كان القمر يتوسط السماء ينشر أشعته الفضية فوق أوراق أشجار السحلاب والآفيس والباتونج والرمياس، والغابة غارقة في الظلام. عندما خرج من جحره، وجد طفلة نحيلة ممددة على الأرض تلفظ أنفاسها الأخيرة. تحركت غريزته الحيوانية، إنه بالفعل جائع يحتاج لطعام، لكن كبرياءه منعه أن يأكل صيد سهل. وضع الطفلة بين ساقيه العملاقتين وحدق بها بعيونه الكبيرة. "مجرد طفلة صغيرة على وشك الموت." دفعها بساقه، تدحرجت على الأرض. "ماذا علي أن أفعل بها؟
" سأل نفسه. "إذا كنت لن ألتهمها، لن أتركها تموت." شعر بالضيق، فهو لا يحب البشر. قفز قفزة عملاقة مبتعداً عنها، اخترق الغابة بسرعة الريح والعصافير تهرب أمامه. قطف أكثر من زهرة بفمه قبل أن يعود مرة أخرى. نظر إلى الفتاة، يقاوم رغبته بقتلها. ثم تحول لشاب نحيل وجميل الوجه. حمل الطفلة وأدخلها جحره. مدها على الأرض. طحن الزهور ودهن بها جراح جسدها. ثم خرج للصيد.
لم يعد إلا قريباً من الصبح. وجد الفتاة نائمة. تحول لهيئته البشرية ونام. قبل أن تغرب الشمس، فتحت الفتاة عينيها. عيون جميلة حزينة. حاولت أن تحرك جسمها. "همس، لا تتحركي. عظامك مكسورة." قرب من فمها شربة ماء. "امضغى هذه العشبة." مضغت الطفلة العشبة بطاعة وهي تقول: "شكراً يا عم، أنقذت حياتي." أدار لها ظهره وغط في النوم حتى انتصف الليل. عندما حرك جسده، كانت الطفلة ملتصقة به.
ارتعش جسده وقفز من مكانه. كان على وشك أن يصرخ، لكنه لمح براءة الطفلة التي ترقد جواره. راح يتأملها دقيقة. شعر بقلبه يدق ويتحرك. "مستحيل." همس في نفسه. ثم ترك جحره وخرج. لم يعد للجحر. قضى ما تبقى من ليلته ونهاره فوق الجبل. فكر: "عندما أعود، ستكون الطفلة رحلت." منتصف الليلة التالية، عاد لبيته. وجد الطفلة نائمة في مكانها. انتابه الغضب. "لماذا لم ترحل؟ "إنها مجرد طفلة." همس قلبه الطيب. "اتركها حتى تشفى."
ربما لم تتناول طعاماً منذ يومين. "لابد أنها جائعة." لم يستغرق وقتاً طويلاً حتى اصطاد أرنباً برياً. قام بشيه على الحطب. ثم أيقظ الطفلة. "تناولي طعامك يا فتاة." مسحت الطفلة وجهها وتناولت طعامها في صمت وهدوء وخجل. "شكراً يا عم." قال في سره: "هذه الطفلة لا تعرف إلا تلك الكلمة. لماذا لا تثرثر مثل بقية الأطفال؟ "في الصباح سترحلين من هنا. أنا لا أرغب برؤيتك في بيتي." "هل فعلت شيئاً أغضبك يا عم؟
"لست عمك، ولا يهمني من فعلتيه أو من فعل بك ذلك. عندما أفتح عيني أجدك رحلتي." توقفت الطفلة عن تناول طعامها ورقدت على الأرض وراحت تبكي بصمت. قبل أن تستيقظ الطفلة في الصباح مع وصول أشعة الشمس، كان هو قد استيقظ ويراقبها بطرف عينه. نهضت الفتاة. اقتربت منه، قبلت جبهته وهمست: "شكراً يا عم. شكراً لكل ما فعلته من أجلي." ثم غادرت الجحر وأصبحت في الغابة لا تعرف إلى أين تذهب. استدارت برأسها أكثر من مرة قبل أن تسير تجاه الشمال.
"ليس هذا الاتجاه." همس في سره. "ابتعدي عن الضباع." خطت الفتاة بخطوات بطيئة في طريقها واختفت عن نظره. "ستموت." همس ضميره. "تركتها لتموت. لماذا طببت جراحها؟ "الضباع لا ترحم." "صرخ، اختارت قدرها. هذا ليس من شأني." همس ضميره: "حكمت عليها بمصير أسوأ من الموت. لماذا فعلت ذلك؟ "لم أفعل شيئاً." حاول النوم بلا فائدة. مع كل إغماضة لعيونه كان يرى الطفلة والضباع تمزقها وتلتهمها. "من يستطيع مواجهة الضباع؟ لا أحد."
"الملكة شانوخة تغذي الضباع بجثث البشر وأجساد اللصوص والمحكوم عليهم بالإعدام ومعارضيها. الضباع في هذه المملكة أقوى المخلوقات." "على كل حال، إنها ميتة الآن وليست في حاجة لتقاسي مزيداً من الألم." راح يتملل يميناً ويساراً حتى غفى ونام. فتح عينيه على صداع. كان يشعر بغضب لا يعرف سببه. أحس أنه يرغب الانتقام من نفسه. ثم خرج تجاه الغابة.
بالعادة يبتعد عن مناطق الضباع، لكنه تلك المرة وجد نفسه يتجول على مقربة منهم. كان يرغب برؤية ما حدث للطفلة. "لماذا أوقع نفسي في المشاكل؟ كان هناك صراع بين قلبه وعقله يدور بداخله. في النهاية قفز تجاه النهر بكل قوته وسرعته وغضبه. كان على وشك أن يقفز في الماء عندما رأى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!