انزعلت عن العالم وهى تتذكر ما حصل لها. كانت تشبه الورود البيضاء التي تتفتح في فصل الربيع، وينهال عليها الناس لشرائها من كثرة جمالها. كانت شابة صغيرة تبلغ من العمر تسع عشر عامًا في ريعان شبابها، جميلة هادئة تعشق الحياة. إلا أن انقلبت حياتها صدفه غريبه جمعتها معه في مكان واحد، أو كما كانت تظن هي أنها صدفه. وبعدها علمت أنها صدفه مدبره، لكن علمت بعد فوات الأوان.
تسير بهدوء ناحية جامعتها وتمسك بيدها حقيبة صغيرة وضعتها على كتفها بعد أن مرت بتفتيش، وبعدها دخلت وهي تزين فمها بسمة صغيرة. فهو حلمها يتحقق وتلتحق بالجامعة كما تمنت طول حياتها، ويعطيها الله فرصة لتكمل تعليمها وتلتحق بكلية التجارة.
هرولت بسرعة تريد أن تتفقد الجامعة، تريد مشاهدة كل مكان بها، تريد حفظ كل طرقاتها لتشعر أنها ليست نائمة وأن هذا ليس حلم بل حقيقة. ولكن أثناء مشاهدتها لأركان جامعتها، وجدت نفسها تلقى على الأرض أثر دفعة فتاة لها أثناء سيرها.
رفعت زينة يدها لأعلى تتحسس كوعها الذي أصيب أثر دفعة تلك الفتاة التي تسير بطريقة عشوائية ولا تأبى لأي أحد. وجدت زينة آثار الدماء على كوعها وظلت تلعن وتسب في تلك المجهولة التي أصابتها بهذا الشكل، ولكن خرجت من دوامة سبابها على صوت تلك الفتاة. "أنا أسفه بجد، ما أخذتش بالي منك. أنتِ كويسة؟ " قالتها راوية وهي تمد لها يدها لتساعدها على النهوض. لم تمسك زينة يدها ونظرت لها شرزاً وهي تكاد تموت وجعاً بسبب إصابتها.
"وأنا أعمل إيه بأسفك ده بعد ما بهدلتيني بالشكل ده؟ حتى بلوزتي اتبهدلت دم. ابقي خلي بالك المرة الجاية يا آنسة وبصي قدامك بدل ما تخبطي في الناس كده. ولو نظرك ضعيف اِلبسي نظارة." قالتها زينة بعصبية وهي تتحسس كوعها وتحاول كتم الدماء منعًا لتلويث ثيابها التي كانت مكونة من بلوزة بيضاء وجيبة من اللون الأسود وتغطي شعرها بطرحة لونها أسود. تركت راوية تنظر لها بضيق، تعلم أنها مخطئة ولكنها لم تقصد. حتى تهينها بهذا الشكل.
تحركت راوية لتبحث عن كليتها، فهذا يومها الأول في الجامعة، فهي نقلت من جامعتها لتلك الجامعة، فهي في الفرقة الثانية كلية آداب فرنسي. بينما زينة ظلت تسأل بعض الفتيات عن مكان المرحاض حتى دلتها إحدى الفتيات عن مكانه. دخلت ولكن تجمدت ونظرت بصدمة لما تراه. تفتح فمها حتى كاد فمها يصل للأرض على أثر صدمتها.
فكانت تشاهد بعض الفتيات يقفان أمام المرآة وكلا منهما تحمل حقيبة كبيرة بها جميع أنواع المنتجات الخاصة بالتجميل بكل أشكالها وأنواعها. وكانت المحادثة مع تلك المجموعة الصغيرة المكونة من ثلاث فتيات يتزين أمام المرآة. "بت يا فردوس معاكي آيلاينر عشان اللي معايا شكله خلص؟ " نطقت بها أمل وهي تضع أحمر شفاه لونه أحمر صارخ من شدة ثقل لونه. نظرت لها فردوس التي توقفت يدها عن وضع الماسكرا على رموش عينيها قائلة بدهشة:
"إنتي لحقتي يا أمل تخلصيه؟ دا إنتي لسه جايباه الأسبوع اللي فات." لم تنظر لها وهي تردف: "آه يا اختي خلص. الحاجات مبقاش فيها بركة خالص." ردت عليها صديقتهم الثالثة ماهي قائلة بسخرية من أفعال فردوس: "يا شيخة حرام عليكي دا إنتي بتمسكي الحاجة وتحطي منها بافتري ولا كأنك بتحطي في آخر ذاتك. دا إنتي امبارح رسما الآيلاينر رسمة قد صباعي." ردت عليها فردوس بازدراء: "وإنتي إيه اللي فهمك إنتي عن المكياج؟
دا الواحدة إن مكانش الآيلاينر يترسم على عينيها كده ويخليها واسعة زي عين الجاموسة ما يبقاش له لازمة." "وهي الجاموسة بتحط آيلاينر؟
لم تخرج تلك الجملة من الثلاث فتيات، بل خرجت من فم زينة التي مازالت تستمع لهم وهي تكاد تجن مما ترى وما تشاهده. فهي الآن تشاهد بعض العرائس الحلوة المزينة بعدد كبير من الألوان غير اللائقة على بعضها، جعلها تظن نفسها في سيرك ما وتشاهد مجموعة من البهلوانات يقومون بعرض، ولكن لم يكن مضحكًا على الإطلاق، بل كان عرضًا يثير الاشمئزاز.
نظرت لها فردوس من أعلى لأسفل تتفحص تلك الدخيلة كما تظنها. وجدتها فتاة جميلة وجهها لم يلمس أي نوع من مستحضرات التجميل، وهذا ما جعلها جميلة جمال هادئ. فوجهها لم يتشوه بتلك المستحضرات إلا في مرات قليلة وفي مناسبات مهمة بالنسبة لها، وكانت تضع القليل فقط. ردت عليها فردوس بتعالٍ: "وإنتي إيه اللي فهمك إنتي عن عيون الجاموسة؟
طب دا أنا الواد بتاعي ما يعرفش ينام كده ولا يرتاح له بال غير وهو شايف الآيلاينر وهو مرسوم على عيني. ولو رفضت بقبله بيقلب في صور يشوفهم عشان يتكيف." نطقت تلك زينة التي تكاد تكون معلوماتها عن الميكاب تتلخص في أحمر الشفاه الخاص بها منذ الابتدائية الذي تضع منه على شفتيها ووجنتيها بأصبعها حتى لا ينتهي ويبقى معها لأطول فترة ممكنة. "لا، إحنا عندنا في البلد جاموسة بس مبتحطش الآيلاينر ده." نطقتها باستغراب شديد.
نظر الفتيات الثلاثة لبعضهم، وبعدها انفجروا في الضحك على تلك الحمقاء التي أخذت الجملة بجدية، فهم لم يقصدوا المعنى الحرفي للجملة وإنما هذا مجرد تعبير مجازي ليس إلا. اقتربت منها فردوس بخبث قائلة: "تعالي يا حلو وأنا أفهمك." أخذتها فردوس وأوقفتها أمام المرأة وكادت ترسم لها عينيها، ولكن أوقفتها يد ماهي التي نطقت بصدق: "بلاش يا فردوس، والله شكلها كده أحلى من غير حاجة. ما تبوظيش شكلها."
نظرت لها فردوس بغيظ تحسها على الصمت حتى تستطيع تشويه ذلك الوجه الجميل وجعلها يشبه وجهها الذي تشوه من كثرة مستحضرات التجميل التي تضعه على وجهها بشكل دوري على مدار اليوم.
ففردوس رغم أنها جميلة إلا أن ثقتها المنعدمة بنفسها جعلتها تضع تلك الكمية المريبة ظناً منها أنها هكذا ستصبح الأجمل. كاذب من أخبرها هذا، بل جعلت نفسها تشبه البهلوان الذي يضع تلك الكمية حتى يضحك الناس عليه وعلى شكله، فهي قد أضاعت جمالها الطبيعي بتلك الأدوات الاصطناعية.
كادت تقرب القلم لترسم عين زينة، ولكن هربت زينة من أمامها ودخلت أحد المراحيض الخالية وأغلقت بابها عليها وهي تأخذ أنفاسها بصعوبة، فنظرات تلك الفتاة لها لم تكن بريئة أبداً. أخرجت زينة هاتفها لتحدث والدتها قائلة بغباء: "أما هو إحنا مش بنحط آيلاينر لجاموسة بتاعتنا ليه؟ خرجت من دوامة ذكرياتها على هزة قوية من والدتها. "سرحتي في إيه تاني يا زينة؟ إنتي مش خلاص قولتي رضوان على اللي تعرفيه؟ ردت تلك الضائعة:
"سرحانة في خيبتي يا ما. سرحانة في عقاب ربنا ليا. كنت مفكرة إن خلاص خدت عقابي من حاتم بالعملة فيا، أتريني خدته في رشاد يا ما وراح وعمره ما هيرجع تاني. راح بسببي يا ما راح بسببي. هوري وشي إزاي لعياله لما يجوا على وش الدنيا؟ هقولهم أبوكم مات بسبب أمكم اللي هي أنا. هقولهم مات عشان يجيب حقي من اللي خد شرفي. يا ما أقولهم إيه؟ أقولهم إيه؟
" قالتها وهي تضرب نفسها وتبكي، يكاد قلبها يخرج من فرط حزنها على حبيبها رشاد الذي قتل غدرًا من بعض الذئاب البشرية التي تقتل وتنهش بلا رحمة ولا شفقة. أمسكت والدتها يدها بقوة حتى تستطيع أن تسيطر على تلك النوبة التي تأتيها كلما تتذكر رشاد زوجها. "استهدي بالله يا بنتي واستغفري ربك. دا عمره ومكتوب له، هيموت إزاي من قبل حتى ما يتولد. دا نصيب." ظلت هناء تهدئ ابنتها حتى استكانت بين يديها.
نطقت بحنان لتهون على ابنتها التي تخرج شهقات إن سمعها كافر قلبه من حديد لانخلع قلبه من شهقاتها تلك التي تعبر عن مدى الحزن والحالة البائسة التي بها تلك الضائعة التائه في حياتها.
"اهدئي يا ضنايا، اهدئي. اسمعي يا حبيبتي إحنا موجودين في الدنيا دي عقاب من ربنا وأي حاجة بتحصلنا دي بتبقى امتحان كبير ربنا بيختبر صبرنا فيه. موت رشاد مش بسببك، دا مقدر ومكتوب وإحنا مجرد أسباب يا بنتي. أنا مش بقولك كده عشان ما تعاتبيش نفسك، لأ، عاتبيها على الغلط اللي عملتيه بس أوعي تعاتبيها على موت رشاد عشان ده قضاء ربنا. إنتي غلطي وتبتي وربنا غفور رحيم. هيقبل توبتك دي وهيردلك حقك من كل اللي ظلمك وبكرة تشوفي ولادك لما يجوا بسلامة هيعوضوكي عن كل حاجة عفشة حصلتلك. قومي صلي لربك وهو قادر يشفي جرحك. نزلي دموعك دي وإنتي بتصلي وبين إيدين ربنا هو أحن عليكي حتى مني ومن أي حد."
سندتها حتى دخلت واغتسلت لترتمي بين أحضان خالقها تشكوه همها وضعف حالها.
تائه ضائع خائف يخشى كل شيء، يبكي أمام قبر أخيه. يشكيه من الهم الذي يحمله فوق ظهره، يخبره أنه خائف من كل شيء، يخشى أن يتأذى أحد من أهل البلد، يخشى على أبيه وأمه ومن قبلهم زوجته وأبنائه. يخشى ألا يكون كتفيه قويان بما يكفي لحمل تلك الأمانات فوق كتفيه. نعم، هي ليست أمانة واحدة بل أكثر بكثير. أمانة ليست فقط مستقرة على أهله، لا، بل أمانة بعدد أفراد بلدته وسكان مصر كلها. نعم، فكواة الجيش المصري يحملان أمانة كل شخص في مصر كلها حتى يطمئن أهل البلد لا يخشون شيئًا مقابل قلقهم هم وعدم نومهم براحة بال مثلهم هم. كما يلقبون حراس المحروسة، وراضوان أحد هؤلاء الحراس فعل المستحيل ليلقب بحارس المحروسة.
لمس قبر أخيه بيده وهو يتذكر لقاءه مع زينة. "أنا كنت في كلية تجارة، وقابلت واحد هناك اسمه حاتم ذكي نعمان. كان دكتور عندنا في الجامعة واتعرفنا على بعض وحبينا بعض، أو زي ما كنت فاكرة إن ده حب." رغم الضيق الذي اعتلى صدر راضوان ولكنه لم يظهر هذا على وجهه، لقد كتمه كي تكمل ولا تخاف منه. تنهدت بضيق قائلة:
"لما اتعرفنا على بعض قال لي إنه بيحبني. الأول استغربت إنه حبني بسرعة كده وإحنا ما نعرفش بعض غير من أسبوعين. سبته ومشيت مردتش عليه. بعدها مرة في مرة طلب إنه يتجوزني بس لما طلب مني إننا نتجوز في السر لحد ما يكون نفسه ويقدر يجي يتقدملي وطلب إن جوازنا يبقى في السر لحد ما يقدر يقنع أهله ويتجوزني ونسافر لأخوه بره." هنا حاولت كتم شهقاتها ولكنها لم تستطع وانهمرت دموعها.
"فضل ورايا وضحك عليا باسم الحب وإنه مش قادر يبعد عني وإنه مش حابب يعمل أي حاجة حرام. لما لقيتني رفضت وقطعت علاقتي بيه حتى محاضراته ما بقيت أحضرها، بطل يكلمني. قلت إنه يأس مني ومبقاش يكلمني أو حتى يسأل. بعدها روحت الجامعة السنة اللي بعدها لقيت مكالمة من حد على تليفوني وكان رقم غريب."
أنهت محاضراتها وكانت تشعر بتعب، فكان يوم مرهقاً جداً لها وكان كل ما تريده هو أن ترتمي في حضن وسادتها وتنام بعمق حتى تنتهي من إرهاقها هذا. وجدت هاتفه يعلم عن اتصال لرقم غير مسجل عندها، لم تعره انتباهها ولكن وجدته يتصل مرة أخرى. تنهدت بتعب وقامت بالرد. "السلام عليكم." صمتت عندما وجدته حاتم. "إزيك يا زينة عاملة إيه؟ أنا كنت بكلمك بس عشان عاوزة أقابلك وأقولك خبر حلو." نطقت زينة بضيق:
"حاتم أنا مفيش بيني وبينك أي حاجة حلوة أو وحشة. إحنا اللي بينا كان غلطة وانتهت." رد الآخر بسرعة قبل أن تغلق الهاتف: "استنى بس يا زينة واسمعيني. أنا كنت حابب أقولك إن ظروفي خلاص اتحسنت وهقدر أتقدملك وأتجوزك قدام الناس كلها بس كل اللي محتاجاه منك نتقابل في أي حتة." ترددت الأخيرة من مقابلته، فقلبها ينذرها ألا تفعل. وبالفعل رفضت وأغلقت المكالمة معه وأخبرته أنه إن كان يريد مقابلتها فليأتي لبيتها أمام أهله ويبلغها ما يريد.
وأثناء خروجها وجدت من يمسكها ويدخلها سيارة أجرة وينطلق بها قبل أن يمسكه أحد رجال أمن الجامعة، وكان ملثماً حتى لا يعرف أحد، وكانت السيارة بلا أرقام حتى لا يعرفه من صاحبها. خلع هذا الملثم شاله وكشف عن وجهه وهو يبتسم بخبث قائلاً: "اللي ميجيش بالحب تجيبه بالعافية." قالها حاتم وهو ينظر لجسد تلك المسكينة النائمة بسبب ذلك المهدئ الذي وضعه على وجهها حتى يمنعها من الصراخ.
وها هو حاتم نجح في أن يضيع طريق السيارات التي كانت تركض ورائه، يعلم أنها مخاطرة كبيرة ولكنه فعلها كثيراً وليست تلك أول مرة. صدم راضوان بسبب ما سمعه منها، كيف وصلت حقارة هذا الشاب لتجعله يخطف فتاة وأخذها بالغصب لأنها رفضت أن تكون زوجة له في السر. ولكن ما شتت انتباهه هو ما دخل أخيه بتلك القصة. فسألها راضوان ليستفسر أكثر. "طب رشاد دخله إيه في اللي بتقوليه ده، وإيه اللي حصل ليكي؟ تظافرت الدموع فائلاً بقهر:
"هكملك وتعرف دخل رشاد إيه." كانت ممددة لا حول لها ولا قوة، بسبب تأثير المخدر الذي اشتمته. ملابسها ممزقة، شعرها مبعثر، تكاد تشبه الأموات بسبب هيئتها وشحوب وجهها الملفت. تململت في نومتها وحاولت فتح عينيها ولكن أغلقتها بسبب آلام رأسها التي تجعل الرؤية مشوشة لديها. قررت الفعل أكثر من مرة حتى استطاعت فتح عيونها وهنا انكمشت ملامحها عندما وجدت نفسها في غرفة غريبة عليها. نعم، هذه ليست غرفتي ولا هذا سريري و...
هنا استفاق عقلها ويتذكر ما حصل لها وأن هناك من اختطفها. وجدت نفسها تلقائياً تنظر لجسدها وهنا انكمشت على نفسها وعندما وجدت أنها فقدت أعز ما تملك علمت أنها فقدت نفسها. كادت تصرخ ولكن سمعت شجار أحد بالخارج وهذا ما جعلها ترتعد أكثر من السابق. "إنت أكيد اتجننت يا حاتم، إنت البلوة اللي عملتها دي أنا مش هشيلها معاك. افرض دلوقتي اتعرفت عليك وبلغت عنك، ساعتها هتودينا كلنا في داهية." نطق حاتم بضجر: "كنت عاوزني أعمل إيه يعني؟
أنا حاولت معاها أكتر من مرة وهي رفضت. أنا كنت عاوزها، وهي اللي نشفت دماغها يبقا تستاهل بقى. اسمع، أنا جايبك هنا عشان البت دي هي اللي هتجيب لنا المعونة بتاعة الجماعة بعد ما اتمنعت." نظر له الآخر باستفسار: "إزاي؟ زينة اللي هترجع المعونة اللي ممنوعة علينا بقالها أكتر من شهر، دا محدش قدر يرجعها أبداً." غمز له الآخر بخبث قائلاً:
"نخليها من حريم الأمير الجديد، وأهي بت حلو وجميلة وتجذب أي راجل ليها من أول نظرة. وهي اللي هتجيب لنا داع الأمير ويمكن كمان تساعدنا إننا نتخلص منه وساعتها تبقى إنت أو أنا الأمير الجديد." "أنا لا عايز أبقى أمير ولا غيره، خلينا بس في المهم دلوقتي، إزاي هنقدمها للأمير وإزاي هنقنعها بكده؟ غمز له حاتم قائلاً بعبث: "هنقدمها إزاي دي لعبتك إنت، إنت مش دكتور نسا برده؟ هنقنعها إزاي بقى؟ فاسيبها عليا أنا يا دكتور بلال."
ظل يتحدثان تحت أنظار تلك المسكينة التي تستمع لخطتهم القذرة لقتلها مجددًا، وأنها ستصبح كبش فداء لأوغاد مثلهم. كتمت شهقاتها، وضعت يدها على فمها تمنع خروج أي صوت لها حتى لا يعرفوا أنها استيقظت واستمعت لهم. خرجت من توهانها على صوتهم: "إنت عملت إيه في الفيديوهات اللي صورتها لك، والورق اللي بعتهولك على التليفون؟ ابتلع حاتم المياه التي كانت في حلقه وترك زجاجة المياه أمامه قائلاً:
"متقلقش، جمعتهوملك كلهم على فلاشة وخبيتها جوا في الكتب بتاعتي." ثم تنهد بضيق: "أنا قرفت يا بلال، بقالنا قد إيه بنصور العمليات اللي بنعملها عشان ننيل ونبعتها للبوليس ونبلغ عن الزفت الأمير معتصم ونخلص منه. معتصم لو اتقبض عليه يا أنا يا إنت هنبقى مكانه وفي الحالتين إحنا الكسبانين، بس أنا مش عارف إنت مستني إيه." جلس بلال جواره وترك الأوراق التي كانت بيده ونطق بذكاء ثعلب يملأه المكر:
"لو بتكره واحد وعاوز توديه في داهية هتستنى لما يعمل مشكلة وتبلغ عنه ولا تستنى لما تجمعله كذا مصيبة حلوة كده عشان يروح بلا رجعة؟ لو اتقبض عليه تضمن منين إنه ميجبش سيرتك في الموضوع إنت والجماعة بتاعتك؟ أنا ممكن أجاريك في الكلام وأعمل اللي إنت عاوزه وأبعت الفلاشة، بس لو معتصم اتقبض عليه من أول قلم هيجركوا وراه زي الفراخ الديكة، وأنا كده بره اللعبة مش عليا حاجة ولا حد يعرف بيا." هنا احتدت عين حاتم قائلاً بضجر:
"بس إنت معانا يا بلال وهتجر معانا يا بلال." هنا علت ضحكات بلال قائلاً بسخرية: "وأنا مين بقى اللي هيعترف عليا؟ وأنا محدش بيشوفني ولا يعرفني غيرك، حتى لما بعالجكم ببقى متخفي. متقلقش عليا أنا واخد كل الاحتياطات اللي تحميني منكم ولو حد فكر بس إنه يجيب اسمي هنهيه هو وعائلته كلها. إلا لو إنت غدرت بيا وجبت سيرتي ساعتها هطلع منها زي الشعرة من العجين وأسيبك إنت تلبس لوحدك يا حلاوة."
رغم غضب حاتم من أن حديث بلال صحيح ويعلم أنه ثعلب ولا يستطيع أحد أن يوقعه بسهولة، ومن يفكر في أن يغدر ببلال سوف يقع في جحيم غضبه الشديد الذي يجعلك تتمنى الموت أفضل من بأي طريقة أفضل من أن تموت على يده. أخرج بلال من حقيبته حقنة ويسحب بها سائل من زجاجة صغيرة وهو يبتسم من جانب شفتيه. "إحنا هندهالها دلوقتي." نطق بلال دون أن ينظر له قائلاً: "لأ، إنت اللي هتديهالها أنا مش لازم أظهر عشان هي عارفة شكلي كويس." ثم نظر في ساعته:
"فاضل عشر دقايق ومفعول المخدر ينتهي، فلازم تخدها قبل ما تصحى وتعملنا قلق." رد حاتم عليه بمكر: "طب ما تخليها زي ما هي يمكن تحمل واهو تولد ونبيع العيل للناس اللي بتتعامل معاهم، الدنيا مزنقة مع أخوك اليومين دول على الآخر." أخذ بلال حقيبته ورد عليه وهو يتجه للخارج: "العيون اليومين دول متفتحة على الدكاترة، وأنا مش هغامر بسمعتي عشان خاطر واحد مفلس زيك."
خرج من الشقة وترك حاتم ينظر له بضيق، ولكنه رغم غضبه من هذا الرجل سليط اللسان إلا أنه لن يستطيع أن يتفوه بكلمة مع هذا البلل. أخذ الحقنة واتجه للغرفة ليحقنها لها حتى لا تستطيع أن تحمل منه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!