الفصل 16 | من 34 فصل

رواية مسك الليل الفصل السادس عشر 16 - بقلم سارة طارق

المشاهدات
30
كلمة
4,075
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 47%
حجم الخط: 18

تسللت بهدوء تام، وفي كل خطوة تخطيها تنظر حولها لتتأكد أن لا أحد يراها. تكاد أنفاسها تخرج بصعوبة من شدة خوفها، ظلت هكذا حتى وصلت لتلك الغرفة التي يعيش فيها ابنها الوحيد، الذي رماه أخيه فيها بحجة أنه يحافظ عليه. لكنها لا تصدق ما يقوله، فهي تعلم نواياه الخبيثة جيدًا، فبلال يشبه أباه في كل شيء، حتى في خبثه ومكره وعشقه المريض للمال، حتى لو على حساب أقرب شخص له.

ترقرقت الدموع بعينيها عندما وجدته ينام وهو ينكمش على نفسه بتلك الطريقة. وجهه الشاحب وهزلان جسده الذي كان يملأه العضلات، والآن في هذه الأشهر أصبحت تلك العضلات مجرد ترهلات من كثرة الخوف والرعب الذي تملك من ابنها وقلة الطعام. اقتربت منه وسقطت على ركبتيها وأخذته بين أحضانها، وظلت تبكي على حال صغيرها وتدعو على من تسبب له في تلك الحالة المزرية.

بعد أن اطمأنت على حاله، وأخذها بين أحضانه وأفرغ كل ما بداخله بين أحضانها، وظل يدعو أن يعود لأحضان أمه من جديد بدون خوف أو رعب. ربطت على كتفيه وهي تبتسم له قائلة: "كله هيرجع يا ولدي، بس الصبر". هز رأسه لها وهو ينظر أمامه يعيد حساباته من جديد قائلاً: "فعلاً ياما الصبر، وأنا والله صابر وربنا يستر". ثم استدار لها قائلاً بشك: "عملتي اللي قولتيلي عليه ولا معرفتيش؟ أخرجت من جلبابها كيساً أسود به أوراق مطوية وأعطتها له:

"هما دول اللي لقيتهم في المكان اللي قولتيلي عليه، بس أنا حاولت أعرف دول بتوع إيه، بس أنت عارف إني مبعرفش أجري. وكمان لقيت بتاعة سودا صغيرة كده، بس مخبرش بتاعة إيه، بس قولت أجبهالك يمكن يكون ليها لازمة ولا حاجة". بحث داخل الكيس حتى وجد ذلك الشيء الأسود الذي تتحدث عنه والدته:

"ابتسم باتساع وأردف بخبث قائلاً: كده تمام أوي ياما، أنا من بكرة هبعتلك كل اللي اتفقنا عليه، بس خلي بالك وأنتي بتستلمي الحاجات دي محدش يشوفك. أنا عاوزها عملية نضيفة ياما، أبوس إيدك مش عاوز أي غلط، الغلطة الواحدة هتبقى بعمر ابنك". دق قلبها من شدة الخوف، ولكن رغم كل هذا الخوف الذي ينهش في قلبها خوفًا على ابنها، إلا أنها ستحاول حتى تبعده عن كل شيء قد يؤذيه، حتى لو على حساب نفسها. ربطت على كتفيه قائلة:

"متخافش يا والدي، ربنا هينصرنا إن شاء الله". تنهد الآخر بخوف شديد، يشعر أن هناك شيء خاطئ سوف يحدث معه، ولكنه لن يتنازل عن حلمه أن يهرب من بلدته بأي طريقة كانت. "ادعيلي ياما"، قالها بقلب قرع من شدة الخوف. بكت تلك المسكينة قائلة: "بدعيلك يا ضنايا، ربنا يسلمك من كل شر ويبعد عنك كل حاجة تأذيك، حتى لو كانت نظرة. روح ربنا ينورلك طريقك، بس أنت سلم أمرك وتوكل عليه".

هز الآخر رأسه وهو يرمي حموله على ربه ليرحمه من كل هذا العذاب الذي ينهش فيه. وبعدها أخرج أمه بصعوبة وتأكد بعدها أنها أغلقت الباب عليه كما كان. فمن حسن حظه أن أمه تحمل معها نسخ لمفاتيح أي حجرة في البيت كله دون علم أي أحد غيره. عاد كما كان وأخرج الهاتف الذي جلبته أمه له بعد أن اتصل بها من هاتف بلال الذي قد نسيه عنده في السابق وأخبره بمكانه وأن تجلب له هاتفًا صغيرًا دون أن يشعر أحد. *** "ناوي على إيه؟

" خرجت تلك الجملة من صادق، الذي يطالع بعينيه الثاقبة كل تحركات راضوان التي لا تنذر بأي خير بعد الآن.

رد عليه راضوان وعيونه مليئة بجحيم سوف يذيقه لكل من تجرأ على فتاة ومس شرفها ولو بكلمة فقط. هو يكاد يموت عندما يضع أخته الوحيدة مكان تلك الفتيات أمثال ورد وزينة. فهو حميته كرجل لن تسمح أبدًا أن يتعرض أهل بيته لتلك المواقف التي أقل ما يقال عليها قذرة. أقسم على أن يؤذي أي شخص وسوس له شيطانه لمضايقة فتاة، سوف يقطع له لسانه ويعلقه على رقبته ليجعله عبرة لمن يعتبر.

"ناوي على كل شر يا صادق، وحق لا إله إلا الله، هرجع حق كل بنت في البلد ضاع شرفها على إيد شوية (... زي دول، حتى لو كانت على حساب حياتي كلها، حتى لو هضطر أجي على حساب مهنتي". قالها وهو يقوم من جلسته على الأرض وينفض يديه. وعيناه يملأها الغل والغيرة الشديدة على عرض بنات بلدته. أمسكه صادق من تلابيب ملابسه وجعله يستدير له: "انت تقصد إيه بأنك هتجيب حقهم حتى لو على حساب مهنتك، أوعى يكون هتعمل اللي في بالي؟

نزع راضوان يده صديقه قائلاً وهو ينظر في عينيه: "هو اللي في بالك يا صاحبي، ولو فيها موتي". "لأ مش هيبقى فيها موتك يا راضوان، دي هيبقى فيها سجنك يا سيادة الرائد"، قالها صادق بسخرية. رد عليه راضوان وهو يسير ويبتعد عنه: "كله يهون قصاد إني أطفي النار اللي حرقت كل أب وأم على بنتهم يا صاحبي. الموضوع بنسبالي دلوقتي بقى أهم من رشاد، لأني اتأكدت إن أخويا مات راجل زي ما عاش طول عمره راجل". صرخ به الآخر حتى يتوقف:

"أنا مش هسمحلك بكده، ده على جثتي يا راضوان، انت كده بتضيع مستقبلك يا غبي". ولكن لم يجد أي رد منه وظل يبتعد حتى اختفى من أمام نظره.

جز صادق على أسنانه حتى كادت تتهشم ببعضها، ومسح وأرجع شعره بغضب شديد وهو يسبه، فهو عندما يكون بهذا العند سوف يدمر كل شيء، وهو يشعره بقرب النهاية أكثر. يخيفه هو هدوء راضوان المثير برعب. نعم، فراضوان عندما يتكلم بهذا الهدوء أعلم بأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة، ولن تكون أي عاصفة عادية، بل عاصفة سوف تكون مبنية على الكره والغل والغيرة الشديدة، عاصفة سوف تمحي كل شيء قذر على وجه تلك الأرض لتنظفها. ولكن كما لكل حرب ضحايا، أيضًا لكل عاصفة ضحايا، ولن يكون هو أحد تلك الضحايا هذه، حتى لو كانت على حساب صديقه.

*** تجلس على سور هذا القصر وتتابع بعيونها لتلك الأرض من حولها، فبعد مدة سوف يصبح كل هذا ملكه. فهي ليست بالفتاة الغبية التي تتنازل على كل هذه الثروة وترفسها بقدميها، بل سوف تحتضنها بين يديها لتشبع رغبتها المريضة في التملك. كعريسها العنيد صاحب القلب الحجر واللين في نفس الوقت، فهو يصبح حجر على أي أحد إلا على ثلاثة: أمه، وأخيه، و... تلك المسك التي عشقها بطريقة طالما تمنت هي أن تحصل على ربعها فقط منه.

تنهدت بضيق وهي تحاول تشجيع نفسها بأنها لم تخسر في أي تحدي مع أحد، فلن تأتي مثل تلك الفتاة وتجعلها هي تخسر. وتحدثت مع نفسها قائلة: "إيه يا تيا، من امتى بنخسر ولا حد بيهز شعرة فينا. البنت وهتعرفي إزاي تبعديها عنه، واللي مبيفهمش براحة بنفهمه بالعافية. وبلال راجل وهتقدري تملي دماغه، بس لازم نشتغل على نفسك أكتر من كده". قالت آخر جملة وهي تنظر لجسدها الممشوق وتداعب خصلاتها الحرير وترمش بعيونها الساحرة. ناطقة بثقة:

"مع إني زي القمر من غير أي حاجة، بس كل يهون عشان نرضيه ونميل قلبه". قالتها بصوت يكاد يكون مسموع. "ده لو لاحظ أصلًا إن فيكي حاجة متغيرة"، قالتها صفية والدة حجاج وهي تنظر لها بسخرية متعمدة لإثارة غيرتها، فهي تكره تلك الفتاة التي تشبه نجوان في طمعها وحبها للمال. استدارت تيا لمصدر الصوت، وبالفعل كما توقعت صفية، نعم من غيرها يخرج السموم من فمه غيرها. ابتسمت لها تيا بمكر وتلاعبت بالحديث لترد لها حديثها المزعج:

"إيه ده يا صفية، انتي لسه عايشة؟ ده أنا قولت إن ربنا رحمنا وخدك لعنده لما جيت ومشفتش وشك، بس الظاهر إن مليكيش مكان عند ربنا. طب ما تشوفي في المتحف المصري كده، يمكن ليكي مكان جنب المومياوات الخدم اللي بيكونوا مطحونين جنب الملوك اللي زيي كده". ضحكت صفية ملء فمها وهي تنظر لتلك الساذجة التي ظنت أنها سوف تغلبها في الحديث، لا تعرف أن التلاعب بالحديث هي هوايتها المفضلة في الحياة.

"لأ يا عنيا، أنا يوم ما أروح المتحف المصري هروح، وأتفرج عليكي وأنتي حتة جثة مرمية في جلب علبة إزاز (زجاج) ومحنطينك عشان مفيش تربة رضيت بجثتك العفشة دي". قالتها وهي تستدير لتعود لغرفتها، ولكنها توقفت وأدارت نفسها لها لتزيد من إشعال النار التي اشتعلت في تيا بعد حديث صفية عنها. نطقت صفية لإثارة غيظها أكثر قائلة:

"آه بالحق، قبل ما أنسى، كنت جايه أنصحك نصيحة صغيرة كده. عمره الحب مكان بالجمال والحلاوة، الحب ده بينبع من القلب الحبيب ويوصل لقلب المحبوب، زي الرابط كده. واللي بيقيس الحب بشكل الجسم والوش، ده يبقى مريض وعاوز يتعالج يا أما، بيبقى نواياه خبيثة ناحية اللي عجباه. وأنتي نواياكي مش بس هي اللي خبيثة، ده قلبك كمان خبيث، ميعرفش غير حب حاجة واحدة بس، وهي المال. عشان كده عمرك ما هتعرفي توصلي مع بلال لأي سكة، وكل ما تحاولي

تجمعيه معاكي في سكة واحدة هتلاقيه قافلهالك ضبة ومفتاح. واحتمال كبير يرمي المفتاح في البحر لسمك يبلعه عشان متلجيهوش تاني. مسك قدرت تكسب كيان بلال كله مش بجمالها ولا شكل جسمها، هي كسبت عشق بلال ببساطتها في حياتها وصدقها مع نفسها ومع حياتها ومع بلال، عشان كده نصيحة بلاش تضيعي وقت على الفاضي وتدمرى حيات بنت ملهاش أي ذنب إن الراجل اللي بتحبيه حبها وهو اللي لفى وراها لحد ما تعلق بيها".

نظرت لها تيا بغيظ يكاد الحقد يخرج من عينيها وهي تستمع لقصة حب بلال مع تلك الفتاة: "وهي فيها إيه مش عندي عشان يحبها هي أكتر مني، ومع إنه عارفني قبل منها؟ ليه هي وأنا لأ؟ إيه اللي عندها مش عندي؟

"لو على اللي عندك وعندها، فأحب أقولك إنك عندك اللي هي عمرها ما تفكر إن يكون عنديها أصلًا، ده لو بتتكلمي عن الحاجات اللي بتجيبها وبتشتريها الفلوس اللي طيرت عقولكم. بس لو هتكلمي عن الحاجات اللي منعرفش نشتريها بفلوس الدنيا دي كلها، فأحب أقول إن مسك بنت بسيطة آه، بس عندها كرامتها وشرفها وقلبها اللي خلى واحد زي بلال بجبروته يقع في حبها لدرجة إنه ممكن يبيع نفسه لأجل ابتسامة أصغر منها بس، ممكن يقتل نفسه عشان ترضى عليه. يعني دي واحدة لا فارق معاها فلوس ولا ملك ولا حتى شهرة أو سلطة، دي واحدة عاوزة الستر والكلمة الطيبة من الرجل اللي هيبقى جوزها، غير كده، ميلزمهاش حاجة، مش زي ناس عندها استعداد تقلل من قيمتها وقيمة أهلها، عشان خاطر الجنيه".

صمتت صفية ونظرت لتلك الواقفة أمامها، ثم بصقت في وجهها وهي تنظر لها باشمئزاز ثم تركتها ورحلت. اتسعت عين تيا من تلك الفاعلة التي قامت بها صفية وتقليلها منها بتلك الطريقة المهنية، ولكن ما صدمها أكثر أنها لم تستطع أن ترد عليها. هل غلبتها تلك المرة وأخذت الجولة الأولى منها لصالحها؟ ولكن لأول مرة تشعر أنها عاجزة عن الرد على أحد.

استدارت بجسدها عندما سمعت صوت بلال وهو يخرج لشرفته ويسند بكلتا يديه على السور. ظلت تتابعه وتنظر له وتفكر في القادم معه كيف سيكون.

أما عند بلال، فظل يتابع السماء، ويتخيل أن النجوم ترسم له وجهها أمامه. ظل يتطلع لذلك الوجه الذي رسمته النجوم له بشوق كبير، اشتاقها كثيرًا. نعم، لقد أوقعته تلك الفتاة البسيطة في شباك حبها، وليس هناك مفر من تلك الشباك أبدًا، حتى لو كان هناك مخرجًا له، لن يستخدمه مهما حصل، لأنه أصبح يهوى شباكها كما يهواها هي.

أخرج هاتفه وبحث به حتى وجد صورة لها قد صورها له منذ بضع أشهر. ظل يتطلع لضحكتها ووجهها البسيط والبرئ. نعم، هي بسيطة في حياتها وجمالها، ليست أجمل الفتيات ويوجد من هم أجمل بكثير، ولكن رغم جمالها العادي هذا استطاعت دون مجهود منها أن تجعل قلبه يهوى بين قدميها. جعلت بلال الذي يعرف بقوته وشدته ورأسه المعروف للأعلى أمام الناس، يقع تحت قدميها عبدًا عاشقًا يقول لها: "أأمري تطاعي مولاتي".

أخرج شريحة من جيب بنطاله وأدخلها في هاتفه وكتب رقمها وقام بالاتصال بها، فهي وضعته على قائمة المحظورين حتى لا يستطيع أن يحدثها أبدًا. لم يجد ردًا، فقام بفتح تطبيق الواتساب، وكتب لها:

"لقد اشتاق قلبي لكِ، كشوق الأب لابنته بعد سنين بعاد، واشتياق الأم لابنها بعد عذاب الحمل، واشتقت كاشتياق العبد الفقير لبيت الله وزيارته للكعبة الشريفة، واشتياق الحبيب لمعذبته القاسية التي تركته وحيدًا في الصحراء الحارقة دون ظلها الحامي وبرودة نسيمها التي تشع منها عطر المسك. ألن يلين قلبك لقريني أم وجدت البديل عني؟ لا تبتعدي عني بعد أن جعلتي الصلب يلين بين يديك وجعلتي قلبي المالح عذبًا بعد نبضه لكِ". *بلال*

كانت تلك رسالة بلال لمسك الليل، حبيبته الوحيدة والأبدية كما يقول دائمًا. ***

هناك ما يزعجها أثناء نومها. صوت صراخها وهو يدوي في كل مكان. دماء متناثرة على يدها. أصوات صراخ أطفال ونساء، حتى الرجال يصرخون. وتقف هي بعيدة عنهم تنظر لهم بصدمة، تشعر أن لسانها مقطوع في تلك اللحظة وهي ترى انعكاسها أمامها يصرخ بقوة. الدماء تملأ ثيابها بسبب هذا الجسد الذي بين أحضانها. وكانت بقهر كبير وتهز رأسها بقوة كأنها ترفض الواقع وترفض ما تراه.

كادت تقترب ولكن وجدت من يعيق حركتها بسبب حبل لف حول رقبتها حتى يتخلص منها. حاولت مسك أن تنجد نفسها وحاولت أن تنادي لانعكاسها، ولكن لم يسمع لها أحد وكأنها شبح لا يراه أو يسمعه أحد. ولكن ما صدمها هو أن من يخنقها هو. لم تصدق ما تراه، ولكن وجدت أنفاسها تتلاشى بقوة.

هنا شهقت بقوة وجسدها كله يرتعش وتتحسس على رقبتها بهستيرية وكأنها تحاول أن تنبه جسدها وعقلها أنها بخير. أمسكت كوب الماء وشربت منه القليل حتى تهدأ، ولكن لم تهدأ وصورة الدماء عليها لم تفارق مخيلتها. ولكن من الذي بين يدها أو من هي؟

نعم هي، فهذا الجسد الذي كان يقبع بين أحضانها في حلمها كانت ترتدي ملابس سيدات، يعني أن من كان بداخل أحضانها سيدة أو فتاة. وطريقتها في البكاء بتلك الطريقة جعلت جسدها ينتفض، تخشى أن يكون هناك شيء يؤذي أمها وأختها. ولكنها استعاذت بالله من الشيطان وحاولت أن تطمئن نفسها أن هذا مجرد حلم سيء حتى تهدأ من خوفها هذا. ولكن فاقت على هاتفها ينبئها بوجود رسالة لها على أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي.

اقتربت مسك من فراشها وأمسكت الهاتف بتثاقل، ولكن تجمدت ملامحها عندما وجدت رسالة بلال أمامها ومن رقم مختلف وجديد. ترقرقت الدموع في عينيها وكتمت شهقة كانت تخونها وتخرج من فمها، ولكنها كتمتها بيدها. أغمضت عيونها وتنهدت في نفسها بوجع شديد يملأ قلبها. "ليه عملت فينا أكده من الأول يابلال؟ بعد ما خدعتني جاي تقول إن وحشتك؟

ياريتها سهلة زي الأول وأنا كنت رجعتلك، بس دي تاني مرة تدوس على قلبي فيها يابلال، والمرادي بالذات مش هرجعلك حتى لو هعيش على ذكراك أنا وقلبي العمر كله. مع السلامة يا قلب مسك".

قالت آخر جملة وهي تمسك الهاتف وتقوم بحظر رقمه من جديد، ولم تكتفِ بهذا فقط، بل أغلقت هاتفها حتى تمنع أي شيء يأتي منه مجددًا. تخشى أن تعود إليه من جديد وتتهاون من جديد وتدعس كرامتها تحت قدميها من أجله، ولكن لن تفعل هكذا بعد الآن، حتى لو يذوب قلبها به عشقًا، فسوف تجعل من كرامتها وشرفها تاجًا على رأسها لبقية حياتها، فليس هناك أحد يستحق أن تتنازل عن كرامتها مهما كان عزيزًا. *** صد أذان الفجر في جميع أنحاء البلدة.

الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله. استيقظت على صوته وقاومت دفء فراشه لتستجيب لنداء ربها وتقيم فرضها. بعد أن أدت صلاتها وختمت صلاتها، قررت الجلوس عند النافذة لقراءة وردها اليومي.

عندما بدأ بتلاوة آيات الله، لمحت بعينيها هذا التائه يسير كالمغيب. لمحت ذبلان وجهه وبنيته التي أصبحت ضعيفة جدًا، وتلك الهالة السمراء حول عينيه. حزن قلبها ودمعت عينها على حال هذا الشاب الذي كان من خيرة شباب البلدة وكان أقواها وأذكاها، وكان من أكثر الشباب أدبًا واحترامًا لكبير قبل الصغير. أهذا هو راضوان الشاب الذي تتحدث عنه البلد كلها عن جماله وأخلاقه في مساعدة الناس؟

نادته لتحدث معه، فهي عندما بدأت تعرف عليه شعرت كأنه ابنها الذي لم ترزق به بسبب حديثه الجميل معها، وخصوصًا كلمة "أمي" التي يقولها لها تهز قلبها كأم. كم تمنت أن يعطيها الله ولدًا مثله. "راضوان يا ابني، أنا خالتك زينات تعالي". تابعته بعينيها حتى أتى لها وسلم عليها. حزنت لرؤيته بتلك الحالة الواهنة. ابتسم له راضوان بتعب: "كيفك يا أمي، عاملة إيه؟ طرب قلبها لسماع كلمته قائلة:

"بخير يا ضنايا، انت أخبارك إيه، عامل إيه في الدنيا؟ تنهد بحزن: "تايه والله يا أمي، بس بإذن الله كل حاجة هترجع زي الأول. متخافيش على بناتك، أنا قولتك فداهم رقبتي. ومتخافيش محدش عرف حاجة عن ورد، أنا عرفت أخفي الخبر عن الناس كلها. اطمن يا أمي، أنا وعدتك بحمايتهم لآخر نفس فيا". بكت زينات وربطت على كتفيه: "روح ربنا يبارك فيك يا ولدي ويسلم اللي ربوك وخلوك راجل جد الدنيا، يارب يطمن قلبك زي ما بتطمن قلوبنا". مسحت دمعاتها:

"يبختها اللي هتبقى من نصيبك يا ولدي، والله أمها هتبقى داعيلها ساعة فجرية بنت المحظوظة دي، والله كفاية إنها هتتنعم في حنيتك، ده كفاية قلبك اللي زي البفتة". ضحك راضوان ملء فمه حتى امتلأت بطنه من طريقة حديثها قائلاً: "مش لدرجة دي يا أمي والله، ده أنا كده أتغر وآخد في نفسي مقلب كبير جدًا، أنا والله شاب عادي زي أي حد". ضربته على كتفيه بضيق مصطنع: "اسكت يا واد، أنت مش عارف قيمتك. بص لنفسك يا واد يا خايب...

هو انت عندك كام سنة يا ابني؟ نطق بمراوغة وهو يسند يده على النافذة بجانبها ويغمز لها: "تديني كام يا عروسة؟ "أديك 27 سنة كده.... إيه عروسة يا قليل الحيا؟ ضحك راضوان: "يعني عاملة توصفيني وتعكسيني ويسلم جمالك وحلاوتك وتربيتك، ويابختها اللي هتجوزها، وشوية تقوليلي عندي كام سنة، وشوية تقوليلي يا أمي. وعمالة تغزلي فيا... لأ على فكرة أنا مهري غالي ومش هتقدري عليه". ابتسمت زينات له بحنان وربطت على كتفيه قائلة:

"والله يا ابني، لو العروسة هي اللي بتدفع للعريس لكنت دفعتلك كل اللي أقدر عليه، بس مش عشاني، عشان مسك بنتي. لأنك أنت الراجل الوحيد اللي ممكن أطمن على مسك معاه. أنا عارفة إنك ممكن تستغرب كلامي وممكن تقول عليا ببيع بنتي ليك أو بعرضها عليك، بس ربنا يعلم إني قد إيه نفسي أطمن عليها قبل ما ربنا يستلم أمانته. ربنا يرزقها بواحد ابن حلال زيك، يا بيك أنت عشان عارفة اللي في قلبك ليها، كفاية عندي لمعة عينيك دي لما جت سيرتها".

ربط راضوان على يدها قائلاً بابتسامة باهتة: "ربنا يديكِ طول العمر وتفرحي بيها، إنما فكرة أنها تكون ليا أو لغيري دي بتاعة ربنا. أنا عن نفسي نفسي مسك تبقى في بيتي النهارده قبل بكرة. بس عمري ما هعمل كده وأنا عارف إن قلبها مش معايا أو يكون عندي حتى شك إنها مش هتحبني. أنا آه بحبها، بس لا يمكن آخدها غصب عنها. أنا بخاف حتى أكلمها ألاقي ردها وحش فأبعد عنها".

ظل يتحدث ويعترف بما في قلبه واندماج في حديثه دون أن يشعر بتلك الواقفة خلفهم وتستمع كل ما يقولونه. وتسمع بأذنها اعتراف راضوان بحبه لها منذ كان صغيرًا. حزنت لأجله مسك، فهي تشعر ما يقوله، وتعلم أن ألم الحب ثقيل جدًا، ولكن مهما حصل لن يشعر بما تشعر هي به الآن. تنهدت بضيق قائلة في نفسها: "ابتعد أنت الآخر، يكفيني ما أنا عليه. لا أريد حمل ذنبك، فقلبي لن يتحمل تجربة أخرى ممكن أن تكون فاشلة".

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...