فتحت زمرد عيونها مثقلة بالألم. شعرت بيد توضع على يدها. التفتت برأسها قليلاً، فقال يوسف بعد أن قبل يدها: "الحمد لله على سلامتك، خوفتيني." ابتسمت بوهن وهي تنظر له وقالت بعد أن أغمضت عينيها مرة أخرى: "الحمد لله، بلاش تشغل بالك." اقترب منها وقبل جبينها بحب وحنان، ثم ابتعد عنها قليلاً مردفاً بعتاب: "أهملتي صحتك لحد ما حصلك هبوط." أماءت برأسها واعتدلت جالسة وقالت بعد أن ابتسمت: "يمكن؟
ثم استرسلت بتلاعب تحاول أن تشغل عقله أكثر حتى لا يتذكر موضوع أخته: "اتأخرت على شغلك؟ هز منكبيه دون اهتمام وقال: "أنتِ أهم حالياً." ابتسمت على اهتمامه واقتربت تقبل خده واحتضنته بقوة. ابتسم تلقائياً بعد أن شعر بها تتمسح برقبته مثل القطط، وحاوط ضهرها بيديه يربت عليها بحنان. قاطع لحظتهما طرق الباب. ابتعدت عنه قليلاً وأذن يوسف للطارق ليدخل. دخلت سناء وبرفقتها خلود. أسرعت سناء تحتضن صديقتها وتقبلها بإشتياق، مما جعل
زمرد تضحك بغلب قائلة بمرح: "كفاية يا بقرة هتقتليني." إبتعدت عنها سناء قليلاً ثم ضربتها بخفة على كتفها مردفة بإمتعاض: "أنا اللي معبراك يا زيدان الكلب." رفعت زمرد حاجبها تبتسم بغيظ مرددة: "لمي لسانك." ثم استرسلت بتساؤل: "إمتى رجعتي؟ ابتسمت بعد أن جلست بجانبها وقالت: "قبل شوية." نظرت لها زمرد وأماءت برأسها وقالت: "سلامتك." ابتسمت سناء فاقتربت منهما خلود مرددة بإبتسامة بريئة: "أنتِ كويسة يا غزال؟
وكأن الآن استدركت زمرد وجود خلود. حدقت بها بجفاء وقالت: "الحمد لله طالما أنتِ بعيدة عني." حدقت بها الصغيرة بيأس ثم نظرت إلى يوسف وقالت بإمتعاض: "أنت معاك حق هي حية مش بتموت." اتسعت حدقتي زمرد من لذاعة لسان أختها الصغيرة، ثم حدقت في يوسف بنظرات نارية. ابتسم لها بإرتباك، فاسترسلت خلود بغيظ بعد أن أخرجت لسانها: "وكمان يوسف بيحبني أكتر منك." قالت كلماتها وغادرت راكضة، بينما زمرد كانت تشتعل وأردفت بغيظ وكره:
"أما علقتك من رجلك ونتفت شعرك اللي فرحانة بيه." ضحكت سناء عليها وقالت ممازحة: "الله عليك يا زيدان بتغير من عصفورة." عضت زمرد على شفتها السفلية بضيق، سريعاً ما صرخت بعد أن ضربت سناء بطنها بقوة وقالت بتساؤل: "أول ما وقعتي فكرتك شلتي حاجة في بطنك وأنتِ عاملة راسك بعقل بنت قد بنتك." احمر وجه زمرد، بينما أردف يوسف بهدوء بعد أن استقام: "أسيبكم على راحتكم." ثم نظر إلى سناء قائلاً: "عايزك في موضوع لما تخلصي، أنا في مكتبي."
أومأت له موافقة وغادر. كانت سناء تعلم ما الموضوع الذي سوف يتكلم فيه يوسف وشردت قليلاً قبل أن تستيقظ على صفعة خفيفة من زمرد التي قالت بضيق: "وحياتك قاعدة تجيبي سيرة العيال قدامه، أنتِ عايزة تجلطيني." قلبت سناء عيونها بملل مرددة: "أنتِ آخرك تخلفي واحد وتحملي في الثاني، الراجل اتناشر سنة محروم منك." لوت زمرد شدقها بغيظ من استفزاز الأخرى وقالت: "كله رزق من ربنا." استرسلت بعد أن غمزت لها: "كل دي غيبة؟ عملتي إيه؟
زفرت سناء مطولاً وقالت: "روحت لجلال وعائلته، طلعت غلبي عليهم وكملت بأبويا، ودلوقتي لسه في جلال." أماءت لها زمرد وقالت بعد أن تذكرت: "اللي عرفته إنه اعترف على نفسه وهو دلوقتي في السجن." أماءت لها سناء وقالت بحيرة: "أنا كمان وصلني الخبر." حكت زمرد منطقة دقنها قليلاً وقالت متسائلة: "هتابعيه؟ كانت الحيرة تقتل سناء، لا تعلم لماذا جاويد اعترف ولما ذهب إلى والدها. تنهدت قائلة بهدوء:
"لازم أقابله وأعرف منه إيه سبب اللي عمله." هزت زمرد منكبيها مردفة: "أنا لو عليا أسجنية ولا أبعتيه إعدام." رفعت سناء حاجبها بتهكم وقالت: "الله على الخيط الأبيض اللي بتدخلي بيه بين الخلق." لوت زمرد شدقها بإمتعاض، فاسترسلت سناء: "إيه سبب الإغماء اللي حصلك من شوية؟ أنا عارفة إنه مش بيحصل إلا لو عاملة عملة يوقع فيها جبل ووقعتي في شر أعمالك."
حركت زمرد عيونها بإرتباك، تعلم أنها تخفي عن الجميع وتفضح أمام سناء. حمحمت قليلاً، فقرصتها سناء عند بداية قدمها مما جعلها تصرخ وقالت بتهديد: "عملتي إيه يا زيدان." وضعت زمرد يدها مكان قرصة الأخرى وقالت بغيظ: "أعمل إيه؟ أنا مش بحرك البيضة من مكانها." ابتسمت سناء ساخرة وقالت بضيق: "قولي، أنا عارفة إنه وراكي هم ما يتلم." زفرت زمرد بنفاذ صبر وقالت: "صابرة كانت على علاقة مع فارس وحملت منه وسقطت، ودلوقتي يوسف شاكك فيها."
رفعت سناء حاجبها وقالت متسائلة: "وأنتِ مالك؟ تغرق ولا تموت." قلبت زمرد عيونها وقالت بضيق: "أنا بستغل صابرة عشان أنتقم من فارس، وأنا اللي أقنعت يوسف يجوزها، واقنعتها عشان أحرق قلب فارس، بس دلوقتي فارس بيهددني أوقف كل ده. ويوسف شاكك إن فارس له علاقة بصابرة وإني أعرف راسل." عقصت سناء حاجبها وقالت بتساؤل: "راسل مين؟ ثم اتسعت حدقتاها بتفكير وأشارت لها بسبابتها وقالت مندهشة: "أوعى يكون راسل اللي بنعرفه؟
أومأت لها زمرد دون اهتمام، فقالت سناء بإنفعال: "الله يخربيتك يا زيدان الكلب، مش لاقية غيره." رفعت زمرد منكبيها وقالت: "ده أخويا." ثم استرسلت دون اهتمام: "أنا ورايا حاجات أهم من صابرة ومشاكلها." مسحت سناء على وجهها وقالت بهدوء: "أخوكي في الرضاعة مش بالدم، ثانياً أنا مش فاهمة الشر اللي فيكم، غير يوسف مش عارف ده." نفت براسها قائلة ببراءة: "مش راضعينه والله، صابرة كانت طيبة، إحنا كده دمنا شرير." استقامت من مكانها مردفة:
"لازم أجهز للحفلة، أما موضوع راسل سيبيه عليا." أومأت لها بضيق وقالت بعد أن فتحت الباب: "كفاية لعب مع مرات أبوك، أنا مش مرتاحة لها." غمزت لها زمرد مبتسمة وقالت: "خافي عليها مش عليا." ضحكت سناء بغلب وتركتها. من ثم تحركت إلى غرفة مكتب يوسف. طرقت الباب. أذن لها بالدخول فدخلت. كان يجلس يترأس مكتبه. رفع رأسه عن أوراقه وابتسم، ثم أشار لها أن تجلس. جلست سناء أمامه وقالت بإستفهام كأنها لا تعلم أي شيء: "حضرتك عايزني في حاجة؟
أومأ لها بجدية وعقد ساعده على طاولة مكتبه ونظر نحوها قائلاً بتساؤل: "جاويد في السجن." قال كلماته وانتظر ردة فعلها، وجدها لا تزال هادئة، فاسترسل: "هو قدم نفسه واعترف، ودلوقتي لازم تروحي معايا القسم عشان أنتِ كمان تدي أقوالك." زفرت بهدوء وقالت بحيرة: "عايزة أقابله الأول." أومأ لها بهدوء وقال: "ده حقك، اللي أنتِ عايزاه هيحصل." شكرته وقالت متسائلة: "أنت محاميه؟ نفى براسه مردداً بما فاجأها: "لا، أنا محاميكي وأنتِ موكلتي."
صدمت من كلامه، لم تتوقع أن يتخلى عن صديقه ويقف بجانبها. شعر بأفكارها، فقال بثقة: "أنا قولتلك إن مع الحق دائماً." ابتسمت بامتنان وقالت بتلقائية: "أنت إنسان طيب، لو حد زيك كان عمل العكس." نفى براسه وقال: "أنا إنسان عادل، وحياتي فيها العدل بس، وأي شخص مظلوم لازم آخد حقه." أومأت له وابتسمت بإرتباك، فقال بعد أن استقام وأشار لها إلى الباب: "اتفضلي معايا عشان تقابليه." أماءت له وغادرت برفقته.
************************************************* في السجن كان جلال ينام على الأرض ينظر إلى السقف، يتذكر صورتها البريئة ويبتسم مثل الأبله، بينما قلبه يجلده على أفعاله وما فعله بها. تنهد طويلاً وأردف بصوت متعب: "لو يعلم المحبوب ما في القلب، لوقع صريعاً من رصاص المشاعر."
انتشله من أفكاره صوت الشرطي الذي استدعاه أن هناك من أتى لزيارته. اعتدل جالساً ووقف يتبع الشرطي. مط شفتيه بملل، يعلم أنه ليس هناك من يزوره سوى يوسف. ضحك ساخراً، لا يعلم صديقه هل معه أم ضده، رغم أنه يعنفه ويلقي عليه اللوم، يخفف عنه ويعده أنه لن يتركه. فتح الشرطي باب غرفة الزيارة، انصدم عندما رفع عينيه ليجد سناء تجلس وعيناها أرضاً تنتظره. أشار له الشرطي أن يجلس أمامه وتقدم جالساً. رفعت غابتها الخضراء تناظر عيونه العذبة
مطولاً. كانت تطالعه وتتفحصه من الأعلى إلى الأسفل، ترى نحافة جسده وارهاق وجهه وزرقة أسفل عينيه. شعرت بالشفقة على حاله، بينما هو كان يسقي عيونها بها، رغم ظروفه كان يبتسم مثل الأبله بعد أن أتت لرؤيته. استشعرت نظراته غير البريئة تلك وعادت نظرات
الجدية تكسو ملامحها وقالت: "ليه؟ استدرك نفسه على صوتها وقال بتساؤل: "إيه اللي ليه؟ زفرت من لعبه بالكلمات وقالت بضيق: "ليه سلمت نفسك؟ رفع منكبيه دون اهتمام وقال: "ده كان لازم يحصل من زمان، أي حد عمل ذنب يستاهل عقابه." مسحت على وجهها بضيق ونفاذ صبر وقالت بعدم تصديق: "أنت عايز تقنعني إنك ندمان واللي بتعمله عشان ضميرك صحي وعرفت فجأة إنك غلطان؟ أومأ لها. سخرت من كلامه وقالت بتعجب: "سبحان الله!!
تنهد بجدية، يعلم أنها لا تصدق ما فعله وأنه بذلك يستعطفها أو يبتزها عاطفياً وقال: "سناء، أنا لا عايزك تشفقي ولا تحني عليا، أنا بس بردلك حقك حتى مني." رفعت حاجبها ساخرة: "حقي؟ ابتسمت بألم وقالت بحرقة: "أنت لو تتعدم حقي مستحيل يرجع ليا، لأنه اللي بنعيشه مش بيتغير ولا ممكن يتمحي، واللي عيشته أنا مستحيل حتى لو بقيت هنا مية سنة تحسه."
نظر لها مستغرباً، يعلم أن جرحها عميق لكنه يحاول أن يفعل ما يستطيع، على الأقل ترتاح ولو قليلاً وقال: "أنا بحاول أخفف وجعك، وجودي هنا ولما يتحكم عليا ده ممكن يخفف ألمك." كلماته تلك استفزتها، أعادتها إلى ماضي لا ترغب بتذكره. استقامت من مكانها بعد أن لمعت خضراؤها الصافية بالدموع وقالت بصوت باكي وهي تشير إلى نفسها: "أنت عارف مقدار الألم اللي أنا عيشته في الفترة اللي سبتني فيها؟ مش عارف؟ ولا حد عارف؟
توقفت قليلاً عن الكلام وقالت بعد أن سقطت عباراتها ونظرت لها تحني رأسها: "مافيش وصف للوجع اللي عيشته، لأن الألم اللي حسيته كان أسوأ من الموت بذات نفسها، لكن أنت عملت إيه؟ قالت بحسرة: "فرطت فيا." حدقت في عينيه بضعف وقالت بصوت منكسر تعاتبه وتلومه: "تركتني ورحت، فرطت فيا!
التفتت إلى الناحية الأخرى ترفع كفيها تمسح دموعها. لم يكن حاله أفضل منها، دموعه هو الآخر كانت تسقط دون هوادة وهو يستمع إلى عتابها. شعر بألم وانفطر قلبه عليها، شعر بشظايا كسر قلبها وتألم لألمها. شعر بمدى حقارته ودناءته معها، ما تسبب به وما استهون به، كأن قلبه انشطر إلى قسمين. استقام واقترب منها يجذبها إلى أحضانه. انهارت حصونها بين ذراعيه تبكي وهو أيضاً يبكي على ما فعله بها، حطم قلبها وألمها، فرط بها وكسر وثقتها بنفسها وبالناس. ظن أنه انتقم منها ولم يجد سوى أنه انتقم من نفسه، الآن هو يتجرع من نفس الكأس الذي شربت منه، لا يستطيع التنفس، فقط يبكي على ما فعله بها. فقط صوت بكائهما المسموع في الغرفة، قلب معاتب منكسر وقلب نادم متحسر.
إن كسر حبيباً قلب محبوبه، فلا يوجد دواء سوى الحبيب نفسه. هدأ الاثنان بعد مدة وابتعدا عن بعضهما البعض، إلا أنه ضلت أنفاسه مقابل وجهها. قبل جبينها ومسح دموعها بإبهامه وخرجت فقط كلماته المرتجفة: "روحي من هنا وإياك تشوفي وراكي، عيشي حياتك وانسيني، افرحي وخليكي دايماً راسمِة البسمة على وشك، اتجوزي حد يستاهلك، اختاري صح المرة دي، أنا مش بستاهل ولا ضفر منك."
قال كلماته بضعف وصعوبة، ما يقوله لسانه ضد ما يقوله قلبه وما تمليه عليه أنانية عقله. ضرب جبينها بجبينه بخفة وتركها وخرج عائداً إلى سجنه مكسور الجناح، بينما هي لم يزد سوى نحيبها إلى أن وقعت أرضاً تغمض عيونها من شدة ألم قلبها وعصرته. بعد مدة استطاعت أن تستجمع طاقتها وخرجت. وجدت سليم أمام باب مركز الشرطة. حدق في عينيها الباكية وقال بتساؤل: "قابلتيه؟ أومأت له وقالت بضعف: "عايزة أبعد عن هنا؟
أومأ لها وأشار لها أن تركب سيارته وغادر رفقتها. أوقف سيارته في مكان هادئ، ونظر لها بينما هي شاردة وردد بتساؤل: "مالك يا سناء؟ نظرت له محتارة وقالت: "ليه قلبي وجعني عليه؟ ابتسم سليم قائلاً: "يمكن عشان بتحبيه؟ نفت برأسها قائلة: "أنا حاسة شعور مختلف، زي الشفقة، مش عارفة أميزه بالضبط." رفع سليم حاجبه وقال بتسلية يحاول أن يجعلها تنسى ما حدث: "أنتِ شكلك جعانة؟ نظرت له مطولاً وقالت بعد أن ابتسمت بإستفزاز:
"أنت معتوه، أنا بتكلم عن إيه؟ وأنت بتقول جعانة؟ رفع منكبيه مردداً: "أنتِ اللي بتقولي حاسة إحساس غريب، الجوع برضه إحساس." حدقت به بعيونها الواسعة الخضراء بغضب، فقال بغرام وطريقة تملؤها الدراما بعد أن وضع يده على قلبه: "آه، إلا البصة دي ممكن أموت، قلبي الصغير لا يتحمل." رفعت حاجبها، فاسترسل بإستفهام بعد أن نظر من زجاج السيارة إلى السماء المليئة بالنجوم: "في نجمة ناقصة في السما؟ نظرت له بإستغراب، فحول نظره لها قائلاً
بإندهاش: "ياه، دي النجمة قاعدة جنبي على الأرض." حركت أهدابها أكثر من مرة تستوعب كلامه، فاتسعت حدقتاها من غزله، بينما هو دخل في نوبة ضحك على ردة فعلها. حدقت به بغيظ وضربته على كتفه، ثم اتسعت ابتسامتها فجأة لتضحك بالمثل، فقالت بعد أن نظرت له: "أنا جعانة فعلاً؟ ابتسم لها مردفاً بثقة: "قولتلك بفهمك." ابتسمت له وتنهدت محاولة أن تنسى همها، بينما هو حدق بها مطولاً وتنهد براحة قبل أن يتحرك بالسيارة.
************************************************* مساء في شركة راسخ كان جميع الموظفين يحتفلون بعد ربحهم بمناقصة جديدة. نظرت هاجر إلى مياسين وقالت بتساؤل: "تفتكري هتجي؟ نفت مياسين براسها وضحكت بسخرية قائلة: "أظن إنها وحدة جاهلة وخافت."
أومأت لها هاجر، إلا أنها انصدمت بدخول زمرد التي كانت تتألق في فستان أحمر ناري يجذب الأنظار بقصة منخفضة من الأعلى ومن جانبي قدمها تظهر جمالهم، وتركت شعرها منسدلاً تضعه بتسريحة جانبية، وكعبها العالي الأحمر صوته يخطف الأنفاس، وحقيبتها الصغيرة الفضية تمسكها في يدها. دخلت بثقة ونظرت إلى مكان وقوف مياسين وهاجر. ابتسمت تلك الابتسامة الساحرة متوجهة لهم، وقالت بسعادة وهي تغني اسم مياسين: "سوسو." حدقت
بها مياسن بغيظ وقالت بهمس: "كرهتني في اسمي." ثم حدقت تبادلها بإبتسامة صفراء: "كنت فاكرة إنك مش هتيجي؟ نفت برأسها مستنكرة وقالت: "عيب، أظن دي حفلة شركتي، ينفع الكل حاضر والمديرة لا؟ رمقتها هاجر من أسفلها لأعلاها وقالت بضيق بعد أن نظرت إلى مياسين: "أنا هروح أجيب حاجة أشربها." أومأت لها وغادرت الأخرى. وزعت زمرد أنظارها في المكان، التقت عيونها بعيون والدها الذي يحادث أحد موظفيه وابتسمت ساخرة. كانت مياسين تراقبها وكم تشفت
في حالتها تلك وقالت بتشفي: "مافيش داعي لنظراتك، عمره ما يمكن يشوفك." حولّت زمرد نظراتها إلى مياسين التي ترتشف من كأسها. أبعدت الكأس قليلاً وقالت بعد أن ابتسمت: "شوفي يا زمرد، نبقى واضحين، راسخ بيحب ولادي، أنا وبحبني أنا، وعمره حب أمك. اتقبلي الواقع." كانت زمرد تنظر لها بهدوء وداخلها يحترق من كلمات مياسين التي استرسلت دون رحمة:
"يا حبيبتي الحب مش عافية عن الواحد، دا شعور متبادل. راسخ اتجبر على والدتك، وهي استغلت دا وحملت منه وجابتك على أساس يحبها بعد الولادة." ضحكت ساخرة وقالت بلؤم: "طلع لا حبها ولا حبك، دا كرهها أكتر من الأول وكره اللي طلعت منها." احمرت عيون زمرد بالدموع لكنها أبت أن تسقط. وضعت حقيبتها على الطاولة وقالت بهدوء بعد أن أعادت نظراتها إلى مياسين: "خلصتي؟ ابتسمت مياسين على حالة زمرد وقالت بإستفزاز:
"أنا خلصت زمان من لما أبوكي حبني، وأنتِ عارفة قد إيه بحبه لدرجة ضحى بعمر أمك عشاني." أغمضت زمرد عيونها من لذاعة لسان مياسين، ثم فتحتهما مرة أخرى وقالت بعد أن ابتسمت كأن شيئاً لم يحدث: "خدي بالك منه ليطير، كل الرجالة عيونهم زاَيغة." وتابعت غامزة: "حتى راسخ نفسه." علمت مياسين أن زمرد في قمة ضعفها، فضحكت مرددة: "عشان كده غدر بأمك."
انفعلت زمرد وأرادت أن تجيبها إلا أن صوت راسخ الذي قطعها بعد أن أخذ الميكروفون لإلقاء كلمة الحفل، ووجهت نظرتها له دون اهتمام إلى مياسين. ابتسم راسخ وقال: "عايز أرحب بكل الحاضرين من أصغر واحد لأكبر واحد في الشركة دي. طبعاً مبروك علينا المناقصة الجديدة. وفي الشركة دي إحنا عيلة واحدة مش موظفين، وعيلتنا بتكبر شوية شوية. وفي حد عايز ينضم لينا." أشار إلى زمرد قائلاً: "دي واحدة من اللي عايزين ينضموا لينا."
توجهت أنظار الجميع لها، فاسترسل بلذاعة كأنها عدوته: "للأسف هي من غير خبرة ولا تجربة ولا تعليم." شعرت زمرد كأن نصل حاد اخترق قلبها من تلك الإهانة. حاولت ابتلاعها رغم ارتجاف جسدها وجفاف حلقها. حدقت في راسخ بنظرات كارهة، لكنه استرسل بتحدي: "زي ما أنتم عارفين إنها بقت ضامنة ستين في المئة من أملاك الشركة، بس فكركم ممكن تدير الشركة وهي مش بتعرف تفرق حتى ما بين حرف الحاء والجيم من الجهل اللي عاشته؟
يعني مش مؤهلة. أنتم ليكم القرار تختاروا مين مدير شركتنا، أنا أو هي. إحنا خدمنا سنين عشان هي تهدم كل حاجة في ثانية، وده يبقى قراركم؟ ركز الجميع نظراتهم إلى زمرد يرمقونها بإستحقار وتكبر من جهلها. وكذلك مياسين التي كانت تبتسم على حالتها وضعفها. هل شعرت يوماً أنك وحيد وسط دوامة يلفها الظلام والذئاب تريد النطق لكن خائف؟
كان هذا حال زمرد التي استكنت مكانها ولم يعد لسانها قادر على إخراج كلمة واحدة، بل شعرت أنها سوف تقع وسط تلك الذئاب الماكرة الذين ينتظرون فقط وقوعها لياكلوا لحمها دون رحمة. أي أب هذا الذي يهين ابنته وسط كل هؤلاء الناس؟ لماذا يكرهها؟ ماذا فعلت لتنال كل هذا الكره منه بأي ذنب؟ شعرت أنها تقف وسط أناس لا مكان لها بينهم وغادرت بسرعة للخارج.
ابتسم راسخ وكذلك مياسين، الآن تمت خطتهم على أكمل وجه، وها قد طرد ابنته وانتهى منها للأبد. أو هذا ما ظنه. توقفت بالخارج تبكي وتضع يدها على قلبها تحاول التنفس من اختناقها. كل تلك الإهانات والكلام السام تجمع في عقلها مرة واحدة. تريد أن تصرخ وتبكي. شعرت بالوحدة والظلم والضعف والاستسلام. جلست على الأرض دون هوادة متألمة، ضلت مستسلمة للضعف. إلا أن سمعت صوتاً من داخلها يناديها أن تنسى ضعفها وتتحلى بالقوة كما تدعي دائماً.
استمعت له بقلب يرتجف: "قفي يا زمرد، ماذا قلتي أنتِ؟ أنتم كلكم معاً وأنا وحدي، أنتِ سوف تدمرينهم بمفردك، ستنهين هذه الحرب بمفردك، وستفعلين كل ما يلزم من أجل هذا. إياك أن تفقدِ أملك يا زمرد، يمكنك النجاح، ستدخلين بينهم إلى الأقرب منهم، ستأخذين كل ما يملكونه بكامل قوتك. إياكي أن تحني رأسك." رددتها بصوت مسموع تستجمع قوتها: "إياكي تركعي لحد."
مسحت دموعها ونظرت إلى مكان الحفل بثقة وظهرت ابتسامتها الخلابة مرة أخرى. تحققت من مظهرها في المرأة وقالت بتهديد وتوعد: "يوجد حد لكل حاجة، حتى صبري نفد صبري اليوم، انتهى! قالتها بثقة وخطت للداخل مرة أخرى عازمة على أن تأخذ ثأرها منهم.
كانت هاجر تضحك رفقة مياسين وراسخ، السعادة مرسومة على عيونهم على ما فعلوه بها. دخلت بثقة مثل عارضة أزياء. رمت هاجر ما شربته بعد أن لمحتها تدخل مرة أخرى مبتسمة، إلا أن زمرد تجاهلتها وخطت وسط الحفلة ووقفت فوق طاولة الطعام ترمي ما بها حتى صدح صوت التكسير. انتبه الجميع لها. ظهرت ابتسامتها الخلابة وقالت بتسلية: "رجعت يا غالين." ثم ضحكت مرددة:
"أنا عندي ستين في المئة يعني أقدر أطردكم كلكم وأجيب غيركم، وأصلاً في ناس كتير عايزين مكانكم." عم الصمت لدقائق من كلامها الحاد، فقالت بعد أن قهقهت ساخرة: "فين الضحك اللي كان واصل لآخر الشارع من شوية؟ ولا هو الطرد سكتكم." ثم استرسلت بعد أن وضعت يدها على شفتيها كأنها تفكر: "نسيت راسخ قال إني جاهلة صح ومش متعلمة ودا حاجة تضحك وأنتم ضحكتوا عليها؟ عم الصمت ولم يستطع أحد النطق في حضورها، فاسترسلت: "وأنا ههد الشركة صح؟
ابتسمت وتغيرت ملامحها للمرح، ترمي بكل الأطباق للأرض ونطقت بشراسة ظهرت فجأة: "وأخد الشركة كان حد دافع لأمي قرش فيها؟ أنتم كلكم خدامين عندي، أوعوا تنسوا نفسكم. أنا هنا تحترموني، صوتكم يبقى واطي في وجودي، أنا الكل في الكل، ومن هنا بقولها اللي مش عاجبه، الباب من هنا، مش عايزة أشوف وشه في الشركة بكرة، ولا أقولكم أنا مش عايزة أشوف وش حد فيكم في الشركة، وبما إن عندي أكبر نسبة يبقى القرار ليا." ثم نظرت إلى راسخ وقالت بتهديد:
"إلا لو عايز تديني حقك أشتريه، اتكل حتى أنت برة دلوقتي معاهم." من أين لها بتلك القوة؟ هذا كان تفكير الجميع. ألم تخرج منهزمة قبل قليل؟ كيف عادت بالجرأة؟ شعر راسخ بقلة قيمته، فهدر بها: "أنا الحاكم والناهي في الشركة دي." قهقهة ساخرة وقالت بصوت عالي: "أكتر من نصها في ملكي، عايز نتفاهم وتبقى فيها، يا مرحب، مش عايز أدخل شريك ثالث وساعتها أترحم على الشركة." نزلت من على الطاولة واقتربت منه إلى أن وقفت بصدده وحدقت
به وفي مياسين بقوة مرددة: "وليه لا، أقولكم أحب أبشركم فيه شريك جديد هيشرف الشركة وهو واعِ مش جاهل زي، ويبقى الوصي على أسهمي، وإن شاء الله تفلسوا، مش يهمني." ثم رفعت سبابتها في وجه والدها مردفة بشراسة: "أقسم بالله واللي خلقني ورحمة صابرة، غلط تاني في حقي واغرق شركتك من غير ما يرف لي جفن." ثم ضحكت بدلال عكس ما كانت عليه وهي تضع العلكة في فمها:
"شوفت قوتي، لا أنت ولا مراتك ممكن تهدوني، أنا إنسانة غريبة، مافيش حد بينساها لو دخلت حياته، أنا الشيطان ذات نفسه، مريضة، لو حطيتك في دماغي مستحيل تنسى اسمي مهما عشت، عشان اللي ممكن أعمله فيك تفتكره ليوم موتك." نظرت لها مياسين قائلة: "اللي بتعمليه هتدفعي تمنه." نفخت زمرد لبانها ونظرت لها بملل وقالت بتسلية وانتصار: "ضربتوني بالرصاص وأنا لسه حية." ثم حركت رأسها يميناً ويساراً مرددة: "نشوف نشوف مين هيمشي ومين هيبقى!
ثم أخرجت العلكة من لسانها ووضعته على الطاولة تلصقها بقوة، وهي تحدق بإبتسامتها الخلابة في نظرات راسخ ومياسين المشتعلين من أفعالها، والتفت مغادرة قائلة بصوت عالي: "أطلقوا كل الرصاص إلى عندكم، لو مت مافيش مشكلة!! لكن إن عشت، الموت هيبقى جاي ليكم." التفتت لهم وقالت بتهديد: "أنتم ضربتوا رصاصكم دلوقتي دوري احموا نفسكم مني على قد ما تقدروا."
ضحكت في آخر كلماتها وخرجت، تخطو للخارج بإبتسامة منتصرة وراضية، بينما في الداخل كان راسخ مجبراً إلى تقديم أجوبة للموظفين الذين تم طردهم قبل قليل. *********************************************** صباحاً في شقة يوسف، استقامت زمرد من جانبه وارتدت قميصه الأبيض. ابتسمت وهي تقبل خده، ثم استقامت وغادرت إلى المطبخ تحضر الفطور.
استيقظ يوسف واعتدل مكانه يتألم. نظر إلى مكانها وجده فارغاً. استقام وارتدى بنطاله وغادر غرفته يبحث عنها. وجدها تتمايل مع إحدى الأغاني وهي تقلي البيض. ابتسم واقترب منها من الخلف وحاوط خصرها مقبلاً رقبتها بحنان. ابتسمت تلقائياً وقالت دون أن تلتف له: "صباح الخير يا حبيبي." ابتسم وهو يغرق رأسه في ثنايا رقبتها يستنشق رائحة شعرها وبشرتها. أقفلت النار والتفت تحاوط رقبته ونظرت في عسليتيه مرددة ببحة مغرية: "بحبك."
اقتنص قبلة من شفتيها وقال بعشق أغرقه حد الثمالة: "وأنا بعشقك." ابتسمت له وقالت بعد أن أخذت تلعب في صدره بيدها: "عايزة حبيبي في طلب صغنن؟ نظر لها بغيظ وقال: "إيه الطلب يا بتاعت مصالحك؟ ضحكت بدلال فحملها ووضعها على رخامة المطبخ وقال: "ليه حاسس وراكي مصيبة؟ نفت براسها قائلة بدلال: "أبدا يا روحي، أنت غالي وأنا بدلعك عشان بحبك." رغم عنه يضعف من دلالها عليه، فقال مستسلماً: "أمري يا غزال." قلبت عيونها وقالت:
"عايزة أسهم الشركة تبقى تحت حماية حد." حك مؤخرة رأسه وقال: "ماشي، أنا أتكلف بيها." نفت برأسها وحركت حاجبيها بتسلية: "ثؤ مش أنت." نظر لها بإستفهام وقال: "أمال مين؟ ضحكت وقبلته بسرعة قائلة: "راسل." تفاجأ من ردها وقال بتساؤل: "أنتِ إيه علاقتك براسل؟ أغمضت عيونها قليلاً وفتحتهم قائلة: "أنا عايزة إنت تسمع دائماً الحقيقة مني قبل ما يجي يوم وتعرفها لوحدك. راسل يبقى أخويا."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!