صباح اليوم التالي جناح الفُندق استيقظت مها وهي تشعر بالخمول والإرهاق، وحتى جسدها شعرت أنها لا تستطيع تحريكه. قامت بهدوء وهي ترتدي ملابسها، وقامت بفتح نافذة الجناح وهي تنظر للخارج وتستنشق الهواء ورائحة البحر بابتسامة صافية وذهن رائق. تقدم منها رحيم بعد ما ارتدى هو الآخر بنطاله واحتضنها من الخلف وهو يقول بالقرب من عنقها: مستني قرارك، إنتي فكراني عرفت أنام وأنا متوتر كدا؟ أعادت مها رأسها للخلف لتستند
على ذقنه وهي تقول برقة: أنا كمان معرفتش أنام، في المرة الأولى اللي خلفنا فيها الولدين كنت حاسة بإهانة رهيبة كأن كل اللي شدك ليا شكلي وبس! لكن المرة دي بجد حسيت بمشاعرك، حسيت كأننا متجوزين جديد.. حسيت بمشاعر مختلفة، فاهم حاجة؟ ابتسم رحيم وهو يلفها له ثم نظر لعيناها وقال: قولتلك اديني فرصة امبارح بس أفهمك قد إيه بحبك وجوايا مشاعر صادقة من ناحيتك، صدقتيني دلوقتي؟ ابتسمت مها فداعب أنفها بأنفه لتبتسم هي وتقول:
عاوزة أطمئن على الولاد مشفتهمش من امبارح. عقد رحيم حاجبيه وهو يقول بمزاح: هما كان اسمهم إيه صحيح؟ ضربته مها بخفة على ذراعه ليحتضنها ويقبل رأسها بقوة وهو يستنشق رائحة شعرها. *** داخل شقة سليم سليم وهو يرتدي حذاءه: يلا يا ست هانم أنا خلصت لبس، واخِد أجازة من الشغل مخصوص عشان الدكتورة بتاعت سيادتك عملالك معادك النهارده بدري. خرجت نجمة وهي ترتدي معطفها وتقول:
يا سلاام، كمان أول معاد ليا عشان أشوف البيبي مش عاوز سعادتك تتعِب نفسك وتيجي معايا؟ سليم بابتسامة وهو يقترب منها: أنا قولت حاجة؟ إيه القمر دا بس، دا منظر واحدة حامل ورايحة عيادة تتابع. وضعت نجمة يدها في خصرها وهي تقول: أومال منظر إيه بقى إن شاء الله؟ جذبها سليم من خصرها وهو يقول: منظر قمر، حاجة كدا مسكرة. نجمة بنحنحة: إحم، طب يلا هنتأخر على الدكتورة؟ عض سليم على شفته السفلى وهو يقول: هعديهالك المرة دي، يلا بينا.
خرجوا كلاهما من الشقة وهم ينزلون الدرج. كانت يارا تخرج صندوق القمامة الخاص بها وهي تنظر بقرف إلى نجمة التي قامت برفع إحدى حاجبيها وتتأفف. يارا لنجمة: بالراحة على نفسك شفطتي الأكسجين كله. لم تستطع نجمة مجاراتها أكثر من ذلك، كان لابد من وضع حد لتلك الشمطاء. اقتربت منها نجمة ووقفت أمامها وهي تقول بابتسامة صفراء: اعتذري حالًا عن اللي انتي قولتيه. يارا بضحكة رقيعة: أء إيه؟ يظهر إنك متعرفنيش كويس.
خلعت نجمة معطفها وهي تضعه فوق كتف سليم ثم اقتربت من يارا وهي تقول: تؤ، يظهر انتي يا بت اللي متعرفنيش كويس. أمسكت نجمة بشعر يارا بين يديها وهي تحركه منه يمينًا ويسارًا، ثم أمسكت رأس يارا وحشرته داخل صندوق القمامة وهي تقول: كفاية بقى، استحملتك كتير، والغلبانة التانية مها استحملتك أكترر، انتي إيه البعيدة حرباية مبتتهديش، أنا بقى اللي ههدك. خرج الحاج عبد الكريم وزوجته وهم يحاولون فض العراك لتقول نجمة لوالدة زوجها:
دي مش هتتهد غير كدا، سبيهالي يا ماما هروقهالك. الحاج عبد الكريم: خلاص يا بنتي لما نديم ييجي يشوفلُه حل معاها، انتي حامل متتعبيش روحك. تركتها نجمة لتعِتدل يارا وهي تسعل وتلتقط أنفاسها ثم قالت: وربنا لأوريكي، أنا هوريكُم كلكُم.. أنا هوريكُم. نجمة رفعت حاجبيها وهي تقترب منها مجددًا وتقول: لا دي مبتتعظش بقى تعاليلي هِناااا، خلاص مبقاش ليكي حد يسندك اللي اسمها فرح غورناها، وهنغورك إنتي كمان يا حرباية يا عقربة!
صعد نديم بعد ما كان يحضر طعام الإفطار من الأسفل ووقف يشاهد ثم قال بنبرة حازمة: حقك، ما أنا معرفتش أوقفها عند حدها، حتى الطلاق محوقش فيها فحقك. في ذات التوقيت وصل رحيم برفقة مها وطفليه وهو يقول بحزم: إيه اللي بيحصل صوتكم جايب لتحت! نديم وهو يقول بنفاد صبر: طلبتيها ونولتيها؟ تمام.. انتي ط.. وضعت والدته يدها فوق فمه وهي تقول: انت اتجننت ولا إيه الحكاية؟ إوعى تنطقها لو مكانش عشانها يبقى عشان العيال يابني. نديم بغضب:
عيال إيه أنا مش هخلف تاني منها دي فضحتني وفضحاني في كل حتة أنا خلاص جبت آخري! أغلقت والدته عينيها وهي تقول: معلش، قولت خلاص عشان خاطر العيال خدها وربيها بمعرفتك جوة ومحدش هيتدخل. سحب نديم يارا وهو يقول: قدامي، والله لأخلي يوم أسود. ذهبوا لشقتهم فقالت نجمة بارهاق: معلش حقكم عليا بس أعصابي فلتت وهرمونات الحمل عملت عمايلها فطلعت قديم وجديد عليها، عن إذنك يا ماما هروح مع سليم للدكتورة عشان المتابعة. والدة رحيم:
ربنا يطرحلكم البركة والخير في كل خطوة من خطواتكم يارب. جذب رحيم والدته تجاهه وهو يقول: فرح فين؟ عقدت والدته حاجبيها وهي تقول: كويس بقى عندها إحساس، اديتها كلمتين في جنابها زعلوها فـلمت حاجتها وراحت لأمها، بتسأل عنها ليه؟ شبك رحيم أصابعه في أصابع مها وهو ينظر لها ويقول: كنت عاوز أقولها حاجة أخيرة بس. ابتسمت مها وهي تنظر لأعين رحيم الممتلئة بالعشق وداعب هو أصابع يدها بأصابع يده، ثم قال موجهًا حديثه لوالدته:
أنا هطلع فوق يا أمي، عايزة حاجة؟ والدته والابتسامة اعتلت ثغرها: الله! طب وشرط مها؟ خجلت مها واحمر وجهها فقال الحاج عبد الكريم: اطلع يابني في الآخر ملكوش إلا بعض، وبينكم بيت وولاد ربنا يهدي سركم. صعدوا سويًا إلى شقتهم ثم أغلق رحيم الباب خلفهم. مها برقة: إقفل الباب بالراحة عشان الولاد نايمين. وضعتهما مها في فراشهما وقامت بتغطيتهما، حاوطها رحيم من الخلف من خصرها وهو يقبل عنقها ويقول: هبعتلها ورقة الطلاق على بيت أمها.
نظرت له مها بعد ما قامت بلف وجهها تجاهه وقالت: مش ندمان؟ اقترب رحيم بوجهه منها وقال: أنا لو ندمان على حاجة في حياتي هي على إني محبتكيش أول أنثى في حياتي وضيعت كل الوقت دا من غير ما أكون فيه معاكي. ابتسمت مها برضا وهي تضع رأسها على صدره وتتنهد براحة. *** داخل شقة نديم كانت يارا تجلس على المقعد مطأطئة رأسها للأسفل والدموع تنهمر من عينيها على جلبابها، ونديم يسير ذهابًا وإيابًا أمامها، ثم توقف مرة واحدة وقال:
كنت على تكة وأخلي بيني وبينك محلل عشان أردك ليا تاني دا لو عاوز أردك، عاوز أفهم اللي عندك دا عقد نفسية ولا إيه بالظبط؟ ليه بتأذي اللي حواليكي بلسانك المشكوك بالسكاكين دا! دا أنا في حياتي مشوفتش جبروت كدا! انتي بتعملي كدا ليه؟؟ ليه كارهة اللي حواليكي بالشكل المقرف دا ومكرهاني في عيشتي رغم إني كنت قايدلك صوابعي العشرة شمع!!
واستحملتك واستحملت عجرفتك ومناخيرك المنطوحة لفوق وقولت أعدي رغم إن دا دور الست في الغالب، أنا اللي كنت بستحمل قرفك ونظرات أبويا وأمي ليا إني مش عارف أحكمك كانت بتقتلني، بس السم اللي جواكي مهما تنقطي منه لغيرك مبيخلصش!
عملتك بني آدمة ومرضتش أمد إيدي عليكي لإن أمي مربياني أحترم الست وأقدسها لإن بيها البيت بيسكن، بس انتي مخلية بيتي مسكون آه بس بعفاريت حقدك، أنا هشحنك بشنطة هدومك لأبوكي وأمك يستحملوا هما خلفتهُم الهباب، أنا مبقتش عايزك ولا بقيت قادر أستحملك، مش كل الستات تقدر تفتح بيوت، في ستات زيك كدا تافهين وشايفين نفسهم ومش عارفين يعني إيه مسؤولية. وقفت يارا وهي تبكي وقالت وهي تمسح عينيها: طب اديني آخر فرصة!
انت بتقول إنك اتحملت كتير مفيهاش حاجة لما أجي على نفسي وأتحمل أنا المرة دي، أنا مقصديش يا نديم أقل منك قدام أهلك بس بجد أنا مش عارفة بعمل إيه ولا بقول إيه، هما مهما مراتاتهم يغلطوا مبيقبلوش ليهم الإهانة أبدًا، لكن انت شوفت اللي اسمها نجمة دي بتمد إيدها عليا وشجعتها. رفع نديم معطفه من على جسده بيديه وهو يقول بصراخ: ما عشان زهقت وجبت آخري، وانت مبتتهديش! ولسه لحد دلوقتي عايزة تكملي خناق ما هو انتي اللي وصلتيها لكدا!
مستلماها في الرايحة والجاية تلقيح عاوزاها تعملك إيه تضربلك تعظيم سلام؟ عاوزة كل الناس تحترمك وإنتي مش محترمة حد! ثم فرك عينيه وقال وهو يزدرد لعابه بغضب: قدامك اختيارين ملهومش تالت، يا تعيشي معايا هنا زي الجزمة تهتمي ببيتك وبنتك وملكيش علاقة نهائي بغيرك! يا إما أوديكي دلوقتي عند أبوكي بشنطة هدومك ومش هتلوي دراعي بالعيال. تمتمت يارا بأحرف غير مفهومة فقال نديم بحزم: مش سامع! يارا بصوت أوضح: هقعد هنا ومش هعمل مشاكل تاني.
جلس نديم على المقعد وهو يقول بلهجة أمر: خشي اعمليلي كوباية شاي. تحركت يارا من أمامه فزفر براحة وقال: يا ساااتر حية على هيئة ست. *** داخل عيادة النساء كانت نجمة ممدة على الفراش ويقف بجانبها سليم وهو ينظر للشاشة الصغيرة وذلك الشيء الغير واضح بها الذي تشير إليه الطبيبة وتقول: أهو بيتحرك وحالته كويسة جداً، هنعرف نوعه بعد كام شهر. اعتدلت نجمة على الفراش وقال سليم: كل اللي ربنا يجيبه حلو سواء بنت أو ولد، المهم صحتها. جلست
الطبيبة خلف مكتبها وقالت: هتبقى عال لو التزمتِ بتعليماتي وبمواعيد المراجعة، وطبعًا مش هوصيكي ممنوع الأكلات اللي ملحها عالي. كتبت لها الطبيبة التعليمات وأعطتها الورقة، شكرتها نجمة وهي تشبك يدها في يد سليم ويخرجون سويًا من المشفى. قال سليم بسعادة: سمعتي يعني مفيش فسيخ. نجمة بسعادة: فرحان فيا انت طبعًا، ماشي ماشي. سليم بضحكة: طب إيه رأيك أعوضك بأكلة حلوة نتغدى برا احتفالاً؟ نجمة وهي تنظر له: طب وشغلك؟ سليم
وهو يفتح لها باب السيارة: يتعطل يوم إيه المشكلة؟ جلست نجمة في السيارة بجانبه وجلس هو في مقعده ثم انطلقوا سويًا. *** بعد مرور شهرين منزل الحاج عبد الكريم كانوا ملتفين جميعهم حول مائدة الطعام، كلًا منهم يجلس بجانب زوجته، والخادمة الجديدة تراعي الصغار حتى ينتهي الكبار من تناول الطعام. وضع الحاج عبد الكريم يده أسفل ذقنه وهو يراقبهم بعينه ويقول:
أهو هو دا المشهد اللي عشانُه بنيت عمارة وسكنتكم مع بعض، معظم البيوت مقاطعين يا عمامهم يا خيلانهم، فقدنا الروح الحلوة بتاعة الإخوات لما كل واحد عمل بيته لوحده، فقدنا اللمة الحلوة والإحسان لبعض. كان بين مراتاتكم مشاكل مش عارفين تتصرفوا فيها، كان اللي محتار هو خد القرار الصح ولا لا، واللي تايه ومش عارف هل اتحرم فعلًا من اللي عاوزة ولا ربنا عوضه بالأحسن.
بيتي كان دايمًا مفتوح لكم، وأمكم كانت موجودة تسمعكم وتهدي سركم وتحفظ بيوتكم. صعوبات كتير مريتوا بيها بس في الآخر إيه؟ اتحلت كل مشاكلكم بالمواجهة، سواء مواجهة نفسكم أو مواجهة شريك حياتكم باللي جواكم.
في الآخر فهمتوا إن الحياة بعد الضيق بتتعدل فجأة وكأنها عمرها ما ضاقت، خليكم دايمًا سند لبعض طالما رسيتوا على البر الثابت، وخلوا لعيالكم قرايب حلوين يتسندوا عليهم ويتونسوا بيهم لما يكبروا، عمام وخيلان وكله.. اتقوا ببعض وبحبكم لبعض. رفع رحيم يده وهو يقول: بمناسبة كلام الحاج عن عيالنا، في ضيف ثالث هيشرفنا كمان كام شهر. صفقت نجمة وضحك إخوته وقالت والدته بعد أن أطلقت "زغروطة": مها حامل يا حبايبي ألف مبروك. ابتسمت مها
بخجل فميل رحيم عليها وقال: في فرح سليم مكنتش بحب أقعد جنبك كنت بحس إني مخنوق، أما دلوقتي بحس كل الدنيا دي خنقة من غيرك، والأكسجين عندك انتي بس. مها بهمس: بحبك.. رحيم بصوت مرتفع: أنا بموت فيكي. ضحكوا جميعًا واختلطت أصواتهم الدافئة ببعضها. نظرت يارا بابتسامة لمها قائلة: مبروك يا مها. مها برقة: الله يبارك فيكي، تسلميلي. نديم: عاوز شاي مش قادر. نظر لهم الحاج عبد الكريم والابتسامة لم تفارق وجهه.
ستستمر الحياة، ليست كل خسائرنا هي النهاية، ربما هي بداية لأمور أبدية أجمل ♡
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!