الفصل 3 | من 20 فصل

رواية من غير ميعاد الفصل الثالث 3 - بقلم امل مصطفي

المشاهدات
23
كلمة
2,040
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

إلتمعت عيناه بغضب غريب عندما وجده تقف مع شخص، زميل لها، وهي تبتسم. صافي بإبتسامة ضيق: دكتور رامي، دي المرة الكام اللي حضرتك تكلمني في نفس الموضوع وأنا أرفض. حضرتك من الدكاترة المحترمين، بس أنا مش مستعدة للإرتباط حالياً. أرجوك بلاش تضغط عليّ. تنهد رامي وهو يردف: ما نفس الكلام قولتيه قبل كده، وفجأة عرفت إنك هتتجوزي. صافي بملل:

مش بمزاجي. الموضوع كله كان خارج عن إرادتي. بابا كان مصر لأنه ابن صديقه، والحمد لله الموضوع فشل. وأنا مش هكرر نفس الكارثة. التفت الإثنين على صوته وهو يتحدث بغضب غير مبرر: ممكن أعرف إيه اللي بيحصل هنا؟ رامي بتعجب: أنت مين أصلاً؟ رد هادي بثقة: قريبي. أنت مين؟ رفعت صافي حاجبها، وكادت تكذب ما يقوله وتعنفه، لكنها توقفت عندما رأت التوتر ظاهر على ملامح رامي. الذي أردف: أنا دكتور رامي، وكنت عايز أجي أطلب إيد الآنسة صافي.

أردف هادي بحدة: للأسف معندناش بنات للجواز. والمفروض تدخل البيت من بابه، مش تقطع طريقها وتخلي الناس تتكلم عليها. اعتذر رامي وابتعد بإحراج وضيق من الموقف الذي وضع نفسه به. التفت هادي أيضاً ليبتعد، لكن أوقفه صوتها الغاضب: ممكن أعرف إيه اللي سيادتك عملته ده؟ وتدخل ليه في شيء مش يخصك؟ رجع لها بنظرة وهو يضع يديه داخل جيوبه ليتحدث، وابتسامة ساخرة تزين معالمه: هو أنا كلمتك؟

واحد بيقولي طالب الأقرب، وأنا قولتله مافيش عندنا بنات للجواز. مالك أنتي بقى؟ أنا فعلاً ما عنديش بنات للجواز لأني وحيد أهلي. ثم غمز بعيونه وتركها تشتعل غيظاً. اتسعت عينها مما تسمعه دون أن تعطي أي رد فعل، حتى اختفى من أمامها. ضربت كفيها ببعضهم وهي تتعجب مما حدث. ده أكيد شخص مش طبيعي. ياربي أنا كنت ناقصه. أكملت عملها مرة أخرى كأن شيء لم يكن. -عند دهب.

بكت بقوة وهي تطلب الغفران من والدتها، التي رفضت مقابلتها وأغلقت بابها في وجه ابنتها الوحيدة بعد أن كسرتها بين الناس. تحدثت ببكاء: ماما عشان خاطري سامحيني. والله غصب عني. أنا بحبه وهو بيحبني من زمان. أرجوكي بلاش تبعديني عن حضنك. أنا ماليش غيرك. ردت سمية بحدة، رغم قلبها الذي يعتصر من أجل وحيدتها: امشي من هنا. مش هسامح إلا لو صافي سامحتك. صرخت دهب بانهيار:

طول عمرك بتحبي صافي أكتر مني وتفضليها عليا. أنا بنتك الوحيدة. هي عندها كتير يحبها أهلها والجيران، لكن أنا ماليش غيرك. تحدثت سمية بحزن: لأنها بنت جدعة أصيلة. ولو هي مكانك عمرها ما تخون، حتى لو روحها فيها. كانت هتبقى سعادتك على نفسها، وأنتي عارفة كده. بكت بحزن: عارفة. أنا بكره صافي بسبب حبك ليها. أنا بكره. سمعت من خلفها صوت صافي حزين موجوع: شكراً يا دهب يا صحبتي وصديقة عمري.

تصلب شرايين دهب وكل جسدها، لأنها لم تتوقع وجودها في مثل هذا الوقت. لم تستطع الالتفاف أو المواجهة. كيف تدافع عن ندالتها أمام الشخص الوحيد الذي كان يرعاها ويحميها من الكل. كأنهم شخص واحد. مرت صافي من جوارها وهي تطرق على الباب وتنادي: ماما سمية افتحي أنا هنا. فتحت سمية الباب وهي تستقبل صافي بحب: تعالي ياقلب أمك. ضمتها صافي وهي تتحدث: سامحي بنتك. مالهاش غيرك. وأنا مسامحة في حقي. أنا أصلاً ما كنتش عايزة الجواز دي.

ثم نظرت لدهب بعتاب: صاحبتي كانت عارفة. بدل ما تيجي تصارحني. للأسف كنت غريبة بالنسبة ليها. خبت عليا مشاعرها. وطعنتني في ضهري. دهب بخجل: صافي أنا كنت... أوقفت كلامها إشارة من يد صافي وهي تحدث سمية: خدي بنتك في حضنك. عمي إبراهيم حدد الفرح الخميس الجاي. -سند جبينه على الحائط أمامه وهو يتحدث بحنان: وأنتي والله يا أمي وحشتيني أكتر. قريب جداً هكون عندك. بس أهم حاجة خلي بالك من صحتك وحطي عينك على الحج أحسن يتخطف منك.

ضحك بقوة رغم حزنه الشديد بسبب ترك عمله: طيب يا ستي اثبتي على موقفك ده. الثقة نعمة برضه. ياااه ياما ماتعرفيش أنا كنت محتاج الدعوتين دول إزاي. ربنا يخليكوا ليا. أنهى الاتصال. ظل فترة يستند على الحائط خلفه حتى يلملم شتات نفسه، ثم توجه مرة أخرى إلى غرفة صديقه الذي رأى معالم الحزن تكسو وجهه. موسي بتعب: هو في إيه يا هادي؟ الناس بتكلم أهلها عشان ترتاح، وأنت كل مرة تكلمهم تتعب زيادة. زفر هادي بحزن:

صعبان عليا بعدي عنهم وهم في السن ده. محتاجين حد يخدمهم. أنا ابني الوحيد. مش عارف أوليهم بسبب الغربة دي. لو الدنيا كانت ماشية شوية كنت فضلت جنبهم. الإثنين مرضى ضغط وسكري وليهم الأدوية كتيرة والبلد مافيش دخل غير ملايين. أعمل إيه بس يارب. دبرها من عندك. هون علي نفسك يا صاحبي. بكرة كل حاجة تعدي وتقدر تخلص فلوس السفر وتشوف طريقك وتجيب حد يراعييهم في بعدك لحد ما تبني نفسك وتلمهم معاك في مكان واحد. -في منزل صافي.

تجلس على طرف الفراش، وكلمة "بكره" ترن في أذنها، مما يزيد ألم قلبها. كيف استطاعت أن تنطقها؟ هي أختها منذ الصغر، دائماً معاً ولم يفترقا. حتى عندما قررت دهب دخول دبلوم تجارة، لم يبتعدا. التي تنتهي، تذهب تنتظر الأخرى أمام بوابة مدرستها. فاقت على نداء والدتها لتناول الفطور. جلست جوار والدتها تتناول وجبة الإفطار عندما دخل والدها الذي سألها عن تلك الحقيبة. بلعت طعامها وهي تتحدث: أنا نباطشية الأسبوع ده يا بابا. جلس

جوارها وهو يتحدث بحنان: نبطشية أسبوع بحاله؟ ولا بتهربي من وجودك مع دهب وهي بتجهز فرحه؟ تركت ما بيدها وهي تردف: لأ يا بابا، أنا مش بهرب ولا حاجة. أنا هكون موجودة يوم الفرح. بس طول ما أنا موجودة مضطرة أشارك وهي مش حابة وجودي وأنا مفرضش نفسي على حد أبداً. حتى لو كانت صحبة عمري. طبطب والدها على يدها: بكرة ربنا يعوضك باللي يقدر قيمتك ويحافظ عليك. قبّلت وجنته وهي تقوم تتوجه لعملها. فعلت المثل مع والدتها وهي تودعها:

ماما في ظرف جوه فيه مصروف حمادة الأسبوع ده. سلام. دعت لها والدتها ثم تحدثت مع زوجها: أنا خايفة عليها يا حج. اللي حصل ده يوقف حالها. البنت شكلها تعبانة نفسياً. بنتك قوية وجدعة. ماتقلقيش عليها. هي بس مجروحة من موقف دهب معاها، وأنتي عارفة هي بتحبها قد إيه. بس نقول إيه، ربنا يهدي. -دخل غرفة صديقه وجدها تقف أمامه تناوله دوائه. ابتسم هادي بخبث وهو يصفر:

والله يا واد يا موسي أنت صحتك جت على جو المستشفيات. وشك بقي بدر منور. ياريتني أنا اللي تعبت عشان أشوف الوجه الحسن كل يوم. رفعت عينها بغضب وهي تحدث موسي: صاحبك ده محتاج يتعرض على دكتور نفسي. أصل عقله مش تمام. ثم تركته الغرفة وهي تشتعل غيظاً. متى تركه أحد يتطاول عليها بالكلام، ولو حتى مجرد غزل مستتر؟ لعنت لسانها الذي دائماً يعجز من الرد عليه. سمعت صوت ضحكته تلاحق خروجها. سبته في سرها.

أما هادي عندما رأى غضبها، ارتمى بجسده على صديقه المريض وهو يضع يده على قلبه: آه يا قلبي. كان لسه بدري عليك. صرخ موسي بألم وهو ينهره: ابعد يا غبي. حرام عليك، هتموتني والله. عندها حق تقول عليك مريض. توقف فجأة وهو يرجع بنظره ليستشفي ما يحدث لصديقه. أردف بحذر: هادي، أنت حبيتها؟ هادي وابتسامة عذبة تزين محياه:

مش عارف. بس بكون مبسوط جداً لما بشوفها. الكام مرة اللي قابلتها فيهم من غير ميعاد أو تخطيط كان ليهم إحساس لذيذ كده. كأنك بتاكل آيس كريم في عز الشتاء. رغم جسمك اللي بينتفض من برودة الجو، بس في نفس اللحظة تحس بدفء غريب سيطر عليك. لو كنت بخطط عشان أشوفها، عمره ما كان يبقى بالسرعة ولا بالجمال ده. تنهد وهو يكمل: مافيش أجمل من تدبير ربك.

-علامات الغضب والضيق ظاهرة على معالمها. قذفت ما بيدها أمام زميلتها على المكتب وهي تنفخ بعدم راحة. وقفت وفاء من خلف المكتب لتري ما بها: أعوذ بالله. في إيه؟ مين الغبي اللي ضايق الوحش وضحي بشبابه؟ أردفت صافي وعلامات الضيق تزين محياها: أنتي تعرفي الشاب اللي مع مريض غرفة ٢٠٠؟ ابتسمت وفاء وعيونها تخرج قلوب: آه قصدك هادي. ده مز جبار. يموت في الضحك والهزار. استف التمريض اللي في الدور كله عارفينه وبيحبوا الكلام معاه. ماله؟

صافي برفعة حاجب: لأ والله؟ وده من إيه بقى إن شاء الله؟ ده ثقيل ودمه يلطش. أبقي ادخلي أنتي تابعي صاحبه، لأن مش رايحة الغرفة دي تاني. -في مكان جديد. في إحدى الشركات الفخمة في الكويت. طرق السكرتير باب المكتب، الذي فتح بابه ودلف للداخل عندما سمع صوت سيده يأمره بذلك. تحرك اتجاه المكتب بخطوات رتيبة هادئة، ووضع الملف من يده أمام سيده: أردف: ده تلغراف لسه واصل حالاً من فرعنا اللي في مصر.

رجع أركان بظهره وهو يحمل بين أصابعه قلماً يحركه بتروي: سمعني. أردف: واحد من محاسبين الشركة بلغنا أن فيه تلاعب في حسابات الشركة ومبالغ كبيرة تم صرفها من غير ما يكون بيها أوراق. بيشك في سكرتيرة رئيس الفرع هناك. ظل أركان يستمع وهو يدور بكرسيه، يعطي الموظف ظهره ويشاهد الڤيو المطل على حديقة كبيرة يتوسطها نافورة رائعة، ومازال القلم بيده.

بعد فترة من الصمت، بلغه أن يتابع كل شيء بدقة، يثبتها عنده بالتاريخ، وأنا خلال مدة بسيطة هكون عنده. الموظف باحترام: تمام حضرتك. أي أوامر تانية؟ أشار له أركان: بالخروج. -ظل هادي يتردد على المستشفى كل يوم بحجج مختلفة لكي يرى صافي. يقف بجوار باب المستشفى يساعد كل محتاج يدخله، ويطلب من المرضى أن يطلبوا الممرضة صافي بالاسم. وعندما تراه تفقد عقلها وتشتعل غضباً من ابتسامته التي تزين محياه كل مرة، كأنه يتمتع بغضبه.

تلك المرة للأسف كانت صافي في حالة نفسية غير مستقرة. عندما رأته يسند رجل كبير في السن وينتظرها عند الاستعلامات كي تأخذه منه، توصله لغرفة الكشف. أردفت بحدة ومعالم الضيق والغضب تسبقها: خير يا حج، عايز إيه؟ عايز أكشف باطنة يا بنتي. الرجل بعدم فهم: يعني مش أنتي اللي بتكشفي؟ زفرت بضيق: لأ، أنا هوصلك بس لغرفة الكشف، رغم إن ده مش شغلي. بس نعمل إيه، طول ما فيه ناس صايعة وفاضية فاكرة كل الناس زيه.

رفع هادي عيونه بصدمة من ردها. نظرته لها حملت الكثير من العتاب والوجع. ترك المكان دون كلام.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...