في أحد الفنادق الشهيرة. قلقت شهد من تلك الحالة التي اعترت صديقتها المقربة فجأة، لتجذبها بعيدًا عن أنظار الناس في زاوية لتفهم ما بها، ثم سألته بقلق: = مالك يا بيبه حصل إيه؟ لم تتوقف عيناها عن البكاء، ثم ردت عليها بشهقات لم تستطع السيطرة عليها: = أنا.. أنا عاوزه.. أمشي حالا. لم تفهم ماذا انتابها لتضمها إليها، مربتة على ظهرها بحنان، بينما شاهدهم ياسين من بعيد ليقطب حاجبيه بتعجب، ثم سار باتجاههم حتى اقترب منهم قائلاً
بعدم فهم: = في مشكلة معاكم يا شهد؟ ابتسمت له شهد بتوتر، خاصة مع ارتفاع شهقات الأخرى، ليتعرف ياسين عليها على الفور، ثم سألها بلطف: = لو سمحتي اهدي يا آنسة، لو في مشكلة ممكن نحلها مع بعض. رأته حبيبة وتذكرته، فالتصقت بشهد خوفًا، لتخطر في تلك اللحظة فكرة حتى تخرجها مما هي فيه، أخذتها إلى إحدى الطاولات ثم أجلستها عليها، وهي تصعد إلى المسؤولين على الموسيقى لتهمس في أذنه ببعض الكلمات، وما هي إلا دقيقة
حتى هتف أحدهم في المايك: = هنسمعكم النهاردة صوت جديد وجميل، من فضلكم شجعوها تطلع تغني، رحبوا معانا بالآنسة حبيبة الحاوي. صفق الجميع مرحبًا بها، بينما هي اتسعت عيناها بخوف ودهشة، بينما كادت چيهان أن تقلب الطاولة على الجميع بسبب تصرف شهد الأحمق، فلو صعدت ابنتها الآن ستفضح في الحال، ماذا تريد أن تفعل بها تلك الفتاة بعد؟
نظر آسر إلى تصفيقات الجميع، ثم حول نظره إليها، ما زالت نظرته إليها كارهة، على الرغم من ندمه الشديد على فعلته معها، بينما نسيت حبيبة ما تعرضت له، وما فكرت به الآن هو فرصتها أن تصعد وتسمع صوتها للجميع، تحركت بخطوات مهزوزة، مرتدية، ثم أخذت المايك من الرجل، ظلت دقائق تستوعب الموقف، قال الجميع هادئ، منتظرين سماع صوتها.
أخرجها من شرودها صفير شهد عاليًا من فمها، جعلت ياسين يضحك عليها وهو واقف بالقرب منها، لتبتسم لها وتأخذ نفسًا عميقًا، تبدأ بالغناء بصوتها الجميل الهادئ. اصعب احساس في الدنيا لما تحس بظلم وقهر وانت يا عيني وحيد في الدنيا مالكش حد مالكش ظهر ويوم ما تيجي تتكلم ماحدش يسمعك ويوم ماتنوي تتقدم تلاقي كلو يرجعك ويوم ما تلاقي حبيب ترتاحله هوا اول واحد يخدعك وعشان أنا عادي وأبويا كان عادي يبقى حلال فينا الظلم والعذاب
أنا واللي ملوش حد يحس بيه غير ربنا يجيبله حقه من أي حد قادر يفرح قلبنا ويوم ما تلاقي حبيب ترتاحله هوا اول واحد هوا اول واحد هوا اول واحد يخدعك
استمرت بالغناء، ورغم عنها نزلت دموعها وهي تشاهد إعجاب الجميع بصوتها، حتى والدها، مع تصفيق الجميع في آخر أغنيتها، ما عدا والدتها التي كادت تموت غيظًا، يشاركها في ذلك آسر، الذي ضم قبضته بغضب وهو يشاهد قصر فستانها، لا يدري لماذا يريد في تلك اللحظة أن يصعد لها ويجذبها من خصلاتها وينزلها عنوة بدلاً من تلك الهرج والعرض التي تقوم به أمام الجميع، بينما هي ابتسمت من بين دموعها، ثم شكرت الجميع على مجاملتهم.
اقتربت صديقة من صديقات چيهان إليها، ثم همست لها بمكر: = صوت بنتك جميل يا جيجي، بليز خليها تيجي تغني في فرح رودي بنتي. أغمضت چيهان عينيها بنفاذ صبر، لترد عليها باستفزاز: = أوك، وابقي انتِ هاتي بقا بنتك ترقص لما تتخرج حبيبة من كلية الطب يا يا زيزي. اغتاظت الأخرى من حديثها، لعلمها بأن ابنتها تذهب إلى الملاهي الليلية، بينما حبيبة لم تسمع خبر في الصحافة يكتب عنها أنها تذهب إلى تلك الأماكن.
شاهدت جيهان حبيبة تأتي ناحيتها، فنهضت على الفور لتجذبها من يدها برفق، حتى لا يشك بهما أحد، حتى ذهبت بها إلى زاوية، راقبهما آسر باهتمام، ثم ذهب خلفهم وأخذ يتطلع إليهم دون أن يراهم أحد. رأت حبيبة في عيون والدتها الغضب، فحاولت التبرير بتوتر: = مامي.. أنا.. آه.
صفعة عنيفة سقطت على وجنتها ردًا على حديثها، جعلت وجهها يلتف إلى الناحية الأخرى، على أثرها، رفعت وجهها إليها بدموعها التي أصبحت ترافقها في الفترة الأخيرة، ولم تمهلها لتستوعب الصدمة، ثم أخذت تهزها من كتفيها قائلة باهتياج: = أنتِ فضحتيني النهاردة بغبائك، مين قالك تغني يا غبيبة؟ ازدادت دموعها على وجنتيها، لتتركها وتهرب من حصارها، بينما عندما شاهدها آسر آتية نحوه، حتى توارى لكي لا تراه، وبنفس الوقت يفكر فيما رآه منذ قليل.
بينما في وسط الصخب، ازداد إعجاب ياسين بشهد التي أظهرت له مرحها، ليقول بابتسامة: = تعرفي إنك غريبة جدًا. قطبت جبينه بعدم فهم، لتسأله مبتسمة: = أنا كل اللي بيعرفني بيقول عني كده، معرفش ليه؟ نظر إلى وجهها البريء وإلى عينيها التي تشبه العشب الأخضر، قائلاً بحيرة: = من شوية كنتِ زعلانة أوي على صحبتك، ودلوقتي بتهزري ولا كأن حاجة حصلت، بتقدري تخرجي من المود بسرعة دي إزاي؟
هزت كتفيها بحيرة وابتسامة، لا تدري بماذا تجيبه، ليسألها مجددًا: = باباكِ هنا في الحفلة، وأنتِ ليكِ إخوات؟ قاطعته شهد بضحك: = حيلك حيلك، مالك بتسأل كده زي الظابط الرخم؟ ابتسم بتوتر ووعي لنفسه، فالطبع غالب، وسريعًا ما ينتبه لحاله ويتصنع الهدوء، بينما هي عادت لتضحك قائلة بابتسامة جذابة: = أنا بابايا أكرم المهدي اللي حضرتك داخل معاه صفقة، وأنا ماليش إخوات أبدًا.
تعجب وصدم بأنها هي تلك ابنة أكرم المهدي، لتتجاذب معها أطراف الحديث حتى نهاية الحفلة، لم تخلُ من المرح والحديث المطول. *** في قصر زين الهواري. صباح اليوم هو عقد قران زين ومريم، والجميع على أهبة الاستعداد للحفلة الصغيرة التي ستقام بعد ثلاث ساعات، دلفت نوال إلى غرفة سعاد، عازمة على النيل من تلك الماكرة التي تنوي الحصول على حصة أبنائها من الميراث، شاهدت سعاد غضبها ودلوفها المفاجئ، لتسألها بفزع:
= في إيه يا ولية، داخلة زي القطر كده لي؟ اقتربت منها نوال، ثم جلست بجانبها لتتسألها بحنق: = أنتِ هتجوزي ولدك زينة شباب البلد كلها لمقصوفة الرقبة دي؟ انكمشت ملامحها وهي تتذكر حديث الجد بأن لا أحد يعارض قرار حفيده زين، لتهز رأسها بقله حيلة، ثم هتفت بامتعاض: = وأني هعمل إيه، ما البت أول ما عتبت القصر وزين ولدي بيدافع عنها، حتى عمي عامل نفسه يكرهها وهو هيحبها قوي بس مش مبين. وافقتها نوال بالرأي، لتقول بمكر:
= إني هقولك هنعمل إيه، اسمعيني زين عاد. همست لها ببعض الكلمات، لتزداد ابتسامة الأخرى بخبث، فساذجة هي أن تظن سيتركوها بحالها. بينما بالأسفل سمعت ورد بخبر زواج زين من مريم، لتدمع عينيها كطفلة صغيرة يريدون أخذ حلوى منها، لتقرر الذهاب إلى مكتبه، وفي طريقها شاهدت مريم تنزل من أعلى، لتصطدم بها عن عمد، لتتأوه الأخرى بخفوت، ولكن على الرغم من هذا هتفت بابتسامة حنونة: = أنتِ كويسة يا حبيبتي؟
رمقتها ورد بنظرات شر، وكأنها أنثى كبيرة وليس بعمر الرابعة عشر، ثم اقتربت منها قائلة بخفوت غاضب: = أنا بكرهك. قالت كلمتها بوجهها ورحلت من أمامها، بينما صدمت مريم من حديثها، فهي لم تفعل معها أي شيء لتلقي بوجهها كلمة هكذا، حاولت اجتياز تلك الكلمة، لتجلس وسط العائلة، ربما يحسبونها فردًا منهم. بينما بداخل مكتب زين، بعدما أذن زين لورد بالدخول، اقترب منها وسألها بحزم: = خير يا ورد، عاوزة إيه؟
زمّت شفتيها بغضب طفولي، فقد أوشكت على البكاء، لتسأله بحنق: = أنت صح هتتجوز البت مريم دي؟ قطب زين جبينه بغضب من أسلوبها الفظ الخالي من التهذيب، ليهتف بتحذير: = اتكلمي عدل يا بت، وأنتي إيه دخلك في حديث الكبار؟ اتمسي وجولي يا مسا. أدمعت عيناها لزجره لها دائمًا، لتهتف له ببكاء: = أنا بحبك قوي يا زين، اتجوزني أنا بدالها.
مسح على وجهه بنفاذ صبر من حديثها المغيظ، يريد في تلك اللحظة أن ينقض عليها ضربًا، ولكن هو إلى الآن مراعيًا صغر عمرها، ليهتف بهدوء: = ورد، أنتِ لسه صغيرة، لم تتعلمي وتكبري، أبقى فكري في الحديث دي. حاولت الحديث، لينفذ صبره، ليهتف بنبرة أرعبتها: = ولا كلمة تاني، واوعاكي أسمعك تقولي كده تاني، يلا امشي من قدامي. زفرت من صوته ومن هيئته، لتتركه وتذهب على الفور، راكضة إلى غرفتها، لتصطدم بوالدتها التي أمسكت بها،
ثم قالت لها بخبث: = روحي يا بت، قولي لمريم إن واحدة جارتنا تعبانة قوي، وخذيها على بيت سميحة، يلا جوام. لم تكترث الصغيرة بما قالت، ولم تفهم، فهي تعودت على طاعة والدتها، لتنفذ ما قالته، لتنتفض الأخرى على الفور، فمهنتها تحتمها على الذهاب سريعًا، دارت بعينيها لترى أحد وتستأذن منه، لم ترَ، ثم نظرت بجانبها إلى نوال وسعاد، لتقول بقلق: = طنط، أنا هروح مع ورد أكشف على الست التعبانة، لو سمحتي قولي لجدو. تصنعت نوال الطيبة،
لتقول بخبث: = روحي يا بتي، أهل البلد غلابة، بس تتأخريش. أومأت لها مسرعة وذهبت مع ورد إلى حيث تدلها الصغيرة، وبعد مرور ساعة، بدأ نساء أهل البلد المدعوين للدخول إلى القصر. استغلت سعاد تلك الفرصة لتذهب إلى زين بالغرفة، متصنعة الخوف، ثم قالت باستغاثة: = الحجني يا ولدي، اتفضحنا على آخر الزمن. قطب زين جبينه بعدم فهم، ليسألها بنبرته الرجولية: = حصل إيه يا ماما؟ لطمت على وجنتيها، ثم ردت عليه ببكاء مصطنع:
= مريم هربت يا ولدي، ووطت راسنا زي أمها. *** في فيلا غياث البكري. استسلمت ياسمين إلى ذلك العالم الذي أدخلتها به ليان البكري، لتذهب إلى غرفتها مجددًا صاغرة، تريد تخليصها من ذلك الألم الذي يسري بجسدها. طرقت الباب بخفوت، لتأذن لها الأخرى بغرور بالدخول، بينما وجدتها ياسمين تأكل ببرود وناظرة لها بغطرسة، لتهتف بحدة: = أنتِ هتقرفيني كل يوم، عاوزة إيه؟ فركت يدها بتوتر، ثم ردت عليه بقهر: = أنا.. أنا تعبانة. ضحكت عليها بشماتة،
ثم قالت لها بغطرسة: = دلوقتي بس كل واحد عرف مقامه، أنا قولتهالك ولسه هقولك، أنتِ خدامة وهتفضلي طول عمرك خدامة. ضمت ياسمين جسدها إليها، وهي تشعر بالبرد الشديد، ولا تهتم بحديثها كالسابق، فالمهم الآن أن تأخذ ذلك المخدر حتى تتخلص من ذلك الألم، بينما عندما رأتها ليان بذلك الاستسلام، ازدادت انتصارًا بداخلها، ل تنهض وتأتي من خزانتها بقرصين، أحدى تلك الحبوب للهلوسة، فاليوم سوف تنهي انتقامها وتنهي علاقتها بغياث إلى الأبد.
تناولت ياسمين القرصين مسرعة، وكأنها وجدت ملجأها، ثم ظلت على تلك الحالة نصف ساعة، حتى بدأ مفعول القرص يعمل، ذهبت إلى خزانتها مجددًا، وأتت بشيء وألقته بوجهها بعنف، ثم هتفت بأمر حاد: = البسي الفستان ده. نظرت ياسمين إليه بفستان قصير للغاية بتوهان، ثم بدأت بالضحك والهذيان، كأنها شخص آخر، وقامت بارتدائه على أثر الأقراص التي تناولتها.
نظرت إليها ليان بحقد، عندما رأت جمالها بذلك الفستان، لتجذبها إليها بحدة، ثم اخذت تجمل لها وجهها بمساحيق التجميل، والأخرى كأنها بعالم آخر. اقتربت ليان من أذنها، لتهمس لها: = بتحبي غياث يا ياسمين؟ ابتسمت لها باتساع، ثم ردت عليها بتيه: = بحبه أوي أوي. نظرت إليها ليان بغيظ، ثم همست لها مجددًا بخبث: = طيب هو مستنيكي في أوضته، يلا بقا ما تتأخريش عليه.
أومأت ياسمين إليها بلا وعي، وكأنها دمية تحركها بمزاجها، لتتجه ناحية غرفته، وهي تشعر بالدوار يسيطر على كيانها، وكذلك تشعر بتنميل جسدها، ثم نظرت إلى جميع الغرف التي تسير أمامها، وتوقفت أمام غرفة حبيبها الذي تعشقه بجنون، وبدون تردد ووعي، دلفت إلى غرفته بوجه منهك.
بينما كان غياث ممددًا على الفراش، نائمًا على ظهره، ويضع ذراعه على وجهه، ولا يدري شيئًا من حوله، ابتسمت ببلاهة ما إن وجدته نائمًا بهدوء، ثم اقتربت منه بعدما أغلقت الباب خلفها، حتى جلست على طرف الفراش، وهي تتحسس عضلات صدره العاري، بينما هو استيقظ على حركة غريبة على صدره، فأبعد ذراعه وتطلع إليها بنعاس، سريعًا ما انتفض جالسًا وهو يهتف بصدمة: = أنتِ إيه اللي دخلِك هنا؟ يتبع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!