أقترب هو الآخر منها، وقبل أن تنقطع المسافة بينهما، رن هاتفه. أخرجه من جيب بنطاله لينظر إلى الرقم، زوجته تتصل. نظرت له فرح بضيق وقالت بنبرة غلبت عليها الغيرة: "رد يا رحيم، لحد ما ألم الأكل دا." وقف بعيدًا عنها، بل وخرج من الغرفة. أجاب على المكالمة بصوت بارد قائلاً: "أيوة؟ مها برقة وهدوء: "كنت بطمن أكلت ولا لا." رحيم من بين أسنانه: "أعتقد قولت هتسمم في الشركة، مش لازم تتصلي عليا، مش عيل صغير أنا! مها بحزن:
"بعد الشر عنك، على العموم أنا جهزتلك طبق عشان لو مأكلتش كويس تـ." لم تُكمل حديثها، قاطعها صوت فرح وهي تقول متعمدة بصوت مرتفع لرحيم: "الأكل ده محتاج اتنين قهوة، هروح أوصي البوفيه عليهم." إرتجف الهاتف في يد مها وهي تُغمض عينيها، تُحاول إخماد النيران التي أشعلتها فرح داخلها. "تجلس مع زوجها؟ وحدها! تفعل كل ما توجب على مها فعله بحكم أنها زوجته! ولا تستحي من إظهار ذاتها أمام مها بوقاحة!
كل الفضل يعود لرحيم الذي فضلها على زوجته." إبتلعت مها لُعابها بصعوبة بالغة وهي تقول بنبرة متحشرجة: "عندك حق، مكالمتي ملهاش معنى، معلش مضطرة أقفل عشان الولاد لو صحيوا." أغلقت الهاتف دون أن تنتظر منه الرد. وظلت تُهوي على وجهها وبالأخص عينيها حتى لا تبكي. لقد كان شعورها أن رحيم لن يُحبها صادق، الآن هو مع الأخرى بمحض إرادته. نظر رحيم للهاتف بعد أن أغلقت مها، ثم وضعه فوق الطاولة وهو يجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا.
حتى حضرت فرح بيدها كوبين القهوة. رحيم بنظرة عتاب: "إيه لازمة الشو اللي عملتيه وأنا بتكلم معاها مش فاهم؟ وضعت فرح الكوبين على الطاولة، ثم كتفت ذراعيها وهي تنظر له وقالت: "مراتك لازم تتقبل إني أمر واقع في حياتك من هنا ورايح وتتأقلم مع ده، أنا الأساسية يا رحيم، وإني هبقى مراتك زيك زيه." رحيم بغضب: "هو أنا لسه خدت قرار؟ فقدت فرح أعصابها وقالت: "هو انت بعد كل ده لسه هتفكر؟
أنا لو خدت شنطتي وخرجت دلوقتي من الشركة مش هتشوف وشي تاني، وهخيرك بيني وبينها، وأكيد هتختارني، ولا انت شايف إيه! رحيم: "أنا شايف إننا نهدى شوية عشان أجيب لهم الموضوع بالتدريج، لكن اللي انتِ بتعمليه ده هينشف دماغ أمي أكتر لأن مها قريبة ليها." فرح بضيق: "المفروض إني بنت أختها أكون أنا الأقرب! رحيم بنفاذ صبر:
"فرح من فضلك تهدي شوية ومتعمليش الحركات دي لو اضطريت أرد على حد من البيت، عشان أنا مش ناقص لِوية البوز اللي هروح ألاقيها، متفقين؟ زفرت فرح بضيق وقالت: "خلاص تمام! * * * داخل منزل الحاج عبد الكريم. وقفت مها تغسل الصحون وهي شاردة. دخلت والدة زوجها وهي تحمل الصحن الأخير وقالت: "مالك يا مها، ما قولنا هيخلص شغل وييجي." مها بتعب: "ماليش يا ماما، ييجي أو لا صدقيني مش فارقة، كدا كدا هنقعد زي الأغراب." سحبت والدة
زوجها المقعد وجلست وقالت: "انتِ مش عارفة تحببي رحيم فيكِ يا مها! أغلقت مها عينيها بألم: "حاولت." والدة رحيم: "ومزهقتيش؟ خطين من الدموع إنسدلا على وجنتيها وقالت: "اللي بيحب حد مبيزهقش يعافر عشانه." قطع حديثهما نجمة التي دخلت المطبخ وأغلقت الباب خلفها، بل واستندت عليه حتى لا يقتحم أحدهم وقالت: "دي مش معافرة دي عفرة!
معلش يا حماتي بس الحق يتقال يعني، رحيم بيعاملها معاملة سيئة ومش مديها ربع الحب والاهتمام اللي بياخده منها، أنا كـ نجمة شايفة إنه كفاية بعثرة في مشاعرك ومحاولة يا مها." والدة رحيم: "يا سلام! وعيالها دول لسه صغيرين يا بنتي عمرهم سنة." نجمة: "طب يعني عشان عيالها تشحت الحب! أغلقت مها صنبور المياه وبدأت في البكاء، فاحتضنتها والدة زوجها وهي تربت على جسدها وتنظر لـ نجمة بعتاب. مها ببكاء:
"أنا كلمته وهي كانت بتاكل معاه وبتعمله قهوة كمان." والدة رحيم: "طب يا رحيم لما تيجي، أما أشوف أخرتها." * * * في الصالة. يارا بعد أن أطعمت رضيعها جلست بجوار نديم وهي تقول: "هما قافلين على نفسهم المطبخ كدا ليه؟ خايفين إني أدخل عليهم يعني؟ نديم نظر لها نظرة جانبية وقال: "لا يا حبيبتي العفو، هما خايفين ينوبهم من لسانك كلمتين تنكد عليهم ولا حاجة؟ رفعت يارا حاجب وقالت: "تقصد إني نكدية متعاشرش؟ إلتقط نديم كف يدها وقبلهُ
وقال: "العفو يا حبيبتي، ينفع نعدي اليوم من غير مشاكل؟ أرجع سليم رأسه للخلف بإرهاق وهو يقول موجهاً حديثه لـ نديم: "مش ملاحظ إن رحيم أخوك بقى يغيب في الشغل كتير؟ بقى يحبه أكتر من البيت يا جدع." نديم: "وإيه يعني ما هو أكيد حس بمسؤولية عياله التوأم وعاوز يتعب عشانهم! إعتدل سليم في جلسته ونظر لشقيقه بضحكة ساخرة وقال: "لا يا راجل؟
ما كلنا عارفين إن مسؤولية العيال من ساعة ما اتولدوا محطوطة على دماغ مها، هي اللي شايلة الهم وأخوك مكبر دماغه على الآخر." عقد نديم حاجبيه وقال: "إحنا مالناش دعوة، ما هي بتحكي لأمك برضو مبتسكتش، عشان ميقولوش بنوقع بينهم." سليم وهو يلتقط مفاتيحه: "ما لازم تحكي لأمك يابني، يتيمة ملهاش حد هتحكي لمين، وكويس ربنا رزقها بحماة كويسة." شعرت يارا بالغيرة لإن مها محور الحديث الدائم في منزل العائلة، فبدأت بهز قدميها وهي تقول:
"الراجل لو مرتاحش في بيته تبقى مراته ست بومة." فلتت من نديم ضحكة عفوية وهو يفرك عينيه بإصبعُه. عادت يارا تنظر له بحاجب مرفوع وقالت: "قلت نكتة يا سي نديم ولا حاجة؟ نديم بتكملة للضحك: "لا يا حبيبتي مبتقوليش غير الحِكم." ضحك سليم بخفة، فـ قامت يارا بنرجسية وهي تقول: "أيوة طبعًا، هقوم أشرب." ذهبت تجاه المطبخ، فضحك نديم وسليم سويًا. أرجع سليم خصلات شعره للخلف وهو يقول: "أنا طالع شقتي، لما نجمة تخلص خليها تحصلني."
قبل أن يرد نديم، دخل رحيم وهو يجلس على الأريكة ويقول: "لا اقعد، عاوزكم كلكم في موضوع مهم.. أوي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!