تحميل رواية «مسافات مشاعر» PDF
بقلم روزان مصطفى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كان جميع الحاضرين في حفل الزفاف، وجوههم مشدوهه وهم ينظرون للعروس التي دخلت لقاعة الحفل برفقة زوجها وهي ترتدي ذلك الثوب! ألتقطت يارا زوجة نديم مروحتها ذات الريش وبدأت في تحريكها أمام وجهها وهي تبتسم بسخرية وتقول: أخوك لسه جايبها من الغيط على القاعة عدل نديم بنفاذ صبر وهو ينظر لعائلتهم وزملاؤه في العمل قال ليارا من بين أسنانه: إحترمي نفسك بقى على المسا! أرجعت يارا ظهرها للوراء وهي تقلب بعينيها جسد نجمة وثوب الزفاف عاري الكتفين، لكن تصميمه سيء وقديم. قامت والدة رحيم من جانب مها وهي تعود لطاولتها وت...
رواية مسافات مشاعر الفصل الأول 1 - بقلم روزان مصطفى
كان جميع الحاضرين في حفل الزفاف، وجوههم مشدوهه وهم ينظرون للعروس التي دخلت لقاعة الحفل برفقة زوجها وهي ترتدي ذلك الثوب!
ألتقطت يارا زوجة نديم مروحتها ذات الريش وبدأت في تحريكها أمام وجهها وهي تبتسم بسخرية وتقول:
أخوك لسه جايبها من الغيط على القاعة عدل
نديم بنفاذ صبر وهو ينظر لعائلتهم وزملاؤه في العمل قال ليارا من بين أسنانه:
إحترمي نفسك بقى على المسا!
أرجعت يارا ظهرها للوراء وهي تقلب بعينيها جسد نجمة وثوب الزفاف عاري الكتفين، لكن تصميمه سيء وقديم.
قامت والدة رحيم من جانب مها وهي تعود لطاولتها وتقول لزوجها:
إيه المسخرة دي! مش كفاية علينا يارا يا حج!
الحاج عبد الكريم:
ما هو اختيار أولادك
شعر رحيم بالغضب فقال:
أيوة بالظبط كده، سليم ونديم يختاروا براحتهم مش هنتدخل، لكن رحيم! الإبن البكر، يختار اللي بيحبها ليه! يتدبس في واحدة زي ال..
نظر له والده بحزم فقام رحيم وجلس على طاولة زوجته وهو يخرج سيجار من علبته وبدأ بالتدخين غير عابيء بقوانين الزفاف أو خلافه.
نظرت له مها في محاولة للحديث معه فقالت:
العروسة زي القمر والله، بس ليه اختارت الفستان ده؟
لم ينظر لها رحيم بل أجابها قائلاً:
عندها ذوق شوية عنك، بصي للون فستانك اللي مخليكي شبه شوال الرز.
فتحت شفتيها بصدمة وهي تنظر لجسدها وقالت:
على فكرة أنا جسمي حلو، بس أنا بحب الواسع عشان آخد راحتي.
رحيم بضيق:
مشوفتش جسمك ده ومعرفش شكله، المرة الوحيدة اللي كان بسببها جبتي التوأم أنا مش فاكرها ومش عاوز أفتكرها.
أغمضت عينيها وتذكرت.. أثناء ولادتها..
فتحت عينيها على صوت الموسيقى وقد امتلأت بدموع مكبوتة وهي تحاول الابتسام حتى لا تعكر صفو العائلة.
كانت موسيقى رومانسية ليرقص العروسين وحولهم كل الثنائي.
سحب نديم زوجته يارا التي حاولت التباهي أمام مها المسكينة أنها سعيدة مع زوجها وهي لا.
نظرت مها بأمل لرحيم الذي تجاهلها تمامًا ف عادت لتنظر للنساء برفقة أزواجهن وتنهدت برضا.
سليم بحزم وهو يضغط بيديه على جسد نجمة:
إعدلي حمالات الفستان.
نجمة:
مش كفاية اللي عملته عند الكوافيرا؟ البنت بتقعد ترقص قدام المرايا وييجي جوزها يتفاجيء بيها، أما إنت قابلتني بتكشيرة قفلتني منك ومن اليوم.
سليم:
وحياة أمك لما الفرح يخلص ونروح بيتنا كمان، يابت دا أنا واخدك من الأرياف عشان تكوني محتشمة ومحافظة.
نجمة بهدوء:
ومين قالك إن الاحتشام بالبلد وعوايدها..
نظر لها بضيق ولكنه اضطر أن يبتسم.
بعض من جيران العروس:
والله البت دي من أيام الجيبة المحزقة وأنا عارفة إنها هييجي يوم تتجوز واحد يخليها تفلت براحتها.
الأخرى:
لا وعايشين جو مش جوهم، الله يرحم أمها اللي استلفت مني كيس بسلة الأسبوع اللي فات.
أشار الحاج عبد الكريم بعينيه لابنه رحيم، أن يراقص زوجته.
قامت والدته لتجلس مع الأطفال وهي تشير برأسها له أن يأخذ زوجته ويرقص معها.
قام رحيم على مضض ومد يده لمها التي كانت شاردة.
أفاقت وهي تنظر ليده بذهول ثم مدت يدها ليده.
سحبها بهدوء ووقفوا وسط الجميع.
وضع يده على خصرها فسرت في جسدها القشعريرة.. ورائحة عطره تلتف حولها.
وضعت يداها على أكتافه وهي تنظر له بعشق، بينما هو ابتعد بنظراته عنها.. وظل يتمايل فقط معها على اللحن.. دون مشاعر متبادلة بينهم.. هي تعشقه وهو لا يحبها.
وعيناه على طاولة أخرى بعيدة، بين طاولات عائلة العريس.
لم تآبه مها لذلك، بل كانت في حلم.. أن رحيم يحاوط خصرها بعد جفاء دام من بداية زواجهم.. حتى الآن.
عندما انتهت الموسيقى ظل شارد في طاولة خالته وابنتها، نظرت مها للطاولة وقالت بنبرة حزينة:
مبتحبكش يا رحيم.. محدش في الدنيا دي حبك قدي.
انتبه رحيم لهمهمات زوجته فنظر لها قائلاً:
بتقولي حاجة؟
مها وهي تنظر للاسفل حتى لا يرى حزنها:
بقولك المزيكا خلصت والناس عايزة تعدي.
عقد حاجبيه مجددًا ثم قال وهو يتركها:
طب يلا يلا.
سارت وراءه وهي تنظر لخالته وابنتها.. ثم عادت لطاولتهم.
أمسك نديم بيد زوجته يارا وأنزلها بهدوء ثم سحب لها المقعد، جلست بتعب وهي تقول:
شوفت، شوفت مها مرات أخوك، مكانتش مصدقة نفسها ههههه.
جلس نديم أمامها وقال:
يارا حبيبتي، ينفع مرة تسيبك من الناس اللي حوالينا وتركزي معايا!
يارا وهي تنظر لعائلة نجمة:
لا وبص أهل العروسة، هيموتوا على البوفيه من دلوقتي.
وضع نديم يده بين عينيه وهو يقول:
استغفر الله العظيم ياربي.
يارا زوجته:
في إيه يا نديم؟ ما إحنا بوزنا في بوز بعض طول اليوم في البيت! ولا عاوزنا نتكلم هنا كمان ما طبيعي أشوف الأجواء وأعلق عليها.. فرح بيئة بوجود الناس دول، مش زي فرحنا، شوفت شرفتك إزاي وعيلتي كانت تشرف إزاي.. ولا فستاني كان يهوس.
نديم بحب:
أي حاجة من ريحتك يا حبيبتي بتبقى حلوة.
استأذنت مها من والدة زوجها لتذهب لدورة المياه، وتركت أبنائها معها.
وقفت مها أمام المرأة وهي تنظر لوجهها وتتلمسه بأصابع يدها، لسوء حظها دخلت دورة المياه إبنة خالة رحيم، فرح.
وبدأت في وضع أحمر الشفاه.
ظلت مها تتأملها عن قرب وتنظُر لها بحسرة.
نظرت لها فرح وقالت وهي تشير بأحمر الشفاه:
عاوزة؟ ولا مش هيليق على لون فستانك؟
مها بإبتسامة حزينة:
تتهني بيه.
فرح بهدوء:
ميرسي.
وضعته في حقيبتها وخرجت من دورة المياه.
تذكرت مها أيام قديمة.. عندما كانت فرح تكتب على مرآة رحيم في غرفة نومه بأحمر الشفاه الخاص بها.. اسمها، وكان رحيم يغضب عندما تمسح الخادمة الإسم من المرآة بهدف التنظيف.
ومها كانت وقتها..
رواية مسافات مشاعر الفصل الثاني 2 - بقلم روزان مصطفى
كانت مها وقتها.. قاطع تفكيرها دخول يارا زوجة نديم، وهي تلتقط أنفاسها وتقول:
"إيه يا مها؟ لازم نقوم ندور عليكي في الحمامات؟ حماتك بتسأل عليكي.. مش قادرة تقعد من غير مرات ابنها الحنينة."
كانت يارا تنظر باستعلاء لمها، التي قامت بمسح عينيها من بقايا الدموع وهي تقول:
"معلش يا يارا، قومتك وأنتِ حامل وتعبانة عشان تشوفيني."
يارا بتجاهل لأسفها:
"الناس مستنيينك، يلا يلا."
خرجت يارا من دورة المياه وأغلقت الباب خلفها. التقطت مها أنفاسها وخرجت للقاعة لتجد رحيم يقف بالخارج أمام الحمام ينتظرها. ابتسمت لا إراديًا عندما رأته. كان الشاب الأكثر وسامة بين إخوته، كان حديث فتيات العائلة بالإعجاب، وفتيات الصالة الرياضية، وأي فتاة تقع ناظرها عليه. به وسامة وجاذبية لا يعلمون مصدرها على الرغم من شعر رأسه الأسود وعيناه البنية.
قاطع أفكارها رحيم وهو يقول:
"ماما بتقولك البوفيه اتفتح لو عايزة تروحي تاكلي."
مها بلهفة:
"وأنت مش هتاكل؟"
رحيم صمت قليلاً ثم قال:
"لا."
ثم تركها وذهب للطاولة. سارت مها بخطوات هادئة حتى وصلت لطاولة والدة رحيم وجلست بجانبها وهي تقول:
"معلش يا ماما اتأخرت عليكي."
والدة رحيم بحنان:
"أنتِ تتأخري براحتك، عملتلك طبق أهو عشان شكلك تعبانة."
نظرت مها للصحن وهي تقول:
"لا ماليش نفس، أومال العرسان فين؟"
والدة رحيم:
"جوه في الأوضة بياكلوا، مينفعش ياكلوا قدام المعازيم. ربنا يعدي اليوم ده على خير وميهمزهاش بكلمتين جوه يخربوا اليوم."
مها بهدوء:
"آمين يارب."
قامت فرح من طاولتها وهي تحمل صحن الطعام الخاص بها. جلست على طاولة رحيم الذي كان يجلس وحيدًا بإرادته. نظرت له فرح وقالت:
"حسبتك بطلت سجاير لما خلفت عشان صحة ولادك؟"
شرد رحيم قليلاً ثم تذكر ما فعلته فرح وقال بضيق ورسمية:
"وأنتِ مالك؟"
بهت وجه فرح وهي تقول:
"مش قادر تسامحني ليه يا رحيم؟ أنت بتتعذب وأنت بعيد عني.. شايفاك بتنطفي وأنت قاعد مع مراتك.. زيك أنا برضه بتعذب."
ضحك رحيم بسخرية وقال:
"نكتة جديدة دي صح؟"
فرح بهدوء:
"مش نكتة، أي بنت حبتك لازم تتعذب وتعرف قيمتك لما تبعد عنك، وعشان أنا كنت المحظوظة من بينهن.. أنت حبتني أنا."
رحيم بضيق:
"كنت.. خلاص الموضوع خلص واتختم عليه إنه خلص كمان، جاية تفوقي بعد ما اتجوزت وخلفت!"
كانت مها تجلس على طاولة والدته وعيناها تحرقها كما لو أن دخان أسود تغلغل داخلهما. كانت تقبض على مفرش الطاولة بيدها وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة. تنظر لهما بعين الغيرة.
والدة رحيم لاحظت ذلك وقالت بصوت مرتفع نسبيًا:
"فرح."
نظرت لها فرح وقامت باتجاهها حتى تحدثها، بينما مها لم تُزيح نظراتها عن زوجها.
يارا كانت تنظر لما يحدث وتقول:
"تصدق يا حبيبي الفرح النهاردة مميز أوي، فيه شوية حاجات حصلت غيرت المود وتعب الحمل."
نديم بتركيز في الطعام:
"الخروف مطبوخ حلو أوي، كويس إن بابا اختار الشيف."
نظرت له يارا بغيظ ثم أكملت طعامها. اعتاد نديم على التعامل ببرود مع زوجته حتى لا تكمل حديثها المسموم دائمًا.
انتهى العرس، وركب كلاهما في سيارته برفقة زوجته. أغلق رحيم النوافذ الخاصة بسيارته وهو ينظر لأطفاله النائمين. كانت مها صامتة تمامًا لا تتحدث.
قطعت الصمت بعد مدة قائلة:
"لو ينفع تسرع شوية عشان ألحق أرضعهم."
نظر رحيم للخلف وقال بصدمة:
"هما لسه متفطموش؟"
بهتت ملامح مها وقالت:
"ولادك لسه مكملين سنة امبارح."
رحيم:
"بس بيمشوا!"
مها بضيق:
"مابيمشوش، بمسكهم من إيديهم وبخلي رجليهم تلمس الأرض، ممكن تسرع من فضلك؟"
رحيم بغضب:
"أعمل حادثة عشان ترتاحي يعني ولا عايزة إيه؟"
مها بخفوت:
"بعد الشر.."
وصل كلاهما للبناية، صعدت العروس مع سليم يلاحقهما تصفيق السعادة من الأهل حتى أغلقوا شقتهما خلفهما.
الحاج عبد الكريم لنديم:
"تصبح على خير يا بيه."
نديم:
"وأنت من أهل الخير يا بابا."
نظر الحاج عبد الكريم لرحيم قائلاً:
"تصبح على الخير."
أغلق رحيم باب شقته خلفه، ومها تحمل طفليها وتذهب بهما لغرفة النوم الخاصة بهما. ثم أغلقت الباب.
تنهد رحيم بتعب وهو يخلع حذاءه وقميصه. ثم ذهب لغرفة النوم الخاصة به وألقى جسده على الفراش، وغط في نوم عميق. متناسياً محادثته مع فرح، وكل ما حدث.
صباح اليوم التالي استيقظ على صوت قدح الزيت في المطبخ، ليقوم بتعب وهو عاري الصدر ببنطاله الرسمي. غسل وجهه وارتدى ملابس المنزل ثم ذهب باتجاه المطبخ، ليجد مها تقوم بتحمير طعام غداء في التاسعة صباحًا!
رحيم بضيق:
"الواحد بيفطر جبنة، مربى، لانشون حتى، مش يصحى الصبح يحمر ممبار وحمام وفراخ."
وضعت مها الطعام على محارم ورقية وهي تقول بهدوء:
"صباح النور، ده مش فطاري ده فطار العرايس. ماما طلبت مني أحمره في شقتنا، عشان يارا عندها وريحة الزيت بتتعبها في الحمل."
رحيم بغضب غير مبرر:
"طالما الحمل تاعبها أوي كده ما تقعد في شقتها! بيت أبويا نعمل فيه اللي إحنا عايزينه!"
مها برجاء:
"شش من فضلك. الولاد رضعتهم وناموا ما صدقت."
دخل رحيم للمطبخ وهو يحضر القهوة الخاصة به. نظرت له مها قائلة:
"خلصت طبخ لو عايزني أعملهالك."
قاطعها قائلاً:
"هعملها أنا."
شعرت مها بالغصة داخلها عندما تذكرت ما حدث بالأمس، فقالت:
"هروح ألبس الطرحة عشان أنزلهم الصنية."
ارتدت مها الوشاح وحملت الطعام ثم نزلت لشقة والدة ووالد زوجها. دخلت بهدوء ووضعت الطعام داخل المطبخ وعادت تقف أمام والدة زوجها وهي تقول:
"حمرتهملك يا ماما، عايزة مني حاجة تاني؟"
يارا بقلة ذوق:
"آه امسحيلي الأرض ههههه."
نظرت مها للأرض ثم أعادت نظرها ليارا ولم ترد، لكن والدة رحيم قالت:
"لا مسح الأرض ده لما تقومي بالسلامة يا يارا، عندي اللي بيلاحظ حاجة في شقتي مش تمام بيعملها."
يارا بتخاذل:
"أنا بهزر يا طنط."
قالت والدة رحيم لمها بحنان:
"تعالي اقعدي جنبي هنا، تعالي يا ماما."
جلست مها بجانبها فقبلت والدة رحيم رأسها وهي تقول:
"لو كنت خلفت بنت مكانتش هتبقى بحنيتك عليا دي، الله يصلح حالك ويخليلك ولادك يا رب."
مها بابتسامة:
"آمين."
يارا بغيظ:
"بمناسبة الولاد يا مها، مش ناوية تخاويهم وتجيبلهم بنوتة حلوة كده شبهك؟"
شعرت مها بالألم وابتلعت الغصة وهي تقول:
"لما ربنا يأذن."
مددت يارا ساقيها أمامها وهي تضع يدها فوق بطنها وتقول:
"آه، لما بقى."
والدة رحيم بضيق من يارا:
"ما تقومي تشوفي جوزك فطر ولا لسه، لو مش قادرة ناديه يفطر عندنا."
يارا ببرود:
"هناديه يفطر عندكُم، هو أنا قادرة أقف يا طنط عشان أعمل فطار، أنا كفاية عليا الغدا."
والدة رحيم:
"طب قومي ناديه الله يهديكي عشان ينزل شغله وهو واكل."
مالت والدة رحيم على أذن مها قائلة:
"هتنادي رحيم؟"
مها:
"لا يا ماما أنا حضرتله الفطار هو بيعمل قهوة فوق وهياكل."
والدة رحيم:
"العيال فين وحشوني، مبقدرش أعدي يوم غير لما ألاعبهم."
مها بضحكة:
"رضعتهم ونايمين، أول ما يصحوا هغيرلهم وأنزلهم لك على طول."
خرج الحاج عبد الكريم وهو يجفف وجهه بالمنشفة من الماء قائلاً:
"أهلًا إزيك يا بابا."
قالت مها بابتسامة:
"الحمدلله بخير."
الحاج عبد الكريم:
"ورحيم لسه نايم مش وراه شغل؟"
مها:
"لا وراه هو بس بيفطر وهينزل."
والدة رحيم:
"يعني إنتِ عارفة كل حاجة عنه مواعيده وتفاصيله وهو ميعرفش حتى عياله عندهم قد إيه، لاحول ولا قوة إلا بالله."
لم تعد تحتمل مها ذلك الحديث لتقول بأدب:
"أنا هستأذن عشان الولاد لو صحيوا."
صعدت للأعلى ودخلت شقتها، جلست بجانبهما وهي تهددهما بيدها التي تتزين بخاتم زواج رحيم.
خرج الأخير من الغرفة وهو يقول:
"اتغدي إنتي سواء هتعملي الأكل هنا ولا هتاكلي مع أمي، أنا هتغدا في الشركة. أووف نسيت المفاتيح."
دخل لغرفته ليحضر المفاتيح. رن جرس المنزل لتذهب مها وهي تضع الوشاح فوق رأسها. فتحت الباب لتجد فرح تقف أمامها بكامل زينتها وتقول:
"قولي لرحيم يلا عشان متأخرش على الشركة من أول يوم ليا."
علمت مها أن رحيم توسط لابنة خالته لتعمل معه في الشركة التي هو شريك بها. نظرت مها لفرح وفجأة..
رواية مسافات مشاعر الفصل الثالث 3 - بقلم روزان مصطفى
نظرت مها لفرح، وفجأة قاطع شرودها الحزين صوت رحيم وهو يقول:
"كنت نازلك دلوقتي."
فرح، وهي تنظر بنظرة ذات معنى لمها:
"طب يلا عشان منتأخرش."
ذهبت فرح وجاء رحيم ليخرج خلفها. منعته مها وهي تغلق باب الشقة وتنظُر لملامحه الرجولية عن قرب، ثم قالت بنبرة مهزوزة من الحزن:
"هي كل يوم هتركب معاك الصبح؟"
نظر لها ببرود ثم قال:
"مش فاهم؟"
بدأت شفتا مها ترتجفان وقالت:
"هتوصلها كل يوم؟"
فتح رحيم الباب وهو يتخطاها ويقول:
"هو النهارده بس عشان أول يوم ليها، بعد كده هتيجي لوحدها."
خرج من باب الشقة لتخرج مها خلفه وتقول بلهفة:
"هتتغدى معايا صح؟"
رحيم وهو ينزل الدرج:
"هتغدى في الشركة. اتغدى انتِ."
تركها وذهب، لتدخل شقتها مرة أخرى وتغلق الباب خلفها، وبدون سابق إنذار بدأت في البكاء.
وضعت كف يدها على صدرها في محاولة لإخماد نيران الغيرة والعشق بداخلها، ولم تتحرك من مكانها إلا عندما استمعت لصوت بكاء أطفالها الرضع، فذهبت بخضوع لغريزة الأمومة.
***
شقة سليم
كان يجلس على المقعد المتأرجح وفوقه نجمة، التي كانت تضحك بغنج من معاملته الرومانسية اللطيفة.
سألته قائلة:
"أنا خدت بالي إن والدك كان متضايق امبارح في الفرح، معرفش بس حسيت كدا بجو فيه خنقة."
سليم وهو يحتضنها:
"يااه دا انتِ تركيزك عالي على كدا، أنا كنت مركز معاكِ انتِ بس، بس على فكرة دا طبيعي عندنا يعني حاولي تتعودي على مزاجيتهم وحواراتهم."
احتضنت عنقه وهي تقول:
"طب ما تعرفني مالهم عشان أعرف أتعامل معاهم ومعاك الدنيا."
سليم وهو يتنهد:
"هتعرفي لوحدك مع الوقت، وواثق إنك هتعرفي تتعاملي، ما هو دا اللي عاجبني في شخصيتك إنك بتفهمي الشخص اللي قدامك وعلى أساس الفهم دا بتتعاملي معاه."
قبلت وجنته وهي تقول:
"أنا جوعت أوي بجد، ما تديهُم أي إشارة إننا صاحيين عشان يجيبولنا الأكل، لا يفتكرونا لسه نايمين في العسل."
ضحك سليم بخفة وقال:
"في بواقي التورتة بتاعة الفرح، قومي كُلي منها."
لوت نجمة فمها وهي تقول:
"هتخن، عاوزني أتخن؟"
سليم وهو يحتضنها ويعود بالمقعد للخلف بقوة:
"عاوزك بس."
ضحكت نجمة وهي تتشبث به، ويغرقان مجددًا في حبهما الحلال.
***
شقة نديم
كانت يارا تمسك بكوب اللبن الخاص بها وهي تجلس أمام التلفاز. دخل نديم الشقة وأغلق الباب خلفه وهو يقترب منها.
يارا وهي تشاهد التلفاز:
"فطرت خلاص؟"
نديم بضيق وهو يجلس بجانبها:
"آه الحمد لله."
يارا وهي ترفع أحد حاجبيها:
"ومالك بتقولها بتقُل كدا ليه؟ فيها إيه لما تستحمل فترة حملي، ما أنا مش قادرة أقف قدام النار ولا قادرة أقف من الأساس."
نديم بغضب:
"إيه يا يارا؟ انتِ ليه محسساني إنك أول ست في الكُرة الأرضية تحمل يعني!"
يارا بغضب:
"إيه الأسلوب اللي بتتكلم بيه دا!"
قام نديم من جانبها وهو يقول بصوت مرتفع:
"عشان طهقت! ماشي مقدرك وشايلك على كفوف الراحة أنا وأهلي، بس انتِ مش مقدرانا! واخدة دا حق مكتسب ليكي وبتتكلمي بمنتهى الغرور، إيه ما ترحمي نفسك شوية من الضغط دا."
حذفت يارا كوب اللبن على الأرض وهي تنظر له بعينين كجمرة من النار وقالت:
"اتصل على ماما دلوقتي."
فرك نديم عينيه وهو يملس على ظهرها ويقول بصوت هاديء:
"طب معلش يا حبيبتي اهدى، أنا آسف، انْفعلت بس.."
يارا بصراخ أفزعه:
"اتصل على مامتي دلوقتي حالاً."
***
بعد مرور نصف ساعة
والدة نديم ليارا:
"خلاص بقى يا يارا، بلاش تزعجي ماما على الصبح وتعملي مشكلة من مفيش، نديم نزل يعملك مفاجأة عشان يصالحك."
وضعت يارا ساق فوق ساق وهي تقول:
"ولو اتكررت منه تاني؟ أوك أنا عملالك انتِ احترام يا طنط.. بس بعد كدا بقى هنزل الشارع بنفسي وهروح لماما ومش هعمل اعتبار لحد.. تؤ كرامتي أنا مينفعش يتزعقلي كدا، حتى بابا عمره ما زعقلي."
والدة نديم:
"معلش حقك عليا أنا، وهي أكيد مش هتتكرر، دا نديم طيب والله أطيب واحد في عيالي، وبيحبك."
رفعت يارا كتفيها وهي تقول:
"ممم خلاص أوك، أما نشوف المفاجأة اللي نزل يجيبها هتكون عدلة ولا لا."
والدة نديم:
"لسه مفيش أخبار عن ميعاد الولادة؟"
يارا وهي تملس على بطنها المنتفخ:
"ياريت يا طنط يكون فيه عشان أنا تعبت أوي، لا عارفة أنام كويس ولا آكل كويس، وحتى مزاجي مش تمام."
ربتت والدة نديم على ظهر يارا وهي تقول:
"معلش يا بنتي ربنا يقومك بالسلامة، هي البكرية دايمًا كدا، رحيم برضو كان أول حملي وكان تاعبني. يلا، هقوم أنا أشوف عمك الحاج لو محتاج حاجة، وانتِ لو زهقتي تعالي اقعدي معانا."
يارا برفض:
"لا لا لا، أنا هرتاح شوية هنا، روحي انتِ يا طنط."
قامت والدة نديم وذهبت لشقتها، وجدت مها تجلس على المقعد، فـ أغلقت باب الشقة وهي تنظر لمها الباكية وتقول:
"خير، اللهم اجعله خير."
حملت والدة رحيم حفيدها من بين يدي مها وهي تنظر لشقيقه النائم في عربة الأطفال:
"رضعتيهم؟"
مها بحزن:
"آه، واحد نام والتاني لسه."
والدة رحيم:
"احكيلي، زعقلك ولا تقصير كالعادة."
مها ببكاء:
"لا التقصير والزعق دول مبقتش أشتكي منهم، بس إنه يشغل معاه بنت خالته فرح في الشركة ويوصلها بنفسه دا اللي م.."
قاطعتها والدة رحيم وهي تقول:
"استني كدا! مشغل معاه فرح إزاي يعني؟"
مها ببكاء:
"جت خبطت علينا الصبح وقالت إنها بقت تشتغل معاه وإنه هيوصلها، لا ورحيم بيقولي اتغدى انتِ عشان هيتغدى هو معاها في الشركة."
والدة رحيم بصدمة:
"شوف البت مفاتتش يعني، سلمت عليا ولا عرفتني إنها هنا، طب يا فرح حسابك معايا بعدين، وانتِ يا بت ولا يهمك، مفيش غدا في الشركة، أنا هتصل بيه وهعزمكم كلكم عندي إنهاردة."
مها بأمل:
"طب وفطار العرسان!"
والدة رحيم:
"يطلعلهم شقتهم، وإيه يعني لو جاعوا بالليل، المهم أنا هتصل بيه وهقوله ميتغداش وهأكد عليه، وأما أكلم أختي أشوف حكاية الست فرح دي."
وضعت مها يدها على يد والدة زوجها وهي تقول:
"بس أنا خايفة رحيم يعرف إني اشتكيتلك كالعادة ويحصل مشكلة."
والدة رحيم:
"يحصل اللي يحصل، طب خليه يكلمك كدة نص كلمة وشوفي هعملك في إيه، يلا روحي المطبخ بتاعي طلعي كيسين لحمة وكيس كوارع.. هنعمل فتة لحمة وشوربة كوارع.. معرفش في ممبار ولا لا."
مها:
"هنلحق نخلصهم؟"
والدة رحيم:
"قولي يارب، قومي بس وهخلي جوزك يجيبلنا حاجة حلوة معاه كمان."
قبلت مها وجه والدة زوجها وهي تركض للمطبخ بسعادة، أخرجت اللحوم وقامت بفتح صنبور المياه.. ثم تذكرت المرة الأولى التي أحبت فيها رحيم.
رواية مسافات مشاعر الفصل الرابع 4 - بقلم روزان مصطفى
سيارة مُصطفة على طرف الطريق، تجلس فوقها فتاة حسناء ويقف أمامها رحيم.
مُنبعث من داخلها صوت أغنية تقول:
"كمل كلامك الليلادي معاك أنا، كمل وقولي يا كُل عمري يا أنا..
دا كُل كلمة وإنت جنبي قولتها، بحلم حبيبي تقول بحبك بعدها."
كانت مُتربعة وشعرها يُحركه الهواء، وكانت نظراته لها كـ المُتيم المُشخص نظره للقمر.
أما مها، كانت تقف داخل إحدى عربات الطعام، تُساعد في تحضيره للزبائن.. ذلك هو عملها.
مالت عليها صديقتها وقالت:
"أهو بقاله سنة بييجي معاها يأكلها من عندنا ويتكلموا شوية ويمشوا، المفروض تشكُري خطيبتُه لإنها السبب إنه ييجي هنا وتشوفيه."
قالتها بسُخرية.
ردت مها بسُرعة:
"مش خطيبته دي بنت خالته، سمعته مره بيكلم مامتها وقالها يا خالتي."
صديقتها:
"وحتى لو بنت خالتُه مادام بيجيبها هنا وبيبصوا لبعض بحُب كِدة يبقى في حاجة، بعدين يابنتي خطيبتُه أهي مش شايفة الدبلة اللي في إيديها؟ يا مهااا."
أفاقت مها على صوت والدة زوجها وقالت بأدب:
"أيوة يا ماما."
والدة رحيم:
"سرحانة في إيه، دا الأكل إتهرى في إيدك تحت المياه، إوعي وسعيلي أنا هعمل وروحي شوفي عيالك."
مسحت مها دمعة عالقة على جفنها وقالت بتوهان:
"هُما صحيوا؟"
أغلقت والدة زوجها صنبور المياه وقالت بشفقة:
"مالك يا بنتي؟ إنتي زي ما تكوني إفتكرتي حاجة ضايقتك وعكننت عليكي، ولو زعلك وسرحانك عشان البت فرح مع رحيم في الشركة، فـ أحب اقولك إنك إنتي الأصل وأم ولاده التوأم.. هي بنت خالتُه وبس يعني إنتي موقفك أحسن منه."
نظرت مها للأرضية فـ أكملت والدة زوجها قائلة:
"أنا عارفة إنتي أد إيه بتحبي رحيم، عشان كدة إنتي أكتر واحدة من مراتات عيالي بحبها.. وعشان طيبة وقلبك أبيض."
ضمتها:
"ربنا يخليكي ليا يا ماما، هو أنا قبلكُم مكونتش اعرف يعني إيه عيلة بس الحمدلله ربنا عوضني بيكُم."
إقتحمت يارا مطبخ والدة زوجها وهي تقول بكيد:
"بُصي يا ماما نديم جابلي إيه؟ إسوارة دهب عشان يصالحني."
إبتسمت مها بصفاء قلب وقالت والدة نديم لـ يارا:
"مبروك يا بنتي تتهني بيها، شوفتي بقى نديم بيحبك إزاي."
نظرت يارا بطرف عينيها لـ مها قائلة:
"طبعًا حُب الزوج دا نعمة، ربنا يرزُق اللي فاقدها بيها."
صُعِقت مها مما قالته يارا وعضت شفتها السُفلى ثُم قالت لوالدة زوجها:
"تحبي.. أغسلك الخُضرة يا ماما؟"
لم تُعطِ يارا الفُرصة لوالدة زوجها بالرد وقالت لمها:
"إغسلي إغسلي الخُضرة يا مها، سلي فراغك."
ثُم ضحكت وخرجت من المطبخ.
إستندت مها بعد إرتفاع ضغطها على الحائط، قالت والدة رحيم بغضب:
"يارا!!"
وضعت مها يدها بسُرعة فوق ذراع والدة رحيم:
"بالله عليكي خلاص، أنا مش زعلانة منها يارا زي اختي هي بس بتحب تهزر معايا كدة من وقت للتاني."
سحبت والدة رحيم ذراعها وقالت:
"خوت في دماغها! دي بت قليلة أدب ونديم مدلعها على الأخر، لازم أوقفها عند حدها."
وضعت مها يدها على صدرها في رجاء وقالت:
"عشان خاطري أنا يا ماما، وحياة ولادي ما زعلانة منها، خـ.. خلينا نكمل طبخ عشان رحيم قرب ييجي.. يلا تحبي أغسلك الخُضرة دلوقتي ولا الرُز؟"
والدة رحيم بضيق من طيبة مها:
"لاحول ولا قوة إلا بالله."
*في شقة سليم كان يقف أمام مرآة الحمام وهو يُخفف من ذقنه التي رفض أن يفعل بها ذلك قبل زفافُه.
قالت نجمة وهي تحاول إغلاق السحاب الخاص بـ فُستانها:
"البنات كلها وقت فرحها بتخس وتنزل في وزنها عشان يبقوا فراشات، إلا أنا.. إنت وقت خطوبتنا مكونتش مديني فُرصة أخُد نفسي من كُتر ما مامتك كانت بتعزمنا على أكل وإنت بتعزمني على مطاعم برة، دة غير الحلويات والشوكولاتات الهدية."
سليم بصوت مُرتفع:
"عشان تعرفي بس إننا مدلعينك."
نجمة بضيق من السحاب الرافض للإغلاق:
"دا واجبك يا بابا تدلع مراتك وتهتم بيها."
خرج من الحمام وهو يُجفف وجهه ثُم سحبها من يدها وهو يُغلق لها سحاب الفُستان، ويقول بهمس من خلفها بالقُرب من عُنقها حتى جعلها ترتجف:
"وواجبها هي تبسطني، وتحبني."
وضع قُبلة رقيقة على عُنقها بعد ما أغلق السحاب فـ إبتسمت هي، صفعها على ظهرها بخفة وهو يقول:
"السوستة كانت عاوزة إيد جامدة شويتين، ملهوش علاقة بـ وزنك اللي زي العسل."
نجمة:
"وبعدين بقى إتلم عشان خلاص المرة دي بجد هننزل، دي ثالث مرة اغير بسببك."
سليم:
"حقي شرعّا وقانونًا، محدش ليه عندي حاجة."
نجمه وهي تضع بعض العطر وترتدي سّترتها الچينز:
"ماشي ياحبيبي بس في عزومة، مينفعش نتاخر أكتر من كدة."
إرتدى سليم ملابسُه وهو يقول:
"عشان خاطرك إنتي بس ♡."
ضحكت بغنج فـ قال بتأفف:
"متستفزنيش عشان مترجعيش تزعلي طيب."
نجمة:
"هو أنا إتكلمت؟"
* بعد أن تم وضع الطعام على الطاولة.
والدة رحيم:
"يلا يا مها إطلعي بسُرعة غيري هدومك ورُشي برفان حلو كدة عشان تفوقي رحيم جاي في السكة."
مها:
"طب هرضع الولد الأول عشان بيعيط و.."
والدة رحيم:
"يا شيخة يلا الولد مش هيطير، بسُرعة بس."
جلست يارا بجانب رحيم وهي تنظُر للطعام برغبة وقالت:
"الله كان نفسي أوي في الأكلة دي."
والدة رحيم بضيق منها حاولت إخفاؤه قدر الإمكان:
"بالهنا والشفا على الجميع."
وجهت حديثها لنديم قائلة:
"أحُطلك ورق عنب سادة ولا بالكوارع؟"
نديم:
"لا سادة."
وضعت في صحنه وقالت:
"إبدأوا أكل."
رحيم فات يجيب حاجة حلوة وزمانه على وصول، عاوزة ممبار يا يارا؟
مدت يارا صحنها وقالت:
"روقيني إنتي بقى."
جلست نجمة بجانب زوجها سليم وهي تقول:
"مكلمتنيش ليه يا حماتي أنزل أساعدك؟"
والدة رحيم:
"إزاي يعني عروسة ونشغلها؟ إنتي تقعدي معززة مُكرمة في شقتك وإحنا نعملك لغاية ما شهر العسل يخلص وجوزك ياكُل من إيدك بقى."
إلتقط سليم يد نجمة وقبلها فـ إبتسمت بحرج.
مدت يارا يدها لنديم بعد ما رفعت حاجبًا فـ قبلها برقة لتجلس وهي تنظُر بإنتصار لنجمة، لاحظت نجمة حركتها الطفولية تلك ولكنها فضلت تجنُبها مؤقتًا ثُم قالت لوالدة رحيم:
"هي مها فين؟"
دخلت مها غُرفة الطعام وهي تقول برقتها المعهودة:
"أنا هنا أهو."
كانت ترتدي قميص باللون الازرق الحرير، يُزين وجهها الحُجاب، وتنورة سوداء.
حركت يارا الملعقة في صحنها وهي تنظُر بحقد لمها التي جلست مُبتسمة.
نديم بإبتسامة:
"تسلم إيدك يا مها حقيقي الأكل يجنن."
مها بخجل:
"صحة وعافية."
يارا وهي تلتقط الدجاج وتضعه في صحنها:
"مش هي بس بس اللي عملت، طنط هي اللي قامت بكُل حاجة."
تضايقت نجمة من يارا كما تضايق الجميع، لكن الرد أثار نجمة وقالت لـ يارا:
"وهي برضو اللي ساعدت حماتي في المطبخ وقت ما كّنا أنا وإنتي كُل واحدة بترتاح في شقتها، يبقى تسلم إيديها وكتر خيرها."
شعرت مها بقلبها ينبُض، للمرة الأولى يهُب أحدهُم للدفاع عنها ولكنها تكره أن يقع أحدهُم في مُشكلة بسببها فـ قالت:
"والله يا جماعة هي فعلًا ماما اللي عملت وأنا مُجرد ساعدتها، النفس الحلو دا نفس ماما.. وبجد شُكرًا لتقديركم."
يارا بسُخرية هامسة:
"شوية شوية هيطلعوها تتكرم على المسرح."
نغزها نديم من أسفل الطاولة وهو يقول:
"بس بقى!"
دقتين على الباب جعلت قلب مها يهُب سعادة بعد ما قالت والدة رحيم أن إبنها قد جاء.
قامت لتقف وهي تُمسك بصحنُه وتضع فيه ما لذ وطاب.
نظر لها نديم بشفقة من شِدة حُبها لشقيقه.
رحيم:
"السلام عليكُم."
ردوا جميعًا السلام، ورفعت مها عينيها وهي تنظُر له مُبتسمة مُنتظرة ان ترى الإعجاب في عينه مما ترتدي.
وقع الصحن من يدها فوق الطاولة ليشهق الجميع.
يداها ترتجف وهي تنظُر لفرح تقف بجانب رحيم!
رواية مسافات مشاعر الفصل الخامس 5 - بقلم روزان مصطفى
لاحظ رحيم سقوط الصحن من يد زوجته مها، لكنه لم يُعرها اهتمامًا. نظرت لها فرح فوقيًا، ثم وقفت تنظر لشاشة هاتفها.
والدة رحيم، وهي تنظر لفرح الواقفة بجانبه، قالت:
"اتأخرت يعني. هاتي طبق لفرح يا نجمة من فضلك."
قامت نجمة وقالت:
"عينيا."
ملست والدة رحيم على ظهر مها المصدومة وهي تقول:
"اقعدي يا مها كُلي عشان بترضعي. جسمك محتاج غذاء. هحضرلهُم أطباقهُم أنا."
جلست مها وهي تُلملم الطعام المُبعثر فوق مفرش الطاولة البلاستيكي. لحُسن الحظ لم يقع أرضًا. التقطت ملعقتها وبدأت في تحريك الحساء وهي تنظر لفرح بألم.
سحب رحيم المقعد لفرح التي شكرته برقة وجلست. قام بسحب المقعد بجوارها.
لتقول والدته:
"لا استنى، دا مكاني. هقعد أنا جنب بنت أختي. تعالى اقعد إنت جنب مراتك هنا."
جاء رحيم لينطق، لكن مها سبقته قائلة لوالدته:
"لا تمام يا ماما. أنا معنديش مشاكل. في النهاية فرح ضيفة رحيم وزميلته في الشغل، طبيعي يقعد جنبها. تعالي اقعدي إنتي جنبي."
ملست مها على المقعد بجوارها لتجلس والدة رحيم وهي تقول:
"ربنا يكملك بعقلك يا بنتي."
بابتسامة، وضعت الطعام في صحن والدة زوجها. ليستيقظ كبير العائلة أخيرًا وهو يقول:
"بالهنا والشفا. معلش واخد دور برد مش هعرف أشاركُكم اللقمة. هشرب حباية الدوا وأريح."
زوجته:
"مقولتليش ليه يا حج؟ أنا ولّك المياه بدل ما تقوم."
حضرت نجمة وهي تحمل الصحن ووضعته أمام فرح، ثم جلست في مقعدها.
والدة رحيم:
"أمك عاملة إيه يا فرح؟ مبترفعش سماعة التليفون يعني تقول هسأل على أختي."
فرح بهدوء:
"كويسة والله. كانت بتفكر تجيلك، بس..."
نظرت فرح عن عمد لمها قائلة:
"بس إنتي عارفة ماما بتحب تقعد معاكي براحتها ولوحدها. وإنتي بيتك مبيخلاش يا خالتو من الناس."
ابتلعت مها الغصة كعادتها ولم تعقب رغم أنها المقصودة. فهمت والدة رحيم المعنى وقالت:
"بيتي معمور بالحبايب والأهل مش بالناس الغريبة. بالحلوين اللي ولادي متجوزينهم وبأحفادي. عقبال فرحك كده ونشيل عيالك زي ما شيلنا عيال رحيم."
ترك رحيم ملعقته وهو ينظر لوالدته بضيق. أخرج علبة السجائر من جيب بنطاله ثم أعادها في حركة أظهرت توتره بشكل ملحوظ.
بلت مها شفتيها وهي تغلق عينيها بغيرة، لأن زوجها رفض مجرد فكرة أن يتخيل أن فرح ستتزوج بآخر.
أنهت مها طعامها وهي تحمل صحنها وتقول:
"صحة وعافية للجميع."
رحيم لوالدته:
"جبتلك جاتوه. محددتيش حاجة حلوة فجبت على ذوق فرح."
وقفت مها في منتصف طريقها للمطبخ وهي ترى غيرها يحصل على أحقيتها في حياة زوجها. لاحظت نجمة تعثرها في الطريق، فنظرت لظهرها الصغير بشفقة.
والدة رحيم:
"تعيش وتجيب يابني، تسلم إيدك."
وضعت مها الصحن في المطبخ ثم استندت بكلتا يديها على الحوض وهي تبكي وترتجف. مسحت وجهها سريعًا وهي تهوي على عينيها الحمراوين خوفًا أن يلاحظها أحد.
جاءها صوت من خلفها يقول:
"بتكتمي دموعك ليه؟ حقك تعيطي عشان تطلعي اللي جواكِ."
نظرت مها خلفها لتجد نجمة تضع صحنها الفارغ، فقالت مها:
"لا أنا أصلًا افتكرت حاجة فـ..."
نجمة بمقاطعة لحديثها:
"لا أنا خدت بالي من سخافة وقلة ذوق العقربتين اللي برا."
جلست نجمة على المقعد على الطاولة في المطبخ وقالت:
"ومش عاجبني إنك ساكتة. لعلمك أنا بفهم في الناس، ونظرتي ليكي إنك مبتمثليش طيبة. دا طبعك، ودا هيخلي كتير ييجي عليكي للأسف."
رفعت مها أكمام قميصها وهي تفتح صنبور المياه لتغسل الصحون، ثم قالت:
"يا ستي سيبيها على الله. أنا بس عايزة أطلب منك طلب. مترديش على يارا يعني لو هزرت معايا عشان متكرهكيش. أنا مش بزعل منها، هي صغيرة وروحها مرحة."
نجمة بغيظ:
"روحها مقرفة. دي بت صفرا بجد. إنتي إزاي بتقولي على صفارها هزار؟ وبتغير منك عشان إنتي بيضا وملفوفة ماشاء الله. أنا خدت بالي من دا."
تورّد وجه مها وهي تنظر لنجمة قائلة:
"بجد؟"
اتسعت عينا نجمة وهي تقول حبًا لتلك الفتاة الطيبة:
"يابنتي إنتي جميلة جدًا اللهم بارك. يخربيت أبوهم اللي معقدينك."
ضحكت مها من بين دموعها، فضحكت نجمة وقالت:
"أقسم بالله، إيه أصله دا."
وقفت نجمة وهي تقول:
"هعملهم أنا الشاي عشان إيدك متسيبش قدام الصرمتين اللي برا."
ضحكت مها، فضحكت نجمة لأنه نجحت في إسعادها. وأضافت:
"لو عايزة تتكلمي مع حد أنا موجودة. نقعد سوا."
مها:
"كتير خيرك. حقيقي مش عارفة أقولك إيه."
نجمة:
"لا متقوليش. تعالي بجد اتكلمي معايا. دي مش عزومة مراكبية."
دخلت والدة رحيم وهي تقول:
"الله يرضى عنكم. كنت شايلة هم الشاي والمواعين ومش عايزة أتقل على مها."
تحدثت نجمة مع والدة زوجها، بينما شردت مها في الليلة التي كانت السبب في حملها بالتوأم.
***
منذ عام.
دخل رحيم شقته بعد أن فتحت مها له الباب. ركض على حوض المطبخ مستفرغًا مياه وهو يغسل فمه قائلًا:
"..."
"الغبي دا."
مها بِـ فزع:
"إيه اللي حصل؟"
رحيم بغضب:
"فضل يصب ليا على أساس إنه خالي من الكحول. طلع فيه كحول ومليان كمان."
شهقت مها وهي تضع يدها على فمها وتقول:
"شربت خمرة يا رحيم!"
رحيم بتبريقة وهو ينظر لها:
"ششش. وطي صوتك! مش عايز لا إخواتي ولا أبويا وأمي يعرفوا حاجة عن الموضوع دا."
كانت مها ترتجف لأنها كانت تستحم، مرتدية الروب الخاص بالحمام وشعرها يُنقط مياه، مُلتصقًا بوجهها الأبيض القمري. وقالت:
"حاضر."
نظر لها وهي في تلك الحالة، لتضم بيدها فتحة الروب أسفل عنقها وقالت بصوت مُرتجف بردًا:
"كنت بستحمى وسمعت الجرس ورا بعضه فـ عرفت إنك نسيت مفتاحك. ملحقتش ألبس و..."
قطع المسافة بينه وبينها وهو يقف أمامها، يُمسك بذقنها الصغير ويجعلها تنظر له، ثم قال:
"أول مرة متلبسيش طرحة قدامي."
نقلت نظراتها بين عينيه وقالت:
"عشان دا طلبك من ساعة ما اتجوزنا. إنت قولتلي مراتي على الورق بس وأنا..."
رحيم بنبرة هائمة:
"إنتي إزاي حلوة كدا؟"
نبض قلبها. وضع يده حول عنقها صعودًا لوجنتها، مُتلمسًا خط شفتيها بإصبعه، فـ قالت هي بنبرة خائفة:
"إنت عشان سكران يا رحيم دلوقتي فـ مش عارف. لما تفوق هتندم لو قربتلي لأنه مش من قلبك."
رفعها من خصرها، يجعل قدميها يحاوطان خصره. تشبثت بعنقه وهي تنظر للأرضية لأنه أطول منها قامة. فـ قال وهو ينظر لعينيها الخائفتين:
"عشان غبي. بصيلي بعيونك الحلوة دي."
كانت تتنفس الصعداء بسرعة، خائفة، متوترة من قربه لها بتلك الدرجة، لأنها تحبه وتخشى أن تضعف تحت تلك الهيمنة. سار بها باتجاه غرفتهم. لتقول وهو يحملها:
"طب نزلني عشان أفوقك."
رحيم:
"فوقيني في حضنك."
الوقت الحالي، أفاقت على غلق صنبور المياه بقسوة. نظرت لتجد رحيم أمامها، فـ اتسعت عينيها بصدمة وثغرها مفتوح بنصف فوهة.
قال رحيم:
"المياه نازلة نار على إيدك. اتلسعتي، مش حاسة بيها."
ازدردت ريقها وقالت بحزن ورقة:
"هحط عليها تلج."
جاءت لتخرج، فـ التقط يدها و...
رواية مسافات مشاعر الفصل السادس 6 - بقلم روزان مصطفى
جائت لتخرج فـ التقط يدها وسحبها تجاهه وهو يقول:
لا، لما بتتلسعي مينفعش تحطي ثلج عشان ميزيدش الألم.
استني هحطلك.
قالت مها بإستنكار:
دقيق!
قال رحيم بجدية:
أيوة دقيق وتسيبيه شوية هيروح الوجع.
أحضر من الثلاجة عبوة الدقيق وبدأ في تدليك كف يدها فقالت هي وهي تستشعر أنفاسه الدافئة:
الوجع مابيروحش يا رحيم.
قال رحيم بتركيز:
عشان لسه محتاج تستني عليه شوية.
نظرت مها لوجهه المرتكز على كف يدها وقالت وهي بدرجة القرب تلك منه:
استنيت عليه سنين مش بيروح.
عند هذه النقطة رفع وجهه وقابلت عيناه عينيها. ترك يدها ببطء وقال:
أومال أنا أقول إيه لما أنتي وجعك مش بيروح!
على الأقل أنتي حققتي أمنيتك بالجواز مني.
لكن أنا خسرت الإنسانة الوحيدة اللي حبيتها بسببك.
ماذا! هل صوت تهشم قلبها صدر للتو؟ كيف يواجهها بحقيقة حاولت مرارًا وتكرارًا الهرب منها. وبتلك القسوة!
خرج من المطبخ تاركًا إياها ويدها البيضاء ملوثة بغبار الدقيق. فتحت صنبور المياه لتغسله وكأن ذلك الألم الضئيل لن يضاهي ألم قلبها.
خرج رحيم ليجد أن فرح غادرت. فقال بضيق:
فرح راحت فين؟
والدته وهي تحمل الصحون:
مشيت. قالت أمها اتصلت عليها.
قالت نجمة بتلميح أنها رأته مع زوجته:
هي كانت رايحة المطبخ تشرب لكن مدخلتش، راحت على الحمام غسلت أيديها وبعدها سحبت شنطتها ومشيت.
عقد رحيم حاجبيه ولكنه أفاق من ضيق صدره على صوت طفله الرضيع يبكي جوعًا. حضرت مها سريعًا وهي تحمل طفلها. وضعت إصبعها بالقرب من شفتيه لتجده يمتص إصبعها جوعًا. وعندما لم يحصل على الحليب بكى بلهفة:
هطلع أنا عشان أغيرلهُم وأرضعهُم بعدها هخلص لك المواعين يا ماما.
قالت نجمة بتقدير:
لا اطلعي أنتي يا مها أنا اللي هخلصهم. كفاية تعبك طول اليوم.
قالت مها بنبرة هادئة:
رحيم ممكن تجيب البيبي التاني من فضلك؟
حمل رحيم طفله وهو يقول للجميع:
هتعوزوا حاجة يا جماعة؟
والدته:
مش هتدوق الجاتوه اللي إنت جايبه يا ابني؟ ما تدخلي يا مها ترضعي ابنك جوة.
قالت مها بتوتر من بكاء الطفل:
معلش يا ماما عشان غياره وحاجته فوق. يلا السلام عليكم.
الجميع:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
صعدوا لشقتهُم فخرجت يارا من دورة المياه وهي تجفف يدها. بعدها جلست بتعب بجانب زوجها نديم وهي تقول:
بتتحجج بابنها، وهي مش عاوزة تدوق الجاتوه عشان فرح اللي منقياه.
نظر نديم بنظرة مشتعلة لزوجته وقال:
بتبهريني بتركيزك مع الكل. لو ركزتي معايا نص تركيزك مع الناس كان زمان حياتنا شكلها غير.
كتفت يارا يدها فوق بطنها المنتفخ من الحمل ونظرت له بمكر قائلة:
طب هات تليفونك أفتشه، طالما عاوزني أركز معاك.
أخرج نديم هاتفه بدون تردد ووضعه فوق بطن يارا وهو ينظر لها ويقول:
فتشي، ما فيهوش حاجة.
جائت والدة رحيم وهي تضع أطباق الحلوى أمامهُم والقهوة والعصير وهي تقول:
نفسي مرة نتجمع كلنا من غير ما تحصل مشكلة وكلام جانبي، نتجمع كعيلة حلوة قاعدين بيتغدوا سوا. إيه الدنيا هتطير لو دا حصل!
التقط نديم فنجان القهوة الخاص به وقال قبل أن يرتشف منه:
اعذريني يا أمي بس مجية فرح مع رحيم النهاردة ملهاش أي لازمة. رحيم لازم يعرف قيمة الست اللي معاه.
قالت يارا بضحكة قصيرة:
بالعكس فرح عملت جو حلو.
نظرت لها والدة رحيم بحاجب مرتفع ثم أعادت نظرها لنديم قائلة:
يا ابني ضيفة وجيالنا وقت الأكل، أطردها؟ مينفعش يا ماما. لو جالك ضيف وقت الأكل حتى لو عدوك بتأكله معاك. ودي في الأول والآخر بنت أختي مش عدوتي.
قال سليم وهو يتصفح هاتفه:
أنا شايف إن نديم معاه حق، مش الفكرة في تصرفك يا ماما. الفكرة في تصرف رحيم اللي مش قادر ينسى أيام زمان.
خرجت نجمة من المطبخ وهي تحمل صينية وتقول:
صح لسانك يا حبيبي، مها صعبت عليا جدًا يا ماما.
قالت والدة رحيم بابتسامة:
هتطلعيلهُم منابهُم من الجاتوه؟ يا بنتي أنتي عروسة عيب عليا أشغلك.
قالت نجمة:
وإيه يعني لما أغسل طبقين خلاص نقش الحنة هيروح من إيدي؟
قال سليم:
هاتي أنا أطلعه يا حبيبتي واقعدي كلي طبقك.
التقط سليم الصينية من يد زوجته ثم همس في أذنها:
إيه الحلاوة دي.
بمجرد أن استقرت بوجهها وهي تجلس بجانب المكان الذي يجلس به سليم. لاحظت يارا الحب بينهما. فنظرت لنديم وجدته مشغولًا في شرب قهوته. مالت برأسها على كتفه. فنظر لرأسها المستند عليه وقال:
حاسة بحاجة يا بابا؟
قالت يارا:
ممم حاسة إني عاوزة أطلع أريح ضهري فوق شوية.
قال نديم:
طب هخلص القهوة بس ونطلع.
التقطت والدة رحيم الريموت وقالت:
مفيش طلوع، فيه أوض فاضية ونضيفة جوة اللي عاوز يريح. لكن النهاردة يوم الأسبوع بتاعي. هنتعشى سوا ونتفرج على مسرحية الواد سيد الشغال.
قال نديم:
طب قومي يا حبيبتي ريحي جوة.
اعتدلت يارا وقالت:
طب إشمعنى رحيم ومها طلعوا يا طنط؟
يضيق والدة رحيم عينيها وهي تبحث عن المسرحية وقالت دون أن تنظر لـ يارا:
عشان هيغيروا للعيال. كمان شوية هخليهم ينزلوا تاني.
عادت يارا رأسها للوراء وهي تنظر لشاشة التلفاز وقالت:
لا وعلى إيه خلينا نتفرج.
صعد سليم للأعلى وقام برن جرس شقة رحيم. كان رحيم يستعد ليستحم، عاري الصدر ويرتدي بنطال بدلته القماشي الأسود. خرج من غرفة النوم وهو يضع القميص على جسده وقال بصوت مرتفع:
مين؟
قال سليم:
افتح يا رحيم أنا سليم.
فتح رحيم وهو ينظر لأطباق الحلوى بيد شقيقه وقال:
يا عم مكانش ليه لزوم، يعني أنا مش هعرف أجيب جاتوه لبيتي يعني.
قال سليم:
بس دا طعمه هيفرق معاك لإنه ذوق فرح هانم.
قال رحيم بضيق:
بتتريق؟ كأنك مش عارف اللي حصل وقتها.
التقط رحيم الصينية فـ قال سليم:
الماضي الكلام فيه مش هيغير شيء، لكن الحاضر بيقول تركز مع بنت الحلال اللي ربنا كرمك بيها. أم عيالك يا رحيم. إحنا هنتحاسب قدام ربنا على بنات الناس اللي أخدناهم من بيوت أهاليهم معززين مكرمين. نعاملهم بما يرضي الله.
قال رحيم بحزن:
مش بإيدي. بس فل. اتفضل معانا طيب؟
قال سليم وهو يضع يده في جيب بنطاله:
لا يا عم أمك تحت مشغلة المسرحية ومستنيانا. شوية كده وتعالى أنت ومها عشان نكمل السهرة.
قال رحيم:
هاخد شاور على السريع ولما تخلص هننزل.
نزل سليم فأغلق رحيم باب الشقة وهو يضع صينية الحلوى على الطاولة. قرر أن يقتحم غرفة الأطفال لينبه زوجته سريعًا أنهُم عليهم النزول للأسفل حتى لا تحزن والدته.
عندما فتح باب الغرفة كانت مها نصفها العلوي. نصفه عاري، قميصها يغطي نصف والنصف الآخر لا. لإنها كانت تطعم صغيرها.
لم يغلق رحيم الباب بل ظل ممسكًا بمقبضه وهو ينظر لها ببلاهة.
ارتبكت مها وهي تحاول أن تغطي جسدها.
ثم...
رواية مسافات مشاعر الفصل السابع 7 - بقلم روزان مصطفى
ظل مُمسكًا بمقبض الباب وهو ينظر لها ببلاهة، وبجرأة جعلت وجنتيها تتوردان خجلًا وهي تستُر جسدها ذو النصف العاري.
وضعت ابنها النائم بين يديها على الفراش بهدوء حتى لا يستيقظ، ثم نظرت لرحيم وهي تُغلق أزرار قميصها قائلة:
حاضر هغير هدومي بس عشان اتبهدلت.
عينيه كانت تتفحص جسدها، مما أثار خجلها جرعة مضاعفة.
أبعد عينيه عنها بصعوبة وهو يلتقط أنفاسه وقال:
و.. وأنا هدخل آخد شاور على السريع، تكوني إنتِ غيرتي هدومك وغيرتي للولاد.
ابتسمت له بإبتسامة رقيقة من وجهها المضيء:
حاضر.
ترك المقبض وفر من أمامها سريعًا قبل أن يرتكب خطأ يجعلها تُنجب له توأم آخرين.
بدلت ملابسها وبدأت في تبديل ملابس الأطفال.
خرج رحيم من دورة المياه وهو يُجفف خصلات شعره، وبدأ في ارتداء ملابسه.
بعد قليل اصطحب زوجته وأطفالهُم النائمون إلى الأسفل.
كانت والدته تجلس أمام التلفاز، ونديم.. وسليم ونجمة.
رحيم:
سلام عليكُم.
والدته:
وعليكم السلام ورحمة الله، حبايب تيتة ناموا!
جلست مها بإرهاق وهي تقول:
آه أول ما بياكلوا بيجيلهم النوم على طول، ويصحوا بقى طول الليل يغلبوني على ما يناموا تاني.
والدة رحيم:
يا حبايبي، الأطفال في السن دا لسه مكملوش سنة بيحتاجوا راحة وغذاء كويس، وإنتِ مش مقصرة يا بنتي ربنا يديكي الصحة.
مها بإبتسامة:
بحاول والله يا ماما، ربنا يخليكي لينا.
كتف رحيم يديه وهو يُطالع التلفاز بنصف عين.
عدلت مها من حجابها وقالت:
هي يارا فين؟
ضحكت والدة رحيم وقالت:
وحشتك ولا إيه؟ هو كدا القط ميحبش إلا خناقه.
ضحكت مها وقالت:
هي بخير يعني؟
فرك نديم عينيه وقال:
بتريح ظهرها جوة عشان الحمل تاعبها، وشكلي هروح أمدد جنبها.
والدة رحيم:
قوم يا ماما شكلك تعبان، لو عاوز تاخد مراتك وتريحوا فوق.
نديم:
لا عشان مصحيهاش هنام جنبها جوة، يلا هتعوزوا حاجة؟
والدة رحيم:
بقولك إيه يا نديم، اسمه إيه مطعم ساندوتشات الكباب والكفتة اللي إنت اقترحته على أبوك يوم كتب كتابك عشان نتعشى فيه؟
ضيق نديم عينيه وقال:
مطعم ****، إشمعنى يعني؟
والدة رحيم وهي ترتدي نظارة النظر وتبحث في هاتفها عن رقم ما:
إستنى كدا أشوف متسجل عندي ولا لا، أهو..
رحيم:
عاوزة إيه يا أمي وأنا أروح أجيبهولك؟
والدته:
وتروح ليه وإيه ينزلك في البرد دا؟ ما نطلبه يجيبلنا.. البنات وشهم مخطوف وإنتوا خسيتوا وعضمتوا.. متغديتوش كويس فـ هنجيب ساندوتشات عشان أبوك كمان يتعشى وياخد الدوا.
أخرج رحيم هاتفه من جيب بنطاله وقام بفتحه، عندما فتحه ظهرت محادثة في تطبيق الواتس أب بإسم ♡.
نظرت مها بطرف عينها ثم أشاحت نظرها سريعًا وهي تعقد حاجبيها.
نظر رحيم لها ثم قام برفع حاجب وقال لوالدته:
قولي رقمه كدا وشوفي عاوزة إيه من هناك.
والدة رحيم:
هات لكل واحد ساندوتشين كفتة وواحد كباب، ومع السلطات والبيبسي.
قام رحيم من مقعده وهو يتحدث مع المطعم.
فقال نديم:
هدخل أنا أنام عشان مش قادر.
ميلت نجمة على زوجها وقالت:
أعملك قهوة يا حبيبي؟
سليم:
لا أنا فايق إحنا نمنا كويس، عاوز أتطمن على بابا بس.
نجمة:
طب قوم اتطمن عليه لحد ما أحضرلك قهوة، بعد إذنك طبعًا يا ماما.
والدة رحيم:
مطبخك وبيتك يا بنتي.
دخلت نجمة المطبخ ودخل سليم غرفة والده ليطمئن عليه، ورحيم كان يتحدث في الهاتف.
أشارت والدة رحيم لمها بيدها أن تأتي وتجلس بجانبها.
قامت مها بهدوء وجلست بجانبها فقالت والدة رحيم وهي تربت على ظهرها:
زعلانة ليه مالك؟
مها بإبتسامة:
مفيش يا ماما إرهاق عشان الولاد بس.
نظرت والدة رحيم لرحيم الذي لازال يتحدث في الهاتف ثم أعادت نظرها لمها وقالت:
عليا أنا برضه؟ دا مش حزن إرهاق لا دا حزن خذلان، احكيلي قبل ما ييجي.
بلعت مها شفتيها وقالت:
يعني عشان فرح جت أنا اتوترت مش أكتر.
لم تود مها الإفصاح عن محادثة الواتس أب المريبة، فقالت والدة رحيم:
أنا عارفة إنه شيء يضايق، بس رحيم ابني وأنا عارفاه مشاعره ناحيتك أكبر من مشاعره ناحية فرح.
غمت عينا مها بالدموع وهي تقول:
مفتكرش.. مفيش أي حاجة تدل على كدة.. كلامه معايا البارد.. ونظراته، وحتى قعدي جنبه كإني خيال مش موجودة.. بس أنا بحب وجوده وقربه فبستحمل.. وبحب إني مراته على اسمه، بس هو بيكرهه دا، وبيعتبرني السبب في انفصاله عن بنت خالته فرح!
أغلق رحيم الهاتف وهو يقول:
طلبت فون وبعدها قولتله ينفع أحاسب عن طريق الأبلكيشن، بالفيزا يعني قالي آه فـ حاسبت خلاص.
والدته:
يوه! وإنت تحاسب بتاع إيه أنا اللي عازماكُم.
رحيم وهو يجلس:
بالهنا والشفا.
والدته بتصميم:
قالك كام الحساب؟
رحيم:
تؤ! خلاص بقى.
خرجت نجمة من المطبخ وهي تضع صينية القهوة وتقول:
عملتلك فنجان قهوة يا رحيم مع جوز.
رحيم بإبتسامة وهو يلتقطه من يدها:
تسلم إيدك كنت محتاجه فعلًا.
خرج سليم من غرفة والده وجلس بجانب زوجته وهو يقول:
هو كويس بس عنده سخونية بسيطة، سيبته ينام شوية لحد ما الأكل ييجي، صحيح الحساب كام؟
رحيم بعد ما ارتشاف من قهوته:
ما خلاص يا جدعان ما أنا حاسبت، عاملين حوار ليه أنا عازمكُم.
ميلت نجمة رأسها على كتف نديم، وقامت مها وجلست بجانب رحيم مرة أخرى.
مرت ساعة حتى وصل الطعام، قام رحيم وفتح باب الشقة وبينما هو يستلم حقائب الطعام صرخت يارا صرخة شقت سكون هدوء البناية.
أفزعت القطة المسكينة التي كانت تتجول على الدرج.
حتى عامل التوصيل حذف الحقائب وفر هاربًا على الدرج حتى اختفى أثره.
انتفض الجميع وأولهم والدة رحيم وهي تقول:
أستر يارب شكلها بتولد.
ركض رحيم للداخل وبينما هو يركض اصطدمت مها بصدره وهو يطالعها بأسفل عينيه.. ملتصقة به ومذعورة.
الشقة فوضى والجميع يركض، عداهم.
اقترب رحيم.
رواية مسافات مشاعر الفصل الثامن 8 - بقلم روزان مصطفى
Part8
إصطدم بها أثناء ركضهُم داخل الشقة، نظرت له وقلبها ينبُض بـ قوة، ونظر هو لها بـ فوقية وهو يزدرد ريقه ثُم قال وهو يضُمها لصدرُه: متخافيش.
إستندت برأسها على صدره، ورائحة عطره تغمُرها، أغلقت عيناها وهي تستمع لقلبُه ينبُض برتابة.. بينما قلبها يُقيم الإحتفالات إحتفاء بتلك اللحظة
رفعت رأسها وإستندت بذقنها على صدره، قريبة عيناها من شفتيه.
إنحنى برأسه قليلًا وهو يُمرر لسانه على شفتيه، في رغبة! بها
قُربها يُشتت حواسُه، لمس بـ شفتيه شفتاها الناعمة.. وقبل أن يتذوقهُما وجد إخوتُه ووالديه يركضون، نديم يحمل زوجته يارا التي تلد وهو يقول بغضب: هات مُفتاح عربيتي من على الترابيزة بسُرعة يا سليم!
إلتقط سليم مُفتاح السيارة وركض خلفهُم، أفاق رحيم ومها على ما يحدُث لإن مشاعرهُم جذبتهُم لعالم أخر، فـ قال رحيم بحزم لمها: إطلعي إقعُدي مع الولاد أنا رايح معاهُم
مها بقلق: طب إبقوا طمنوني بالله عليكُم!
وصلوا للسيارة وقام سليم بفتحها، وضع نديم زوجته بالخلف وهو يجلس معها واضعًا راسها فوق قدمه، وجلست والدته بجانب سليم الذي سيقود
أما رحيم أشار لوالدتُه قائلًا: تعالي يا ماما معايا عشان نجمة تقعُد جنب جوزها
فهمت والدته ونزلت ثُم جلست بجانبه، وبدأ سليم بقيادة السيارة وخلفه سيارة رحيم.
صعدت مها بأطفالها وهي تُجالسهُم وتُرضعهُم وتنظُر للأعلى وتقول: يارب، يارب تقوم بالسلامة هي والبيبي يارب ما تورينا حاجة وحشة فيها، هي غلبانة وطيبة بس هي تلقاىية يارب.. يارب يقومك بالسلامة يا يارا بحق قُرب رمضان والأيام المُفترجة
ظلت تدعو لها وقلبها يؤلمها لأجلها
* داخل المشفى
نديم وهو يُحدث والدة يارا في الهاتف: لسه مدخلينها العمليات دلوقتي، معرفش الط|لق هي فجأة صر|خت! هبعتلكُم لوكيشن المُستشفى على الواتس... مش قادر أكتب أناا
مد نديم يده بالهاتف لشقيقه رحيم وهو يقول: خُد يا رحيم أنا أعصابي سايبة قولهم العنوان
بدأ رحيم بشرح العنوان لهُم بينما إقتربت والدتهُ من نديم وهي تربُت على ذراعُه قائلة وهي تُقاطع همسها بالإستغفار: إدعيلها يابني ربنا يسهل ولادتها ويقومها بالسلامة
نديم برجاء وهو يدعو الله: يارب، وعد هد|بح على حسابي عجل وأفرق لح|مُه على الناس
والدته: أنا كُنت هعمل دا من غير ما تقول
ظل نديم يطوف جوانب المشفى قلقًا، ووالدته تدعو الله
والبقية ينتظرون الأخبار السعيدة
تعرقلت ولادتها قليلًا وبقيت بالساعات في الداخل.. حتى كاد الفجر أن يؤذن
قبل الأذان بدقائق، إستمعوا لصوت طفل يبكِ!
رفع نديم يديه من بين وجهه وهو ينظُر للباب بلهفة، خرجت المُمرضة وهي تحمل بيدها شيء صغير مُتدثر بقُماشة وقالت: ماشاء الله بنت زي القمر، تتربى في عزكُم
حمل نديم الطفلة وهو سعيد بينما أطلقت والدته زغروطة أفزعت الم|رضى من قوتها
نظر نديم بقلق للمُمرضة وقال: يارا! يارا عاملة إيه؟
المُمرضة: الطلق بتاعها إستمر لساعتين والدكتور رفض يديها بنج غير بعد الساعتين دول لكن هي بخير دلوقتي لكن مُرهقة من الولادة والمجهود معتقدش هتفوق غير بُكرة الصُبح، عن إذنك البنوتة عشان ننظفها ونحُطها في الحضانة
نديم بسعادة: ما تخليها معايا شوية!
المُمرضة: عشان نغسلها ونحميها ونلبسها.
مد نديم يده للمُمرضة وقال: خلوا بالكُم عليها من فضلك
صوت أذان الفجر صدح من هاتف سليم فـ قال: تعالوا نشوف مسجد قُريب نصلي فيه ركعتين الفجر عشان ربنا يباركلنا؟
وضع رحيم مفاتيح سيارته في جيب بنطاله وقال: يلا بينا
والدتهُم: خدوني معاكُم مصلى السيدات عشان أدعيلكُم دعوات حلوة
وصلت رسالة على هاتف رحيم وكانت من مها تقول " طمني يا رحيم كلمتك كذا مرة! "
كتب " ولدت بخير جابت بنت، هكلمك بعدين يا فرح "
ثُم ضغط إرسال...
رواية مسافات مشاعر الفصل التاسع 9 - بقلم روزان مصطفى
سقط الهاتف من يد مها التي كانت في حالة صدمة تامة.
"فرح!"
لتلك الدرجة لم يستطع نسيانها حتى يُحادث زوجته أم أبناؤه باسمها.
هل فعل ذلك سهوًا؟ أم تعمد؟
لكن! إن كان تعمد! فـ لِما كاد أن يُقبلها قبل أن يخرج للمشفى برِفقة عائلته!
كانت تود بشدة أن تذهب لغرفة نومها وتكور جسدها على الفراش لتُطلق العنان لدموعها بالانهمار بحرية.
لكن كان العائق أطفالها.
كيف لقلبها أن يتركهم بمفردهم لينغمس في حالة التعبير عن حزنه.
ما تلك الأنانية التي تمتلكها كأم!
* * *
صباح اليوم التالي.
كانت نجمة أول المسموح لهم برؤية يارا.
نظرت يارا حولها بإرهاق وألم وقالت:
"أنا فين؟"
نجمة بسعادة:
"حمد الله على السلامة. جبتِ بنوتة زي القمر."
يارا صمتت لدقيقة تتذكر ثم ازدردت لعابها وقالت:
"ماما فين؟"
نجمة بهدوء:
"مامتك راحت تجيب لك شوية حاجات من شقتك عشان تلبسيها. أما جوزك وحماتك راحوا يجيبوا لنا فطار. ورحيم وسليم رجعوا الشقة عشان يغيروا هدومهم."
يارا بإرهاق:
"ليهم نفس يفطروا وأنا تعبانة."
نجمة حاولت التماسك تقديرًا لحالتها وقالت:
"دي ولادة يا حبيبتي، ولادة طبيعية. يعني هتفطري معانا عادي. وبعدين حماتك ست كبيرة بتاخد دوا."
دخلت الممرضة الغرفة وهي تضع فراشًا صغيرًا بجانب فراش يارا وتقول:
"حمد الله على السلامة يا مدام. شوية ونجيب لك الكرسي المتحرك عشان تغسلي سنانك ووشك."
حاولت يارا أن تعتدل في فراشها لكن كان الأمر بالنسبة لها في غاية الصعوبة.
ساعدتها الممرضة ونجمة حتى أسندت ظهرها المتعب على الوسادة القطنية وبدأت في الاستيعاب.
يارا بتعب:
"ممكن أشوف بنتي؟"
التقطت نجمة الطفلة من الفراش الصغير الخاص بها وهي تضعها في يد والدتها وتقول:
"بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم بارك."
ابتسمت يارا ونظرت بحنان لابنتها وذهلت نجمة لأنها للمرة الأولى ترى تلك النظرة الصادقة على وجه يارا.
قبلت يارا يد طفلتها وقالت:
"ونديم شافها؟"
جلست نجمة وهي تضع قدم فوق الأخرى وتقول ببهجة:
"يوه! طار بيها مش قادرة أوصف لك. وهتلاقيه جاي جري دلوقتي عشان مش قادر يبعد عنها."
بدأت الطفلة في البكاء فشعرت يارا بالتوتر.
قالت نجمة:
"أكيد جعانة. هخرج لحد ما ترضعيها يكونوا الباقي جم. حمد الله على سلامتك يا يارا."
يارا بهدوء:
"الله يسلمك."
خرجت نجمة وأغلقت الباب خلفها تاركة يارا تطعم صغيرتها.
* * *
في شقة رحيم.
وضع مفتاح الشقة في الباب ودخل.
أغلق الباب خلفه وهو يضع الأكياس البلاستيكية على طاولة المطبخ الخاص بهم.
وبدأ في خلع ملابسه تدريجيًا حتى دخل غرفة الأطفال التي ينام بها ليغير ملابسه.
استمعت مها للضوضاء التي أصدرها فور مجيئه وخرجت من الغرفة حاملة طفليها.
وضعتهم في عربتهم ووقفت في المطبخ تنظر للأكياس التي أحضرها معه.
كانت ترتدي بيجاما من الحرير لونها بني، متناسبة تمامًا مع لون بشرتها البيضاء الناصعة. وشعرها محكم الربط للأعلى بعشوائية.
دخل رحيم المطبخ وعندما رآها عقد حاجبيه وقال:
"صباح الخير."
بلت مها شفتيها وقالت وملامحها طبيعية:
"صباح النور."
رحيم وهو يشير للأكياس التي تنظر لها مها:
"دي شوية حاجات جبتها للبيت هتحتاجيها."
انسدلت خصلة من شعرها على وجهها وقالت:
"شكرًا."
ردت الخصلة خلف أذنها فـ قال رحيم:
"هنام شوية عشان مرهق. مش هروح الشغل النهارده."
ابتسمت مها وقالت:
"تحب تاكل حاجة معينة على الغدا؟"
رحيم وهو يوليها ظهره:
"مش فارقة."
قالت قبل أن يذهب:
"طب ينفع لو هتروح لـ يارا تاخدني معاك أتطمن عليها؟"
وقف رحيم على باب المطبخ وكتف يديه قائلًا:
"والعيال؟ والوش؟"
مها بهدوء:
"في العربية بتاعتهم ولا وش ولا حاجة."
رحيم:
"لا، خليكِ وهي لما تخرج هتشوفيها. مالهوش داعي البهدلة بالعيال."
مها بهدوء وبنبرة رقيقة:
"دول أولادك برضه يا رحيم، لازم تحب و..."
اقترب منها رحيم وقطع المسافة بينه وبينها.
التقط وجهها بين أصابعه خاصًة فكها وقال وهو ينظر لعيونها بشر:
"ما بلاش مواعظ وحكم منك إنتِ بالذات؟ عارفة لو كله شافك ملاك ومتفهمة وهادية. هفضل أنا شايفك اللي فرقت بيني وبين البنت اللي بحبها. بس لإنك أنانية! متنسيش إنك كنتِ بياعة أكل في الشارع ولولا صلة قرابة أمي بأبوكِ كان زمانك متجوزة واحد من حارتكُم."
دموع امتلأت في عينيها فـ أكمل بقسوة قائلًا:
"الغلط مش عليكِ. على فرح اللي على نياتها اللي وثقت في واحدة زيك وطلبت منها تبعد."
أبعدت مها كف يده عن وجهها وقالت بعد أن انهمرت دموعها:
"اللي حصل دا كان خارج إرادتي. وكان طلب والدتك مش فعل مني. أنا مدبستكش."
اقتربت منه خطوة لينظر لها فوقيًا لإنها أقصر منه وقالت وهي تنظر لعيناه:
"أنا لو روحي فيك يا رحيم، وبتشق الهوا اللي بتتنفسه. عمري ما كنت هرضالك تاخدني غصب. بس ياريت تفتكر حبيبتك عملت إيه ساعتها. متمسكتش بيك زيي. وهو أنا اللي قولتلك المسني وإنت سكران يا رحيم؟ حصل حمل مش بإيدي. واحدة حامل من الراجل اللي قلبها بيدق لما تشوفه. المفروض تنزل البيبي؟ مقدرتش. كنت فرحانة إني جوايا حتة منك."
رحيم:
"..."
رواية مسافات مشاعر الفصل العاشر 10 - بقلم روزان مصطفى
أولها ظهرهُ وخرج من المطبخ.
إنهارت هي على أحد مقاعد الطاولة الصغيرة وهي تنظُر بـ حُزن دفين إلى الباب الذي خرج منه للتو.
لم تعُد قادرة على تحمُل المزيد من لوم الذات والحُب من طرف واحد.
مر يومان، خرجت يارا من المشفى برفقة زوجها نديم.
والجميع كانوا في إنتظارها.
حتى والدتها جلست في شقة والدة رحيم في إنتظار إبنتها.
والدة رحيم وهي تُضايف والدة يارا بالعصير:
جهزتلها الأوضة أنا ومها مرات رحيم الله يباركلها.
والدة يارا:
كُنتِ كلمتيني يا حجة تعبتي نفسك، أوضتها في بيتي جاهزة وزي الفُل لازمتُه إيه تعبك.
جلست والدة رحيم وهي تقول:
أنا عارفة مشاغلك مش هتقدري تهتمي بيها، هنا أوسع وأريح وكمان معقمين الأوضة عشان البنوتة.
صوت سيارة في الخارج أعلمتهُم بوصول يارا وإبنتها وزوجها.
خرجت مها من المطبخ وقد بدا عليها الضعف البدني والإرهاق وهي تقول:
خلاص حطيت المكرونة في الفُرن.
والدة رحيم:
رحيم مش هياكُل معانا، عيني الطبق بتاعُه على جنب كدا جهزيله على ذوقك عشان هييجي متأخر.
بهتت ملامح مها أكثر وقالت:
من عينيا يا ماما.
والدة يارا بتقدير وإحراج:
أساعدك في إيه يا بنتي؟ كتر ألف خيرك على مساعدتك عشان يارا تيجي ترتاح. نتعب لولادك لو ربنا إدانا عُمر.
مها بتهذيب:
يارا دي أختي الصُغيرة وأنا مبسوطة إنها هتنور بيتها أخيرًا، ربنا يديكِ الصحة وتشوفي ولاد ولادها.
صعدت يارا وهي تحمل بـ يدها إبنتها، وبـ اليد الأخرى تستند على زوجها وهي تدخُل إلى شقة والدة زوجها.
زغروطة جعلتها تنتفض من هول المُفاجأة.
خرجت من فم والدة زوجها وهي تحتضنها وتقول بـ سعادة:
حمدالله على السلامة.
يارا بإبتسامة:
الله يسلمك يا حماتي.
مها بـ سعادة حقيقية وهي تحتضن يارا من قلبها:
حمدالله على سلامتك والله كُنت بدعيلك من قلبي.
ربتت يارا على ظهر مها وهي تقول:
تسلميلي كُنت محتاجة الدعاء فعلًا.
ركضت مها تجاه الأريكة وهي تُعدل من الوسادة وتأخُذ بـ يد يارا وتُجلسها وتُعدل لها الوسادات.
جلس نديم بإرهاق فـ قالت والدة يارا بِـ شفقة وهي تنظُر له:
يا حبيبي يابني تعبت الأيام اللي فاتت.
نديم بإرهاق:
أه والله يا حماتي بس يهون كُله لأجل سلامة يارا ومريم.
والدة رحيم:
أحلى إسم، إسم السيدة العذراء. ربنا يحفظهالك يابني.
السلاام عليكُم.
كان ذلك صوت سليم الذي كان يحمل بـ يده صندوق أبيض اللون من الورق المقوى، بداخله قالب حلوى إحتفالًا بـ قدوم الصغيرة للمنزل.
وخلفه نجمة التي تحمل حقيبة بلاستيكية تحتوي على عصاىر طازجة.
والدة رحيم بـ سعادة:
حماتكُم بتحبكُم.
سليم بـ ضحك:
لا أمي بقى دا بيت أمي.
نجمة:
جبتلكُم عصاير مش مشروبات غازية عشان الصحة، يخلاااثي.
إقتربت وهي تلتقط الصغيرة من يد والدتها وتقول:
الله أكبر بسم الله الرحمن الرحيم، شبهك أوي يا ماما زي ما يكون يارا متوحمه عليكِ.
والدة رحيم:
هو أنا حلوة أوي كدة، تطلع أحلى مني وحظها أجمل يارب.
خرج الحاج عبد الكريم وهو يرتدي چِلباب أبيض اللون، وهو يقول:
الأنسة الصِغيرة شرفت؟
قام نديم وركض تجاه أبيه وهو يُقبِل يده ويقول:
تعالى يا حج.
إلتقط الحاج عبد الكريم حفيدته وبدأ في تِلاوة القُرأن في أذنها.
وبعدما إنتهى جلس وهي بين يديه وقال وهو يلتقط أنفاسُه وينظُر لهُم:
رحيم بيه فين؟
والدة رحيم:
يا حبيبي عشان إنشغل مع أخوه في المُستشفى اليومين اللي فاتوا الشُغل إتكوم عليه، هيفضل لحد بالليل.
عقد الحاج عبدالكريم حاجبيه وقال:
أه وإسمها إيه بنت أختك، أهي بتساندُه في الشِركة.
شعرت مها بـ قلبها يؤلمها فـ قالت بـ أدب:
هشوف المكرونة عشان متت|حرق.
عندما قامت نظرت والدة رحيم لزوجها بـِ عتاب وقالت:
إخص عليك يا حج يعني كان لازم سيرة فرح قُدام مها.
إلتقط عبد الكريم أنفاسه قائلًا:
مها عاقلة معتقدش زعلِت، هي لازم تتقبل إن فرح دي موجودة في حياتنا كِدا كِدا.
نجمة:
عمي معاه حق، وكمان مها ثِقتها بـ نفسها لازم تزيد هي مش قُليلة ولا وحشة.
سليم بهمس سمعته نجمة:
بس رحيم بيحسسها إنها قُليلة بـ تصرُفاتُه.
نجمة:
أخوك دا ربنا يهديه، دا أنا اللي مبقاش ليا كتير وسطكُم حبيت مها، معرفش عقلُه فين.
جهزت مها الطاولة ووضعت الصحون ثُم قالت:
الغدا جِهز.
قاموا جميعهُم وجلسوا حول المائدة.
قبل أن تجلس والدة رحيم إلتقطت مها ذراعها وهي تقول:
أكلم رحيم تاني يا ماما أتأكد لو هيتغدا معانا؟
والدة رحيم:
يابنتي قولتلك هيتغدا في الشركة وراه شُغل كتير، يلا إقعُدي كُلي لُقمة عشان ترضعي العيال.
جلست مها في مقعدها وهي شاردة.
قلبها يؤلمها من مُجرد تخيُل فِكرة أنه الأن يأكُل مع حبيبته القديمة. dentro الشركة
كان رحيم يجلس في غُرفة الإجتماعات الفارغة وأمامُه فرح.
أمامهُم أطباق الطعام.
قالت فرح:
مهانش عليا ناكُل دليفري لما قولتلي هنضطر نتغدا في الشركة عشان نخلص اللي ورانا ومنضيعش وقت، فـ صحيت الفجر طبخت دا وجبته في حافظات وحطيتُه في ثلاجة الشِركة.
رحيم وهو يأكُل بـ شهية:
تسلم إيدك.
إلتقطت الشوكة ووضعتها في الصحن وقالت:
دوق كدا البوفتيك، عملتُه عشان عارفة إنك بتحبُه.
إلتهم من يدها الطعام فـ وضعت الشوكة من فمه على طرف شفتيها وكأنها تتذوق شفتيه.
لاحظ رحيم ما فعلت وقال:
فرح.
وضعت يدها فوق يده وقالت:
أنا بتع|ذِب من غيرك يا رحيم، معنديش مانع أكون زوجة تانية بس أكون على ذمتك، عارف ليه؟ لإني واثقة إني الأولى في قلبك وعقلك.
شرد قليلًا بِها، وبـ ذِكرياتهِم سويًا.
ثُم تنهد وقال:
دي ح|رب صعب أدخُلها، هنبقى خسرانين فيها قُدام الكُل.
شدت فرح على يده وقالت:
هنبقى كسبانين نفسنا، وحُبنا. ومع الوقت لما أكون امر واقع إني خلاص مراتك، هيتقبلوني. مراتك مها بتتمسكن عليهُم فـ وخداهُم في صفها، أوعدك يا رحيم إني هعيشك أسعد أيام حياتك.
شد رحيم على يدها وهو يتفحصها.
إبتسمت له ثُم إقتربت منه.
إقترب هو الأخر و..