبها بهدوء:
"وصلنا المكان اللي عاوزة تروحيه. حمد الله على السلامة."
احمرت وجنتيها بشدة، لتومئ برأسها، ثم تحركت للذهاب.
ولكن ما أن أغلقت الباب، حتى سمعته يهتف باسمها.
لتعيد أنظارها له بتساؤل، لتجده يميل جهة الباب، قائلاً برقة:
"خلي بالك من نفسك ومن الطريق، لأنه محدش مستعد يخسرك. وإن كنتي هتبصي في التليفون أو هتعملي حاجة، اقفي على جنب، خلصي اللي بتعمليه وبعدين امشي، لأن مش كل مرة هتسلم الجرة. وزي ما بقولك."
صمت لثانية، ليكمل بعيون لامعة ونبرة عذبة:
"محدش في الدنيا مستعد يخسرك."
رواية ملكة قلبي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم مريان بطرس
ظلت تتطلع إليها وهي تجلس أمامها بذلك المقهى، ترتشف كوب العصير بيدها، بجسد لا يزال يرتعش، لا تعلم من الغضب أم من الألم والحزن.
إلى أن وجدتها تضع الكوب أمامها على الطاولة لتسألها بهدوء: "أحسن؟"
أومأت برأسها بإرهاق.
كانت لا تزال حتى الآن تحاول السيطرة على غضبها مما سمعته منها، وتريد توضيحًا أكثر، فما سمعته يثير اشمئزازها وقرفها، يجعلها ترغب في التقيؤ بشدة. لا تصدق بأن من تقبع أمامها هي صديقتها.
ولكنها على الرغم من ذلك، حاولت إظهار قدر من الجمود، متسائلة بهدوء: "هديتي شوية؟"
أومأت برأسها مرة أخرى بانكسار.
لتضيق عينيها متسائلة بقوة، حتى وإن لم ترتفع نبرة صوتها: "ممكن أفهم بقى إيه الكلام اللي قولتي ده؟ لأني فعلاً مش فاهمة حاجة."
صمت. كل ما أخذته هو الصمت.
لت هتف باسمها بنبرة حادة، ولكنها حافظت على انخفاضها قدر الإمكان: "شيرين."
رفعت شيرين أنظارها لها متسائلة بألم وانكسار: "عايزة تعرفي إيه يا أميرة؟"
نظرت لها أميرة قائلة بقوة: "عايزة توضيح لكل اللي قولتي ده، لأني فعلاً ما فهمتش حاجة. عايزة أفهم انتي كنتي بتقولي إيه؟ مين رافد ده بالظبط وإزاي مجبورة عليه؟"
رفعت أنظار مجروحة لها مجيبة بانكسار: "ما أنا قولتلك."
"مفهمتش حاجة، وضحيلي من الأول."
أجابتها أميرة بحزم.
لتومئ برأسها قائلة بهدوء: "تمام."
ثم استدركت مكملة: "بس ليا طلب."
ظلت أميرة تنظر لها منتظرة إفضائها بطلبها.
لتقول الأخرى: "ممكن الكلام ده يبقى سر بيني وبينك؟"
أومأت برأسها بهدوء تنتظر إجابتها.
لتجدها تنزل رأسها لأسفل، تنظر ليديها الموضوعة على الطاولة، تتلاعب بهما بتوتر.
تركتها تهيئ نفسها بهدوء لما هي مقبلة على قوله، والذي من الواضح أنه يؤلمها وبشدة.
ثم بعد فترة، وجدتها تفتح فمها قائلة بتردد: "بصي، زي ما انتي عارفة أنا ماليش أخوات. أو بمعنى أصح، أنا الوحيدة لأهلي. كان ليا أخ 'وليد'، الله يرحمه."
أومأت أميرة برأسها.
لتكمل شيرين بتوتر وألم: "أنا وليد أخويا كان معاه كلية آداب فلسفة. حاول يشتغل بيها، بس..."
ابتسمت ساخرة، مكملة بألم: "بس هتعمل إيه في الزمن؟ وفلوس الشغل بيها هتعمل معاه إيه؟ ولا أي حاجة. لا هتقدر تعيشه ولا هتخليه يكون نفسه ولا أي حاجة."
أومأت برأسها بتفهم.
لتكمل هي بضيق: "ومع ذلك، ميأسش. حاول بكل قوته إنه يعمل حاجة لنفسه."
ثم فتحت يديها تفردهما على الطاولة، تكمل بعجز: "بس ده مش كافي إنه يعمل حاجة. لحد ما تقريباً ياس."
ظلت أميرة تتطلع إليها، ما علاقة هذا الأمر بأمر خطبتها من رافد؟ ولكنها مع ذلك ظلت صامتة.
لتجدها تكمل بألم ودموعها تنهمر على وجنتيها بغزارة: "داخ وسط الناس على حد يسلفه، بس محدش رضى أو قدر. مش فارقة. لحد ما فقد الأمل تقريباً."
صمتت لبرهة، ترتفع شهقاتها. فها هي وصلت لأصعب جزء بحياتها وسبب ألمها.
لتكمل هي بحزن: "لحد ما حد من أصحابه اقترح عليه يكلم الحاج محمد الدسوقي."
رفعت أميرة رأسها باستفهام.
لتكمل هي بتوضيح: "محمد الدسوقي، والد رافد الدسوقي."
أومأت أميرة برأسها.
لتكمل شيرين: "كلم وليد بابا. فبابا وماما شجعوه، وبالأخص ماما. قالتله يكلم رافد وهو شاب زيه وهيتفهمه، وعمره ما هياخده. وهما الحمد لله ربنا فاتحها عليهم من وسع، والحمد لله المال كتير جداً وربنا يبارك. فـ أكيد رافد ماهيرفضش. والحاج معروف عنه إنه رافد في كفة والدنيا كلها في كفة. فـ إذا رافد قال حاجة أو طلب منه طلب، عمر ما الحاج يكسرها. وخصوصاً إنه كبير المنطقة وبيأهل رافد من بعده لمكانه، ومفيش واحد يقدر يكسرله كلمة، وعمر ما خذل حد أبداً."
قطبت جبينها بتعجب، ترى ما هو عمل محمد الدسوقي هذا ليجعله بهذه المكانة بالحي ويمتلك كل تلك الأموال ليستطيع إقراضها لأحدهم. ولكنها صمتت تنتظر التوضيح من صديقتها ولا تريد مقاطعتها.
لتجدها تكمل ببكاء: "وليد وافق، وخصوصاً بعد تشجيع أهلي. وراح كلم رافد."
ثم ازدادت وتيرة بكائها وألمها وهي تكمل بحزن: "وافق وكلم والده، وأدوه الفلوس على ضمان إنه لما يرجع يردهم. ومضوه على وصولات أمانة بكده. وفعلاً قدم وليد على السفر وسافر تبع شركة مقاولات بـ أنه هيشتغل نقاش."
حسناً، حتى الآن لا تجد شيئاً غريباً في الأمر. حتى الآن برمته أمر عادي، وإن كان يوضح شيئاً ما، فهو يوضح حسن أخلاق واحترام ذلك الرجل وابنه. لذا ما الغريب؟
ولكنها على الرغم من ذلك، لم ترد مقاطعتها، بل تركتها تخرج ما بقلبها دون ضغط.
لتجدها تقول بعدها وهي تنهار في البكاء أكثر وأكثر، وكأن هنا يكمن موضع الألم: "بس وليد مرجعش يا أميرة. للأسف وليد مرجعش. وليد راح ومات. وقع من فوق السقالة وهو شغال ومات."
تخشب جسد أميرة تحت يديها وهي تتفاجأ بكلماتها. إذا هذا هو سبب موت أخيها؟ إذا هذا هو سبب موت أخيها، هذا هو سبب ألمها هي وأهلها. هذا هو سبب حرمانها من سندها ودعمها. هي لا تعلم شيئاً عن الأخ الأكبر، بل هي لا تعلم شيئاً عن الإخوة. هي طالما تمنت أن يكون لها إخوة، ولكن لم يمن الله عليها بهذا.
ولكن تستطيع الشعور الآن بألمها من حيث فقدان أحدهم غالي وعزيز على قلبها.
لذا ضمتها لصدرها، تربت على جسدها بحنان قائلة برقة: "طيب اهدى، اهدى. هو في مكان أحسن. محدش عارف لو كان عايش كان حصل إيه."
شعرت بأنها ربما لن تحسن في اختيار ألفاظها، لذا صمتت لبرهة من الوقت، فقط تربت على ظهرها بحب، تاركة إياها تخرج ما بقلبها.
وما أن هدأت، حتى أبعدتها عنها قائلة برقة وابتسامة عذبة: "أحسن؟"
أومأت برأسها لتبتسم قائلة بمرح: "أنا هنا، متقلقيش. مش أنا أختك؟ وإلاخوات فايدتهم إيه غير إنهم يرخمو على بعض."
ضحكت بنعومة.
لتصمت لبرهة، في حين ظلت أميرة تتطلع إليها تنتظر أن تكمل.
لتجدها تحاول التماسك قائلة بألم: "طبعاً الخبر وصل. ماما وبابا انهاروا، وبالأخص ماما. شالت الهم وحست إنها السبب، خصوصاً إنها هي اللي شجعته على كده وفضلت شايلة ذنبه في رقبتها."
أومأت برأسها بتفهم.
لتجدها تكمل: "بصراحة الناس صبروا علينا كتير. وجه بعدها الحاج محمد يطالب بفلوسه. بعد ما بابا فاق من موضوع وليد، كان فات شهرين أو تلاتة من موته."
ظلت تنظر أميرة جهتها وقالت بتوقع: "وطبعاً باباكي مكنش معاه اللي يسد."
أومأت برأسها بخزي، لتكمل بحزن: "منين؟ وهو مجرد موظف حكومي وعامل غلبان بالعافية بيسد طلباتنا. وحتى دهب ماما باعته لما سافر وليد. محلتناش غير البيت اللي قاعدين فيه. وحتى ده ميكفيش حاجة، لأنه قديم جداً وصغير."
"وفـ نفس الوقت، هنسيبه ونروح فين؟"
ظلت أميرة تنظر جهتها لتقول بضيق: "الشركة اللي سافر ليها مبعتتش تعويض؟"
هزت كتفيها تجيبها بضيق: "كان رد الشركة إنهم ما اتسببوش في ده ولا كان بسببهم. الموضوع إهمال منه. ولما اتكلمنا وقومنا محامي نرفع قضية، مازلنا فيها، بس رأي المحامي إنه هتكون حتى التعويضات ضعيفة."
ظلت أميرة تنظر جهة شيرين لتقول بتقرير: "وطبعاً الحاج محمد معندوش استعداد لانتظار حاجة مش عارف أبعادها ولا هيطول حاجة أصلاً ولا لأ."
أومأت شيرين برأسها.
لتتساءل أميرة بهدوء: "وبعدين؟"
هزت شيرين كتفيها قائلة بهدوء ساخر: "ولا قابلين. الحاج قعد مع بابا، طلب فلوسه. ولما عرف إنه مش هيقدر يدفع، قاله خلاص ناخد شيرين بدل الفلوس."
"نعم؟!" هتفت بها أميرة بصدمة.
لتكمل شيرين بلا مبالاة ظاهرية: "إيه هو اللي نعم؟ الراجل طلب فلوسه، بابا قال معيش. قاله خلاص اركن الفلوس على جنب، مش عاوزينها خالص واعتبرها مهر شيرين وهاخدها لـ رافد ابني. ولما بابا قال هياخد رأيي، قاله تمام، يا بكرة تكون عندي موافقة شيرين، يا تكون عندي فلوسي. إن محصلش حاجة من الاتنين، الوصولات هتكون في النيابة."
ظلت أميرة تنظر جهتها بصدمة. في أي عصر نعيش نحن؟ وأي عالم هؤلاء؟ كيف يرضون بأنفسهم أن يكون زواج فتاة بالإجبار؟ كيف يرضون أن تُجر كالعبيد، حارمين إياها هي ووالدها من أبسط حقوقها، وهي أن تختار شريك حياتها؟
وضعت يدها على رأسها تشد خصلاتها للخلف. لا تستوعب.. حقاً لا تستوعب ما يُقال.
حولت أنظارها جهة شيرين، ترى ماذا تقول لها وكيف تواسيها. نعم، تتحدث ببساطة، بسخرية، ولكنها تستطيع الشعور بطعم العلقم العالق بحلقها. ترى أي شعور بالخزي يتملكها، أي ألم ينخر في قلبها. ترى كيف تنظر إليه وهي تشعر بأنه يجبرها إجباراً على العلاقة بينهم، يجبرها بأن تكون جزء من حياته. حتى وإن أرادت أن تحبه، فلن تستطع بعدما حدث.
لتنظر لها قائلة بتعثر: "شيرين."
سالت دموع شيرين على وجنتيها لتقول ببكاء: "عرفتي ليه يا أميرة؟ عرفتي ليه مابتكلمش عن علاقتي بيه؟ عرفتي ليه بحاول أبعد عنه؟ عرفتي ليه بحاول أدور على حب؟ أنا محبتهوش. وهو قتل جوايا أي محاولة إني أنا أحبه. وهو بيجبرني على جوازي منه، وهو بيحسسني إني بهيمة صاحبها مقدرش يدفع الفلوس اللي عليه، قاموا أخدوها منه بدالها. اتحرمت من أي مشاعر إنسانية، من أي احترام."
ثم أكملت بانهيار: "كرامتي اتداست تحت الرجلين يا أميرة. رغبتي في الاختيار اغتصبت مني. مشاعري وأحاسيسي زي ما يكون مسكها ودهسها بإيده وهو بيبص في عيني وبيقول ممنوع عليكي الاختيار. تفتكري واحد زي ده، لما أبص له بحس بإيه؟"
ثم أكملت بانهيار وبكاء وهي تشير جهة قلبها: "بحس إن قلبي بيتعصر في صدري يا أميرة. بحس إني بموت. بحس إني مش قادرة آخد نفسي. بحس برغبة في البكاء. مش قادرة إني أكون سوية معاه. مش قادرة أتكلم. مش قادرة أعبر عن مشاعري. وإزاي هعبر عنها وهي اتداست تحت الرجلين؟ كرهت الدنيا وكرهت حياتي وكرهت ضعف أبويا اللي خلاه ياخدني ويبيعني كده. كرهت خزي أمي اللي خلاني موطية راسي وسط الناس. عايزة أهرب من البيت ده. عايزة أهرب من قدري ده."
ثم هزت رأسها تكمل بانهيار: "بس تفتكري ههرب من قدري؟ هيستقبلني إيه في الدنيا؟ تفتكري اللي تهرب من أهلها وخطيبها حتى لو مجبورة عليه، الناس هتشوفها إزاي أو هتعمل فيها إيه؟ إحنا للأسف في المجتمع ده بنتعامل بدرجة تانية يا أميرة. ملناش رأي ولا اختيار. ونهار ما بيبقى لينا، فهو اتسلب مننا قدام اللي أقوى مننا."
صمتت تلهث وهي تسحب أنفاسها بقوة. ثم بدأت بالسعال من فرط بكائها وغضبها.
لتركض أميرة تربت على ظهرها قائلة بخوف: "شيرين، اهدى. شيرين لو سمحتي اهدى وخدى نفس."
أبعدت شيرين يديها عنها بعنف، وكأنها وجدت أخيراً منفذاً تخرج من داخله أوجاعها وأحزانها له. ثم صرخت أمامه بقهر وألم، في حين غرق وجهها أمامها بالدموع والعرق، مكملة بانهيار: "لأ، واللي يحرق قلبك إنه طالب منك بعد اللي عمله إنك تتعاملي معاه عادي. اللي يحرق قلبك إنه يسألك مالك مش بتتعاملي معايا طبيعي ليه؟ طيب إزاي وأنت دهستني ودهست قلبي ومشاعري وكرامتي تحت رجليك؟ لبستني الخزي وأنا مش قادرة أتكلم عنك أو عني. طيب إزاي وأنا مش شايفة بعلاقتي بيك غير الاشمئزاز؟ إزاي جاي بتطالب إنك تكون صديقي وأنا مش شايفة منك غير الإجبار."
ثم رفعت عينيها لتنصدم أميرة من مرآهم. عيناها كانت مجروحة، لا بل ذبيحة، كشاه مذبوحة تركت أرضاً لتخرج آخر أنفاسها، تتعثر وتحترق بآلمها وأحزانها، ولا من معين. نيران قلبها تحرقها بين لحظة والثانية، ولا يوجد من يطفئها، بل بالعكس تزداد قتامة وتزداد توهج بين لحظة وأخرى.
لتصرخ بها بألم، في حين كانت تلهث لتستطيع سحب أنفاسها من فرط انفعالها. لا تعلم أهو ألم أم غضب أم كلاهما؟ ولكنه قادر على قتلها حية بالفعل.
"إنتي مش فاهماني يا أميرة. عارفة لو كان واحد تاني كنت ممكن... ممكن أفكر. لكن إنتي عارفة ده مين؟ ده رافد الدسوقي. ده اللي مفيش واحد في المنطقة كلها يقدر يرفع عينه فيه أو يكلمه، والا هيكون منقول على نقالة لأقرب مستشفى. ده رافد الدسوقي اللي كلمته بتهز بدن أي واحد. ماشي، فارض جسمه على الكل. وأنا..."
صمتت تستجمع أنفاسها لتكمل ببكاء ونبرة جريحة أصابتها بالفعل بمقتل، نبرة ضعيفة خائفة لم تسمع شيرين تتحدث بها من قبل، وهي تقول بارتعاش لا تستطيع إخفاءه: "أنا بخاف منه يا أميرة. أنا فعلاً بخاف منه ومش عارفة أعمل إيه. أنا مش مختلفة عن أي حد في المنطقة. أنا بترعش منه ومن منظره البلطجي ده. إزاي هعيش معاه حياة سوية؟ أعيش مع بلطجي مرعب وفوق ده كله واخدني إجبار وتخليص حق."
ثم هزت رأسها وهي تحتضن نفسها تحاول إسكات ارتعاش بدنها الذي بدا واضحاً في تلك اللحظة بشدة.
"مفيش بينا أي تشابه، لا ثقافي ولا اجتماعي ولا تفكير. ولا حتى احترام. يبقى هنكمل إزاي؟"
الصدمة المحتلة وجه أميرة كانت خير دليل على عدم قدرتها على الحديث. نعم، فهي على الرغم من كونها من أسرة فقيرة أيضاً، ولكن لم تمر عليها تلك اللحظات. لم تشعر بهكذا شعور. فهي تتنعم بأحضان والدها ووالدتها، تأخذ كامل اهتمامهم وحبهم. والدها حتى وإن كان يمزح معها، يناكفها أحياناً، ولكن على الرغم من ذلك يحيطها بحب وعناية ورعاية غير محدودة، يشعرها بأنها ملكة متوجة على عرش قلبه وسيلبي لها ما ترضى وترغب حتى وإن طلبت نجمة من السماء.
لذا فما تسمعه من شيرين أمر لا يصدق بالنسبة لها، بل وهو أمر غريب يثير صدمة بالفعل بقلبها.
ولكنها على الرغم من ذلك، وجدت لسانها يهتف بصدمة: "وعلى كده رافد الدسوقي ده شغال إيه؟"
وكانت إجابة الأخرى صدمة أخرى أخذتها كمن ألقاها بحجر برأسها، وهي تجيبها بابتسامة ساخرة: "ميكانيكي."
*********************
تحرك يمسح يديه بتلك المنشفة القطنية الممتلئة بالبنزين، ليستطيع التخلص من الزيت والشحم العالق بيديه بعد أن قام من الانتهاء من تلك السيارة أمامه. في حين يقبع عقله بمكان آخر.
أمسك هاتفه يضغط على زرّه لينظر إلى الساعة، ليضيء له مطالعاً وجهها به في خلفيته، لينظر لها يتطلع إليها بحزن، إلى أن انطفئ ضوءه أمامه.
في حين كان مازال ينظر جهة الهاتف بشرود.
ظل على ذلك الوضع لبرهة من الوقت، إلى أن ألقى بجسده على المقعد خلفه يتطلع إلى سقف المكان بشرود.
يشد خصلاته للخلف بشدة، حتى كاد يقتلعها.
داخل عقله تدور دوامات ودوامات، ولا يجد سبيلاً للتخلص منها. فما يقال شيء، وما يقبع أمامه شيء آخر.
وكلما ألقى سؤالاً لا يجد له إجابة، كلما سألها مابها تجيبه بلا شيء، في حين يستطيع الرؤية بوضوح بأن هناك ما يضايقها، بأن هناك ما يحرقها، ولكن لا يجد إجابة لسؤاله.
يسألها أن كانت تشعر بالنفور تجاهه، تجيبه بـ لا، ولكن تصرفاتها كلها توحي بنفورها منه. رفضها وجودها بصحبته بأي مكان. رفضها أن يتعرف عليه أصدقاؤها. رفضها بأن يعرف عنها شيئاً. كل شيء. كل ما بها غريب، لا يستطيع فك أحجيته. يريدها أن تتحدث، ولكنها ترفض. تنفي، ولا يجد هو لأسئلته سبيلاً لإجابتها.
زفر الهواء من صدره، لعله يخرج ما يحرق. وهو يتساءل: إذاً، لما؟ لما وافقت على الخطبة منه إن كانت لا ترغبه؟ لما وافقت على الارتباط به إذا كانت لا تريده؟ لما تقطع كل وسائل الترابط والتفاهم بينهم؟ إن كانت بالفعل دخلت معه بعلاقة خطبة جادة وستتحول إلى زواج، فلما لا تحاول التعرف عليه وتدعه يتعرف عليها؟
ظل يطرق برأسه للخلف بضيق. رأسه سينفجر من التفكير بالفعل. نعم، يحبها. نعم، يعشقها. نعم، يتمناها ويحلم بها يومياً، ولن ينكر ذلك. عينيه لا ترى سواها منذ أن كانت طفلة بضفائر تلهو أمامه في شوارع حيهم بصحبة أخيها، وهو يحبها منذ كانت ضحكتها الطفولية البريئة ترتفع بالمكان، تلفت انتباه الجميع لترتسم الضحكة لا إرادياً على وجوههم ووجهه، وهو يحبها.
ومنذ أصبحت مراهقة، بدأ جسدها يلتف ليأخذ شكل الإناث، وتحمر خجلاً بمجرد نظرة من أحدهم إليها، وهو يحبها. يعشقها، وهي كانت تركض تحمي منحنياتها الصغيرة التي بدأت بالظهور أمام الجميع بكتبها، رغبة منها بعدم لفت انتباههم لها وإخفائها عن الجميع.
يحبها حينما أصبحت أنثى يافعة، تركض بسعادة في الحي، حينما أتى أخيها يهتف بنجاحها وحصولها على درجات عالية، لتصفق بسعادة وفرحة. يحبها في كل مراحل حياتها وكل سنوات عمرها. عينيه لا ترى غيرها.
تلك الصغيرة الجميلة الشجاعة الممتلئة بالحيوية والمرح والضحك، التي كانت تملأ الحياة بهجة وسعادة، ليركض دائماً من ورشة والده ينظر جهتها حينما يسمع صوتها، يراقبها بحب وحنان، يرتعش قلبه داخل صدره بفرحة وسعادة حينما يسمع صوتها وضحكاتها، ليخفق قلبه داخل صدره مؤازراً لها.
اتسعت ابتسامته وهو يتذكر تلك القصيرة التي كانت ترتفع على أطراف أصابعها وترفع وجهها لأعلى لتستطيع مجابهة طوله، وهي تجادله بضيق وغضب دون أن تخشاه أو تخشى غضبه، ليظل ينظر جهتها بابتسامة، ثم في النهاية يجيبها ساخراً بـ أن تذهب لمنزلها ولا تجادل أحداً، لا تستطيع الرد عليه.
ظلت الابتسامة على وجهه تتسع كلما تذكر مواقفهم معاً تحت نظرات والده المبتسمة.
إلى أن تذكر حينما أتى والده ذات يوم يخبره بأنه طلب يدها من والدها ووافق.
يتذكر منظره وقتها وهو يتساءل بصدمة: "هل هو صادق؟ هل بالفعل شيرين وافقت عليه؟ تلك القطة الشرسة ستصبح زوجته بالفعل؟"
ليؤكد له والده الحديث، وقد كان بالفعل، فأصبحت مخطوبته رسمياً.
ولكن...
صمت ينظر أمامه بشرود. هناك شيء غريب. لم تعد شيرين التي أحبها. لم تعد تلك التي كان يركض خلفها ليرى ضحكتها. لم تعد تلك التي ترتسم الضحكة تلقائياً على وجهه بمجرد رؤيتها. لم تعد تلك التي تجابهه الكلام في حين عيناها السوداء الجميلة كانت تلمع بالمرح والشقاوة والمشاكسة. بل أصبحت أخرى. عيناها راكدة، منطفئة، ميتة الروح. عيناها لم يعد يراها تلمع بالمرح، إنما أخرى منكسرة، لا تلمع سوى بالدموع فقط.
ضغط على أسنانه بغضب: "تشعره دائماً بأنها رافضة لتلك العلاقة، ولكن لما وافقت عليها من الأساس؟ يجبرها ويدفعها دفعاً للتعبير، ولكن لا تتحدث. ترى ماذا حدث لها؟ ما الذي يضايقها فعلاً؟ لا يعلم حقاً، لا يعلم. وهي لا تريد الحديث."
جحظت عيناه لدرجة أن تحولت لنذير شؤم: "ترى أأجبرها والده على الموافقة؟ ولكن لما وهو لم يطلبها منه أبداً؟ وكيف؟ وإن كان بالفعل حدث، فلما لا تقول شيئاً أمام كل ضغطه عليها؟"
سيجن حقاً، سيجن ولا سبيل لإجاباته أبداً، أبداً.
صمت ينظر أمامه بشرود. فليجب ذلك السؤال: لما ستوافق عليه؟ هو لا يعيبه شيء، ولكن ليس المثالي بالنسبة لها. فهم لم يكونوا على وفاق في الحديث. لم يكن أحاديثهم أحاديث محبين، بل إنما جدالات فقط تشهد عنها حارتهم الشعبية كلها. حتى وإن كانت جدالات بالنسبة له مجرد استفزاز لها ومرح معها، ولكنه بالنسبة لها قد يكون ثقيل الدم، فهو إن جادَلَهُ أحد آخر غيرها لكان حطم وجهه بالفعل، لكنه فقط يشاكسها. فهل كانت تفهم مشاكسته لها بأنها مشاكسة حبيب لمحبوبته؟ ليرى احمرار وجنتيها الشهيتين، ويسمع صوتها الجميل دون خجل، ويجعلها تتحدث معه فقط؟ أم ماذا؟
وهناك سؤال آخر: ماذا إن كانت مجبرة على الزواج منه، وكان قد أجبرها والده بطريقة ما؟ ماذا سيفعل؟ هل سيتركها أم سيظل متمسكاً بها على الرغم من رفضها له؟ ماذا سيفعل حقاً؟
عند ذلك السؤال وتلك النقطة، صمت عقله يفكر. هل سيتركها بعد أن أصبحت بين يديه، أم سيفعل المستحيل ليجعلها له، لتصبح اسمهما معاً، وتصبح بالفعل شيرين حبيبة رافد، ورافد حبيب شيرين؟
*********************
كانت تخرج من المكان، متطلعة يميناً ويساراً بصحبة والدتها العزيزة، في حين ركض والدها ليحضر السيارة. حينما رأته يخرج من إحدى المطاعم أمامها ذاهباً لإحضار سيارته، أبعدت عينيها بعيداً، تتخفى في والدتها بخجل، لا تريده أن يلمحها بعد ذلك الموقف الأخير المخجل معها.
ولكنها صدمت حينما وجدته توقف في منتصف الطريق، ينظر إلى أحد ما، ثم ركض بسرعة رهيبة يعبر الطريق، حتى ظنته غير منتبه له.
ظلت تتابعه بعينيها، لتجده مرة واحدة وقف أمام عجوزة ما ليمسكها من يدها، يسحبها بعيداً بشدة وسرعة على جانب الطريق. انتبهوا للأمر، ولكنها صُدمت كما الجميع حينما وجدت شيئاً ما سقط من فوق سطح المنزل الذي كانت تقف أمامه تلك المرأة. اتسعت عينيها بصدمة كما المرأة تماماً، التي بهت لون وجهها وهي تحول وجهها مابين وجه باسل والمكان الذي كانت تقف به، والذي أصبح يحتل مكانه عرق خشبي كبير ساقط لأسفل، كاد يودي بحياتها.
انتبهت المرأة لصوت باسل الذي هتف برعب: "إنتي كويسة يا أمي؟"
رفعت المرأة أنظار مذهولة جهته، وكأنه ألقاها بحجر، لتجد عيناها ترق بحنان بعدها، وهي تربت على يده بابتسامة حنونة مجيبة برقة: "أنا كويسة يا بني، كتر خيرك."
ظل يفحصها بعينيه بقلق، ليعود بعينيه موضع ذلك اللوح الخشبي، ينظر جهته بذعر، ليلف عينيه تجاهها متسائلاً بخوف: "متأكدة إنه محصلش حاجة؟ لو حاسة بحاجة، هوديكي المستشفى حالا؟"
ظلت تنظر جهته بحنان، لتجيبه بعذوبة وهي تتطلع بعينيه الخائفة عليها بصدق: "والله أنا كويسة يابني، محصلش حاجة."
ظل ينظر لها بصمت، ليجد الجميع مرة واحدة شخص يهبط من المنزل يلهث، قائلاً برعب وهو ينظر جهة تلك السيدة والشاب الواقف جوارها: "إنتي كويسة يا حاجة؟ حصلك حاجة؟"
أومأت برأسها قائلة بهدوء مرتعد: "أنا كويسة الحمد لله."
ظل الفتى ينظر جهتها بخوف، ليجيبها برعب: "أنا آسف والله، أنا مقصدتش. أنا مش عارف إتزحلق إزاي. أنا كنت بثبته عشان أدهن الشقة اللي فوق، مش عارف إزاي فك واتزحلق لبرة."
نظرت جهته لتجيبه بهدوء: "قدر ولطف يابني، وكتر خيره الشاب ده نجدني."
توحشت عيني باسل ليجيب بغضب: "بس لو مكنتش موجود، ياترى إيه كان حصل نتيجة إهمالك؟ كان زمان الست ماتت وإنت شلت ذنبها ودمها كان في رقبتك نتيجة إهمال سيادتك."
نظر له الشاب ليجيبه بخجل واضح: "أنا آسف والله، بس أنا فعلاً مكنتش أقصد. أنا كنت بثبته والموضوع حصل فجأة، مش بإيدي والله. أنا مش مستوعب لحد دلوقتي حصل إزاي، وإزاي اتزحلق لبرة من الشباك على تحت!"
"أهو حصل يا خويا. تفتكر بقى إحنا ممكن نعمل إيه باعتذارك لو حصلها حاجة؟"
قال جملته تزامناً مع اقترابه جهته لتمسكه تلك السيدة، تعيده للخلف، قائلة بحنان: "محصلش حاجة لكل ده يابني، ربك نجدنا."
نظر لها ليقول بضيق: "بس يا أمي."
ابتسمت للمرة الثانية، تجيبه بحنان: "صدقني يابني، إنت مش عارف الخير فين. وصدقني لتاني مرة، أنا مش زعلانة، بالعكس أنا راضية أوي. أنا عارفة إن ربنا أراد إن يحصل كله ده عشان بس أشوفك وتنجدني وأسمع منك كلمة أمي دي."
نظر جهتها بتعجب وهو لا يفقه شيئاً من كلماتها، لتربت على يده قائلة بحنان: "ربنا يراضيك زي ما راضيتني، ويطبطب على قلبك زي ما طبطبت على قلب أم موجوعة ومحروق قلبها على ابنها."
قطب جبينه بتعجب، يستصعب عليه فهم ما تقوله. في حين التفت هي جهة الشاب الآخر، قائلة بحنان: "روح شوف شغلك يابني، ربنا يستر عليك وعلى اللي زيك."
أومأ الشاب قائلاً بخجل: "أنا آسف للمرة التانية يا حاجة."
أومأت برأسها. في حين ظل باسل ينظر جهتها بحيرة، ليزفر أنفاسه بضيق قائلاً وهو مازال لم يتخطى غضبه ورعبه مما حدث: "تعدى الشارع؟"
ظلت تتطلع إليه بحنان، ثم أومأت برأسها بهدوء.
لتجده يجيبها بحنان: "طيب، امسكي فيا."
أمسكت بيده، ليعبر بها الشارع بهدوء حتى وصل إلى سيارته، ليقول بهدوء: "اركبى."
نظرت جهته بتعجب، ليجيبها ببساطة: "معلش، ماهو أنا مش هأمن أسيبك. أنا هعمل اللي هيمليه عليا ضميري. اركبي وأنا هوصلك منين ما تحبي."
ظلت تنظر جهته بحنان وحزن، لتجده يفتح لها الباب قائلاً بهدوء: "اتفضلي اركبي."
أومأت برأسها. ليتحرك هو يلتف حول سيارته، متحركاً بها.
كل هذا كان تحت مرأى ومسمع من كلا من جنا ووالدتها. لتنظر لها وفاء قائلة بتعجب: "مش ده باسل اللي قابلناه في مزرعة جدك؟"
أومأت برأسها لتقول بهدوء: "ربنا يحميه يارب ويكتر من أمثاله ويفرحه يارب."
أومأت جنا برأسها ولم تتحدث، لتتحرك مع والدتها وعقلها يعيد ما حدث أمامها من موقف رجولي منه مئة مرة، لتعلم أنه شاب لا مثيل له.
رواية ملكة قلبي الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم مريان بطرس
جحظت عيناها بعد تلك الكلمة الأخيرة التي قالتها، لتظل ترمش بهما تحاول التأكد إن كانت الأخرى تمزح أم لا، ولكن يبدو أنها صادقة. نظرت جهتها لبرهة من الوقت بعدم تصديق، لتتحدث أخيرًا قائلة بتعجب:
- أنتي بتتكلمي جد؟
ابتسامة ساخرة هي كل ما أخذته، حتى ظنت للحظة أنها لن تُجيب، ولكنها أخيرًا أجابتها ببرود:
- في إيه بالظبط؟ في كون إنه شغال ميكانيكي ولا في الحكاية كلها؟
صمتت لبرهة، لتكمل حديثها ثانية:
- لا مش بهزر، أنا بتكلم جد، رافد الدسوقي شغال ميكانيكي.
ناظرتها أميرة بتعجب، لتوضح أخيرًا سبب تعجبها:
- مش قصدي، بس أنتي بتتكلمي في كون إنهم أغنيا أوي، فيه حد غني كده ويبقى ميكانيكي؟!
ظلت شيرين تطالعها بهدوء، لتجيبها أخيرًا بلامبالاة ظاهرية:
- الحاج محمد كان ميكانيكي وعنده ورشة، ومن بعد رافد ما اشتغل معاه، سبحان الله الموضوع زاد، لأنه شاطر في شغله والورشة كبرت وناسها زادوا، وسبحان الله بقى دلوقتي بيملك أكبر 3 مراكز صيانة سيارات كبيرة وعلى مستوى عالٍ جدًا، وفي أماكن راقية جدًا.
- يعني الموضوع عدى مجرد ورشة تصليح عربيات.
فركت أميرة عينيها، لا تعلم ماذا تقول أو بماذا تجيب، الموضوع عمومًا حرج وصعب الحديث عنه، ولكنها أخيرًا أجابت بروية قدر الإمكان:
- بصي يا شيرين.
وضعت مرفقيها أمامها على الطاولة، ثم أكملت بهدوء:
- أنا عارفة إن أي كلام هقوله هتشوفيه دلوقتي مالهوش لازمة، واللي على البر عوام.
نظرت لها شيرين تريد توضيحًا لكلماتها تلك، لتكمل أميرة بهدوء:
- أنا فاهمة ومقدرة وحاسة كمان باللي أنتِ فيه، أنا كون إني بنت فأنا ما أرضاش إني أتجوز بالطريقة دي أو حد يجبرني على حاجة أنا ما رضاهاش، وخصوصًا إني مش راغبة الإنسان ده.
استطاعت بكلماتها البسيطة استحواذ كامل انتباه الأخرى، لتكمل بهدوء:
- اللي أنتِ فيه مش سهل ومقدرش أتكلم عليه، بس برضه فيه أمور تانية غايبة عن بالك.
انتبهت شيرين لكلماتها، لتكمل الأخرى بهدوء قدر الإمكان:
- أولًا موضوع رافد ده لازم يتوضع له حد، بمعنى إنه مش هينفع تبقي عاملة تغرقي وتتحرقي وهو مش حاسس، وحتى وإن كان لا مبالي، ف لازم يعرف إن النار دي هتحرقكم انتوا الاتنين، ف لازم تتكلمي معاه، تحاولي تفهميه.
قاطعتها شيرين بغضب:
- بقولك مبحبوش.
أومأت برأسها بتفهم، لتجيبها بهدوء:
- عارفة وفاهمة ده كويس، ومش بطلب منك تحبيه لأنه مستحيل، بس برضه ده ميمنعش إنكم لازم تتكلموا، لازم تفهمي إيه اللي في دماغه، بيعمل كده ليه، ولازم يفهم إن الجواز بالإجبار مش هيوصل لحاجة، وف نفس الوقت هو يفهمك ويفهم مشاعرك، النقاش مش هيضر ولا هيُهدّي يا شيرين، بالعكس هيبني وهيُوصلنا لحل وسط لينا كلنا.
رمقتها شيرين بضيق، ولكنها لا تنكر بأن معها كل الحق. الهروب من النقاش ومن المشكلة وإيضاح أفكار ومشاعر الطرفين لن يحل الأمر، بل سيزيده سوءًا، لذا لابد لها من الحديث معه وأن تتغلب على خجلها وخوفها منه، فهو كثيرًا ما سألها ودفعها وأرادها أن تتحدث حتى يصلوا إلى حل ما، وهي من كانت ترفض الأمر. ولكنها على الرغم من ذلك، نظرت جهة صديقتها تتساءل بضيق:
- وثانيًا؟
ضغطت أميرة على شفتيها، ها قد جئنا لأصعب نقطة، أكثر مكان يثير غضبها في الحوار كله، ولكنها على الرغم من ذلك، أبعدت حرجها بعيدًا، تكمل بضيق:
- باسم.
نظرت لها شيرين بغضب، ولكنها على الرغم من ذلك، تجاهلت غضبها لتكمل بهدوء قدر الإمكان:
- شيرين، أنا قولتلك متفهمة وضعك ومشاعرك، بس على الرغم من كده، مش صح إنك تفتحي الباب لأي حد يقدر يدخل حياتك، وخصوصًا لو كانت حياتك مشغولة.
استطاعت أن تلمح رفضها للحديث، ولكنها أكملت بهدوء قدر الإمكان:
- أنا عارفة إنها مشغولة بالإجبار والإنسان ده مش بتحبيه، بس لا أدبك ولا أخلاقك ولا احترامك ولا تربيتك يا شيرين تسمحلك إنك تغلطي غلطة زي دي وتسيبى باب مشاعرك مفتوح قدام أي حد.
ثم مدت يدها تضغط على كفها قائلة بقوة:
- أنتي أعلى من كده يا شيرين، أعلى من كده أوي أوي، أنتي نجمة في السما، مينفعش تنداس تحت الرجلين، مش أي حد يقولك كلمة حلوة تفتحي بابك ليه، بالعكس بابك لازم يفضل مقفول واللي قدامك يتعب عشان يوصلك، بس الأول لازم يكون قلبك وحياتك متاحة لكده، وإلا أنتي هتكوني بتظلميه وبتظلمي نفسك وبتقللي من قيمتك وقيمة تربيتك وأهلك، لازم توضعي حل لمشكلتك الأول وبعدها شوفي غيره. وعلى الرغم من إنه ما أدّاش أي دلالة على إنه هيتجنن عليكي، بس برضه حتى لو مينفعش تفتحي باب قلبك لأي كان. "أنتِ جنة مقفولة ومينفعش يدخلها غير اللي يستحقها عشان يتنعم بجمالها".
كلماتها الهادئة واحترامها استطاعت أن تميل عقلها وتجذب قلبها وتعيدها للصواب، لتجدها تسألها بضيق:
- طيب والحل؟
- زي ما قولتلك إنك تواجهيه الأول وتوصلي لحل مع رافد وتفهميه اللي جواكي وتفهميه هو.
ظلت شيرين ترمقها بغيظ، لتقول بغضب:
- مفيش حل يا أميرة، مفيش حل غير إنه يسيبني في حالي ده، مفيش أي توافق فكري بيني وبينه، بقولك أنا دكتورة بيطرية وهو ميكانيكي، حتى لو كان صاحب مركز صيانة، بس بيفضل ميكانيكي.
رمقتها أميرة بهدوء، لتهز كتفيها قائلة ببساطة:
- بس ممكن يكون متفاهم أكتر من أصحاب التعليم العالي.
ظلت شيرين تتفرس فيها بغضب، إلى أن بصقت كلماتها أمامها بغضب:
- أنتي بتقولي كده لأنك مش في الموضوع، أنتي توافقي تتجوزي ميكانيكي؟
لاتنكر أميرة صدمتها من الأمر، ولكنها على الرغم من ذلك، أجابتها بهدوء:
- معرفش.. يمكن.... مقدرش أحدد، يعني أنا حاليًا رافضة، بس ممكن وقتها أوافق، محدش عارف الزمن مخبي إيه، يمكن وقتها ألاقي معاه أمان ما ألاقيهوش مع غيره، يمكن ألاقي حب واحترام وتقدير مش مع غيره.
ثم أكملت بهدوء وصراحة:
- وخلينا واضحين، مش كل اللي معاه مؤهل عالي بيبقى مثقف، مش ممكن يكون مجرد مؤهل بس، تكلميه تلاقيه تافه، وممكن يكون الإنسان اللي بتتكلمي عنه ده أكتر وعي وإدراك وثقافة واحترام ليا من غيره، ويكون قادر يحتويني أحسن من غيره.
صمتت لبرهة، لتكمل بعدها:
- في اختيار الزوج، دوري على اللي تقدري تكلميه بدون ما تخافي، يكون صديقك وواعي لمشاكلك، تقدري تحكي معاه همومك ويسمعك وما يقللش منها ويهونها، ف أنتي لسه قدامك الفرصة لكده، اتكلمي معاه وشوفي.
صمتت شيرين تستوعب كلمات أميرة، التي وللحق يقال، لأول مرة تتحدث بعقلانية، ولكنها على الرغم من ذلك، لاقت تلك العقلانية بها كثيرًا، لتصمت بهدوء تدير الأمر برأسها، وهي تجد بأن معها كل الحق، عليها التحدث وفهم ما يجري حولها، فلربما تصل لحل وسط معه.
***
تحرك من مكانه، عمله بضيق، وفي رأسه تصميم وفكر واحد، فلينهي لعبة الغميضة هذه، والآن وإلا سيظل على نفس المنوال يتساءل أين يكمن الخطأ، فل يتحدث معها أو يجبرها، فليفتح قلبه لها حتى وإن لم ترغب، ويخبرها كم يعشقها وأين يصل به حدود عشقها.
أمسك هاتفه يطلب رقمها، وما إن فتحت الهاتف حتى سألها دون مواربة:
- شيرين، أنتي فين؟
صمت يستمع لها، ليجيب بهدوء:
- مفيش حاجة، أنا بس كنت عاوز أعرف أنتي فين عشان كنت عاوزك في موضوع مهم وميستناش.
استمع لإجابتها، ليومئ برأسه قائلاً بهدوء:
- تمام، أنا قريب جدًا منك، ربع ساعة وأكون عندك، استنيني.
تحرك من المكان بالفعل ذاهبًا إليها بعد أن قام بتبديل ملابسه والاغتسال في ذلك المكان، ثم ما هي إلا ربع ساعة بالفعل وكان هناك.
تحرك يبحث عنها، ليجدها تقف بصحبة صديقتها في تلك الحديقة، بعد أن قررت أن تتمشى لتحصل على بعض الهواء النقي، لعلها تهدأ وتفكر جيدًا. انتبهت على صوته حينما أتى يهتف باسمها، في حين التفت أميرة تنظر جهة ذلك القادم، والذي لم تتبين ملامحه في المرة السابقة أثناء جلوسه في السيارة.
ظلت تدقق النظر به، ما هذا الشاب، فهو... كيف تصفه؟ هو أشبه بمارد عملاق، بل هو مارد عملاق مخيف، فقد كان طويل بل طويل جدًا، صدر عضلي عريض وقوي جدًا، والواضح بأنه من أثر العمل، ملامح حادة بل شديدة الحدة، هيئة فوضوية بعض الشيء، جسد قوي معضل ومخيف، لديه خصلات سوداء فاتحة تميل للبنية، وجه أسمر ذو عظام بارزة من شدة حدتها، وعيون حادة كالصقر، يرتدي قميص أسود يترك ثلاثة أزرار تقريبًا مفتوحة، ليتضح صدره القوي، وبنطال جينز أزرق فاتح ممزق، ليس بالقديم بل إنه حديث الطراز، وخصلاته لم يهتم بتهذيبها، بل كانت على الرغم من نعومتها إلى حد ما، فهي ليست بالناعمة ولا بالخشنة، ولكنه على الرغم من ذلك، تركها دون تهذيب لتصبح فوضوية بشدة. من يراه للمرة الأولى يرى أنه شخص بوهيمي بربري لا تمت للوقار والاحترام بصلة، بل إنه يشبه إحدى "البلطجية" كما يقال عنهم، محاولًا تلبس زي الاحترام الذي لا يليق به، يبدو كشخص في غير دوره، هو منظره مخيف مهيب يثير الرعشة في الأبدان.
التف ينظر جهتها بتدقيق، لتجد رعشة لا إرادية هزت بدنها، لتعود للخلف. يا الله، عيناه الكهرمانية الثعلبية تلك، حادة بطريقة مخيفة تجعلها ترتعد مكانها، لها كل الحق بالخوف منه، فهو بالفعل تشعر أمامه بأنك كفأر سقطت في مصيدته. أي جسد هذا؟ أي طول هذا الذي يمتلكه؟
ولكنها على الرغم من هذا، لا تستطيع إنكار كونه وسيم، لا تعلم كيف، ولكنه وسيم بطريقة ما، بطريقة صاحب ملامح حادة، ولكنها وسيمة، وسيم بطريقته الخاصة.
- جنا ولا أميرة؟
أفاقت على صوته الأجش، المسائل بتعجب، لتقطب جبينها ناحيته، حتى صوته قوي، أي معضلة هذا الرجل؟ ولكنه على الرغم من هذا، فهو يليق به كثيرًا، صوت قوي يليق بملامحه القوية تلك.
- مجاوبتنيش؟
كان السؤال منه للمرة الثانية، مترافقًا مع التواء خفيف من شفتيه، بالكاد تستطيع تسميته ابتسامة. رباه، ما هذا الرجل؟ فهو يشبه ثقبًا أسود يسحب الإنسان جهته، ثقب أسود مخيف، ولكنه على الرغم من هذا، لا يحد من جاذبيته بشيء. ولكنها على الرغم من هذا، أجابته بهدوء قدر الإمكان، تحاول السيطرة على نبرة غضبها منه ومن أبيه ومن استغلاله لضعف من حوله للوصول إلى ما يريد:
- أميرة.
ثم استدركت قائلة:
- بس أنت عرفتني منين؟ مظنش إن شيرين حكت لك عني؟
رمق شيرين بجانب عينه بنظرة حادة ضائقة، ولكنه على الرغم من هذا، حاول التمسك باحترامه، مجيبًا بهدوء قدر الإمكان:
- شيرين خطيبتي.
مطت شفتيها تجيبه بهدوء مستفز:
- مظنش إن دي معلومة جديدة محتاجة توضيح، بس ده مش سؤالي، وإن كان على جملتك، فأنا عارفة إنها خطيبتك، وإلا ما كنتش هسمح لواحد غريب يقف معايا.
ضغط على شفته السفلى يمنع نفسه من قول كلمة تضايقها، ولكنه على الرغم من ذلك، أجاب بهدوء:
- لا، محكتش عنكم غير إن عندها صاحبتين، واحدة اسمها جنا والتانية أميرة.
وإن كان هناك شخص يسمى ملك الاستفزاز، ستكون هي وبجدارة، حينما أجابته باستفزاز:
- توقعت كده برضه، أصل من الواضح إنك مش الشخص المثالي للحديث معاه.
تراجع للخلف بصدمة، وكأنها ألقته بحجر، ما هذا الفتاة؟ أي لسان تمتلكه؟ فهو أشبه بالمقص. لينظر لها هاتفًا بغيظ:
- جرى إيه يا دكتورة؟ هو أنتي جاية تقولي شكل للبيع؟ إيه مش عاجبك ولا إيه؟
التوى ثغرها بابتسامة ساخرة، في حين كانت كلمات شيرين لا تزال ترن في أذنيها، لتجيبه بغضب ساخر:
- ليه يا أسطى؟ فيه حاجة في كلامي جرحتك؟
ارتفع حاجبيه بصدمة، ما هذا العته؟ تلك المعتوهة سليطة اللسان، ماذا تلقي من فمها دون تفكير؟ أهذه هي صديقة شيرين؟ إذا ماذا ستكون الأخرى؟ ولكنه على الرغم من ذلك، أجابها بغضب يكرر كلماتها بضيق:
- أسطى؟! ليه شايفاني سواق تاكسي؟
- لا، ميكانيكي، مش الميكانيكي برضه بيقولوا له يا أسطى.
ارتفع حاجبيه ذهولًا، لترتفع شفته العليا يجيبها بضيق وتهكم:
- ميكانيكي؟! ثم أشار جهة صدره مكملًا بصدمة: أنا ميكانيكي؟ على آخر الزمن يتقالي أسطى وميكانيكي؟
ما لك الصدمة، الحالة به يشعرها وكأنها سبته بالأم ولم تقل الحقيقة، لتجيبه بضيق:
- أمال نقول لسيادتك إيه يا دكتور مثلًا؟ مش دي شغلتك؟
ارتفاع حاجبيه الإجراميين إلى فروة رأسه كان خير دليل على وصول صدمته لأعلى درجة، في حين انقلاب وجهه للون الأحمر وإغلاق كفه بشدة حتى كاد يمزقها كان خير دليل على أنه وصل إلى نهاية تحمله، لترتعد فرائصها في تلك اللحظة من الرعب، في حين أجابها بضيق:
- لا، بشمهندس، يتقالي يا بشمهندس.
- وعلى كده كل اللي بيشتغل ميكانيكي نقول له يا بشمهندس؟ ولا صاحب مركز الصيانة؟
بهذه المرة كانت هذه الجملة الاعتراضية خارجة من فم شيرين نفسها، وليست ملكة الاستفزاز التي تقبع أمامه، ليلف وجهه جهتها بصدمة متسائلًا بغضب:
- نعم!! وأنا مالي ومال صاحب المعرض ولا الميكانيكي؟ أنا ليا دعوة باللي درسته وتبع شغلي، مش بعد ما درست السنين دي كلها يتقالي أسطى!
أجابها بغضب أعمى، في حين أجابته هي ساخرة:
- ليه هو أنت معاك دبلوم صنايع قسم ميكانيكا؟
احمر وجهه بغضب، وقد بانت في تلك اللحظة ملامحه الإجرامية، ليصرخ بغضب:
- فيه إيه؟ هو أنتي بتقللي مني كده ليه؟ شايفاني عيل صايع قدامك؟ أنا مهندس ميكانيكا محترم، يترفع لي مية قبعة كمان، مش أي حد، أنا كليتي وقسمي الكل بيطلع عينه عشان يدخلهم.
اتسعت عيناها بصدمة، لتلف كل منهما وجهها جهة الأخرى بتعجب. هل ما يقوله حقيقي، أم هو بالفعل يحاول الظهور بالمظهر المحترم الوقور؟ لتقول شيرين بتعثر متسائلة بدون تصديق:
- رافد، يعني إيه مهندس ميكانيكا اللي بتقولها دي؟ أنت بتهزر صح؟ ماهو أكيد متقصدش إنك معاك كلية هندسة بتاعتنا اللي إحنا عارفينها.
الصدمة المرتسمة على وجهه كانت حقيقية بالفعل، ليلف عينيه جهتها بعدم تصديق، ليتساءل بصدمة بلهاء:
- أنتي بتسألي؟!! معقولة أنتي مش عارفة شهادة خطيبك إيه؟!! مش عارفة أبسط الأمور عنه؟!! إذا كان الأساسيات متعرفيهاش، أمال إيه اللي تعرفيه عني في العلاقة دي؟ الواضح إنك متعرفيش عني حاجة أصلًا.
صمت، كل ما أخذه هو الصمت، لترتسم ابتسامة ساخرة على وجهه، ليومئ برأسه وهو يجيب ببساطة هازئة:
- فهمت، فهمت.
ثم لف وجهه جهة أميرة مجيبًا بسخرية وهو يمد يده للسلام، وقد أوصلوه في تلك اللحظة إلى أقصى درجات غضبه وهو يشعر بأن بداخله بركان يغلي:
- نبتدي من الأول، صباح الخير يا دكتورة، عاملة إيه؟
اتسعت عيني أميرة بصدمة ورعب، ولكنها على الرغم من ذلك، أمام نظراته المرعبة والمحذرة التي تثير الرجفة والرعب بجسدها، لم تملك سوى أن تمد يدها له بخوف تصافحه، ليقول بابتسامة إجرامية مخيفة:
- بشمهندس رافد الدسوقي، مهندس ميكانيكا جامعة عين شمس وخطيب دكتورة شيرين، اتشرفت بمعرفتك يا دكتورة أميرة.
ارتعش بدن أميرة قبالته، ولكنها على الرغم من ذلك، أجابته بخوف:
- الشرف ليا.
ثم تحركت للابتعاد وهي تقول بخوف:
- بيتهيألي إنكم محتاجين تتكلموا مع بعض وتتفاهموا.
ثم هرولت بعدها مبتعدة، لتتابعها نظرات شيرين، في حين أنزل رافد عينيه أرضًا ينظر جهة حذائه الرياضي الأسود، الذي يطرق به على الأرض، وكأنه بحركاته الرتيبة تلك يحاول إخراج غضبه به، لتنظر له بـ ارتعاش وخوف، وهي تخشى في تلك اللحظة خروج مارد ذلك العملاق أمامها، فلو حدث، تُقسم بأنه سيحطم هذا المكان على رؤوس الجميع، ولن يستطيع أحد الوقوف بوجهه، وهي أكثر من يعرف هذا، لتقول بنبرة مرتعشة:
- رافد.
رفع يده يمنعها من الحديث، ثم رفع وجهه جهتها، لتتراجع للخلف برعب، وهي ترى ظهور العلامات الإجرامية على وجهه في تلك اللحظة، تخبرها وبكل وقاحة بأنها ستكون ضحيته الليلة.
نعم، تعلم تلك الملامح وتلك النظرة، والتي تظهر دائمًا قبل الفتك بأحدهم، في حين ناظرها هو بنظراته الحادة، ليقول بصوت لا يقبل الجدال:
- دلوقتي هتتحركي معايا وهتركبي العربية، ولحد ما أروح وأوصلك، مش عاوز أسمع صوتك أو نفسك، لأني فعلًا مش مسيطر على أعصابي، ف بلاش أطلع غضبي عليكي؛ فاهمة؟
قال كلمته الأخيرة بنبرة أكثر حدة، لتومئ برأسها برعب، في حين تحركت أمامه وهو يتبعها بغضب، لتقول بينها وبين نفسها بأنه لم يحن موعد المواجهة بعد، في حين كان يغلي هو بغضب. أي علاقة سوية يظنها ويتمناها؟ كيف وافقت على زواجه إذا؟ الوضع بالتاكيد إجبار، كيف وافقت وهي لا تعلم عنه أبسط الأمور، وهي مؤهله الدراسي وعمله؟ كيف؟
كيف تكون خطيبته وسمحت لصديقتها بالحديث معه هكذا ولم توقفها عند حدها؟ لو كانت تكن له أي مشاعر، أي مشاعر حتى ولو احترام، لكانت أوقفتها عن الحديث، ولكنها لا، بل كانت تشجعها أكثر، هي لا تملك له أي مشاعر ولا حتى احترام أو تقدير. هناك شيء خاطئ، وقد تأكد له هذا. الآن يقسم بأن كانت إحداهن غير تلك الفتاة، لكان حدثه هكذا، لكان الآن مطروحًا بالمشفى، لا يعلم الأطباء أي جزء يداوونه أولًا، ولو كانت فتاة أخرى، لكان لقنها من الحديث ما جعلها تبكي لباقي عمرها ووضعت عينيها بالأرض خجلًا، ولكن لحسن حظها كونها فتاة وهو لا يرفع يده على فتاة أبدًا، ولحسن حظها أنها صديقة شيرين.
ابتسامة ساخرة ارتسمت على شفتيه. شيرين، تلك التي لا يعلم ماذا تملك بقلبها وعقلها تجاهه، وسيعرف، يقسم، ولكن ليس الآن، ف الآن لن يتحدث، ف غضبه سيفسد كل شيء، ف ليهدأ أولًا وسيفهم منها كل شيء.
***
كان يجلس بمكتبه يراجع بعض أوراق العمل، ليجد الباب يدق، فسمح له بالدخول، ليدخل أحدهم قائلًا بهدوء واحترام:
- مستر نبيل، أوراق الموظفين الجدد الخاصين بالمصنع الجديد يا فندم، دول اللي وقع عليهم الاختيار.
أومأ برأسه قائلاً بهدوء:
- طيب تمام، سيبهم وأنا هشوفهم.
أومأ برأسه تاركًا الأوراق أمامه على المكتب، في حين ظل ينظر للأوراق لكي ينهي عمله، ثم تمدد بجسده بعد أن أنهه، متراجعًا بظهره للخلف على مقعده، يطقطق عنقه ويأخذ أنفاسه، ثم أمسك بعدها كوب قهوته يرتشفه وهو ينظر جهة الأوراق أمامه الخاص بالأطباء والعاملين بتركيز، ينظر جهة خبراتهم وعملهم، ثم من ينال إعجابه يقوم بالتوقيع عليه، ليتحول لقسم الموارد البشرية، ولكن جحظت عيناه وانتفض واقفًا، حتى أنه أسقط كوب قهوته أرضًا، وهو يجد أسوأ كوابيسه بين يديه، وأمامه تقبع صورتها وأسفلها مكتوب اسمها "جنا عزيز عبد الحميد العربي".
ظل ينظر جهة الاسم بصدمة، وهو يجدها قد تقدمت للعمل بالفعل، لينتبه للأمر، ثم وضع ملفها جانبًا، وقام بالبحث عن ملفين آخرين، ليجد كما توقع ثلاثتهم أمامه: "شيرين صالح" و "أميرة سعد".
ليلقي بالثلاثة ملفات أمامه، يناظرهم بغضب وهو يقول بضيق:
- الثلاثي المرح، ها؟
مسح وجهه بكفيه بضيق، ثم تحرك في المكتب جيئة وإيابًا بتفكير، ماذا يفعل؟ أيقبلهم أم يرفضهم؟ فهو يعلم أن قبل أحداهن، لن يأتون، ف ثلاثتهم معًا. إذا أيقبل أم يرفض؟
ضغط على شفته السفلى، الأمر يثير غيظه وضيقه، يخشى من حدوث رد فعل غير متوقعة بينهم وبين باسل، وهو من ظن بأنه انتهى من الأمر، ولكن لا، يبدو بأن للأمر بقية. إذا ماذا يفعل؟
أمسك ملفاتهم يدرسها، ليلقيها أرضًا بغيظ، الملفات لا يشوبها شائبة، مؤهلاته وخبراتهم جيدة، إذا ماذا يفعل؟ أيرفضهم من العمل وهم من اقترحوا عليهم ذلك، وبالتأكيد أنهم طمأنوهم بالمقابلة بأنهم قد نالوا العمل؟ أيعترض على سير القدر ويقف بطريقه؟ أم يترك الأمر يسير كما هو، ويترك الأقدار لتتلاقى؟
بدأ يشد خصلاته بضيق، ليتحرك واقفًا ينظر من زجاج نافذة مكتبه بتفكير، ماذا سيفعل إذا؟ وماذا سيقرر؟
***
كانت تجلس بمنزلها، إلى أن وجدت رنين هاتفها يصدح باتصال، لتفتحه لتجد بأنه تم قبولها بالعمل وستبدأ من الغد، فرحت بشدة وسعادة، لتركض قائلة لأهلها وتفرحهم وسط مباركاتهم وفرحتهم، وفجأة وجدت هاتفها يصدح برنينه مرة أخرى، ركضت تنظر جهته لتجده اتصال من باسم، نظرت جهته بتعجب، وما هي إلا ثوانٍ وفتحته حتى هتفت به قائلة بتعجب:
- الو.
أجابها باسم بهدوء:
- الو يا جنا، عاملة إيه؟
أجابته برقة:
- الحمد لله.
- عمي عامل إيه ومرات عمي؟
أجابته بهدوء:
- الحمد لله.
صمت لبرهة من الوقت، لتسأله بتعجب:
- باسم؟
همهم بهدوء، لتجيبه بتساؤل:
- يعني سكتت كتير؟ عاوز تقول حاجة؟
صمت لبرهة من الوقت، ليقول بعدها بخجل:
- جنا، كنت عاوز أطلب منك طلب.
- اطلب.
كانت إجابتها بسيطة، ولكنها لم تكن مستعدة لإجابته التي صدمتها، وهو يجيبها بنبرة قاطعة:
- أنا جاي مصر، وكنت عاوزك تحددي لي معاد أو وقت أعرف أتكلم فيه مع شيرين لوحدنا وبراحتنا.
قطبت جبينها بتعجب، لتسألها بتعجب:
- هتكلمها في إيه؟
أجابها بحزم ونبرة قاطعة:
- هعترف لها بحبي وبمشاعري.
رواية ملكة قلبي الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم مريان بطرس
وقفت تتابع عملها الجديد بجد واجتهاد وعلى وجهها علامات السعادة، في حين وقف أصدقاؤها بجوارها يتابعون أعمالهم بفرحة.
كانت تقف تعمل بالمعمل الخاص بالمصنع لتتأكد من أن اللحوم جيدة وليس بها أي أمراض. حركت رأسها للجانبين تحاول إبعاد خصلات شعرها البنية عن وجهها، ولكنها لم تفلح.
نفخت بفمها بضيق، فخصلات شعرها وغرتها التي استطالت أصبحت تعيق نظرها وعملها. ولكنها انتبهت في النهاية لمن يقف بجوارها قائلاً بابتسامة سمجة:
"محتاجة مساعدة؟"
رمقته بجانب عينها ولم تتحدث، ليقول بسماجة أكبر:
"ممكن أساعدك على فكرة."
ظلت تتطلع إليه بعينيها العجيبة تلك لتجيبه أخيرًا بضيق:
"شكرًا."
ثم تحركت للابتعاد عن مجال العمل لتنزع قفازاتها وتضع أوراقها جانبًا قبل البدء بعملها. ثم وضعت يدها في جيب معطفها لتخرج إحدى دبابيس شعرها لتزم خصلاتها معًا، في حين كان هذا الرجل يتطلع إليها بانبهار ليقول أخيرًا بهدوء:
"هتيروكروميا صح؟"
لفت وجهها تجاهه بتعجب، ثم قطبت جبينها بتساؤل، لتجده يشير إلى عينيها قائلاً بهدوء، وإن كان لا يستطيع إخفاء انبهاره:
"عينيكي لونين مع بعض، دي الهتيروكروميا صح؟"
زفرت أنفاسها بضيق لتومئ برأسها قائلة بجمود:
"صح."
ظنت أنه انتهى من تعليقاته لتتفاجأ به يقول:
"بس لايقة عليكِ أوي، عمري ما شفت عينين بالجمال ده."
حولت عينيها جهته بغضب لتناظره بلهيب عينيها الأزرق صارخة بغضب أعمى:
"نعم؟!"
رفع يديه بمهادنة قائلاً بهدوء:
"مقصدش، بس بتكلم عادي."
لم تهتم بكلماته، إنما أعادت أنظارها جهة الأوراق أمامها مرة أخرى، لتجده يقول ثانية:
"وشعرك عاملاه خصل ولا هو لونه كده طبيعي، بني فاتح في أسود؟ أصل لونه جميل فعلًا."
أغمضت عينيها تحاول السيطرة على جام غضبها، ولكنها في النهاية لم تفلح، فذلك السمج أصبح يضايقها بالفعل، لتصرخ به بضيق:
"جرى إيه يا أستاذ؟ مش شايف إنك بتدخل في أمور ما تخصكش؟ ده أنت ناقص كمان شوية تسألني بروح أنهي كوافير؟ مش شايف إن الكلام ده عيب؟ إن واحد محترم يسأل بنت عنه؟ إمتى سبت إيه للبنات؟"
احمر وجهه خجلًا ليقول بإحراج:
"أنا آسف، مقصدش بس..."
رفعت يدها قائلة بحدة:
"بلا تقصد بلا متقصدش، لو سمحت شوف شغلك وسيبني أشوف شغلي."
رمقها بجانب عينيه بضيق، ولكنه لم يستطع أن يقول شيئًا، لذا زم شفتيه ضيقًا متحركًا من المكان وهو يتمتم بغيظ:
"لسانها طويل."
ثم أكمل باستحسان:
"بس مزة مزة مفيش كلام."
في حين نظرت هي بأثره بغضب لتقول بضيق:
"أما واحد سمج بصحيح."
كادت تعود لعملها، ولكنها تفاجأت بأحد العمال القادمين قائلاً:
"دكتورة جنا، لو سمحتي تعالي شوفي ده كده."
أومأت برأسها لتتبعه وقد أرجأت التفكير بما حدث الآن.
***
كلٌ يتحرك بالمصنع الحديث يتابع سيره وإدارته، ولكنه تفاجأ بحديث العمال لأحدهم متسائلين:
"بنتك عملت إيه يا عم ممدوح؟"
ابتسم ممدوح بسعادة قائلاً بفرحة كبيرة:
"الحمد لله نجحت وجابت مجموع حلو، وإن شاء الله تدخل طب وتكون أحسن دكتورة في الدنيا."
نظر له العمال بفرحة، ولكنهم على الرغم من هذا قالوا بسماجة:
"طيب وفين حلاوة نجاحها؟"
نظر لهم بصدمة ليقول بذهول:
"هه."
أجابوه بجدية:
"إيه؟ مش بنتك هتكون دكتورة وترفع راسك؟ فين حلاوة النجاح؟ عاوزين كل واحد إزازة حاجة ساقعة وحتة جاتوه."
تراجع الرجل للخلف بصدمة من أين يأتي بتلك الأموال لكل هذا الجمع الغفير؟ فهو شكر ربه أخيرًا بأنه سيرتاح من مصاريف ابنته وليكنز هذه الأشهر بعض الأموال لها للجامعة، والآن فأن أبى طلباتهم لن يبقى معه ما يعينه من مرتبه الشهري لآخر الشهر.
نظر لهم بإحراج وقد احمرت وجنتيه خجلًا واللمعت عيناه بالدموع:
"بس أنا الفلوس اللي معايا اللي يكفي ليكم."
لف أحدهم ذراعه حول عنقه قائلاً بسماجة:
"بلاش بخل يا عم ممدوح، اعتبره زكاة عن الدكتورة، وعشان دعوات الناس دي ربنا يقف معاها."
احمرت وجنتيه خجلًا ثم نظر أرضًا ولم يعلم ماذا يرد، ولكنه تفاجأ بذلك الصوت الهاتف من الخلف بجدية وقوة:
"إيه اللي بيحصل هنا؟"
تفاجأ الجميع بذلك الصوت الحاد القادم من الخلف ليتراجع الكل برعب، فها هو أسوأ كوابيسهم قد تواجد أمامهم الآن. في حين صرخ هو بغضب:
"هو انتوا هنا جايين تشتغلوا ولا تتكلموا وتتسامروا؟"
نظروا أرضًا بخوف من حدته وغضبه ليجيبوه بهدوء:
"إحنا آسفين يا فندم، ما كانش قصدنا، إحنا بس..."
رفع يده ينهي حديثهم قائلاً بقوة:
"ولا كلمة تاني، كله على شغله، وإن حصل ولقيت موقف زي ده تاني، أقسم لكم باللي خلقني ما هخلي حد فيكم قاعد في المكان. إحنا هنا في شغل مش على قهوة، وفيه فترة استراحة تتكلموا فيها."
أومأوا جميعًا برءوسهم، في حين حول أنظاره جهة ذلك الكهل قائلاً بحدة:
"وإنت تعالى معايا."
نظر له الرجل بخوف ليقول بتوتر:
"يا باسل بيه."
رفع باسل يده قائلاً بحدة:
"ولا كلمة، تعالى ورايا."
نظر الرجل أرضًا بحزن ليومئ برأسه، ثم تحرك خلفه بخنوع وقد علم أن اليوم سيطرد من عمله لا محالة.
***
كانت تقف بعملها تتابعه، ولكنها تفاجأت بذلك الهمز واللمز من حولها، لم تهتم بالبداية، ولكن علو الصوت من حولها لفت انتباهها، وخصوصًا حينما سمعت إحدى الفتيات تقول:
"وهي دي فيها كلام؟ هيطرده طبعًا، باسل الدمنهوري معندوش هزار."
رفعت أنظارها بتعجب لتنصت للحديث، وقد أثار اهتمامها اسمه حينما سمعت اسم باسل في الأمر. انتبهت إلى حديث الأخرى القائلة:
"على الرغم من إنه مز مز مفيش كلام، وحد كده تحسيه جاي من عالم تاني، وعلى الرغم من احترامه، إلا إن قلابته والقبر، ودلوقتي قلب على الراجل الغلبان وهيقطع عيشه."
نفت إحداهن برأسها قائلة بهدوء:
"مظنش، ممكن يديله كلمتين وبعدين يرجعه، لكن إنه يقطع رزقه مظنش يعملها، إلا بقى لو كان متضايق وحابب يطلع غضبه على حد."
لم تستطع فهم ما يحدث ولا استيعاب تلك الكلمات، لتذهب لهم متسائلة بتعجب وهي تحشر جسدها بينهم مرة واحدة:
"هو الكلام على إيه؟"
تراجعت الفتيات للخلف بفزع وهم يجدونها مرة واحدة تتوسطهم وتسألهم، لتقول إحداهن بخوف:
"دكتورة!! إحنا آسفين يا دكتورة، منقصدش، إحنا رايحين على شغلنا دلوقتي."
أومأت برأسها لتتركهم يذهبون، في حين أشارت لإحداهن قائلة بجدية:
"تعالي يا رويتر."
استصعب على الفتاة فهم كلمتها لتقول بتوضيح:
"لأ، ده أنا حسناء."
قطبت جبينها وهي تنظر لها لتقول بصدمة:
"حسناء؟!"
أومأت الفتاة برأسها لتجيبها هي بهدوء مازحًا وقد ارتسمت الضحكة على شفتيها:
"هو أبوكي كان شارب إيه وهو بيسميكي؟"
ضحكت الفتاة بشدة لتجيبها بهدوء:
"ليه يا دكتورة؟"
أجابتها بمرح:
"أصل ده مش حسناء، دي أخبار، دي النيل، السي بي سي، أو الأفضل يسميكي راديو أو ثرثارة."
نظرت لها الفتاة بضيق لتقول بحزن:
"الله يسامحك يا دكتورة، وأنا اللي افتكرتك مننا وعلينا، في الآخر هتخليني صرصارة."
تراجعت للخلف بصدمة لتقول بذهول وتقزز:
"صرصار؟"
ولكنها على الرغم من ذلك قالت بلا مبالاة:
"مش مهم، المهم قولولي يا حسناء إيه اللي حصل؟ الكلام كان على إيه؟"
نظرت لها الفتاة ولم تخب نظرتها بالفعل حينما وجدتها تقول بخفوت:
"أصل انتي متعرفيش اللي حصل يا دكتورة."
ابتسمت ونفت برأسها قائلة بمرح:
"لأ معرفش، قوليني."
نظرت لها الفتاة لتخفي فمها وهي تميل على أذنها قائلة بصوت خافت:
"أصل باسل بيه طب على المصنع لقى العمال سايبين شغلهم وواقفين يتكلموا، خدهم غسيل ومكواة، وخاد عم ممدوح الراجل الغلبان اللي كان واقف وسطيهم، واللي يا عيني كان فرحان بنجاح بنته في الثانوية وإنها هتبقى دكتورة، وخده على مكتبه، والواضح إنه ناويله على نية سودا."
قطبت جبينها متسائلة بتعجب:
"سودا إزاي يعني؟ هيعمله إيه؟"
مطت الفتاة شفتيها المكتنزتين بشدة وهي تمصمصهم قائلة بحزن:
"أكيد هيرفده يا ولده، حسرة عليكي يا عم ممدوح، ده انت راجل غلبان."
نظرت لها الأخرى بتعجب لتقول بهدوء:
"لأ متتحسريش يا حسناء، وياريت خليكي في حالك وبطلي لت وعجن، بدل ما تلاقيه طابب علينا وتحصلي عم ممدوح."
نظرت جهتها بصدمة لتكمل هي بحزم:
"على شغلك يلا."
ركضت الفتاة لعملها، ولكنها فجأة عادت لها قائلة بمرح وهي تتطلع بعينيها العسليتين بانبهار:
"الأ قوليللي يا دكتورة، هو انتي اسمك إيه؟"
ارتفع حاجبها بتعجب، ولكنها ابتسمت لها قائلة بهدوء:
"أميرة."
أومأت الفتاة برأسها لتركض لعملها، في حين كانت أميرة تعلم بأن المصنع كله سيعلم اسمها من الأستاذة روايتر في حين تحركت هي جهة صديقتيها قائلة بهدوء:
"عرفتوا اللي حصل؟"
لفوا وجوههم جهتها بتعجب متسائلين، لتقول بهدوء:
"باسل الدمنهوري."
انتبهت الاثنتان بعد ذلك الاسم لتكمل هي بهدوء:
"طب على المصنع من شوية."
ثم بدأت تسرد ما حدث، لتتساءل شيرين بتعجب:
"يعني إيه؟ مش هما قالوا إن المصنع ده مسئول عنه نبيل؟ إيه كان بيثبتونا عشان نيجي هنا وهو ييجي وهنلاقيه ناطتلنا كل شوية؟ والتانية..."
مطت هي شفتيها قائلة بتعجب:
"معرفش، بس كل اللي أعرفه إن الكل مرعوب منه وبيقولوا إنه شديد أوي في شغله وعامل للكل رعب. ما عرفش بقى دي صدفة إنه بييجي يشد عليهم كل فترة وحظنا جه معاه كده، ولا هو كان عارف إننا جايين وحب يستقبلنا؟ بس كل اللي عرفته إنه عامل رعب في المكان."
زمت جنا شفتيها، ولكنها أجابت بلا مبالاة:
"ممكن تكبروا دماغكم شوية وترجعوا لشغلكم. للراجل صاحب شغل ولازم يشرف عليه، وإحنا مش عاملين مصيبة عشان نستخبى منه، إحنا بنشتغل مش بنسرق، فإيه اللي هيجرى يعني؟ إن شافنا ولا أي حاجة، فكل واحدة على شغلها، بدل ما نلاقي تهزيء من أول يوم."
أومأوا برءوسهم ليتحركوا كلا لعمله.
***
تحرك للدخول لمكتبه يتبعه ذلك الكهل المرتعد والذي شعر بأن هذا اليوم هو يومه الأخير بهذا العمل.
تحرك باسل ليجلس على مقعده ينظر جهة ذلك الرجل بهدوء، ثم أشار جهة المقعد المقابل له قائلاً بهدوء:
"اقعد يا عم ممدوح."
نظر له الرجل بصدمة، ولكنه قال بنفي واحترام:
"العفو يا بيه."
نظر له باسل ليقول بضيق:
"يا عم ممدوح متتعبنيش معاك، اقعد بقى."
جلس الرجل ليقول باسل بابتسامة:
"ممكن أفهم، كان على إيه الكلام؟"
نظر له الرجل ليقول بأسف خائف:
"والله يا باسل بيه ما كان قصدنا إننا نسيب شغلنا ولا حاجة، ده كل الموضوع..."
ابتسم باسل ليقاطعه قائلاً:
"أنا بسأل، كانو بيضايقوك ويقولولك إيه يا راجل يا طيب؟ وكان الكلام على إيه؟"
نظر الرجل لينظر أرضًا بخجل، ثم رفع أنظاره جهته قائلاً بضيق:
"مفيش يا بيه، ده بنتي نجحت في الثانوية العامة ودخلت طب، وهما كانوا عاوزين الحلاوة."
نظر له باسل ليقول بفرحة:
"مش تقول كده ياراجل يا طيب، مبروك يا راجل يا طيب، ربنا يفرحك بيها وعقبال ما تشوفها عروسة."
نظر له الرجل بصدمة ليجده يكمل بهدوء:
"خلاص، حلاوة نجاحها عليا."
التف له الرجل قائلاً بصدمة:
"بس يا باسل بيه."
أوقفه باسل بإشارة من يده وأكمل بحزم:
"أنا قولت كلمة وخرجت مني، فمهتردش. أنا الحلاوة عليا، بس انت اللي هتقول إنك جبتها."
نظر له الرجل بصدمة ليكمل باسل بمرح:
"ماهو ميراضكش إن ملا واحد عياله تنجح تدبس في الحلاوة بتاعتهم؟ أنا بس حلاوتها عليا عشان بس داخلة طب، وبكرة وبعده تكشفلي ببلاش."
نظر له الرجل ليجيبه بذهول:
"ربنا يبعدك عن الدكاترة وطرقهم يا بيه."
ابتسم باسل ولم يعلق، ثم نظر للرجل من أعلى لأسفل بتقييم ليقول بجدية:
"مصاريف دراسة بنتك عليا يا عم ممدوح، متشلش همها معاك لحد ما تخلص كلية. أنا سداد، متلقش بلاش تحني ضهرك قدام بنتك وقدام الناس."
أغرورقت عيناه بالدموع ليقول بتأثر:
"بس ده كتير يا باسل بيه."
ابتسم باسل ليقول بهدوء:
"ولا كتير ولا حاجة، ما أنا بقولك هى هتكشفلي ببلاش بعد كده ومهدفعش مليم، بلطجة بقى."
ضحك الرجل ليقول باسل بجدية:
"على شغلك يا راجل يا طيب."
تحرك الرجل بفرحة وهو يدعو لباسل بالسعادة في كل خطوة يخطوها، ولكن ما إن فتح الرجل الباب حتى وجد نبيل أمامه ليفسح له جانبًا ليدخل نبيل يتطلع بأثره وهو خارج، في حين عيناه ممتلئة بالدموع. لينظر نبيل بأثره ثم حول عينيه جهة باسل قائلاً بجدية:
"وأنا أقول الكهربا اللي في المصنع على إيه؟"
حول باسل عينيه بعيدًا ليكمل هو بجدية:
"أديته فلوس ولا هتعمله عملية على حسابك؟"
نظر له ليقول بجدية:
"ضيف اسم بنته ضمن المعونات، تعليمها على حسابنا."
أومأ برأسه ولم يعلق، ليقول أخيرًا بهدوء:
"إيه اللي جابك النهاردة هنا؟"
رفع حاجبه لأعلى ليقول بهدوء:
"شايفك بتتهرب مني اليومين دول ومش بتجيلي زي عوايدك، قولت أجي أشوفك وبالمرة أطمن على مالى، فيه مانع؟"
نفى برأسه ولم يعلق، وقد علم بأنه لم يعلم أمر هؤلاء الفتيات بعد، ليقول بهدوء:
"طيب كويس إنك جيت، تعالى شوف الشغل هنا وأنا طالع عندي اجتماع، وبالمرة فيه كام مشوار هعمله، عاوز تقعد اقعد، عاوز تروح براحتك."
كان يتحدث وهو يضع الأوراق أمامه على المكتب، ثم فجأة تعالى رنين هاتفه ليتحرك نبيل مبتعدًا، في حين كانت تجلس هي وصديقتيها بفترة الاستراحة، إلى أن وجدوا إحدى الرجال يعطيهم صينية بها ثلاث قطع من الكعك وثلاث زجاجات من الصودا. نظروا جهته بتعجب ليقول بابتسامة فرحة:
"حلاوة نجاح بنتي يا دكاترة، بنتي نجحت ودخلت طب."
ابتسمت جنا لتأخذها منه وهي تقول برقة:
"مبروك."
في حين قالت أميرة بتعجب:
"مش انت اللي باسل طرده من الشغل؟"
نظر جهتها بتعجب ليبتسم بفرحة قائلاً:
"باسل بيه!!! ربنا يكتر من أمثاله ويفرحه يارب."
نظرت له شيرين بابتسامة لتقول بمرح:
"لأ ده واضح إنك بتحبه."
ابتسم العجوز قائلاً بخفوت:
"أقولكم على سر، باسل بيه أطيب منه متلاقوش، يعني عمل قدام الكل إنه بيطردني وبيزعقلي، بس عشان ياخدني مكتبه وميحرجنيش قدام الرجالة، لأني مش قادر أجيب لهم الحلو، وهو اللي وصى على حلاوة نجاح بنتي من على حسابه، ربنا يخليه ويفرحه يارب."
نظرت الفتيات جهة بعضهن بتعجب، ما هذا الذي يحدث؟ أي أحجية هي هذه والمعروفة باسم باسل الدمنهوري؟ هل هو كيب إلى هذه الدرجة؟ في حين أكمل الرجل:
"ميغركمش شدته يا دكاترة، انتوا جداد هنا ومتعرفوش، هو شديد في الشغل آه، بس راجل وجدع أوي وقلبه أبيض زي اللبن الحليب، ومفيش حد قصده وكسر بخاطره، ربنا يكتر من أمثاله يارب."
كانوا ينظرون جهة بعض بتعجب إلى أن سمعوا مرة واحدة صوت صراخ فتاة، في حين هناك صوت رجل عالٍ، ركضوا إلى هناك ليجدوا أحدهم يمسك فتاة يكاد يكسر يدها في حين تصرخ هي بألم.
التفوا جهة بعض لتنظر أميرة بجانبها لتجد تلك المدعزة حسناء والتي تمط شفتيها المكتنز بشدة لتصبح أسطورة في عالم الشفاة، ثم تبدأ بعدها تمصمصهم، لتقول هي بتساؤل:
"هو فيه إيه يا روايتر؟"
وكما توقعت، لم يخفَ على روايتر ما يحدث وهي تقول بحسرة:
"داهية تقصف رقبته، راضي الكلب، كل يوم والتاني يمسك البت ريحان أخته يضربها العلقة المتينة عشان ياخد منها فلوس، أو بيضربها عشان فيه حد من زمايلها بيكلمها، تو بيسألها على حاجة، عامل نفسه ديك البراري وهو ولا ليه قيمة، بس عاوز يعمل نفسه راجل عليه، وحتى مش عاوز يقعدها يشغلها معاه وياخد فلوسها ويقامر بيها، وف الرايحة والجاية يضربها ومطفشلها العرسان، بس عشان تفضل قاعدة معاه وينفضها أول بأول."
هزت أميرة رأسها وهي تعي لتلك الحياة التي تعيشها تلك المسكينة، فهناك من يعيش بها الكثير ورأت منهم الكثير بحارتهم الشعبية تلك. انتبهوا على صوته وهو يصرخ بها بغضب:
"إنتي يا اللي جايبالي العار، يا قليلة الحياة، إنتي ياللي عاوزة موتك."
ثم رفع يده ليصفعها، ولكن فجأة من حيث لا يدري وجد يد قوية تمسك بيده بشدة وصوت جهوري زأر بالمكان جعل الكل يرتعد.
"إيدك لا أقطعها."
كانت انتفض الجميع من مكانهم برعب وهم يجدون ذلك المارد محتل المكان واقفًا أمامهم بشموخ. ثم فجأة وجدوا يده ترتفع لتهبط على وجنة الآخر لتصدر صوت صدح صدته في أرجاء المكان، ثم صرخ بغضب:
"شوفت بتوجع إزاي؟"
انتفض الجميع بهلع وهم يجدون رئيسهم قد ابتعد عن واجهته المرموقة ليظهر بمظهر بربري بحت وهو يصرخ بغضب:
"إيه اللي حصل؟ وليه بتمد إيدك عليها؟"
لم يجد ردًا ليصرخ بصوت مرعب:
"ريحان إيه اللي حصل؟"
بكت ريحان لتقول بألم:
"أنا آسفة يا باسل بيه."
صرخ باسل بغضب ويده مازالت تقبض على يد راضي بغضب:
"أنا مقلتش تعتذري، أنا قولت إيه اللي حصل خلاه يضربك."
بكت تلك الفتاة التي بالكاد تصل إلى الواحد والعشرين من عمرها، بكت بحرقة وخزي، لينظر في أرجاء المكان بغضب ليقول أحدهم:
"أنا مكنتش أقصد حاجة يا باسل بيه، بس أنا شفت ريحان واقفة على جنب وبتعيط، ولما سألتها ماله عرفت إن راضي خد فلوسها، لدرجة إنها مأكلتش حاجة من امبارح وجعانة، أدبتها، أكلي، وقولتلها معلش، لكن فجأة لقيت راضي جه وبيضربها."
اتسعت عينا باسل بغضب ليحول عينيه جهة ذلك المسخ أمامه يناظره بأعين حمراء قاتلة تقدح شررًا وغضبًا تطلق أسهمًا نارية قادرة على قتله. في حين اشتدت قبضته على يده لدرجة آلمته لترتعد فرائصه أمامه قائلاً بدفاع:
"يؤذيك يا باسل بيه تطلع عني السمعة دي وتقول إني باخد فلوسها ومش بوكلها، بس عشان تاخد رضى الرجالة، ودة يبص ودة يطبطب ودة يلمس، كله ده عشان تتجوز وتلفت انتباه الرجالة."
إن كان يظن أن بكلماته السخيفة تلك قد هرب من العقاب، فبالعكس، ففي تلك اللحظة اتسعت عينا باسل وازدادت قتامة حتى أنها أصبحت في تلك اللحظة تشبه بؤرة الجحيم، ليهمس بهسيس مرعب:
"اللي يخوض في شرف أخته يبقى مش راجل وما اتولدش على رجولة، اللي يمد إيده على أخته يبقى مش راجل وما اتولدش على رجولة، اللي يهين أخته ويقل منها يبقى مش راجل وما اتولدش على رجولة، واللي يبيت أخته جعانة ويخليها تتحوج للي يسوى واللي ميسواش يبقى مش راجل وما اتولدش على رجولة."
قال كلمته الأخيرة ليتفاجأ الجميع بكوعه الذي امتد ليضرب الآخر بأسفل وجهه ليسقط أرضًا بألم. تعالت شهقات الجميع، ولكن ما زادهم رعبًا حينما وجدوه يميل عليه ثم أمسك يده قائلاً بغضب أعمى:
"هي دي الإيد اللي مديتها على أختك وبتستقوي عليها بيها."
ثم وفجأة سمع الجميع صرخة الشتب حينما تماسك باسل يده يثنيها خلف ظهره بغضب.
انتفضت الفتاة برعب لتركض جهته هاتفة بجزع:
"باسل بيه، سيبه، الوس ايده، سيبه."
تركه باسل تحت إلحاح الفتاة ليقف يشرف عليه بهيبته المرعبة، ينظر جهته باشمئزاز ليبصق أرضًا قائلاً بقرف:
"ده أنت عار على جنس الرجالة."
ثم صرخ هاتفا بقوة:
"الواد ده ما أشوفهوش هنا تاني."
اتسعت عينا الفتاة لتركض جهته هاتفة برعب وهي تميل على يده قائلة برجاء:
"لأ يا باسل بيه، أبوس إيدك لأ، بلاش، ده كده هيقتلني في البيت، وبعدين إن قعد مش هياخد فلوسي، بس ده ماهيصدق يشغلني ويقعد ويضربني في الرايحة والجاية."
اتسعت عينا باسل ينظر جهتها بصدمة، ليراه ينظر جهة راضي بشر، ليلف عينيه هو ينظر جهة راضي بغضب مخيف، ليراها تبكي قائلة بألم:
"آخر مرة يا بيه، مش هفتح لوقي تاني حتى لو قتلني، بس ماتمشيناش، مش هنعمل مشاكل تاني."
التف باسل حول نفسه بغضب، كيف كيف يحدث هذا؟ كيف يكون هكذا عالم الأخ هو سبب أذية أخته؟ لم يجد بدًا سوى من شد خصلاته، وفجأة أدار جسده ليضرب ذلك المسجى أرضًا بقدمه، ثم نظر لها صارخًا بضيق:
"وبعدين معاك يا ريحان؟"
نظرت الفتاة أرضًا بخزي، لينظر جهة ذلك المسجى بضيق، ثم أومأ برأسه ومال عليه قائلاً بتحذير مع رفع سبابته:
"أقسم بالله لولا إنها اترجتني كنت خليتك تندب زي الولايا، بس المشكلة الأكبر إنك بتستقوي على الولايا فعلاً، بس ماشي، ملحوقة."
أومأ برأسه ليقف قائلاً بهسيس مخيف ونبرة شريرة:
"هتكمل شغل، بس لو حصل اللي حصل مرة تانية، ل والله ما أخلي الكلاب نفسها تعرف تلاقيلك مطرح، لأني قرفت منك، ولو إيدك اتمدت عليها أو شفت فيها خربوش واحد، مش هحاسب غيرك، إنت في عينك عليها، لأني فعلاً قرفت من الموال ده."
ثم رمقه بنظرة أخيرة مرعبة ومهددة، ثم صرخ بصوت مخيف:
"فاهم ولا أفهمك بطريقتي؟"
تومئ الشاب برأسه برعب مجيبًا بخوف:
"فاهم، فاهم."
نظر له باسل بقرف ليضربه بساقه مرة أخرى جاعلا إياه يتلوى من الألم، في حين نظرت الفتاة له قائلة بامتنان:
"ربنا يخليك يا بيه."
لف باسل وجهه جهتها، ولكن فجأة تلاشى كل شيء وهو يجد تلك التي تقف أمامه تتابع الموقف، في حين تناظره بذهول. وبجانبها يقبع صديقتيها، قطب جبينه بتعجب، هل يرى أسقط بحلم ووهم مرة أخرى أم ماذا؟ التف ينظر للفتاة يحاول تجميع كلماتها، ثم أعاد عينيه ينظر جهة جنا مرة أخرى، ولكنها كانت لا تزال واقفة مكانها بكامل جمالها وبراءتها ورقتها الملائكية البريئة.
ابتلع ريقه بتوتر، هل بالفعل هي هنا؟ هل حالته أصبحت مستعصية؟ لف عينيه جهة الاثنتين الأخريين ليجد إحداهن تناظره بشراسة، في حين تلك المشاكسة تناظره بمرح وهي ترفع حاجبها بشقاوة ويلتمع الشغب بعيونها العسلية المرحة.
إذا، فـ هي هنا، هي بالفعل تعمل هنا.
لم يشعر بنفسه سوى وهو يركض من المكان متجها صوب مكان بعينه، في حين نظرت شيرين بأثره قائلة بضيق:
"حلوة النمرة اللي عملها دي."
نظرت لها جنا بذهول، في حين نظرت لها أميرة بضيق لتقول:
"شيرين، لو سمحتي بلاش تتكلمي بالأسلوب ده، انتي مش بتتكلمي عن واحد مجنون ولا مهووس، ولا أنا يعني مارلين مونرو عشان يعمل عشاني كده."
في حين قالت أميرة بضيق:
"شيرين، بلاش أسلوب القاتل المتسلسل ده، وبعدين إحنا جايين وعارفين إننا هنقابله، وهو معملناش حاجة ولا جه جنبنا ولا خد باله مننا غير ظلوقتى، فارجوكي."
صمتت شيرين بغيظ في حين انتبه الجميع لصوت الفتيات قائلين:
"ربنا يخليه مستر باسل، ده واقف للبت وحاميها ومطول باله على الآخر، ده بصراحة لو توفيق بيه عرف هيطردهم الاتنين."
أومأت إحدى الفتيات قائلات:
"بصراحة مستر باسل جدع وابن حلال، وقبل ما حد يطلبه بيلاقيه، وعمره ما قصر، ربنا يحميه لشبابه ويرزقه ببنت الحلال ويكتر خيره يارب."
نظرت لها أميرة لتشير للفتيات قائلة:
"اتفضلي، ولا دول كمان متواطئين معاه؟"
صمتت شيرين بغيظ ولم تتحدث، في حين قالت جنا:
"يلا كل واحدة على شغلها."
***
دخل المكتب بسرعة وقد أغلق الباب خلفه بغضب اهتز على أثره المبنى كله. ظل يدور حول نفسه يشد شعره بغيظ. هل هي هنا أم ذلك من نسج خياله؟ أصبح لا يصدق نفسه وما يراه هذه الأيام؟ ترى ماذا يحدث؟ ولكن لو كانت هنا لكان نبيل أخبره.
تحرك يضرب سطح المكتب بغضب أعمى ليسقط الملفات أمامه أرضًا. نظر جهتها بضيق ليميل يحملها من على الأرض يضعها على سطح المكتب بترتيب دقيق وهو ينظر أمامه بضيق:
"إن كان منظم وحط الحاجة مكانها بنظام وترتيب يجراله حاجة."
كان يقول كلماته قاصدًا بها نبيل. نظر لإحدى الملفات أمامه يتطلع إليها بملل وبغير اهتمام حقيقي ليعلم ماهيتها فقط ليمط شفتيه بلا مبالاة. إذا، فهي ملفات تعيين الموظفين، ولكن فجأة اتسعت عيناه وسقطت الأوراق منه أرضًا حتى أنه تراجع للخلف بوجه باهت وكأنه رأى شبحًا وهو يجدها هي أمامه. صورتها بالملف أمامه أسفلها اسمها كامل. نظر جهتها بذهول وسحب الدم من عروقه. إذا لم يكن يتوهم، لم يكن يحلم. فهي هنا، هي هنا بالمكان.
أمسك الأوراق يقلب بها عن شئ بعينه ليجد ثلاثتهم أوراقهم ها هنا. إذا، فقد بدأوا العمل بالفعل.
ظل ينظر للورق ولم يدرِ سوى وهو يجد باب المكتب يفتح ويطل عليه نبيل هو يتحدث بالهاتف.
قطب نبيل جبينه وهو يجده بتلك الهيئة المزرية. اقترب منه بنظرات متسائلة، في حين ما يزال يتحدث على الهاتف. ليتفاجأ به يلقي الملفات على المكتب صارخًا بغضب:
"نبيل!"
التف نبيل جهته بتعجب ليجده رافعًا إحدى الملفات بيده صارخًا بغضب:
"إيه ده؟"
وعى نبيل إلى ما يقصد ليغلق الهاتف مع المتحدث بهدوء، ثم تحرك لينظر جهة الملف، ثم رفع حاجبه لينظر جهته قائلاً بلا مبالاة:
"ملف توظيف."
صرخ باسل بغضب:
"ما أنا عارف إنه ملف توظيف، بس ليه معنديش خبر عن الموضوع ده؟ ليه ما قولتليش؟"
نظر له نبيل ليقول بلا مبالاة:
"لأنه مش تخصصك، ولا يعنيك الموضوع ده، تخصصي وبس، لكن أنت تخصصك التجارات والصفقات، ده أولًا."
"ثانيًا بقى، تعرف ليه؟ إيه اللي بيربطك بيهم عشان تهتم؟ كان قرايبنا؟ معارفنا؟ واحدة منهم كانت مراتك؟ خطيبتك؟ لأ، يبقى ليه تعرف."
نظر جهته بصدمة ليكمل نبيل ببرود:
"أقولك ليه؟ عشان تعمل فضيحة؟ أنت قولت إنك خلاص هتعدي الموضوع ده ومش هتقف في طريقها ولا هتقل من نفسك، إيه؟ اتراجعت عن كلامك؟"
ظل ينظر جهته بذهول ليبعده عن طريقه صارخًا بغضب:
"ابعد، ده أنت إنسان بارد."
رواية ملكة قلبي الفصل الثلاثون 30 - بقلم مريان بطرس
كان يتحرك جيئة وذهابا بغضب أعماه ما حدث. شعر بمراجل مشتعلة تغلي بداخله. شعر بعدم تقدير واحترام منها. ومن جانب آخر، شعر منها بعدم تقدير وعدم احترام، فما بالك بالحب؟ هي لا تحبه أبدا، والدليل واضح. لم تهتم بكرامته، لم تهتم بمعرفة أي شيء بخصوصه، لم تهتم حتى بمعرفة مؤهله الدراسي. لم تسأله يوما عن يومه كيف يسير، عن حياته، عن ما إذا كان سعيدا أم لا، عن ما يحب وما يكره، ما يفضل.
هذه الأمور أبعد ما يكون عن الخجل. كان يظنها خجولة منه، ولكن أبدا. هي لم تهتم للسؤال أو بمعرفة إن كان سعيدا أم حزينا، إن كانت هناك مشكلة بحياته أم لا. دائما ما يكون هو المبادر بكل شيء تجاهها. والآن قد ظهر شيء آخر.
ابتسم ساخرا وهو يتذكر الحديث الذي مضى. ازدادت ابتسامته الساخرة اتساعا حتى تحولت إلى قهقهات، ولكنها لم تكن سعيدة، إنما هي قهقهات مريرة، متألمة، مجروحة، حزينة. وهو يتذكر رؤيتها له تظنه ميكانيكي. إذا، هذا هو ما تظنه. صاحب مستوى تعليمي متوسط، وبالطبع تظن أنه لا يرقى لمستواها الثقافي كطبيبة، حتى وإن كانت بيطرية. فهناك قانون الانتخاب الطبيعي. وتبعا لذلك القانون، فهو غير مؤهل للارتباط بها تبعا لاختلاف مستوى الثقافة والدراسة والمكانة الاجتماعية في المجتمع، ما بين طبيبة بيطرية تعمل بشركة كبيرة ومجرد ميكانيكي سيارات.
تحرك بغضب، ضرب سطح المكتب أمامه بقوة وبغضب أعماه حتى كاد يكسره. في حين انتفض كل العمال بالمكان ينظرون إلى رب عملهم المخيف، وقد أضحى بهالة مرعبة غاضبة زادته رعبا حتى أنها كادت تخرج قلوبهم من أماكنها. بينما صمت هو، ينظر أمامه بغضب وشرود. هناك شيء ما بالوسط، ولابد أن يعلمه.
تحرك للخروج من المكان إلى جهة مكتب والده، ليفتحه مرة واحدة ثم دخل. ينظر جهة والده بغضب. انتبه الحاج محمد على منظر ابنه الغاضب، ولكنه لم يعلق على طريقة اقتحامه مكتبه. إنما نظر إليه متسائلا بهدوء:
"مالك؟ إيه اللي عامل فيك كده ومتضايق كده ليه؟ اتخانقت مع حد؟"
نظر رافد جهته متسائلا بحدة قاطعة:
"هو سؤال واحد وعاوز إجابته. أنت طلبت إيد شيرين ليا إزاي؟"
ارتفع حاجب محمد، ولكنه أجاب بهدوء:
"بالأصول.. طلبتها من والدها بالأصول."
ضاق ما بين حاجبيه، ليسأله بضيق:
"وكان رده إيه؟"
هز والده كتفيه يجيبه ببساطة:
"قال هيسألها، وبعدها رد وقال موافقين."
ظهر عدم الاقتناع على وجه رافد، ثم سأل والده بوجه غير مقروء:
"بس كده؟ مفيش حاجة تانية معرفهاش؟"
هز محمد كتفيه يجيب ابنه بلا مبالاة مفتعلة:
"لأ مفيش. هيكون فيه إيه تاني!!"
ثم حول أنظاره له متسائلا بتعجب:
"ليه؟ فيه حاجة؟"
ظل رافد ينظر جهته بنظرات غير مقتنعة، لينفي برأسه أخيرا قائلا بهدوء:
"لأ مفيش حاجة."
ثم تحرك من المكان. وقد اشتعلت عيناه الكهرمانية بلهيب حاد. عليه أن يعلم ماذا يحدث حوله، عليه أن يعلم ما يجري، والآن وليس بوقت آخر.
***
خرجت من العمل هي وصديقتيها. لتجد أميرة تتثاءب، ثم بدأت تطقطق عتقها قائلة بإرهاق:
"أخيرا. ده الواحد تعب لحد ما خلاص معتش قادر."
ابتسمت عليها ولم تعلق. في حين أكملت أميرة بإرهاق:
"الحل دلوقتي إني أروح آخد دوش وأنام، بس بعد ما تكون ماما مجهزالي الأكل لأن فعلا مرهقة."
ضحكت وهي تقول:
"طيب وبالنسبة لكِ، مش هتجهزي أكل لوحدك؟"
هزت رأسها تجيبها بمرح:
"لأ أنا شبه دب الباندا المقيم في البيت. لما هجيب شلل لأمي، معرفش أعمل حاجة. أنا يا قاعدة بذاكر، أو بتفرج على التلفزيون، أو بأكل، أو لازقة لبابا في المحل. غير كده لأ. بمعنى أصح، زي ما هي بتقولي، أنا بنت أبويا. وكل خناقة بينهم، أنا واقفة مع أبويا بس."
ضحكت عليها ولم تعلق. في حين التفتت لتلك التي أصبحت بهذه الأيام مهتمة بالهاتف بدرجة غريبة ملفتة للانتباه. لتسألها بتعجب:
"مالك يا جنا؟ مركزة في إيه؟"
لم تجب جنا، لتنظر الفتاتان جهة بعضهما بتعجب. لترفع الأخرى صوتها متسائلة:
"جنا!!"
انتبهت جنا لصوتها لتسألها بتعجب:
"هه؟ بتقولي حاجة؟"
ضحكت وهي تقول:
"لأ ده انتي مش معانا خالص. مركزة في إيه؟"
أشاحت بعينيها عنها، تعيدها للهاتف وهي تجيبها بلا مبالاة:
"مفيش. كنت برد على رسايل واتس."
لتصمت لبرهة، ثم تقول:
"كنتي بتقولي إيه؟"
رمشت شيرين بعينيها بتعجب، لتجيبها أخيرا:
"أبدا. كنا بنتكلم هتعملوا إيه لما تروحوا."
أعادت أنظارها للهاتف وهي تجيبها ببساطة:
"معرفش. لما أروح وأشوف. هشوف ماما عايزة مني إيه وأعمله."
هزت رأسها بهدوء. في حين كانت تطالعها هي وأميرة بتعجب. وبالأخص حينما وجدتها توقفت تنظر يسارا ويمينا بتوتر. لتحول كل منهما أنظارهم جهتها، ثم لبعض. لتتساءل أميرة بتعجب:
"فيه إيه يا جنا؟ انتي مستنية حد؟"
ظلت تنظر لها بتوتر، لتجيبها أخيرا بتلعثم:
"يعني..."
هزت شيرين رأسها تسألها بتعجب:
"يعني إيه؟ ماهو يا أه يا لأ. ولو كده نمشي ونسيبك لو عايزة تبقي لوحدك."
"لأ" قالتها جنا بسرعة، لتعدل حديثها حينما وجدت نظراتهم المتعجبة:
"يعني أقصد إني مستنية، بس ياريت تستنوا معايا علشان مش هستنى لوحدي."
قطبت أميرة حاجبيها تنظر جهة شيرين. لتمط شيرين فمها بجهل. ثم حولت عينيها جهة جنا تسألها بتعجب:
"وده مين ده اللي مستنياه؟"
"مساء الخير يا بنات. آخرت عليكم؟"
التفت الفتيات على ذلك الصوت الأجش القادم من بعيد. لتناظره جنا بابتسامة. في حين اتسعت عيني أميرة بخوف وهي ترتعد من الأسوأ أن يحدث. في حين تعالت ضربات قلب شيرين. لتلف وجهها جهة صاحب الصوت بتوتر. لينظر لها بابتسامة عميقة. في حين لمعت عيناه الخضراء بسعادة وهو يجدها أمامه بعد هذه الفترة من الغياب. يا الله، كم اشتاق لها. اشتاق لرقتها، حنانها، مرحها، ضحكتها. اشتاق لذكرياتها التي تقصها عليه لتجعله يضحك. اشتاق لروحها التي كانت تدب بالمكان وتعلو به من الحياة. اشتاق لكل بها حد الجنون.
وها هي تقف أمامه الآن. يقسم بأنه لن يجعلها تبتعد ثانية. سيحجزها بين ذراعيه ليجعلها لا تستطيع الهرب منه أبدا أبدا. سيهتم بها وسيروض لسانه وغيرته فقط لتبقى معه دائما وأبدا.
أما هي، فنظرت جهته بتوتر. لا تصدق بأنه بالفعل هاهنا أمامها. وبعد عدة أيام فقط من تركها له. ترى لما جاء؟ أ جاء لأجلها أم لشيء آخر؟ وماذا إن كان جاء لها؟ هل ليعتذر أم لشيء آخر؟ وهل هذا يعني أن يحارب الدنيا لأجلها ويحارب قدرها الأسود؟ هل سيكون بهذه الشجاعة للوقوف أمام ذلك البربري الأحمق المرتبط به؟ هل سيستطيع الوقوف أمام ذلك الحائط البشري الذي ربطها به إجبارًا أم ماذا؟
بينما تراجعت أميرة للخلف تنفي برأسها برعب. ويبدو أنها هي أكثر من يفهم جدية الموقف. تخشى بالفعل مما قد يكون وصل لعقلها وقد فهمته من نظراته المتطلعة إلى الأخرى بشوق. تتمنى ألا يكون هذا، وألا يكون قد ألقى بنفسه بالنار قادما للاعتراف بحبه لتلك الخرقاء. فلو حدث، ستكون هناك نيران مشتعلة لن يستطيع أي أحد إطفائها. هل قدم ذلك المعتوه للاعتراف بحبه؟ لا والف لا. فهو سيكون قد ألقى بنفسه في جحيم ذلك المهووس البربري المخيف، ولن يخرج من تلك النيران حيا يرزق أبدا. نعم، تقسم على هذا.
نعم، تعترف بأن باسم قوي البنية، يملك العضلات، صاحب جسد رياضي إلى حد ما. ولكنه يبدو ضئيلا أمام شخص ك رافد الدسوقي. نعم، فرافد يختلف تماما عنه، بل إنه لا يوضع بجملة واحدة مع أي بشري كان. فهو عملاق من العمالقة القديمة. يملك جسدا كجسد الجنود في الحرب قديما. يخشاه كل من ينظر له. يملك هيبة وطغيان ونظرة حادة تجعلك تتراجع أمامه. وجوده وحده كفيل بحجب نور الشمس. وإن وقف باسم أمامه، سيهلك لا محالة. بالإضافة إلى...
رمشت بعينيها تتطلع إلى من يقبع أمامها، وتحديدا نظراته. في حين تذكرت نظرات الآخر. هناك فرق واضح. باسم ينظر لها بحب، ربما بلهفة أو إعجاب. في حين نظرات رافد مختلفة. نظراته، ينظر إلى شيرين بنظرات عشق مجنونة تكاد تصل للهوس. يستطيع الأعمى رؤيتها واضحة بعينيه بمشاعر جارفة تشبه أمواج عالية متلاطمة في عينيه. وواضحة وضوح العين. وتلك الأمواج التي تعكس تدفق ما بقلبه، إن سمح لها بالخروج، ستأتي على الأخضر واليابس، ولن يستطيع أحد النجاة منها. لذا تتمنى، تتمنى بالفعل أن تنتهي تلك الكارثة.
في حين ابتسمت جنا ناظرة له، ثم قالت بسعادة:
"باسم. حمد الله على السلامة. أتمنى تكون متوهتش ولا تعبت للوصول لهنا."
ابتسم باسم، يحول عينيه جهة شيرين قائلا بابتسامة عذبة يختصها بها تحديدا:
"حتى لو تعبت، ميهمش. كل شيء يهون قدامكم."
توردت وجنتي شيرين في خجل. في حين ابتسمت جنا بسعادة. أما أميرة، فقد تراجعت للخلف برعب وهي تكاد تلطم على وجهها. أي مصيبة قد سقطت فوق رؤوسهم الآن؟ يا الله! تتمنى أن يمر هذا اللقاء على خير. لتأخذ جنا جانبًا وتسرد لها بعض الخطوط العريضة عن الأمر حتى لا تحل كارثة فوق رؤوسهم. تدعو الله أن يمر هذا اليوم بالفعل. في حين اقترب باسم خطوة جهة شيرين يقول بسعادة:
"إزيك يا دكتورة؟ عاملة إيه؟"
نظرت له شيرين بخجل، لتجيبه بصوت بالكاد يسمع:
"الحمد لله."
نظر لها باسم ليميل برأسه جانبًا يتطلع بوجهها بحب ليقول بسعادة:
"مبسوط إني شوفتك كويسة."
ثم استدرك مكملاً:
"لأ ده أنا مبسوط إني شوفتك أصلا. ده يعتبر النهاردة أسعد يوم بحياتي."
ابتلعت أميرة ريقها تخشى أن يكون اليوم هو أسوأ يوم بحياة الكل. في حين ارتفع وجه شيرين جهته بذهول، تناظره بعيون تلمع بالبراءة والسعادة. ليبتسم لها ابتسامة ساحرة أبرزت نواجذه. في حين كانت عيونه الخضراء تلمع بشدة، مثيرة قشعريرة لطيفة بجسدها.
انتبهت شيرين لنظراته لتبعد عينيها، تعيدها أرضا. لينظر هو جهتها بحزن ليهتف باسمها برقة:
"شيرين..."
رفعت شيرين نظراتها له بتساؤل. ليقول بحزن:
"إنتي لسه زعلانة مني؟"
لمعت عيني شيرين بالدموع، لتنزل وجهها أرضا. ليهتف باسمها مرة أخرى:
"شيرين..."
نظرت له شيرين بعيون سوداء ملتمعة بالحزن. ليقول بضيق:
"دموع يا شيرين؟ دموع؟"
ثم ابتلع ريقه ليقول بضيق:
"شيرين، أنا ما أقصدش كل اللي وصلك ده. والله ما أقصد. أنا أنا..."
صمت وكأنه يستصعب عليه إكمال جملته، ليقول أخيرا بحسم:
"شيرين، أنا آسف. والله آسف. مكنتش أقصد اللي وصلك ده."
رمشت بعينيها تحاول الخروج من دوامة حديثه، لتقول بحزن:
"الكلام كان واضح يا دكتور. مظنش ليه معنى تاني."
نظر لها ليقول بقوة:
"لأ ليه، وفيه أبعاد تانية."
"وايه هي بقى الأبعاد دي؟"
قالت جملتها بضيق مقرونا مع وضع إحدى يديها بخصرها. ليقول هو بدفاع:
"لنفس السبب اللي بتعمليه دلوقتي."
هزت رأسها بعدم فهم، ليكمل بتوضيح:
"يعني تفتكري لما تبقي واقفة واحدة جميلة زيك في المزرعة، ويبص عليها عامل من العمال ويتفنن في النظر ليها ولتفاصيلها وجسمها بنظرات بدائية. تفتكري هيبقى رد فعلي إيه، سواء منه أو منها؟ تفتكري لما واحدة جميلة زيك تحط إيديها في جيب بنطلونها من ورا وسط العمال؟ تفتكري هيبصلها ولا لأ، وبطريقة مش لطيفة ولا لأ؟ تفتكري لما تبقي واقفة دلوقتي وحاطة إيدك في وسطك؟ تفتكري هيبص لك إزاي؟"
اتسعت عينيها بصدمة، لتشير جهة صدرها قائلة بذهول:
"إنت بتبصلي إزاي؟ إنت بتتهمني بـ..."
صرخ بها بغضب:
"أنا مبتهمش. أنا بوضح."
نظرت له بغضب، لتتسع عينيها بصدمة. في حين لمعت عينيها السوداء الجميلة لتصبح أشبه بحجر كريمين، لتقول بغضب:
"بتوضح إيه ها؟ بتوضح إني مش محترمة وبلفت أنظار الناس؟"
لقاطعه بغضب صارخ:
"لأ. بوضح إني بغير."
اتسعت عينيها بصدمة، تراجعت للخلف على أثرها وهي تستمع لذلك الاعتراف. في حين تعالت ضربات قلبها بجنون. هل ذاك يعني ما ب رأسها فعلا؟ في حين اتسعت عيني أميرة بصدمة أكبر، لتتراجع للخلف وهي تمسح على وجهها. ألم يجد أفضل من ذلك الوقت وهذا المكان للاعتراف؟ أي جنون هذا الذي سقطت به؟ وأي عته هذا الذي سقطت به صديقتها؟ متى ستوضح الأمر؟ مسحت حبتيها الذي تفصد بتلك اللحظة بحبات العرق نتيجة خوفها. فهي لا تخشى سوى شيء واحد، وهو أن يهبط عليها ذلك النيزك القاتل والمخيف المسمى رافد الدسوقي. ف إن حدث، سيقتلهم جميعا لا محالة.
حولت أنظارها جهة باسم بغيظ. ألم يكونوا بالمزرعة معه؟ وجهًا لوجه طول الوقت. لم يعرف بأنه يحبها إلا بعد أن ابتعدت عنه. ليدرك هذا الأبله بما يكنه من مشاعر. لم ترَ مثلث حب قاتل مسموم بقدر هذا المثلث، الذي تتمنى الهروب منه وقطع صلتها بهم جميعا قبل أن تصبح شهيدة لجنون الحب هذا الذي سيروه بالفعل. فهي لديها طموحات أعلى من أن تُداس تحت عجلات رافد الدسوقي فقط لأنه يكرهها، لأنها قللت من قدره، وسيظن أنها شجعت مخطوبته على تركه. في حين هذا المعتوه الواقف أمامها، ماذا إن علم أنه يحب أحداهن مخطوبة؟ ماذا سيكون رد فعله؟
تنهدت تتابع ما يحدث بصمت ورعب. في حين ابتلعت شيرين ريقها قائلة بتوتر:
"بتغير عليا إزاي؟ مش فاهمة؟ معناه إيه الكلام ده؟"
نظر لها ليقول بغضب:
"هو إيه اللي مش فاهماه في كلامي؟ هو الراجل يغير على واحدة ليه؟ ليه؟"
تساءلت هي باستفهام. ليصرخ بها بغضب:
"لأني بحبك يا شيرين."
شهقة عالية صدرت من أميرة وهي تستمع لكلماته وهي تضع يدها على فمها بعدم تصديق. بينما تراجعت شيرين للخلف بصدمة لا تستطيع التصديق. هل حقا ما سمعته؟ هل باسم العربي واقع بحبها بالفعل؟ هل بالفعل يتمناها؟ هل قطع كل المسافات لأجلها؟ في حين ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه جنا. أما باسم، فأكمل قائلا:
"أيوه بحبك يا شيرين. بحبك من ساعتها. قولت يمكن إعجاب وهيروح مع الوقت وبمجرد ما تبعدي هنسيكي. لكن الحقيقة لأ. الحقيقة إني اتعلقت بيكي أكتر لما بعدتي. أصبحت حاسس إني في بعدك بتعب، بقيت بتمناكي ليل نهار، بقيت حاسس إن فيه حاجة ناقصاني. بقيتي أمنيتي وطلبي من ربنا. بقيتي الحاجة الوحيدة اللي بتتمناها يا شيرين."
تراجعت شيرين للخلف بصدمة أكبر. في حين ارتفعت دقات قلبها. لمعت عيناها بالدموع وتحشرج صوتها بالبكاء. في حين تباطأت دقات قلبها من الرعب، وكأن جبال تجثم على صدرها حتى شعرت بأنه بالكاد يستطيع العمل في أي وقت. هذا الشاب يحبها، متيم بها. في حين هي مرتبطة بآخر. ماذا يجب عليها أن تفعل؟ ماذا يجب عليها أن تقول؟ هل تقول له الحقيقة؟ وكيف ستبرر الأمر؟ وجنا، كيف تجعلها تفهم بأنها لم تكن تكذب عليها؟ لم تكن تهمشها. إذا كانت أميرة بالكاد قبلت الأمر، فماذا عن جنا؟
وماذا إن علم باسم بحقيقة الأمر؟ هل سينتظر ليفهم حقيقته؟ أم سيتركها ويذهب دون ذرة ندم واحدة؟ وستسقط من عينيه؟ هل سينتظر ليستوعب حقيقته ويدافع عن ذلك الحب المزعوم؟ أم سيراها مجرد كاذبة مخادعة، دهست قلبه ومشاعره، وكانت تتلاعب به هو وآخر؟ ماذا يجب أن تفعل؟ ماذا؟
في حين اقترب باسم منها بعيون تلمع بالحب، قائلا برقة وبصوت عميق ساحر:
"شيرين، أنا عارف إني جرحتك، بس مش قصدي. أنا طبعي كده، عصبي. أنا راجل شرقي غيور. وبحب بنت زي القمر قدرت تسرق قلبي. فطبيعي أتحمأ وأتضايق وأزعق. مش بدافع حاجة سوى إني بحبك."
ثم اقترب منها محتضنا يدها الرقيقة بين يديه الكبيرة قائلا بحب:
"شيرين، أنا بحبك بجد. أرجوكي اديني فرصة وصدقيني مش هتندمي."
"شيرين!!"
تلك الصرخة الغاضبة التي شقت المكان، والتي جعلت الجميع يلتف على أثرها، كانت خارجة من فم غاضب. التف الجميع على أثرها ليظهر أمامهم فجأة هو. نعم، هو بكامل هيبته وطغيانه بحضوره المخيف والمرعب في الأبدان. هيئة همجية مخيفة. نظر الجميع لذلك العملاق القادم نحوهم بطوله المرعب ووجهه المسود من الغضب. عيونه الكهرمانية المرعبة بضوئها الذهبي القاتل. خصلات شعره المبعثرة بغير ترتيب وقميصه الغير مهندم. كان يتحرك بخطوات غاضبة، يحرق الأرض تحت قدميه. يصدر شحنات وشرارات حارقة في المكان. عيناه الذهبية ترمقهم بلهيب حارق قاتل. كان منظره بالفعل كقاتل همجي بلطجي قادم للقتل. بل ليس فقط القتل، بل إنه قادم لإنهاء حياتهم جميعا.
تلقائيا، دب الرعب في بدن شيرين لتتراجع للخلف بفزع. في حين شحب وجهها وازرق شفتيها وأصبحت يداها كالجليد. لتضاهي هي الأموات في تلك اللحظة وهي تراه قادما نحوها بنظراته الذهبية المخيفة. تعرف تلك النظرة، تعرف تلك الخطوات، تعرف ذلك الوجه. هو قادم لعمل مجزرة بمعنى أصح. لن يستطيع أحد النجاة من بين يديه الآن. ها قد حضر مندوب عزرائيل الآن. عند تلك الفكرة، انتفض قلبها داخل صدرها ينبض برعب كأرنب مذعور. تتمنى الهروب من المكان، ولكن للأسف، تيبست قدماها وجسدها أرضا.
في حين كانت أميرة تنظر جهته برعب. وها قد حدث ما كانت تخشاه. هذا ما كانت ترتعد منه. كيف ليوم أن يكون أسوأ من هذا؟ ها قد انتهت. بل انتهوا جميعا. لذا لم تجد بدًا من أن ترفع يديها على وجهها تلطمهما برعب وهي تولول كالنساء صارخة بفزع:
"جالك الموت يا تارك الصلاة! بيتهيألي إننا كلنا هنتسلم لعزرائيل دلوقتي."
لم تستطع جنا فهم ما يحدث. التفت تنظر لصديقتيها بتعجب من ردة فعلهما، لتعود تنظر إلى ذلك الكائن العملاق القادم من إحدى الكواكب الأخرى. لتتراجع تلقائيا للخلف ويرتعد جسدها تلقائيا من تلك الهيئة والهالة المرعبة المحيطة به. ما هذا الكائن؟ وكيف يعيش على هذا الكوكب؟ وماذا يريد منهم؟ لا تعلم من هذا الكائن المهيب المخيف، والذي يثير الرعب في الأبدان. من المفترض أن مكانه ليس هنا، بل إنه مكانه في أحد أماكن التعذيب. بمجرد أن ينظر إليه أحدهم، يستطيع أن يقر بكل ما يريد. إنما أن يكون مع بشر طبيعيين، فهذا محال.
أما باسم، فظل يرمش بعينيه ليلتف إلى الفتيات بتعجب، ثم يعود ينظر إلى هذا الضخم القادم ناحيتهم ليقول بهدوء:
"أؤمر؟"
اشتعلت عيني رافد وهو يرى ذلك الغريب يمسك بيد مخطوبته. في حين هو لا يفعلها. ليعود بنظرات حادة إلى تلك التي تكاد تسقط مغشيا عليها الآن من الرعب. لتبعد يدها تلقائيا عن باسم، واضعة إياها خلف ظهرها.
قطب باسم جبينه بتعجب، ليجد ذلك الضخم يصرخ بغضب:
"إيه اللي بيحصل هنا ده؟"
كان يقول كلماته مقتربًا من شيرين، رامقًا إياها بنظرة حادة كادت تطرحها قتيلة. لتبتلع ريقها محاولة إخراج الكلمات. لينتبه باسم للأمر، ليقف حائلًا بينهم قائلا بجدية:
"أؤمر. كلامك معايا."
رمقه رافد بجانب عينه، ثم أبعده بيده جانبًا عن مجال رؤيته قائلا بجدية قاتلة:
"ابعد لي انت كده. دورك جاي. متقلقش."
تراجع الآخر للخلف بضعة خطوات على أثر دفعته الخفيفة تلك. أي كائن هذا؟ فلم يبذل مجهودًا يذكر لابعاده. ترى من ماذا صنع جسده؟ أ من فولاذ أم ماذا؟ في حين اقترب هو إلى تلك التي كادت تسقط مغشيا عليها، ناظرًا جهتها قائلا بحدة:
"أنا مستني الإجابة لسؤالي. مين ده وبيعمل إيه هنا؟"
فتحت فمها عدة مرات تحاول إخراج أي حرف، ولكنها كانت لا تفلح. لتغلقه مرة أخرى. ليصرخ هو بها بغضب وقد انفلت زمام صبره من معقله:
"شيرين!!"
انتفضت شيرين من مكانها برعب. في حين تساقطت دموعها على وجنتيها بسرعة. ولكن الأمر لم يزدها سوى حدة. ليلف عينيه بالمكان لتقع على تلك الأرنب المذعورة الواقفة بالخلف، والتي بمجرد أن نظر لها تراجعت للخلف أكثر قائلة برعب:
"أقسم بالله أنا مالي دعوة بحاجة. ولا كنت أعرف حاجة."
قطب جبينه بتعجب. لينتفض باسم من مكانه قائلا بحمية:
"انت مين وعاوز إيه؟"
ارتسمت ابتسامة شرسة على وجه الآخر، ليقول بنبرة غريبة:
"أنا مين؟ فده بعدين. بس ممكن أعرف انت مين وكنت ماسك إيدها ليه؟"
صرخ باسم بغضب وقد فاض به الكيل من هذا الهمجي المخيف:
"وده يخصك في إيه؟ وانت مالك؟"
اتسعت عيني رافد ليعود بعينيه جهة الأخرى الواقفة بتصنم، والتي لم تبدِ أي ردة فعل. ليقول بهدوء ما قبل العاصفة، وهو يشير جهة صدره:
"أنا مين؟"
ثم صرخ بغضب:
"أنا خطيب الهانم اللي كنت ماسك إيدها في وسط الشارع. انت اللي مين بقى؟"
تراجع باسم للخلف. في حين صدرت شهقة رقيقة من فم جنا. لينفي باسم برأسه قائلا بذهول:
"مش صحيح. شيرين مش مخطوبة ولا مرتبطة. الكلام ده مش حقيقي."
تلك النظرة وذلك الذهول يعرفهما جيدا. هل كان ذلك الوغد يحاول التقرب من محبوبته؟ هل كان يحاول الاقتراب من مخطوبته؟ من حبيبته؟ أي جنون هذا؟ لا لا يصدق. كيف سولت له نفسه؟ بل كيف هي أعطته تلك الجرأة للدرجة التي جعلته يقترب منها إلى ذلك الحد؟ لدرجة أن يمسك يدها.
حول وجهه جهتها ليجدها كما هي، مثل الصنم. ليجد ذلك الصوت الأنثوي الرقيق الصادر من الخلف بحزم:
"لأ مش صحيح. شيرين مش مخطوبة. لو مخطوبة كنا إحنا أول ناس عرفنا."
ارتفع حاجبيه بصدمة. أي جنون هذا؟ لينظر جهتها مرة أخرى قائلا بحزم:
"مش عاوزة توضحى حاجة يا شيرين هانم؟"
ظلت شيرين على نفس صدمتها. ليعود بعينيه إلى الأخيرة التي تقف بمكانها كأرنب مذعور، واقفة على أهبة الاستعداد للركض في أي لحظة. ليهتف بها بحزم:
"وانتي مش عاوزة توضحى حاجة يا دكتورة؟"
نظرت أميرة أرضًا بخجل منه ومن شيرين ومن باسم. أرضًا الوضع بالفعل صعب الاحتمال، ولا تتمناه لأحد حتى ألد أعدائها أن يسقط به. فهو يقف يرى مخطوبته مع آخر، ويكتشف أنها تتنكر لعلاقتهم. في حين باسم يقف كالبليد في الزفة، ليكتشف أنه يخطب أحداهن مخطوبة. في حين الوضع الأصعب هو لشيرين، وهي مسحوقة بين حجري رحى.
"دكتورة!!"
كان هذا الصوت الهاتف هو لرافد. لتنظر أرضًا تبلل شفتيها، ثم قالت بخجل:
"بشمهندس رافد معاه حق. هو خطيب شيرين فعلًا."
نفى باسم برأسه قائلا بجدية وذهول:
"بس شيرين عمرها ما قالت إنها مخطوبة. حتى إنها مش لابسة دبلة."
قطب رافد جبينه بتعجب. ليرفع يدها صارخًا بغضب وهو يشير جهة محبسها قائلا بحسم:
"أمال إيه ده؟"
"هو مش ده مجرد خاتم عادي؟"
كان الرد من جنا. إجابة على سؤاله. ليقطب جبينه ثم يعود إلى شيرين قائلا بسخرية:
"هو كده؟"
نظرت شيرين أرضًا بخزي. لينظر هو جهة الخاتم بنظرة أخرى. لهم كل الحق في أن يظنوا هذا. فقد كان المحبس عبارة عن حلقة تشبه جديلتين ملفتين حول بعضهما البعض، تحدها فصوص بيضاء من الأعلى. ليومي برأسه قائلا بسخرية:
"علشان كده اخترتي ده واصرتي عليه؟"
ثم نظر جهتها صارخًا باشمئزاز:
"علشان محدش يعرف إنك مخطوبة وتعملي اللي على هواكي."
ثم صرخ بغضب:
"انتي بتلعبي بيا يا شيرين؟"
رفعت له أنظار ميتة لتقول بجمود أشبه بجمود الأموات، وقد شعرت بتلك اللحظة بالعرى، بالجرح، بالمهانة، بالتعب والإرهاق:
"انت اللي لعبت بيا يا رافد."
اتسعت عيني رافد بصدمة، لتومئ برأسها قائلة بصوت ميت:
"انت اللي شايفني لعبة بتلعب بيها. انت اللي بتدبحني. انت اللي سلبت حريتي."
ثم صرخت بغضب:
"انت اللي سلبتني حياتي وشخصيتي. انت اللي حولتني لواحدة معرفهاش. انت اللي خلتني مش أنا. لدرجة إني مش عارفة أنا مين وبعمل إيه. انت يا رافد. انت..."
تعالى صوتها في آخر جملتين. ليتراجع رافد للخلف بصدمة وهو يستمع لكلماتها ونبرتها التي لم يسمعها مطلقًا. ليجدها تومئ برأسها قائلة بجدية ميتة:
"انت دبحتني وجاي دلوقتي بتطالب بحقك. انت قتلتني وجاي تمثل الشرف. انت خلتني إنسانة حقيرة مش عارفة أنا مين وعاوزة إيه."
تراجع رأس رافد للخلف بصدمة كمن ألقاه أحدهم بحجر. لتلمع عيناه بالدموع. في حين وضع يده على صدره بألم حارق، وهو يشعر بنصل حاد ينغرز في قلبه. ليقول بألم:
"أنا يا شيرين؟ أنا؟!!"
صرخت شيرين بجنون:
"أيوه أنت يا رافد. أنت. أنت الجاني فما تمثلش دور البريء والضحية. انت اللي سلبتني حقي وحياتي. انتي اللي حبستني في قفصك بعد ما كسرتلي جناحي. انت اللي دبحتني وهلكت روحي. انت..."
رفع عيون متألمة جهتها ليجد نظراتها تجابهه نظرات جريحة، ذبيحة، مجنونة. نظرات كارهة، ناقمة، مشمئزة. اتسعت عيناه بصدمة. ماذا حدث؟ لا يستطيع فهم شيء. لما تكرهه هكذا؟ لما تقابل عشقه وحبه بهذا الكره؟ لما تنظر لها بذلك الاشمئزاز والقرف؟ ليقول بصوت متحشرج، وقد لمعت عيونه بالدموع، في حين شعر بألم حاد يتزايد أكثر وأكثر بقلبه:
"أنا مش فاهم حاجة. وضح لي."
صرخت شيرين بجنون وهتفت باستنكار غاضب. في حين أطلقت عيناها السوداء شراراتها السامة:
"بجد مش فاهم؟ لا لا بجد مش فاهم؟!! إزاي يعني المجرم مش عارف جريمته؟ ولا هو لازم يمثل دور الضحية؟!!"
اتسعت عيونه بصدمة. وجاء ليفتح فمه حينما هتفت أميرة بعقلانية:
"بشمهندس رافد، بيتهيألي إنكم محتاجين تتكلموا لوحدكم شوية وتتفاهموا قبل أي حاجة."
التفتت جنا جهة أميرة بذهول. هل تأمن لذلك المعتوه على صديقتها؟ أي جنان هذا؟ في حين أومأ رافد برأسه ليسحب شيرين خلفه بقوة ليتحرك من محيط المكان. في حين تنقاد هي خلفه كشاه مساقة للذبح.
بينما التفتت جنا جهة أميرة صارخة بغضب:
"انتي اتجننتي؟ انتي إزاي تأمني للمجنون ده عليها؟ ده ممكن يموتها في أي لحظة."
نظرت لها أميرة لتتطلع إلى المكان الذي ذهب منه كلاهما. وهي تتذكر رافد ونظراته. لتقول بهدوء:
"مظنش. وبيتهيألي إنهم محتاجين يتكلموا مع بعض وكل واحد يفهم التاني جواه إيه."
نظرت جنا جهتها بخوف. ولم ينتبه أحد إلى ذلك الواقف بينهم، والذي توحشت عيناه لتصبح أشبه ببؤرتي الجحيم. وقد شعر بالمهانة والغضب والحرقة. إلا حينما وجدوه يركض بغضب حارق، يحرق الأرض تحت أقدامه، وهو يركض بالاتجاه الذي ذهب منه كلاهما منذ قليل.
بس بس تفتكروا هيحصل إيه؟
رد فعل رافد جهة شيرين؟
شيرين هتعمل إيه مع رافد؟
باسم ناوي على إيه؟
شيرين هتختار مين فيهم؟
باسل وجنا هيجرى بينهم إيه؟
واللي هيوصلهم للي حصل في أول الرواية؟
كله ده هيبان في الجزء الثاني.
تمت.