دخل عمر مع الطبيب لغرفة العمليات، وبها دخلت أسيل من الباب الذي بجوار الغرفة. وبعد فترة طالت لثلاث ساعات، خرج الطبيب. هرول إليه مازن والبقية. مازن بلهفة: ها يا دكتور، أخبار أسيل إيه؟ الطبيب بابتسامة: الحمد لله العملية تمت بنجاح، ومحصلش أي حاجة تدعو للقلق، وكمان المتبرع بخير، كل أجهزته الحيوية بخير، وكلها ساعة ويبتدوا يفوقوا.
وفعلًا خرج عمر وأسيل ونُقلا لغرفة واحدة. ابتدأ عمر بأن يستفيق ووجد شقيقته بجواره. نظر إليها بحنان ودموعه تتسابق على وجهه عندما رآها تبكي وهي نائمة، وظل يتوعد لمازن وعلى ما فعله لأخته العزيزة. تحامل على نفسه لكي يجلس بجانبها، لكن دخلت عليه هند، ركضت له بسرعة وأمسكت بيده ونظرت بداخل عينيه وقالت بقلق ودموع: عمر أنت كويس؟ قمت ليه من مكانك؟ عايز حاجة؟ نظر لها
بحب كبير ومسح دموعها وقال: ما فيش حاجة يا قلب عمر وروحه، بس كنت رايح أقعد جنبها. مش قادر أتخيل أن هي دي أختي اللي اتحرمت منها. اللي بسبب اللي حصل أمي دموعها ما بطلتش إنها تنزل، ولا أبويا عرف ينام ولا يعيش طبيعي، كانوا بيبانوا كويسين قدامي لكن أنا عارف اللي كان بيحصل. كانوا بس عايزين يشوفوها لمرة واحدة بس ويحضنوها، لكن طلعت مخطوفة وكانوا فاهمين أنها ماتت. ويوم ما ألاقيها وأقابلها بدل ما أخدها في حضني يكون الموت فعلًا هياخدها مني. يوم ما أطمن عليها ألاقيها عايزة نقل دم وأعضاء. لو طلبت روحي هاديها لها، لكن أنا ما كنتش عايز كده. ما كانش لازم تشوف كل ده. الشخص الوحيد اللي حبته مع أول حاجة كسرها واعتدى عليها.
كان يبكي وهو يقول كده. أما هند فكان قلبها يلتهب ألمًا على حبيبها وصديقتها، وقالت بحب: كل حاجة هتبقى كويسة، هي محتاجانا معاها دلوقتِ. لازم تكون قوي علشان تاخد حقها حتى لو من أخويا، لازم تبقى قوي علشان يا حبيبي. وأجلسته بجوار سرير أسيل، وهو وضع يده على وجه أخته يمسح دموعها.
فتحت أسيل عينيها بتعب وإرهاق، نظرت للجالس بجوارها وجدته عمر. انتفضت بقوة وتأوهت بشدة، وهذا أدخل مازن ورعد ومليكة. نظرت لمازن بخوف شديد، أما عمر فألمه قلبه بشدة على حال أخته. عمر بحزن: اهدى يا أسيل. اهدى يا حبيبتي. ما تخافيش، أنتِ عاملة إيه دلوقتِ؟ ظلت تنظر له ولمازن بخوف، وضمت قدميها لصدرها بخوف وتشد غطاء الفراش عليها بخوف وهي ترتجف. اقتربت منها مليكة وهند بحزن، جلست مليكة بجوارها، ووضعت
يدها على كتفها وقالت بحزن: أسيل أنتِ كويسة؟ ردي عليا. أنتِ كويسة؟ لكن أسيل لا رد يخرج منها، بل تبكي بشدة وتضم قدميها أكثر بخوف شديد. أما هند فقالت بحزن: اهدى يا حبيبتي، إيه اللي حصل، مالك مش بتردي ليه؟
اهدى، ما فيش حاجة، عمر أخوكي يا أسيل، ما تخافيش منه، عمر أخوكي الحقيقي، أنتِ من عيلة المنشاوي. أنتِ أسيل مراد المنشاوي، أخت عمر. واللي حصل من شوية ده بسبب غباء مازن. ما فيش حاجة، أنتِ زمان بعد ما اتولدتي خطفوكي ناس وأهل عمر افتكروا أنك ميتة بسبب الكلام بتاع الممرضة. واللي قالته. أنتِ ما تعرفيش هما كانوا بيتعذبوا بعدك إزاي. والله عمر أخوكي، لو مش مصدقة خدي شوفي تحليل الـ DNA. وأنتِ دكتورة وعارفة.
وبالفعل أرتها هند التحليل. نظرت لها أسيل بدموع ووجهت عينيها لعمر الذي يبكي بصمت، واتجهت له ومسحت دموعه. كان على وشك أن يحتضنها لكنها رجعت بخوف للوراء، أما هو فقال بحزن: والله مش هأعمل حاجة. أنا بس هأحضنك علشان أنتِ وحشتيني. والله هآخذ حقنا وحق أهلنا في اللي حصل زمان، أما دلوقتِ فأنتِ هتيجي القصر عندنا. وهتتطلقي من مازن. قالها بغضب.
كان مازن على وشك الرد لكن قاطعته أسيل وأخيرًا: أنا مش هاروح مع حد لأي حتة. أنا ليا بيت، واللي حصل ده بيني وبين مازن ومحدش ليه دخل بيه. حتى لو كنت أخويا. اللي حصل ده بيني وبين مازن. وأنا عايزة أمشي من هنا. الصدمة أسكتت مازن وعمر، أما رعد فظل يتابع ما يحدث ببرود ثم قال بغضب: مستحيل حد من عيلة المنشاوي بعد ما يحصل فيه كده. يروح تاني للمكان ده. و...
قاطعته أسيل وقالت: أنا مش من عيلة المنشاوي. أنا خلاص بقيت حرم مازن الأسيوطي. وبعدين ما حصلش حاجة، أنا بس جريت على بره وما شفتش العربية، هو ما عملش حاجة. ومحدش يدخل بيني وبين مازن، اللي حصل ده بيني وبينه. والحمد لله جت سليمة، وشكرًا ليك يا عمر على اللي عملته معايا وإنك أنقذت حياتي. ووجهت كلامها لمازن الذي يقف أمامها كالصنم: بعد إذنك أنا عايزة أمشي من هنا. لو سمحت يا مازن بيه أنا عايزة أمشي من هنا.
لكن هو واقف كالصنم من الصدمة. أما هي فضغطت على زر بجوار الفراش وما هي إلا دقائق ودخل الطبيب. أسيل بهدوء: لو سمحت يا دكتور أنا عايزة أخرج من هنا، وكمان عايزة ورقة تعهد على نفسي بأني مسؤولة بأني أخرج دلوقتِ. الطبيب بعملية: ما ينفعش يا دكتورة، حضرتك لسه قايمة من عملية جراحية شديدة ولازم راحة هنا ومتابعة من المستشفى.
أسيل بهدوء: وأنا مسؤولة عن اللي بأعمله، بعد إذنك اتفضل اكتب لي خروج، وأنا بأقول لك هات ورقة التعهد هامضيها علشان ما فيش أي مسؤولية تقع عليك. خرج الطبيب. وعمر أمسكها بغضب: أنتِ إيه اللي عايزة تثبتيه باللي بتعمليه ده؟ أنا أخوكي وبأقول لك إنك هاتتطلقي منه ومش مجبورة إنك تفضلي على ذمة شخص زي ده.
أزاحت يده وقالت بهدوء: وأنا قلت هو ما عملش حاجة. واللي حصل ده بيني وبينه. ومش من حق أي حد يدخل حتى لو كنت أخويا. مش من حقك تتدخل.
وانهارت بالبكاء وظلت تردد: مش من حقك تتدخل. ابعد عني، كل اللي حصل بسببكم. كل اللي أنا فيه بسببكم. يا ريت كنت فعلًا مت ما شفتش يوم حلو من أول ما فتحت عيني. عيلتي اتحرمت منها. كان اللي في سني بيلعب ومش عائل هم الدنيا وأنا كنت بأتعاقب وبأضرب. كافحت لحد لما وصلت للي أنا فيه. الشخص اللي حبيته كسرتني علشان مش واثق فيا. طب لو مش واثق فيا مش واثق في ابن خالتك. كرهت أخويا بسببك. كرهت نفسي بسببك. أنا عايزة أموت، يا ريت كنت مت
زمان. يا ريت كنت مت دلوقتِ بدل العذاب ده. مش عارفة أروح فين، أنا يتيمة لأول مرة أحس إني يتيمة بسببكم. أنا عايزة أمشي من هنا مش عايزة أشوف حد فيكوا تاني. أنا هأسافر علشان البعثة بتاعتي ومش عايزة أشوف وش حد فيكوا تاني. ابعدوا عني. وأنت يا مازن بيه شكرًا على كل حاجة بجد، شكرًا على كل لحظة كانت معاك. بس طلقني لو لسه في ذرة إنسانية وحب تجاهي، أرجوك تطلقني. مش هأعرف أعيش وأنا كرهتك وكارهة نفسي، مش هأعرف. أرجوك طلقني وابعد
عني. مش عايزة أشوفك تاني، أرجوك طلقني.
أما هو أجابها ببرود: أنتِ طالق. وقعت عليها كالصدمة. كانت تريده أن يعتذر. كانت تريده أن يترجاها. كانت تريده أن يتمسك بها. نظرت له وجدته ينظر ببرود. مسحت دموعها بقوة وهي تحاول الوقوف وقالت له ببرود مماثل: شكرًا.
ظلت تسند على الحائط لكن عمر ذهب إليها وحضنها بقوة. أما هي فظلت تحاول الابتعاد. لكن هو يشتد من احتضانها أكثر. استسلمت له وبمشاعر الأخوة التي تربطهما معًا بادلته الحضن وظلت تبكي بحرقة ومرارة على ما حدث وصوت شهقاتها يعلو أكثر وأكثر. تصرخ بمرارة وألم بداخل أحضانه وهو يبكي بشدة على حالتها. أخذ يمسد على شعرها ويهدئها حتى انتظمت أنفاسها، أخرجها من أحضانه ورأسها نائمة ودموعها لا زالت تنزل من عينيها. حملها برغم ألمه وقال بغضب
لمازن وهو يعطي له ظهره: والله يا مازن بحق كل دمعة نزلت منها وكل ألم هي حاسة بيه هتدفع ثمنه، كل ده غالي وافتكر كلامي كويس، مش أختي ولا بنت عيلة المنشاوي اللي يحصل ليها كده، وحقها هاجيبه منك. وهتدفع الثمن غالي. يلا يا هند. وهند سارت له بهدوء لا تقدر على لومه فهو أخوها وهي أخته والذي حدث لها لا يمكن أن يغتفر، وممن؟ من أخوها!
لا تقدر على مسامحته. نظرت لأخوها بألم ورحلت مع عمر. أما مليكة فظلت تبكي على ما يحدث وهي بأحضان رعد حتى غفت، اشتالها رعد بين أحضانه ونظر لمازن وقال ببرود: ليه تطلقها؟ ليه عملت كده؟ أما مازن فظل صامتًا ولم يتكلم أبدًا. وخرج من الغرفة وهو يشتعل غضبًا وغيرة. نظر له رعد بحزن ورحل مع ملاكه النائم. وفي اليوم التالي...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!