الفصل 11 | من 34 فصل

رواية مسك الليل الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سارة طارق

المشاهدات
33
كلمة
4,098
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 32%
حجم الخط: 18

لم ينم في تلك الليلة بعد رحيله من عندها. لم تعرف جفونه طريق النوم ولو لدقيقة واحدة. دخل بيته وسار لطريق يحفظه عن ظهر قلب منذ صغره. توقفت قدمه عندما وجده أمامه. ابتسم له بشوق كبير. وزادت ابتسامته عندما سمع صوت صهيل حصانه بعد رؤيته، كأنه يعبر عن شوقه لصاحبه. اقترب منه رضوان ومسح على ظهر حصانه قائلاً: "أنت كمان وحشتني أوي يا سلطان. إيه، نفسك في جولة زي بتاعة زمان؟

ثم تنهد بحزن قائلاً: "أنا كمان نفسي في الجولة دي أوي، عايز أطير يا سلطان... أصل صاحبك زهق من العيشة على الأرض، فنفسه يرجع يطير من تاني." قالها وهو يخرج حصانه من أسطبله، ولكن توقف عندما سمع صهيل حصان أخيه رشاد، كأنه ينادي عليه يسأله عن صاحبه. خطى رضوان نحو حصان أخيه الأسود، فلطالما عشق أخيه هذا اللون، غير رضوان الذي كان حصانه لونه أبيض. اقترب من حصان أخيه وربط عليه بحنان. كان يلمس مكان جلوس أخيه على الحصان.

بكى وهو يتذكر أخيه وهو يتسابق معه. كان أخيه أكثر مهارة منه في ركوب الأحصنة. هو من علمه، وهو من شجعه على الركوب من صغره. "آه يا أخي، كم اشتقت إليك." سمع صهيل حصان أخيه كأنه يسأله عن رشاد. خرجت نبرة رضوان باكية: "صاحبك معادش موجود معانا يا أصلي، صاحبك مشي وسابنا، مشي حتى من غير ما يسلم." ترك رضوان الحصان أصلي وذهب للحصان. رغم صهيل حصان أخيه كأنه يصرخ وينادي صاحبه.

ركب رضوان حصانه وخرج به وظل يركض بالحصان بسرعة كبيرة جداً. لم يشعر. لم يسمع. أي شيء غير صهيل حصان أخيه. انهمرت دموعه بوجع شديد. "ألا لتلك الدرجة الحيوان يكون وفي لصاحبه أكثر من وفاء بني آدم لبعضهم؟ كم يؤلمه أن يرى الوفاء في عين الحيوان ولا يراه في عين إنسان مثله." "يشعر بوجعك، لديه قلب مثلك، شيء ورغم كل هذا يؤذيك في أعز ما تملك." ابتسم بسخرية وهو يسمع صهيل الحصان.

كم تمنى أن يرى أخيه الرحمة في عيون قاتله، لكنه لم يرى إلا الغدر والكره. لقد غدر به، وغدر بأخيه وهو على قيد الحياة. كان من يرى رضوان في تلك اللحظة يقول إنه يطير بحصانه في الهواء وليس فقط يركض بسرعة. كانت سرعته تجعل الحصان عندما يقفز يطير عالياً في الهواء ثم ينزل بقدمه على الأرض بكل ثقة ومهارة. كان شعر رضوان يتطاير مع الهواء بسبب سرعته، وكلما نزلت خصلات شعره على وجهه يرجعها للخلف مجدداً.

هنا ظهر شبح ابتسامة صغيرة على ثغره عندما تذكر أخيه وهو يتشاجر معه. "يابني جلتلك أحلق شعرك ده عيب والله، دا انت خلاص شهادة الثانوية هتطلع وهنجدم لك في الجيش، هتروحلهم بشعرك ده إزاي؟ كان شعر رضوان كبير وناعم جداً يغطي رقبته، فهو منذ طفولته وهو يكره أن يحلق شعره، يحبه طويل وخصلته كبيرة، فهو كان وسيم جداً فيه. نظر له رضوان بضيق وهو يحاول أن يسبق أخيه، ولكن شعره يعوقه قليلاً بسبب الهواء وماء المطر.

تأتي خصلات شعره تنزل على عينيه ويعوقه على السير بشكل جيد بحصانه. "سبني الله يبارك لك يا رشاد عشان أنا مش شايف قدامي أصلاً وممكن أقع بسبب شعري ده من على الحصان وأتكسر، وساعتها لا هطول جيش ولا شرطة." هنا توقف رشاد حصانه بسرعة ملفته وأشار له أن يتوقف مثله. ونزل أخيه من على حصانه ووقف أمامه.

"أوعك تخلي حاجة تافهة زي دي تمنعك عن حلمك، لو شعرك ده هيكون سبب إنك تبعد عن حلمك، أحلقه. وبعدين بلاش تقول على نفسك كده، بكرة إن شاء الله هتبقى ظابط جد الدنيا كلها والبدلة اللي هتلبسها هتديك هيبة فوق هيبتك، وساعتها هتلاقيني جايلك وباشتكيلك وبأقولك الحقني يا حضرة الظابط فلان الفلاني، جه عليا وهاتلي حقي منه." ضحك رضوان على حديث أخيه.

"لا عاش، ولكن اللي يجي عليك يا خويا وأنا موجود، دا أنا هجيب لك حقك تالت ومتلت كمان، بس حد بس يفكر يقرب منك وساعتها محدش هيجيب لك حقك غيري، وبكرة تشوف." ربط رشاد على ظهر أخيه قائلاً: "يعني أطمن إن لو جرالي حاجة هيبقى فيه راجل من بعدي بيجيب لي حقي." قبل رضوان رأس أخيه قائلاً: "ربنا يديك طولة العمر يا خوي، متقولش كده. وبعدين إحنا اللي طول عمرنا بنتحامى فيك، بس عشان أطمنك فأنت وراك راجل يا خوي، أوعى في يوم تقلق."

خرج رضوان من ذكرياته على صوت أحد الغفر وهو ينادي عليه. فأوقف حصانه واقترب من الغفير قائلاً بصوت مختنق: "في حاجة يا رضا بتنادي؟ "أيوه يابيه، دا أنا واقف بنادي عليك بقالي ساعة وانت في دنيا تانية خالص." هز رأسه رضوان بتعب ناطقاً: "في حاجة؟ "أيوه يا بيه، في واحدة بره عايزة تجيب لك ضروري، بتقول مش هتمشي غير لما تشوفك." استغرب رضوان كثيراً، فمن تلك التي تريده في هذا الوقت المبكر؟ نظر لساعة يده وجدها السادسة والنصف صباحاً.

وأي شيء ضروري تريده منه في هذا الوقت؟ تنهد رضوان بتعب، فهو لا طاقة له لأي شيء، ولكنه ضغط على نفسه وأمره أن يحضرها له بالداخل. أعاد رضوان حصانه لمكانه وألقى نظرة على الحصان أصلي، وجده ساكن في مكانه، فعلم أنه قد تعب من كثرة صهيله، كأنه قد استسلم للأمر الواقع. خرج من هذا الإسطبل الصغير ودخل بيته وذهب لغرفته بتثاقل وتعب كبير، فهو يحمل هم كبير فوق كتفيه. دخل الغرفة واغتسل وارتدى ثياب غير التي كان يرتديها.

وأرجع شعره للخلف وهو ينظر للمرآة، فكان رضوان طويل القامة وشعره الأسود الذي شبه لون عينيه أصبح قصير عن ذي قبل بحكم عمله في الجيش. نزل رضوان بتثاقل، فهو كل ما يريده الآن هو أن يرى ماذا تريد تلك المجهولة، وبعدها يريد قسط كبير من الراحة له ولعقله الذي أنى من كثرة التفكير في كل شيء. فهو أصبح الولد الوحيد لعائلته، وكل شيء أصبح على عاتقه بعد أخيه. "رضوان بيه، الست اللي طلبتك جوه في المكتب."

"تمام يا سعاد، أنا هدخلها، بس لو سمحتي عايزة منك فنجان قهوة تقيل وسادة عشان مش قادر أفتح عيني." أومأت له باحترام وذهبت لتعد القهوة كما طلبها. ذهب رضوان باتجاه مكتب والده وفتح الباب، ولكن علت الدهشة وجهه عندما وجد والده مستيقظاً ويجلس على مكتبه وأمامه سيدة لم يرى ملامحها جيداً بسبب هذا الشال الذي تضعه على رأسها ويغطي أغلب وجهها. "صباح الخير يا با، إيه اللي صحاك دلوقتي؟ جابر: "صباح النور يا ولدي، تعالى اجعد."

جلس رضوان كما طلب والده ونظر لتلك التي تجلس أمامه ولا يفصل بينهم غير طاولة صغيرة. هنا تحدث جابر وقطع لحظات الصمت تلك. "البنت دي عايزة تقولنا حاجة مهمة أنا وأنت، وأصرت على وجودك أنت بالذات." نظر له رضوان بريبة، فهي تنزل رأسها لأسفل وتفرك كلتا يديها ببعضها، يبدو عليها بعض الخوف والتوتر الشديد. تحدث جابر ليطمئنها قائلاً: "اتكلمي يا بتي وجولي عايزة إيه، وأهو رضوان موجود أهوه زي ما طلبتي."

حاولت تشجيع نفسها قليلاً ورَفعت رأسها ونظرت لرضوان، مما جعله يستغرب وجودها هنا في بيته وإصرارها على وجوده. هنا تحدث رضوان: "أنتي، أنتي إيه اللي جابك هنا، وعايزة إيه؟ " قالها ببعض الحيرة. نظر له والده ونهره: "رضوان، ميتى بنكلم ضيوفنا بالشكل ده ها؟ " ثم نقل نظره للفتاة التي رمقت رضوان ببعض الضيق على طريقة حديثه معها.

ابتلعت ريقها وأخرجت بعض الهواء لتهدأ هذا الصراع الذي بداخلها، فهي تعلم أن ما ستقوله لن يكون هيناً أبداً عليهم. نظرت لجابر قائلاً بنبرة مرتعشة قليلاً: "يا حاج جابر، أنا ابقى زينة فتحي، أمي بتها الست هناء، أنا اللي لحقتني من إيد الشيخ عبدالله وهو بيضربني في السوق لما كان عاوزاني أسلم بالغصب." هنا تذكرها جابر: "أيوه صح، انتي زينة، كيفك يا بتي وازي أمك وأخوكي كلكم بخير صح؟

ردت عليه بصوت متقطع: "بخير يا حاج، بس بس أنا اللي مش بخير، وعايزة، عايزة... ابتلعت ريقها وهي تقول: "عايزة حق ابني يا حاج." دهش رضوان حديثها كثيراً: "حقك ابنك، هو انت عندك عيل؟ انتي متجوزة؟ كان هذا سؤال رضوان لها. "أيوه متجوزة، وجوزي انت عارفه كويس يا رضوان بيه." مل جابر من حديثها هذا، فحثها على الحديث بكل ما بداخلها مرة واحدة حتى يفهم.

"معلش يا بنتي، قوليلنا كل اللي جواكي عشان نفهم، بس الأول أنتي أهلك عارفين بجوازك ده ولا لأ؟

زينة: "عارفين يا حاج، أمي عارفة إني متجوزة وعارفة مين جوزي، بس أهل جوزي هما اللي مش عارفين إنه ابنهم متجوزني. ودلوقتي أنا حامل في الشهر الرابع وبطني قربت تكبر، والناس هتاخد بالها إني حامل. فكل اللي عايزاه إن ملجاش حد يقول عليا ماشية مع حد في الحرام ويطلع علينا سمعة، رغم إني متجوزة على سنة الله ورسوله. فكل اللي عايزاه إن أهل جوزي يعترفوا بيا أنا وابني ويقولوا جدام الناس كلها إني مرات ابنهم."

رضوان: "طب وجوزك ميعترفش بدا ليه؟ ابتلعت غصة مرة في حلقها قائلة: "جوزي مش هيقدر يعمل كده لأن خلاص ماعدش ليه كلمة، أهله بس اللي يقدروا يعملوا كده." تنهد جابر بحزن دفين، فهي بحديثها هذا فتحت له جرح كان يظن أنه التئم منذ سنين، ولكنه مازال حي. قد شعر به بحديث تلك الفتاة التي تشبه عمر ابنته وقصتها تشبهها بعض الشيء بحاله.

أنها أخفت زواجها عن الناس، ولكن الاختلاف أن ابنته هربت لتتزوج بدون علمهم، أما هذه تزوجت بعلم أهلها فقط. جابر: "قولي اسم جوزك يا بنتي، وهاتي عقد جوازكم. ربنا يعمل اللي فيه الخير، وإن شاء الله ابنك هيكتب باسم أهله وهيعترفوا بيه غصب عنهم." هزت رأسه وخرجت ورقة مطوية وأعطتها لجابر، ولكن رضوان أمسكها منها وفتحها ليقرأ ما بداخلها ويعرف إذا كانت شهادة أصلية أم مزيفة.

كان يقرأ اسم الزوجة، وبعدها انتقلت عينها لاسم الزوج، مما جعله يهب واقفاً وهو ينظر لها بصدمة كبيرة. هو ينظر لها وكأن القط أكل لسانه ولم يقوى الحديث. وصدمته الكبيرة بما قرأ. أمسك جابر الورقة ليرى ما بها ليجعل ابنه على تلك الحالة. قرأ جابر اسم الزوج، قرأ بصدمة وبصوت كاد يكون عالياً: "اسم الزوج رشاد جابر النمر، ابني! قالها وهو يقع على كرسيه وتقع الورقة من يده، ونظر للأمام بصدمة. "كيف؟ كيف يتزوج ابني من ورائي؟

نظر لزينة التي تجلس وجهها في الأرض وتفرك يدها ببعضها، فهي كانت تخشى من تلك المواجهة منذ موت رشاد زوجها. عم الصمت المكان، لم يتحدث أحد منهم. حتى قطع هذا الصمت صوت رجاء التي دخلت وجدتهم وجوههم مضطربة. جابر يجلس على الكرسي وينظر أمامه، ورضوان يقف وينظر لتلك الفتاة بنظرات كادت تحرقها. "إيه مالكم؟ ومين دي؟ وقفت تنتظره في مكانهم المخصص الذي يتقابلان فيه بعيداً عن عيون أهل بلدتهم.

وجدته يأتي بخطوات بطيئة ويلتف حول عينيه السواد بسبب قلة النوم واصفرار وجهه ملفت جداً لكل من يراه. حزنت لرؤيته بتلك الحالة المتهالكة. خرجت أفكارها على إلقائه التحية لها. ردت بفتور وحاولت التدخل في الموضوع الذي أتت من أجله.

"اسمع يا بجا يا بلال، أنا مش هستنى لما تروح في داهية ويتقبض عليك وتروح مني بسبب أخوك وعمايله المهببة زي وشه. أخوك على عيني وعلى راسي، بس لازم تتصرف بالعقل مش تتستر عليه وتخلي البلوة تبقى اتنين لما يتقبض عليكم." احتدت عين بلال وتتطاير الشر من عينيه، وأمسكه من معصم يدها وضغط عليها بكل قوته وجعلها تقترب منه أكثر حتى أصبح لا يفصلهم غير مسافة قليلة. "وإنتي عرفتي منين بقا موضوع أخويا يا مسك؟ من اللي قالك؟

وأنا مجبتش ليكي سيرة، وأكيد مش أختك اللي قالتلك عشان هي أصلاً مشفتش حجاج بعد اللي حصلها في الليلة إياها." قالها وهو يجز على أسنانه. جحظت عين مسك ولم تهتم للألم في يدها بعد أن استمعت ما قاله بلال. "انت كنت تعرف باللي حصل لأختي بسبب أخوك، كل ده ومقولتليش؟ يعني أنت مهرب أخوك وأنت عارف أنه السبب في اللي حصل لأختي؟

ورغم كده خبيته. دا أنت حتى كان قدامك فرصة إنك تساعده وتساعد أختي ونعرف مين اللي عمل فيها كده وأنت ولا أنت هنا. كنت أناني وخبيت أخوك على حساب أختي وشرفها اللي ضاع. أنا بس عايزة أسألك سؤال، لو ليك أخت وحصل معاها كده، كنت تتمنى إن يجي حد ويعمل اللي عملته ويخفي الحقيقة زي ما عملت ويضيع معاها كمان حقها؟ كنت هتبقى مبسوط لما يحصل في بنات البلد زي ما حصل لأختي؟ رد عليا، سكت ليه؟ أمسكته من لياقة قميصه

قائلة وهي تصرخ بوجهه: "سكت ليه؟ اتكلم! كنت معايا كل ده وأنت عارف إن أخوك اللي عارف مين اللي اغتصب أختي وماشي معايا ومكمل عادي من غير ما تفكر فيا ولا حتى ضميرك يوجعك؟ يعني كنت بتضحك عليا كل ده؟ مسح دموعها قائلاً: "كان عنده حق رضوان لما قالي إن مش هاينوبني منك غير وجع القلب ليا ولا لأهلي." كادت تتحرك ولكن أمسكها بلال مرة أخرى.

وعند ذكرها لرضوان جعلته يفقد أي ذرة صبر له وزاد غضبه لدرجة جعلت مسك تبتلع ريقها وارتعش جسدها بسبب نظراته النارية الموجهة لها. حاولت الإفلات منه والركض بعيداً عنه، ولكنها لم تستطع، فهو أحكم قبضته عليها. "وإنتي إيه اللي جاب رضوان ليكي؟ عرفتيه منين؟ وكلمتيه إمتى وإزاي؟ انطقي قبل ما أدفنك مكانك، انطقي! حاولت التماسك والتحلي ببعض الشجاعة أمام نبرته الشرسه. "أوعى بعد عني، وإلا والله أصوت وألم عليك الناس، سيبني."

ضحك بلال بصوت عالٍ ونظر لها بسخرية: "طب ما تجربى كده صوتي، لما حد يجي يلحقك هتقوليله إيه لما يسألك إيه اللي جابك هنا في الحتة المقطوعة دي؟ ها؟ مظنش إنك غبية لدرجة إنك تفضحي نفسك وتفضحى أمك وأختك معاكي بعد ما ربنا سترها عليها." وجدها هدأت وتوقف جسدها عن التحرك بعد أن كانت تعافر للفرار منه، وتصنمت مكانها.

"أيوه جدعة يا مسكي، اهدى كده وخلينا نتفاهم بالعقل كده بدل الهليلة بتاعتك دي اللي ملهاش أي ثلاثين لازمة ومش هينوبك منها غير الفضيحة. وتقوليلى بقا قابلتي رضوان فين واتفقتوا على إيه؟ كانت مسك تنظر له بصدمة كبيرة وتهز رأسها برفض، كأنها لا تصدق ما تسمع ومن من تسمعه من الرجل الذي كلما حلمت أن يكون زوجها، الرجل الذي وهبته قلبها وحبها وأصبح له مكانة كبيرة بحياتها أكثر منها هي شخصياً.

لدرجة هذه كانت غبية وعمياء حتى لا ترى كل هذا الشر في عينيه. وأيضاً يشك بها أنها تحالفت مع رضوان ضده. "أنا مش قادرة أصدق، انت، أنت يطلع منك كل ده؟ طب ليه؟ عملتلي إيه عشان تخدعني بالشكل ده؟ توهمني إنك بتحبني لدرجة دي؟ طلعت رخيصة بنسبالك؟ يعني أهددك إني هصوت تقولي صوتي وافضحى نفسك؟ لدرجة إيه سمعتي ملهاش قيمة عندك؟ اخس عليك يا بلال، ومنك لله على حرقة قلبي وقلب أختي وأمي بالشكل ده."

وقف أمامها قبل أن تتركه وتبتعد عنه مانعاً إياها من الذهاب قائلاً بنبرة هادئة: "استني بس يا مسك، متزعليش مني. والله أنا ما قصدت حاجة من اللي قولتهالك. أنا بس لما جت سيرة حجاج اتعصبت، بس انتي السبب، انتي عارفة إن حجاج نقطة خطر في حياتي ومحبش أي حد يقرب منها، ممكن أموته. دا أخويا وخايف عليه، يعني المفروض تقدري ده."

"يعني أنت عايزني أقدر إن ده أخوك وبتخاف عليه، وأنت ماتقدرش إن ورد أختي ومن حاجتي أجبلها حقي من اللي عمل فيها كده؟ لاه يا يا بلال، أنا من هنا ورايح مش هقدر حاجة. وأخوك عمره ما هيبقي أحسن من أختي وهتشوف أنا هعمل إيه. ويامين بالله لخلى البلد كلها تتف عليك أنت وأخوك. وهقدم فيه بلاغ في الجسم (القسم) وهقولهم إنه هو اللي اغتصبها وأجهر قلبي عليه زي ما جهرت (قهرت) قلبي على أختي ورد أكده." ذهبت وتركته، ولكن

توقفت عندما سمعته يقول: "لو سيرة أخويا جت في أي حاجة يا مسك، هقول إن أختك اللي جتله برجليها وخلى الفضيحة ليها هي مش لحجاج، وأنا أقدر أعمل كده وأنتي عارفة كويس. فاعقلي كده وحافظي على أختك وخلي الطابق مستور عشان لو اتكشف ممكن تطرده من هنا، واختك هتتطلق، أصل جوزها عمره ما هيستحمل الفضيحة برضه ولا أهله هيرضوا بيها بعد كده. فكري كويس يا بنت زينة وشغلي مخك بدل ما... انتي عارفة بقا من غير ما أقول، الفلوس بتعمل العجب."

ذهب هو وتركها على وضعيتها الصامتة تلك تنظر أمامها، لا تعرف من هذا الذي يتحدث. هذا ليس بلال، هذا شخص آخر، هذا شيطان تجسد على شكله بالتأكيد. هو ليس بلال، الرجل الذي عشقته وعرفت الحب عند رؤيتها له وتعلقت به من أول محادثة لهم معاً. وقعت على الأرض وظلت تبكي وتصرخ بداخلها على مرارة ما سمعته منه. هي من فعلت بنفسها كهذا، هي من سلمته قلبها رغم عدم وجود أي رابط يجمعهم سوياً أمام الناس والعالم بأكمله.

وبعد كل هذا يأتي ويهددها أنه سوف يخرب عليها حياتها وحيات من يخصها لو دافعت عن أختها. أي بلد تلك التي تجعل الناس يزورون الحقائق من أجل بعض المال؟ تدوسون على شرف فتاة من أجل بعض المال؟ أليس تلك نهاية العالم؟ ولكن هل ستخاف وتصمت؟ هل سيتغلب عليها حزنها وتنسى حق أختها؟ آه شعور أن ليس عندك شخص بحياتك يجلب لك حقك هو شعور مؤلم جداً.

"وأنا مليش غيرك يارب، مليش إلا أنت يارب. أنا عارفة إني غلط كتير، بس محتاجك تسامحني، محتاجالك تجبلي حقي يارب، أنا ضعيفة مش عارفة أعمل إيه. أنا اللي كنت فاكرة نفسي هقدر على أي حد، كلمتين منه هدوني وخلوني صغيرة قوي قدامك وقدام نفسي. عايز حق أختي منهم يارب، يااااااارب." تلك الكلمة الأخيرة التي أخرجتها مسك بصراخ كأنها خرجت من أعماق قلبها الذي يئن الآن من صدمته في حبه الأول الذي طالما ظنته أنه الأول والأخير.

الآن هذا القلب عرف أنه هو الأحمق لأنه شعر بشيء باتجاه هذا الشيطان. ظلت تدور حول نفسها وهي تكاد تختنق من كثرة قلقها على ابنتها. فهي استيقظت ولم تجدها على فراشها. والآن الساعة العاشرة وقد تمت مسك في الخارج ما يقارب الثلاث ساعات، ولم تأت. وبحثت عنها والدتها ولم تجدها. تخشى أن يكون حصل شيء ما. فزينة أصبحت تقلق بصورة غريبة بعد ما حصل مع ورد ابنتها في تلك الليلة السوداء عليهم جميعاً.

تثاءبت ورد التي تجلس وتنظر لوالدتها بعينين ناعستين. "ياما جلتلك ماتقلجيش، مسك مابتخفش عليها، تلجيها بتتمشى شوية ولا حاجة. أهدي بس وهتلجيها جاية." لم تستطع زينة السماع لابنتها. ولمعت في عقلها فكرة ما. "بت يا ورد، انتي بت، فُوقي يابت يا جذمة، فُوقي يابت، انتي لحقتي تنامي؟ انتي لسه كنتي بتتحدتي معايا. الله يخربيتك يا بعيدة، قومي، قومي وانتي شبه دكر البط اللي لسه بايض بيضة ونايم على نفسه كده." "إيه ياما، عايزة مني إيه؟

مش كفاية مصحيني من النجمة ومخليني جايلك وش الصبح، وكمان مش عايزاني أريح هبابة." "يابت الجذمة، أختك ومش لاقينها، وإنتي كل اللي همك إنك تنامي؟ إيه معندكيش دم؟ خلي عندك حبة من الأحمر وصحصي معايا كده." هبت من مكانها وفركت عينيها بانزعاج وهي تنظر إلى والدتها بضيق. "أهو صحيت أهو." ضربت زينة فخذها وهي تكاد تفقد عقلها.

"يابتي أنا قلبي مش مطمن، حاسة إنه فيها حاجة عفشة حصلتلها. أنا قلبي وجعني عليها، وحاسة إن ضنايا بيتوجع ومش عارفة أعمل إيه ولا مكانه فين." هنا انتاب ورد القلق، فأمها لن تقول مثل هذا الحديث وتكون مخطئة، دائمة الشعور بها هي وأختها. "طب اهدى ياما وتعالي نروح ندور عليها تاني ويمكن نلاقيها."

"أيوه، إحنا ندور عليها تاني، وتكلمي بدر جوزك وتخليه يدور عليها معانا. يلا البسي شالك وأنا كمان هدخل أجيب شالي وندور عليها، على الله بس نلاقيها، وبعدها هديها بصرمة على دماغه هي واللي خلفتها، بس أشوفها وأطمن بس."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...