في ڤيلا غياث البكري
استيقظت صباحا لتجد نفسها في غرفه ليان. ثم انتقلت بنظرها الي الأسفل حيث ردائها لتشهق بفزع ما إن رأت نفسها بتلك الملابس. أامسكت طرف الفستان لتسحبه للأسفل لتغطي بها ساقيها. ثم دارت بعينها أنحاء الغرفه حتي وقعت عينيها علي ليان النائمه بأريحيه وتذكرت أنها أتت لتتناول جرعتها منها. ضمت ركبتيها إلى صدرها ثم وضعت رأسها بينهما وهي تبكي بحرقة لا تعلم ماذا فعلت بها تلك الحقيرة في الليلة الماضية، هي لا تتذكر أي شيء.
استيقظت ليان على صوت بكائها المزعج فهتفت بغضب: = وقفي المناحة اللي عملاها علي الصبح دي، أنا دماغي وجعاني. وقفت على قدميها لتذهب لها ثم سألتها ببكاء هستيري: = انتي عملتي فيا إيه امبارح ومين لبسني الهدوم المقرفة دي؟ حرام عليكي ليه بتعملي فيا كده ليه؟ صمتت ليان قليلا لتنفجر بعدها بضحك هستيري ثم اقتربت منها لتدفها باتجاه المرآة لترى حالها قائلة بخبث:
= علشان انتي بنت الخدامة ما تستحقيش أي حاجة من اللي انتي فيها. أقولك أنا عملت إيه؟ خليتك زي البنات القذرة اللي بترمي نفسها على الرجالة، لأ ومش أي راجل ده غياث البكري. اتسعت عينا ياسمين بصدمة ما إن ذكرت اسمه، بينما أكملت ليان بخبث أكبر: = امبارح كنت عنده بالفستان القصير اللي انتي لابساه ده، عرّيتك قدامه وهو دلوقتي شايفك رخيصة وقذرة ومش ممكن هغير الصورة دي عنك بعد اللي شافه يا.. دكتورة.
ارتجف قلب ياسمين مما تقوله لتضع يدها على أذنها وهي تبكي بكاء هستيري قائلة بجنون: = انتي كدابة، ده محصلش، محصلش. أبعدت ليان كفيها عن أذنها لتسمعها ثم رفعت ذقنها وهي تشير باتجاه المرآة قائلة بشماتة: = لأ حصل. امبارح جرك لحد عندي الأوضة علشان أمك ما تشوفكيش، والدليل لما تشوفي معاملته هتتغير معاكي، انتي خلاص انتهيتي عند غياث يا ياسمين.
رفعت ياسمين نظرها باتجاه المرآة لتتلمس وجنتيها ووجهها الشاحب. أغمضت عينيها بقهر لتشعر بثقل شديد في قلبها، كيف تواجهه؟ كيف ستبرر له؟ ابتعدت عن المرآة لتبحث عن ثيابها لتأخذها وترتديها على الفور ثم ارتدت حجابها على عجالة. ومسحت وجهها جيدا لتخرج من عندها بوجه شاحب، لتجد نادين دالفة إلى غرفتها وهي تنظر لها بشماتة. فأدركت ياسمين مخططهم القذر لتوقيعها.
نزلت بخطوات متعجلة وتتمنى بداخلها ألا تراه، ولكن ليس ما يتمناه المرء يدركه. وجدته أمامها وهو ينظر إليها تلك النظرة التي تخيفها. لم تدري ياسمين ماذا تقول وماذا ستبرر ليخرج صوتها مبحوحا من كثرة البكاء: = أنا.. قاطعها هو بصوته الخشن الذي بث الرعب بداخلها: = ولا كلمة يا دكتورة، اللي عملتيه امبارح ده اسمه جنان واستهتار، لولا عارف إنك ما كنتيش في وعيك كان هيبقى رد عليكي جامد يا دكتورة.
بهت وجهها لتخيلها أنه يعلم بإدمانها. ولكن فكرت بنفسها، ربما تلك الحقيقة البشعة تشفع لها عنده بعد ما فعلته بلا وعي البارحة. عندما طال شرودها أخرجها صوته الخشن: = روحي دلوقتي والنهاردة تيجي عندي المستشفى، هعملك شوية تحاليل، إياكي تتأخري. ابتلعت ريقها بخوف وتوتر وكادت أن تعترض ولكن قاطعها بحدة: = لما أكلمك ردي عليا. انتفضت من صوته لتهتف بعدها بقهر: = حاضر.
رمقها بنظرة أخيرة ليتحرك من أمامها ذاهبا إلى عمله تاركا خلفه فتاة محطمة داخليا وخارجيا. تنهدت ياسمين لتقرر الذهاب إلى منزلها علها تستريح قليلا بعد ما حدث، ولكن قاطع تحركها ترحيب والده غياث بها بحرارة: = إزيك يا ياسمين يا حبيبتي، عاملة إيه؟ ابتسمت ياسمين بتوتر لترد عليها بهدوء: = الحمد لله بخير. وحضرتك عاملة إيه؟ اقتربت منها لتمسد على كتفها ثم أردفت بحنان:
= أنا الحمد لله. غياث عنده حق يختارك ما بين كل البنات، ربنا يحفظك يا بنتي ويبعد عنك كل شر. أدمعت عينا ياسمين من حديثها، فقد أصابها كل الشر. ثم تنهدت بمرارة ما إن أتت بسيرة زواجها من غياث، مؤكد أنه لا يفكر بتاتا الآن بالزواج منها. أخرجتها من شرودها صوت والدته وهي تخبرها بسعادة: = غياث لسه من شوية قبل ما يمشي قالي أحدد ميعاد مع رقيه علشان نيجي نتقدملك رسمي. وغياث هيقول لعم صابر، يارب يتمملكم على خير يا بنتي.
صعقت من ذلك الخبر، لم تصدق ما سمعته، أحقا مازال يريد الزواج منها بعدما حدث؟ نزلت دموعها على وجنتيها، لم تستطع كتمانها كثيرا. لم تكذب أبدا عندما قالت عليه رجلا بكل ما تحملها الكلمة. لاحظت الأم دموعها فهتفت بقلق: = انت بتعيطي يا ياسمين؟ مسحت دموعها سريعا لترد عليها بابتسامة: = ابدا يا طنط، بس أنا..
صمتت ولم تستطع التحدث، لتظن أنه من خجلها وأن تلك دموع الفرح لا أكثر. لتبادل معها أطراف الحديث ثم استأذنت منها لتفكر ما عليها فعله لتخرج من تلك المصيبة التي وضعتها ليان البكري بها. في محافظة أسيوط وصل سائق الشاحنة الذي اتفقت معه شهد لتهريب حبيبه. بينما دهشت عندما شاهدته يتوقف في مكان لا تعرفه لتهتف بارتباك: = هو إحنا.. فين يا عمو. رمقها السائق بملل من أسئلتها اللي لا بتخلص ليرد عليها بحنق:
= إحنا في محافظة أسيوط يا آنسة، وده كان اتفاقي مع صحبتك. اتسعت عينيها بصدمة، فهي أخبرتها إنها رايحة لشاليه في الغردقة خاص بوالدها. ليخرجها من شرودها زجر السائق لها: = خلصينا يا آنسة، ورايا مشاوير كتير غيرك. انتفضت على صوته لتنزل من الشاحنة بخطوات مهزوزة، لتضع نظارتها الكبيرة وتتمم على ميكياجها. ثم نظرت حواليها بضياع، فماذا ستفعل هنا؟
لا تعرف أي أحد. ل تنزل دموعها على وجنتيها بخوف، لتتذكر شهد. ثم نظرت أمامها بغل، كيف تفعل بها هذا؟ تتمنى لو إن معاها هاتف، لكانت قامت بمهاتفتها وألقت بوجهها كل ما تحفظه من ألفاظ خارجة. تتمنى لو إنها أمامها، لكانت جذبتها من شعرها إلى أن تبكي ألماً.
أخرجت نفسها من حالة الجرم اللي انتابتها لتفكر ماذا تفعل. لتلاحظ ذلك المسجد الكبير بالقرب منها، ثم وجدت رجلاً يبدو من هيئته إنه تخطى الستين عاماً. لتذهب إليه بلا تردد، حتى وقفت أمامه بتوتر. بينما قطب الرجل جبينه لسؤالها بحيرة: = خير يا حجة، في حاجة؟ فركت كفيها بتوتر لترد عليه بنبرة باكية وهي تقلد مربيتها: = أنا مش من هنا، ومعرفش حد. ممكن تساعدني؟
أشفق عليها كثيراً، ثم نظر إلى هيئتها. على الرغم من كبر سنها، إلا أن صوتها بدا له صغيراً. ليشُك بها، ولكن حسم أمره ليقول لها بابتسامة: = اتفضلي معايا، أنا كبير البلد هنا وهساعدك على قد ما أقدر. اتسعت ابتسامتها لتذهب خلفه، وتتمنى بداخلها ألا يطول ذلك الفرار كثيراً وتعود إلى حياتها البسيطة. *** في فيلا شهد المهدي.
تعالت ضحكاتها على الهاتف بعدما أخبرها السائق بصدمة، حبيبة ما إن أنزلها بمحافظة أسيوط. لتغلق معه وتشكرها على ما فعله لها ولصديقتها. تطلعت في هاتفها إلى صورتها هي وحبيبة، التي تضعها خلفية شاشتها. ثم هتفت بأسف: = سوري بقى يا بيبا، كان لازم أبعتك مكان محدش يعرفك فيه لحد ما أكشف الزفتة دي. تنهدت بضيق، ليتعالى رنين هاتفها باسم ضحيتها الجديد، ياسين الصياد. لتتسع ابتسامتها، ثم أجابت عليه لتقول بدلع:
= اتأخرت عليا أوي النهاردة. رد عليها ياسين من الطرف الآخر بابتسامة: = معلش، كان معايا شغل كتير النهاردة في الشركة. قوليني بقى عاملة إيه؟ تنهدت لترد عليها بملل: = ملل جداً، بابي حابسني في البيت أسبوع. الحمد لله، وافق ياخدني الحفلة. قطب جبينه بعدم فهم ليسألها بفضول: = وحابسك ليه؟ تنهدت بضيق، ثم ردت عليه بحنق: = من وقت حادثة حبيبة صحبتي، وهو اتعصب عشان روحت معاها عند واحد معرفوش شقته، ومنعني أخرج.
لا يعلم لماذا تضايق من تحررها، فهي تتحدث كأنها لم تفعل شيئاً. ثم قال لها بجدية: = أنا لو مكانه كنت هعمل كده. تصرفكم كان غلط. قطبت جبينها بعدم رضا مما يقوله، لترد عليه بحدة: = لا طبعاً، مش من حقه يعمل كده. أنا ما غلطتش، وأعرف إزاي أدافع عن نفسي. حذرها ياسين بغضب: = ما تعليش صوتك، وما تجادليش في الغلط. صدمت من رد فعله وصوته الغاضب، لتهتف به بحدة: = بقولك إيه، فكك مني. وده آخر مرة تكلمني فيها، ومن غير سلام.
أغلقت بوجهه الهاتف، ثم رمته بعيداً عنها بغيظ. لا تصدق إنه تحدث معها بتلك الطريقة، وهي التي ظنت إنها ستوقعها بشباكه من المحادثة الأولى بينهما. فيبدو إنه ليس بالسهل هذا الياسين. أما على الجانب الآخر، زفر هو بضيق وغضب. فهي قد أغلقت بوجهه الهاتف بلا أدنى احترام. ليرجع ظهره للخلف مقرراً عدم تركها. فهي دخلت بعرينه، وانتهى الأمر. *** في قصر زين الهواري.
تم عقد القران في أجواء متوترة وغاضبة. وبعدما خطت مريم توقيعها، ذهبت إلى غرفتها بخطوات راكضة. فهي لن تنسى ما قالوه عن والدتها. هي تسامح في حقها، لكن لن تسامح أبداً في حق والدتها المتوفاة. أما زين، فغضب كثيراً من تصرفها. وقرر ملاحقتها لغرفتها بعدما يودع الرجال الذين أتوا لتهنئتها. سار بخطوات رزينة، ليفتح الغرفة على حين غرة. لتشهق هي بخوف من دخوله المفاجئ.
بينما هو تسمر مكانه بصدمة، عندما رأى شعرها الأسود الحريري الطويل الذي يتعدى ظهرها، ومنامتها الوردية الذي جعلتها في أبهى صورها. هو يعرفها إنها جميلة، ولكن الآن فاقت كل مقاييس الجمال.
انتفضت مريم عندما أدركت ما ترتديه. نظرت حولها ربما تجد إسدالها لترتديه، ولكن كان بعيداً جداً عليها. حاولت التحرك لتجلبه، ولكن لحقها هو، مان امتد ذراعه ليجذبها إليه من خصرها، حتى اصطدمت بصدره العريض. ل ترتفع دقات قلبها بخوف وتحاول إبعاده عنها. ليحذرها بهمس: = إياكي تحاولي تبعدي عني تاني. ارتجفت شفتيها وعجزت عن الحديث. ل تأمل وجهها عن قرب، ثم يمد يده ويبعد خصلة من شعرها التي تناثرت على وجهها خلف أذنها. ثم تابع بتملك:
= مبروك يا حبيبتي. خلاص بقيتي ملكي. زاغت عينيها بعد حديثه، لترد عليه بتوتر: = ا.. الله يبارك في حضرتك. ال.. لو سمحت ابعد أنا.. لم يرد عليها، ليقربها إليه، ثم احتضنها، دافناً وجهه في خصلات شعرها الناعمة، وبذراعيه يحوّط ظهرها بشدة. بينما هي أغمضت عينيها بخوف وتوتر، تشعر إنها على وشك الإغماء. لماذا لا يفهم إنها لم تتعود ذلك القرب من أحد؟ لماذا لا يفهم حياءها؟ فتحت عينيها لتهتف بأعين دامعة وهي تحاول البعد:
= .. لو سمحت ابعد. وعى لنفسه في تلك اللحظة، فقد كررت ذلك مرتين. لي يبعد عنها بجفاء، ثم رمقها ببرود، يعطيها ظهره، يحاول الجمود أمام ذلك الجمال. وعندما سيطر على حاله، التفت لها، ليردف بنبرته الرجولية الخشنة: = إنت إزاي تطلعي هنا بعد كتب الكتاب؟ مش فيه معازيم عايزين يباركولك؟ تعجبت من حاله الذي تغير فجأة. وتتوتر من صوته الحاد. لترد عليه بارتباك:
= ا.. أنا مكنتش أقصد، أنا بس كنت مصدعة وقولت أطلع هنا بعيد عن الدوشة. أنا آسفة. هي كذلك، فلا تثبت على موقفها بمجرد سماع صوته الحاد. اعتذرت على الفور، ناسيه إنه زجرها أمام عائلته بقسوة، ولم يراعي ما وجه لوالدتها من اتهامات. أومأ زين برأسه، ثم اقترب منها ماسكاً بكتفيها، ثم أردف بجدية: = أنا مش عاوزك تعتذري. أنا عاوزك تسمعي كلامي، وما تبقيش بسذاجة دي يا مريم. تطلعت إليه حيرة، ليخرجها هو عن حيرتها قائلاً بنفس النبرة:
= أنا عارف الفخ اللي عملته مرات عمك وأمي والبت الصغيرة فيكي. اقترب منها أكثر، ثم تابع بجمود: = وإنت بكل سذاجتك صدقتيهم. هقولك كلمتين اسمعيهم. كلمة مني يا مريم، لو فضلتِ تتعاملي هنا بطيبتك ودور الشيخة ده، هتتأذي كتير. أنا قادر أحميكي من كل اللي هنا، بس مش هقدر أحميكي من غضبي. صمت ليرى رد فعلها، ثم خلل يده في خصلات شعرها ليتابع بحزم:
= كلمتي أنا بس اللي تتسمع في البيت ده. ممنوع خروج من غير إذني، والأهم ما تخبيش حاجة عني. فهمتي يا مريم؟ تطلعت إليه، ثم أرْجعت خصلات شعرها خلف أذنها قائلة بطاعة: = حاضر. ابتسم لها ببساطة، ثم قبل جبينها قائلاً بهمس: = تصبحي على خير يا حبيبتي. ردت عليه بعقل شارد: = وحضرتك من أهله. ابتسم بسخرية على تلك الرسمية التي تتعامل بها، ثم تركها مغادراً الغرفة بهدوء. أما هي، فتابعت خروجه وهي تفكر بحديثه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!