ركض سليم على الدرج وبينما هو يركض اصطدم بشقيقه. نديم بلهفة: معندكش فكرة إيه اللي بيحصل؟ سليم: لا، هنعرف دلوقتي. كلاهما وقفا أمام باب شقة والدهما المغلق وهما يلتقطان أنفاسهما. دق سليم الباب وهو يقف بتوتر بجانب نديم. مرت دقيقة حتى فتح رحيم باب الشقة وهو ينظر لأشقائه بحزن. نديم بخوف: في إيه!! أمك حصلها حاجة؟؟ رحيم بنبرة متألمة: لا، دي مها. سليمة بخوف: مالها مها! دخلنا طيب!
أفسح رحيم لهما طريق للدخول ليجدوا الأجواء بالداخل مفعمة برائحة الحزن ومشحونة بالتوتر. اصطدموا بأعين والدتهم الباكية، وبنظرات اللامبالاة في أعين فرح. سليم بفزع: ممكن حد يفهمني إيه اللي بيحصل هنا؟ والدهما بصوت باهت: مرات أخوكم مها جالها انهيار عصبي، وقافلة على نفسها باب الأوضة. جلس سليم على المقعد وهو يقول بحزن: لا حول ولا قوة إلا بالله، طب دا من إيه؟ أخيرًا
نطقت والدة رحيم وقالت: اسأل أخوك الكبير، ابني البكر القدوة، اللي راح اتجوز من ورانا. نديم بصدمة: نعم!! يعني إيه اتجوز من ورانا!! واتجوز مين؟؟ نظر سليم لفرح الجالسة وسط كل الصراعات العائلية تلك وقال لنديم: ما الإجابة قدامك أهي. نديم نظر لرحيم قائلًا باستفهام: اتجوزتها امتى وازاي؟ يابني مش انت من كام يوم كنت بتكلمنا إنك عاوز تتجوزها و.. رحيم وعيناه معلقة على باب غرفة مها المغلق: كنت بحاول أمهدلكوا الموضوع.
فرح بتدخل: هو أنا لازم أعيطلكوا وأعمل تمثيليات عشان تتقبلوني؟ سليم وهو يكور يده قال: يعني انتِ خربتي بيتها وجاية عشان تـ.. قاطعه رحيم قائلًا: سليم! حاسب على نبرة صوتك وانت بتتكلم مع مراتي! نديم بهدوء نبرته المعتاد: طب ومها يا رحيم، مفكرتش فيها؟ بص مش هلومك زي سليم وأقولك ليه لإن عارف بداية جوازك كانت إزاي، لكن.. من الصح إنك كنت تقول دوغري إنك اتجوزتها.
شعر رحيم بضيق في قلبه وأنفاسه، ود لو يقتحم ذلك الباب الذي أغلقته مها حتى لا يصل إليها أحد. لن تسامحه ما حيت، وذلك ما يفتفت شرايين قلبه ندمًا. مرت نصف ساعة حتى فتح باب الغرفة، وطلت مها بحجاب رأسها حاملة طفليها على ذراعيها. رفعوا رؤوسهم جميعًا ينظرون لها نظرات القلق والشفقة. نظرت هي للجميع متجاهلة رحيم وفرح الذين كانت نظراتهما قاتلة بالنسبة لها. قال والد رحيم: كدا يا بنتي تقلقينا عليكي؟
يا ترى قررتي إيه.. أي شيء تقرريه أنا معاكِ فيه، انتِ زي بنتي ومقبلش صحتِك تدمر هنا. تمالكت مها نفسها وقالت بثبات لا تعلم من أين أتت به: حضرتك قولت هقعد في شقة ولادي كافية خيري شري، وهراعيهم وهربيهم. والد رحيم: مظبوط. مها بهدوء لا يتناسب مع صريخها قبل ساعة قالت: ليا شرط مش طلب، وبقول شرط مش تقليل احترام مني، ولكن عشان أضمن إن مش هيكون فيه أي باب موارب حتى. والد رحيم: موافق عليه من قبل ما أسمعه. مها بقوة ظلت
في الداخل تحاول استجماعها: ابن حضرتك مش عاوزه يدق بابي ولا يجيلي، يقعد فوق مع مراته التانية ومالوش أي كلام معايا لا بالخير ولا بالشر، لو في أي شيء يخص الأولاد هقوله لماما (والدة رحيم) وهي تقوله الكلام دا.. ولو عاوز يشوف الأولاد برضو مش في الشقة فوق، هنزل الأولاد هنا ويشوفهم براحته لكن ميقوليش حتى صباح الخير.
كان رحيم يستمع لشرطها القاسي لكنه لم يجرؤ على الاعتراض. كانت تتألم وكان واضحًا من حديثها المرتجف وتظاهرها بقوة مزيفة أمامه. شعر أن هناك سور حديدي وقف بينه وبينها، لن يستطيع الآن اقتحامه مثلما كان يود أن يقتحم الباب الخشبي. شعر أن حاجز الدموع المكبوتة داخل مقلتيه يعيقه عن رؤية مها بوضوح للمرة الأخيرة، لذا أزاح الدموع عن عينيه بيده وهو يلعن ذاته آلاف المرات من داخله، لأنه سمح بعقدته من والديه أن تترعرع بداخله وتكبر، ويتزوج عنادًا ليثبت لذاته أنه لم يجبر على فعل شيء. والآن بعد هذا الإثبات السخيف لذاته وبعد فوات الأوان، لم تفارق مها مخيلته وعقله وقلبه.. وها هو ذا القدر يتدخل مجددًا ليحرمه جديًا من المرأة التي يحبها.
ليقطع أفكاره والده، مخيبًا ظنونه مجددًا قائلًا: أنا موافق، ودا حقك يا مها بعد اللي حصل، وجايز مع الأيام ربنا يهدي الحال. لم تعقب مها بكلمة واحدة أخرى، بل استأذنت لتصعد إلى شقتها، التي لم تعد شقة رحيم بعد الآن! نظرت والدة رحيم لفرح الجالسة التي لم تستطع إخفاء الابتسامة وقالت لها: يارب تكوني مبسوطة الحمد لله.
قال زوجها بحزم: مالوش لازم الكلام دا يا حاجة، رحيم فرض علينا أمر واقع ولازم نتقبلُه.. ومها عاقلة لما تهدى هتتقبل الوضع. رفع سليم رأسه ونظر لوالده وقال: مها عاقلة، مش معندهاش إحساس ولا مشاعر.. مش حجر يعني يا والدي. والد رحيم لرحيم: خد مراتك (يقصد فرح) وادخلوا باتوا في الأوضة لغاية ما نجيب الشغالة تنظف الشقة اللي فوق وتجهزها. نديم بهدوء: لحظة لحظة، متجوزين يعني أكيد؟ فرح وهي ترفع
ورقة كانت تمسكها بيدها: قسيمة الجواز أهي، بالتاريخ بالكامل وعند مأذون مشهور كمان. سليم بضيق: معلش يا جماعة هستأذن عشان مراتي زمانها قلقانة فوق، وأنا قايلها متنزليش. نديم بضيق هو الآخر: وأنا كمان، عن إذنكم. صعد كلاهما إلى شقته فقام والد رحيم من مقعده وهو يتنهد ويقول: وأنا كمان عملت مجهود صحي النهارده خطر عليا كرجل عنده القلب، هخش أستريح.
بعد أن دخل والده غرفته، دخل رحيم هو الآخر الغرفة بدون أن يوجه أي كلمة لوالدته التي كانت تطلق عليه طوال الوقت طلقات نظراتها الغاضبة وخيبة الأمل. قامت فرح وهي تقول لوالدة رحيم: عن إذنك يا خالتو هدخل أنا كمان الأوضة مع جوزي. نظرت لها والدة رحيم بقرف ولكن فرح تجاهلتها وهي تلف خصلة من خصلات شعرها على إصبعها، حتى دخلت الغرفة وأغلقت الباب. داخل شقة سليم
كان يجلس على المقعد في المطبخ واضعًا رأسه على كفيه، ونجمة تصنع له القهوة حتى يهدأ صداع رأسه وهي تقول بحزن وشفقة: يالهوي دا زمان مها يعيني نفسيتها في الأرض، حسبي الله ونعم الوكيل في خرابة البيوت دي. رفع سليم رأسه ونظر لزوجته قائلًا: ليه وإنتِ فاكرة إن رحيم صغير يعني؟ ما هو اللي عمل فيها وفي نفسه كدا. وضعت القهوة أمام زوجها وجلست بجانبه
وهي تقبل كتفه وتقول: لو ينفع تسمحلي أطلع أواسيها وأكون معاها، مينفعش يا جماعة كُلنا كدا نسيبها لوحدها. سليم وهو يحتضن نجمة بذراعه قال: أنا أصلًا كنت هقولك تعملي كدا، بس لازم هي تقعد مع نفسها وتهدى شوية بعدها نبدأ نتدخل. تنهد قليلًا وقال: كان في موضوع بنتكلم فيه قبل ما أنزل تقريبًا؟ نجمة بنسيان: موضوع إيه؟ نظر لها نظرة ذات معنى فـ تذكرت وقالت: بالذمة دا وقته. جاءت لتقوم فسحبها سليم
حتى وقعت عليه وهو يقول: استني بس، هكملك الموضوع. داخل شقة نديم نديم وهو يجلس على الأريكة: وأنا هزر ليه مش فاهم. ابتسمت يارا وهي تقول: عشان تعرفوا بس إنها مش ست كاملة ولا حاجة زي ما انتوا فاكرين، أخوك رحيم بنفسه متبسطش معاها فاتجوز عليها، على الأقل فرح مش ممثلة زيها وسهونة، فرح انفعالاتها بتبان عليها مبتعملش الطيبة.
نديم بغضب: عليكي وعلى فرح، انتِ خلتيني أفقد أي احترام جوايا ناحيتك بجد، أعمل فيكِ إيه أكتر من إني حالف عليكي بالطلاق وانتِ مبتتغيريش! أرجعت يارا ظهرها للوراء وهي تقول بتشفي: اعمل اللي تحبه على قلبي عسل، أنا مبسوطة دلوقتي. صفع نديم يد الأريكة وهو يقول: اللهم طولك ياروح! داخل غرفة رحيم وفرح كانت تجلس على الفراش ورحيم يمسك بيده هاتفه ويكتب شيئًا ما.
فرح بسعادة: شوفت المواجهة عدت على خير إزاي، هوووف أخيرًا خلصنا من تحكمات أهلنا فينا وخلصنا من سِت مها اللي عاملة زي الشوكة في الزور. ضغط رحيم على زر إرسال. كان قد أرسل رسالة نصية إلى مها يقول فيها: " عاوز اشوفك لأخر مرة ونتكلم، دا طلب بسيط مش شرط قاسي زي شرطِك "!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!