الفصل 5 | من 19 فصل

رواية مملكة تارتين الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
33
كلمة
1,682
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 26%
حجم الخط: 18

نسيت الطفلة سامور، ليس نسياناً تاماً ولكن أصبح بلا أهمية بالنسبة لها. مثل الأشخاص الذين يشبهون كعكة البرتقال القابلين للدهس في أي لحظة. يخسر الإنسان مع كل قرار يتخذه. سألت الطفلة: "كم يبعد جبل الضياع عن مملكة تارتين؟ "مئات الأميال"، قال الشيخ بنبرة غامضة. "على ما أتذكر، لم يمضِ سوى يوم واحد منذ تحركنا من جبل الظلام. كيف ابتعدنا لهذا الحد؟

"ستعرفين كل شيء في حينه يا فتاة. استباق المعرفة يولد الهلاك. نحن لم نسير، بل انتقلنا. هذه المعرفة قوية ستقضي عليك." "تعلمني ماذا يا عم؟ بصق الرجل على الأرض بفوضوية: "لديك طريق لتقطعيه. سأضع قدمك على أوله." "ماذا سأفعل بعدها؟ "حينها يمكنك أن تحددي مصيرك. ما أنا سوى شعلة يمكن للريح أن يطفأها، لكن أنت ستكونين شيئًا مختلفًا."

منذ اللحظة الأولى، أدرك الشيخ الكبير أن تلك الفتاة مختلفة ومميزة. كان قد قرأ منذ مئتي عام عن ظهور شخص سيغير العالم الذي يعيش داخله. كان قد فقد الأمل بمرور السنين، يهيم في الأرض بلا هدى حتى وجدها أمامه. "سأرافقك الآن لمكان علينا زيارته"، كان يقول ذلك ونظرته كلها حزن. بعد أن عبر حدود جبل الضياع، وقف الشيخ على مشارف صحراء شاسعة وكان الطقس تغير وأصبح شديد الحرارة.

نظرت الفتاة: "صحراء لا أول لها ولا آخر، ولا أثر لحيوان يرعى داخلها." "أين سنذهب يا عم؟ "هناك"، وأشار بيده للفراغ. "لكن أنا لا أرى أي شيء يا عم؟ "إن تمتلك عينين لا يعني أنك ترى." "صحراء واسعة وقاحلة يا عم، كيف سنقطعها؟ "يا طفلة، بعض الطرق لا تقطعها الأقدام، تقطع بالقلوب ولا يمكن العودة منها."

جذب الشيخ يد الطفلة، تبعته بلا مقاومة. الأطفال يثقون بسرعة ولا يحملون أي ضغينة. كانت أقدامهم تغوص داخل الرمال الساخنة، وكل خطوة تحتاج مجهود خارق. ويكتشف المرء رعونته، غباءه وحماقته بعد أن يكون قطع من الطريق الذي لا يناسبه للحد الذي لا يمكنه العدول عنه. كانت الشمس تسلق رؤوسهم كأنها تسير فوق أدمغتهم. تصبب الشيخ عرقًا وبطأت حركته. ربتت الطفلة على يد الشيخ بعطف وحاولت أن تمسح عرقه، لكنه نهرها بعصبية.

"انظري أمامك وواصلي السير." "أنا لا أرى أي شيء يا عم." "أنا أيضًا، لا أرى أي شيء ولا أعرف لماذا قطعت هذا الطريق." "عندما أجلس مع نفسي وأفكر، أجد أن أكثر القرارات التي أخذتها كانت خاطئة. بعضها متهور، بعضها متأخر، والألم واحد." "ما الفائدة يا عم من السير في طريق لا نعرف له آخر؟ "لا يمكنك التأكد من وجود فائدة من شيء لا تعرفه حق اليقين. علينا أن نصل أولاً حتى نعرف جدوى الرحلة."

هبت عاصفة رملية وأصبحت حبات الرمال تلسعهم مثل الخناجر. الرؤية منعدمة والسير مستحيل. توقف الرجل عن المشي. "لقد تعبت، أعتقد أنها نهايتي. واصلي أنت السير." قالت الطفلة: "كيف أتركك؟ "إذا لم تتركيني، سنموت معًا." "سنموت على أي حال يا عم." "نعم، سنموت في النهاية وتحصى الخطوات. واصلي السير ولا تتوقفي، لا تنظري للخلف مهما حدث." "هل تفهمين؟ "أفهم، لكن لن أتركك هنا. أنقذتني من الموت، سوف أنقذك." "ماذا بيدك لتفعلي؟

أنت مجرد طفلة؟ "سوف أركض بكل قوتي وأحضر النجدة. من فضلك ابقَ حيًا حتى رجوعي." غطت الرمال أقدام الطفلة كأنها تسير في بحر من الرمال. جلس الشيخ على الأرض واستسلم للرمال، جعلها تغمره وتغطيه. ثم رفع يده وصفق. واصلت الطفلة السير رغم نزول الظلام. كان الشيخ يسمع صوتها. لم تبتعد أكثر من خمسين مترًا عن مكان ما تركها. في الظلام، سمعها تكافح وتطلب المساعدة من أجله. ارتشف رشفة ماء بارد، مد قدميه ونام.

"سوف تموت قبل شروق الشمس. كل قرار معادلة. كل قرار موت. بعض القرارات إعلان دفن بالحياة. واقعية الهروب لا تؤجل الكارثة. كيف يمحو الإنسان جزءًا من تاريخه بلا تبعات أو بواقي؟ كيف يختفي الألم الذي رسمناه بأيدينا؟ كيف نتحلل ونخرج في مكان آخر بعيدًا عن كل شيء؟

"زرعت شجرة ورويتها. بعد شهور ستكبر الشجرة، تنمو أغصانها وأوراقها، يكبر جذعها، تظلل الطريق. هذه الشجرة نفسها ستموت وتتحلل، تبتلعها الأرض، ربما يجرفها النهر. تلك الشجرة لم ترحل، إنها موجودة في مكان آخر." كان هناك صهيل حصان داخل الغبار، صوت مجلجل يصرخ. "الطفلة غير قادرة على الرؤية، ريقها ناشف، بلعومها مترب. همست: النجدة." توقف الحصان. نظر الرجل لجواده وصرخ: "من هنا؟ سار الحصان بخطوات بطيئة حتى توقف جوار جسد الطفلة.

"انقذني يا عم." "كيف أنقذك؟ لا يجب علي ذلك." "لماذا يا عم؟ "والدتي حذرتني من مساعدة الغرباء." همست الطفلة: "لكنك رجل كبير ولست مجرد طفل، كيف تطيع والدتك وتتركني للموت؟ "اصمتي أنت لا تعرفين والدتي ولا ما يمكن أن تفعله بي إذا عصيت أمرها." "أرجوك، والدتك لن تعاقبك إذا ساعدت طفلها." "اصمتي أنت لا تعرفين والدتي، كيف لك أن تتأكدي أنها لن تعاقبني؟ "أين الطريق؟ أرجوك سأموت." "لا يوجد طريق للخروج من الصحراء يا طفلة."

"لكن عمي قال إن لكل طريق نهاية." "يمكن لعمك أن يقول ما يرغب به، ستبتلعه الصحراء." "ربما مات الآن." "أليس كل إنسان حر في قراره؟ لماذا يتذمر عندما يحين وقت العقاب؟ "لا يمكنني أن أنقذك، أنا آسف، تقبل اعتذاري. أنا أيضًا مرغم." "شربة ماء يا عم." "يا طفلة لا توجد مياه في الصحراء. الذين يلقون بأنفسهم في الضياع يستحقون الموت." "إذا كنت لا تستطيع أن تنقذني، امنحني الحصان، سأنقذ نفسي."

"أنت لا تفهمين يا طفلة، حتى لو منحتك الحصان، والدتي لن تتركك، ستعاقبك." "يعني ذلك أنك من الممكن أن تمنحني الحصان لكنك خائف من عقاب والدتك؟ نظر الشاب نحو الصحراء: "اسمعي يا طفلة، أي شيء سيخرج من تلك الصحراء ستعاقبه والدتي، غير مهم إن كان شيطانًا أو ملاكًا. إنها تنتظر هناك بعيون مفتوحة." "كم جلده سيتحمل جسدك؟ عظامك لينة، ستقيدك بسلاسل تجبرك على حمل الصخور النارية." حمل الشاب الطفلة ووضعها على ظهر الحصان.

ربت على كتف الطفلة: "سأضحي بنفسي وأنقذك." "اركبي معي، لا تتركي نفسك للموت." "أنا هارب، سأجد سعادتي هنا، أنا بعيد عن الألم. أغلقت كل الأبواب وأجلس مع نفسي في صمت. الظلام يحيط بي من كل اتجاه." "شمسي غائبة، الشمس هنا لا تشرق إلا مرة كل عام. أكره شعاع الشمس الذي يصل عيني من بين فسحات الأشجار." "ارحلي يا فتاة، أنقذي نفسك." ثم لكز ظهر الجواد.

انطلق الجواد يشق الغبار وحافره يدق الأرض. لم يمضِ سوى دقائق ووجدت الطفلة نفسها خارج الصحراء. رأت عشبًا نابتًا على مسافات متفرقة قبل أن يلتصق ببعضه ويتحول لمرج واسع. واصل الجواد ركضه حتى توقف فجأة مما دفع جسد الطفلة للسقوط داخل نبع ماء. ابتلت شفتي الفتاة، شربت الماء، غسلت نفسها، وجهها، شعرها. رأت الخضرة تحيط بها. الأزهار في كل مكان، الطيور تشقشق. نظرت دقيقة بدهشتها. "أين المرأة الأم؟ قال إنها ستعاقبني، لماذا لا أراها؟

تناولت حبة رمان من على الأرض. خلفها كانت العاصفة الرملية انتهت. الصحراء ظهرت مرة أخرى، لكنها ليست صحراء شاسعة، بل مجرد سبخة كيلومترية. "أين الشاب؟ أين عمي؟ لماذا اختفوا؟ ماتوا جميعًا؟ من يمكنه أن يعرف؟ "اتبعيني بسرعة"، صرخ شاب ملثم ظهر من بين الأشجار على الطفلة. "أسرعي قبل أن يصلوا."

لم تفهم الطفلة لكن الشاب لم يمنحها فرصة، جذبها من يدها واختفى بين الأشجار في اللحظة التي ظهر فيها مخلوقان مسلحان بدروع حديدية وحراب. وقفوا جوار الحصان وقبل أن يصهل، قتله أحدهم بحربته. داخل دغل حشائش، كتم الشاب فم الفتاة حتى اختفى المخلوقان. ثم ظهر رجل يرتدي وشاحًا أسود بيده مسبحة طويلة متدلية من عنقه. تناول قبضة من الطين وقربها من فمه: "كانت هنا يا أميرتي." "كانت هنا."

من العدم ظهرت فتاة بتاج مذهب ترتدي بنطالًا جلديًا وحذاءً أخضر مرتدية درعًا وبيدها سيف لامع. شعرها ضفيرة طويلة أصفر كشعاع الشمس. غرست السيف في الوحل ثم رفعته واختفت كأنها دخلت من بوابة مختفية وخرجت منها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...