في أحد الأحياء المتوسطة التي تسكن فيها بطالتنا، تستيقظ من نومها على صوت هاتفها الذي يعلن عن إزعاج منذ ساعة. تفتح عينيها الفيروزية التي تحاط برموش كثيفة، وهي تجيب على الهاتف بنعاس. مليكة بدون النظر: الو، مين؟ لتسمع ذلك الإعصار الذي يصيح: الوووو يا زفتة انتي لسه نايمة لحد دلوقتي؟ انتي مش عارفة إن عندنا سكشن بدري والدكتور رزل ومبيدخلش حد بعده؟ قومي يلاااا! هيسلمنا الورق، قومي! مليكة بصدمة وهي تنظر إلى الساعة:
إنهار أسود! الدكتور؟ الورق؟ المحاضرة؟ مامااااا! وتقفل الهاتف في وجهه. صبا: صباااا! وهي تنظر إلى الهاتف بصدمة: المجنونة قفلت في وشي! ماشي يا مليكة الكلب، لازم أوريكيلها. لتترك صبا وهي تنظر للهاتف وتتوعد لها. مليكة بصياح: مامااااا! يا أم محمود! إزاي متصحنيش بدري هااا؟ مش أنا قوللتلك إن المحاضرة مهمة؟ ماما مليكة (ميادة) تقول بحنان: إزاي يا بنتي، وانتي أصلاً قولتيلي إنها يوم التلات مش النهاردة الحد.
كانت مليكة تلف الغرفة بتوتر، لحد ما رجليها اتخبطت في السرير. قعدت على الأرض تتوجع. مليكة بنحيب: آه ي صابعي اللي ضاع! يا خراااابي! كله من أم المصايب، صبا! كنت صغيرة يا صبعي، ما كانش يومك! لتتركها والدتها وهي تضرب كف على كف وتدعي لهم بالهداية، لتقول: ربنا يهديكم، والله مجانين. أما مليكة، كانت تستحلف لصبا.
أما في مكان آخر، في أحد الأحياء الراقية، نجد قصراً أقصى ما يقال عنه إنه قطعة من الجنة، قصر ملكي غاية في الجمال. يوجد حوله حراسة كثيرة. (ولكن مهلاً يا سادة، لا يغرنا هذا المنظر، إنه مثل الجحيم لأصحابه) في غرفة بطلنا الوسيم، تطرق الخادمة الباب ليسمح بالطارق بالدخول. الخادمة بخوف شديد: رعد بيه، عتمان بيه بيقول لحضرتك إن الفطار جهز. ليفتح هذا الوسيم عيناه العسليتان، الذي يتحولان إلى البني القاتم مثل لون البندقية.
رعد بغضب وهو يصيح: مش أنا قولت محدش يصحيني ولا يدخل الأوضة إلا لأمر مهم، ولا لأ؟ لترد برعب وهي تناجي ربها بالنجاة: حصل، بس والله عتمان بيه هو اللي أمرني، وأنا عبد المأمور. رعد بغضب: برررره! وقوليله مش نازل غير لما أعوز، فاهمة؟
لتؤميء برأسها وهي تخرج، لتتنفس الصعداء وكأن أنفاسها كانت محبوسة. لتنزل لتقول لذلك الرجل الشديد الذي يجلس بوقار وكبرياء وله هيبة. نعم، لما لا، فهو عتمان الشافعي، من أغنى رجال الأعمال في العالم. يمتلك من العمر 55 عاماً، شديد الوسامة رغم سنه، له بعض الخصل البيضاء في شعره البني تزيده وقاراً. يمتلك عينان بنيتان وجسد رياضي يحافظ عليه بممارسة الرياضة. لتقول الخادمة وهي تضع نظرها في الأرض باحترام:
رعد بيه زعق يا فندم، وبيقول لحضرتك مش هينزل غير لما يعوز. لينظر بغضب، ليُشير لها بيديه. لتنصرف الخادمة. عتمان بغضب: هو إزاي يعمل كده؟ أنا سكت عليه كتير، لحد كده وبس. أنا لازم أعرفه حدوده كويس، وإزاي يكلم مع الأكبر منه، وخصوصاً لما يكون أبوه. ليصعد الدرج المؤدي لغرفة رعد. وجميع أفراد الأسرة يحاولون تهدئته ومنعه من الصعود، منعاً لأن تتشب مشاجرة بين الأب وابنه. ليقول عامر، وهو الأخ الأوسط لعتمان:
اهدأ يا عتمان، مينفعش كده. انزل وسيبه براحته، متجبش مشاكل، إنت عارف إنه عنيد. ليقول عمران، الأخ الأصغر: عامر بيتكلم صح، انزل وهو لما يهدأ هينزل لوحده.
لينظر لهما عتمان بغضب، ليكمل صعوده، ليتوقف على هذا الصوت الجوهري. نعم، هذا الصوت لا يستطيع أن يتجاهله، إنه صوت أحمد الشافعي. هو رجل يمتلك من العمر 85 عاماً، شديد الوسامة رغم عمره، عنده هيبة ووقار لا يستطيع أحد الوقوف أمامه أو مخالفته في شيء، ما عدا هذا الحفيد العنيد كما ينعته. ليقول أحمد بحكمة: انزل يا عتمان حالا، ولا أنا كمان كلامي مبيتسمعش خلاص. ليصمت الجميع وهم ينظرون إلى عتمان بترقب. لينزل عتمان وهو يقول بعصبية:
لأ طبعاً، بس إنت مش شايف حفيدك اللي بيعارضني في كل حاجة. أحمد بكبرياء وصوت جوهري: لما تيجي تكلم مع أحمد الشافعي، يبقى توطي صوتك، إنت فاهم؟ وطبعاً شايف وعارف كويس هو بيعمل كده ليه، ولا تحب أفكرك أنت كمان عملت إيه؟ ليصمت عتمان ثم يقول: لأ طبعاً عارف، بس هو ظالمني. أحمد بحكمة:
لأ، أنت عارف اللي هوا فيه، مش بسبب اللي في بالك، والمشكلة اللي أنت مش راضي تعترف بغلطك، وحتى لو هتعترف بيها خلاص فات الأوان. ابنك راح منك، وده كله بسببك، يا أما حذناك بس إنت مسمعتش من حد. ليقول عتمان: يعني أعمل إيه عشان يسامحني؟ أحمد: إنت خلاص مبعتش في إيدك حاجة. ثم يهمس بغموض: القدر هو اللي هيعمل. لينزل رعد كأنه على الدرج بكل هيبة وكبرياء. لتبدأ حرب النظرات بين الأب وابنه في صمت الجميع. رعد وهو ينظر إلى جده:
صباح الخير. أحمد بابتسامة: صباح النور يا رعد. عمران وعامر: صباح النور. أسيل وعمر ومراد وسيف ولوجين: صباح النور يا كينج. ليجلس الجميع على طاولة الطعام، ليعم الصمت. ليقول عمر بمرح: إيه هوا إحنا هنفضل كده كتير من غير كلام؟ ده إحنا ولا المطلقين! ليضحك الجميع ما عدا رعد، الذي ظل ببروده. ليرد عامر: يعني عايزنه نرقص ولا نعمل إيه عشان نرضيك؟ عمر بصوت أنثوي: لأ يا سي عامر، إحنا بس بنقول نكلمه شوية، إيه في ماااانع؟
لينظر له عامر بصدمة. ليضحك الجميع. أحمد: خلاص كله، وبطلوا كلام. لعم الصمت مرة أخرى. لينتهوا من الطعام، ليذهب رعد، ولكنه يتوقف على صوت أحمد: تعال ي رعد، في كتب. رعد ببرود: لما أرجع من الشركة. أحمد بصوت جوهري: هي كلمة واحدة، ورايا. ليتركه ويذهب لمكتبه. ليذهب رعد خلفه، تحت نظرات الفضول من الجميع. لماذا يريده؟ لتقول أسيل: أنا راحة الجامعة، باي بابي، باي مام. لتقول حنان بحب: مع السلامة يا حبيبتي.
ليذهب عمر هو الآخر إلى جامعته. في غرفة المكتب، يجلس أحمد بكبرياء على الكرسي المخصص له بكل كبرياء. ليدخل رعد. رعد ببرود: حضرتك عاوزني ليه؟ أحمد ببرود مماثل: اقعد ي رعد، عاوز أتكلم معاك، ولا هوا ممنوع؟ رعد: اتفضل. أحمد بهدوء: أنا هتفضل كده لحد امتى؟ رعد ببرود وهو يتصنع عدم الفهم: كده اللي هوا إزاي؟ أحمد بهدوء: رعد، إنت فاهم كويس أنا بقول إيه. هي مش هتبقى فرحانة وهي شايفاك بتعمل في نفسك كده؟ بتعذب نفسك؟
رعد وهو يتصنع البرود، ولكن بداخله بركان يريد أن ينفجر: هفضل كده زي ما أنا. هو اللي حولني، هو اللي خلاني كده. هو عمره ما كان اللي ليا، وحرمني من أغلى حاجة في حياتي. هو دايماً بيدور على اللي بحبهم وبيحرمني منهم. لينظر له أحمد بعطف وحنان. يذهب رعد، لكنه يقف. وهو يقول له: قول له إن ابنه مات من زمان، وهو اللي دفنه معاها. واللي موجود دلوقتي هو الكينج، وخليه كده كويس. ليذهب إلى شركته، ليصل إلى هذا الصرح الضخم. ماهذا؟
إنه بناء غاية في الروعة. نعم، إنها المقر الرئيسي لشركات الشافعي. إنه مبني مصمم على الطراز الإيطالي، يتكون معظمه من الزجاج. ليخرج من سيارته، ليقف له كل من في الشركة احتراماً وخوفاً منه. فهو الكينج. لينظر له الجميع نظرات إعجاب. فهو حلم كل الفتيات، ولكنه لا يبالي، فهو اعتاد على هذه النظرات. داخل مكتب رعد، يجلس على مكتبه الفخم، فهو عالي التصميم مثل باقي الشركة. لتدخل السكرتيرة تقول بعملية:
معاد المحاضرة يا فندم، كمان نص ساعة. ليشير لها بيده لتخرج من الغرفة. في الجامعة، تجلس مليكة مع صاحبتها. صبا: بيقولوا في دكتور جديد جاي الجامعة، بس بيقولوا عصبي وبارد ومغرور. الجامعة كلها بتتكلم عنه. ندي بتأييد: آه فعلاً، ومحدش بيدخل بعده. إدارة الجامعة محظرة على الطلبة كلها، شكله صعب ومادته رخمة. أسيل بخوف: خلاص يبقى نروح قبل المحاضرة عشان منتطردش. مليكة بثقة: مغرور على نفسه، إنتو خايفين ليه؟ محسسني إنوا دراكولا.
ليردوا جميعاً في صوت واحد: أسوأ! مليكة: على نفسه. طب هوا اسمه إيه؟ صبا: لسه معرفناش. كل اللي عرفناه... بعد عشر دقائق، يتجهون إلى المحاضرة، ليدق هاتف مليكة، معلناً عن اختها الصغيرة (نورا) . ل تجيب مليكة، لتستمع إلى صوت أختها الباكي. مليكة بقلق: مالك يا نورا، في إيه؟ نورا ببكاء: ماما تعبانة، جاتلها أزمة، والبخاخة مكنتش موجودة. وإحنا في المستشفى. محمود جه الحمد لله، وبقت كويسة، بس أنا خايفة عليها أوي.
مليكة والدموع تجمعت في مقلتيها الفيروزيتين، لتقلب إلى اللون الأخضر الغامق: اعطيني محمود يا نور. لتذهب وتعطيه الهاتف لأخوها. محمود: ألو يا مليكة، إنتي مش عندك محاضرة دلوقتي؟ مليكة ببكاء: ماما عاملة إيه؟ نورا قالتلي اللي حصل. محمود وهو ينظر لنورا بغضب: متقلقيش يا حبيبتي، شوفي محاضراتك. هي بقت كويسة الحمد لله، الدكتور طمني، وهي نايمة دلوقتي. مليكة ومازالت الدموع بعينيها:
ماشي يا حبيبي، خلي بالك منها ومن نفسك. لا إله إلا الله. وفي هذه الأثناء، يأتي هذا الوسيم، لينظر لها. فكانت مليكة آية في الجمال، بعيونها الفيروزية وبشرتها البيضاء مثل بياض الثلج، وشفاتها المتكرزة. وكانت ترتدي بلوزة بيضاء وبها بعض الرسوم باللون الأحمر، وجيب شورت أسمر، وطرحة حمراء. فكانت غاية في الجمال. لكنه سمعها وهي تقول: حبيبي! فاشتعل غضباً، وأصبحت عيناه قاتمة، ونظر لها نظرات استحقار.
أما مليكة، فكانت تنظر إلى ذلك الوسيم، فكان يرتدي بدلة باللون الرمادي، فكان وسيم جداً. ولكنها تداركت نفسها، وغضت بصرها، واستغفرت ربها، لتدخل المحاضرة بعدما اطمأنت على والدتها، وتتمنى أن لا تكون تأخرت. لكنها تأخرت بالفعل. تطرق مليكة على الباب وتفتح، لتحتل الصدمة ملامحها هي ورعد. مليكة بتوتر: ممكن أدخل يا دكتور؟ ياترى رعد هيخليها تدخل ولا هيرفض؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!