يقف على عتبة الغرفة ينظر لهم بريبة. هم عندما سمعوا صوته ارتجفوا كأنهم رأوا حية أو وحشًا مفترسًا. نظر لزوجته التي تحتضن نفسها بيدها كأنها تحتمي من شيء، وأمها التي ابتسمت له أو جاهدت أن تبتسم له كأنها تخفي شيئًا ما عنه. بتلك الابتسامة شغلت نفسها عنه. اقترب منهم وقطع حديث حماته وهو ينظر لزوجته زينة التي كانت ترتعش مع كل خطوة يخطوها نحوها. "مالك يا زينة وشك أصفر وبتترعشي أكده ليه؟ أنتي تعبانة ولا فيكي حاجة؟ أچبلك دكتورة؟
" تحدث رشاد بشك وهو يقف أمام زينة. لمحت تلك النظرة الخائفة التي ظهرت في عينيه ونبرته الخائفة عليها. كادت تلين له وترتمي في أحضانه وتخبره أنها تحمل بين أحشائها قطعة منها ومنه، قطعة أتت خصيصًا لتجمع بينهم العمر كله. كادت تخبره، ولكن لحقتها والدتها وابتسمت قائلة بكذب: "مفيش يابني أصلها تعبانة... ضغطها نزل عشان مفطرتش وعملت شغل البيت من غير أي لقمة تنزل بطنها تسندها. ما أنت عارف إنها بتسهى عن الأكل وبتنسى نفسها."
قالت هناء لتداري على ما فعلت ابنتها الغبية التي كادت أن تتحدث وتخبره أنها حامل. تخشى أن يفعل بابنتها شيئًا ما. هو أخبرها أن زواجهما سوف يكون في السر إلا أن يعلنه هو في الوقت المناسب وبعدها ينفصلان، ولكن لم يكن في الحسبان حمل ابنتها هذا.
"طب ياحماتي، ممكن نتعبك وتجبلنا أنا وزينة حاجة ناكلها وأنا وعد مني أكلهالك وخليها تصلب طولها." قالها رشاد ليخرجها من الغرفة كي يستطيع أن يتحدث مع زوجته التي كادت عيناها تسقط على الأرض من كثرة إطالة النظر أسفل قدمها بدلًا من النظر في وجهه هو. هنا علم أن هناك ما يخفيانه عنه وسوف يعرف. أبعد نظره عن زوجته ووجد هناء مازالت معهم في الغرفة ولم تتحرك من مكانها. "إيه يا ست هناء، انتوا معندكوش حاجة تتاكل ولا إيه؟
أروح أجيب أكل من بره يعني؟ هزت هناء رأسها وأمتثلت لطلبه وخرجت وهي تدعو الله أن تستجيب ابنتها لها ولا تخبره بأي شيء. قبل أن تغلق الباب رآها نظرة لابنتها بتحذير، وبعدها أغلقت الباب وذهبت لتعد لهم طعام الغداء. في الداخل، استجابت تلك المسكينة لنظرات والدتها وذهبت للفراش وأدعت الإعياء حتى تهرب من أي سؤال يخرج منه، لأنها بالكاد تقرأ كل ما يجول بخاطره من نظرة عينيه لها.
ظل يرمقها بنظرة مطولة، وبعدها خلع حذائه واقترب من الفراش وجلس بجانبها وأمسك يدها وقبلها وابتسم لها بسمة أثرتها دون أي حديث، فما بالكم أن تحدث. "مخبية عني إيه يا زينة ومش عاوزاني أعرفه؟ احنا مش اتفقنا إننا نكون صرحا مع بعض؟ " حاول أن تكون نبرته لينة ليجعلها تخرج كل ما بداخلها. هزت رأسها تلك المسكينة بنعم وهي توافقه على حديثه. امسك طرف ذقنها وجعلها تنظر في عينيه قائلاً: "طب ليه جاية دلوقتي تخبي علي يا زينة؟
دا أنا رشاد جوزك يا زينتي." وكأن بتلك الكلمات جعلها تجبر لسانها على قول ما لا تحمد عقباه. ابتلعت ريقها وحاولت إخراج الكلمات منها وهي تخرج من جيب جلبابها الواسع اختبار الحمل الخاص بها. "أنا... حامل... يارشاد." قالتها وهي تريه الاختبار وتضعه في يده. ومع انتهاء كلماتها سمعوا صوت تكسير خارج غرفتهم. لم تكن غير أمها التي أتت لهم بكوبين من العصير، ولكنها وقعت من أثر ما استمعت له من ابنتها. أغمض عينيه وضغط عليها بيده قائلاً
بجملة واحدة: "قومي البسي هدومك وأنا مستنيكي بره." رما لها تلك الكلمات وتركها وخرج من البيت، وجعل تلك المسكينة تنهار في نوبة بكاء وهي تتخيل نفسها في أسوأ المشاهد هي وجنينها. وجدت نفسها تقف أمام مشفى خارج بلدتهم. نظرت له وكادت تحدث، ولكنه قاطعها قائلاً:
"انزلي." قالها وهو يخرج من سيارته وينتظرها لتنزل هي أيضًا. نظرت له تلك المغلوبة على أمرها ومسحت تلك الدمعات التي هربت لوجنتيها واحتضنت معدتها وكأنها تودع جنينها، قائلة بحسرة فتاة تمنت أن تكون أمًا ولكن القدر لم يكن في صفها. وبعد أن أهداها ما تمنت وحلمت به، استكثر عليها فرحتها. ها هو يأخذ ما تمنت، وليس أي أمنية، لا، فهو جنينها الذي يسكن الآن بين أحشائها.
خرجت ومشت بجانبه حتى وجدت نفسها بداخل غرفة. لم يلفت نظرها أي شيء، هي فقط كانت تبكي وتحتضن ابنها وتنظر للأرض. كم تمنت أن تنشق الأرض وتبتلعها على أن تقتل ابنها بيدها أو تموت معه ويذهبان معًا للعالم الآخر، يذهبان لدار الحق وخالق الحق والرحمة. انحبست أنفاسها وهربت الدماء منها عندما وجدت طبيبة تدخل من الباب، وبعدها لم تشعر بنفسها إلا وهي تغمض عينيها ويرتطم رأسها بالأرض ولا تشعر بنفسها.
وبعد مدة طويلة كانت تجلس معه بوهن والتعب ظاهر على وجهها. طلبت منه أن يتوقف بسيارته، تريد أن تستنشق الهواء. أوقف سيارته بجانب الطريق وأخذها في أرض زراعية يجلسان فيها ما يسهل عليهم الأمر، هو أنهم خارج قريتهم بمسافة كبيرة. نظر لها بجمود قائلاً: "محتاجة حاجة أچبهالك؟ هزت الأخرى رأسها بمعنى لا. عندما وجدته يدير ظهره لها، نظرت لملامحه التي لا يظهر منها أي شيء، فقط جامدة وباردة مثل الثلج.
كانت تنظر لحالها ولنفسها وتلعن غبائها الذي أوصلها لتلك المرحلة، وتلعن ضعفها الذي كان سببًا في إيذائها وإيذاء كل من حاول مد يده لها لمساعدتها. لم تشعر بنفسها إلا وهي تنقض عليه وتدفن نفسها بين أحضانها، وتنهال عليه بكل عبارات الاعتذار له وتسب نفسها لغبائها وضعفها. وكل هذا تفعله وهي باكية بين أحضان زوجها رشاد، الذي كان لها خير الأزواج الموجودين على الأرض في عينيها هي.
لم يستطع أن يقاوم ضعفها هذا وبكائها، فقط ضمها بقوة بين أحضانه ووضع رأسه على كتفها. يريد لومها وعتابها، ولكن حالتها وانهيارها بين أحضانه شعره بضعف والصمت. ظل يهدأ ويمسح على شعرها وهو يتنهد بحزن على ظنها به أنه قد يحزن أن يكون بينهم طفل.
مسكينة، لا تعلم أنه طالما تمنى أن يكون له قطعة منه تمشي على الأرض. لا تعلم أن أجمل ما في الأمر أن تلك القطعة الصغيرة سوف تأتي منها هي، وقد تشبهها في وجنتيها الممتلئتين الذي يكسوهما الحمرة الطبيعية وشخصيتها الهادئة. فهو كلما تمنى أن يرزقه الله بزوجة صالحة هادئة، وها هي تسكن بين أحضانه وسوف يأتي عما قريب الرابط القوي الذي يجعله لا يندم أبدًا من جعلها زوجته.
حملها بين يديه وهو يسير إلى سيارته ليعيدها إلى المنزل وهو ينوي على إشهار زواجهم أمام الناس كلها ويضرب تلك المعتقدات ضرب الحائط. فهو فقط يريدها وأمام الناس، ولكن بعد أن يأتي لها بحقها أولًا. لا يعرف هذا العاشق أن هذا الحق هو من سوف يقوده إلى الموت. رغم إحساسه بهذا، ولكن رشاد من الرجال التي لا يفرق معها حياتها أمام رد حق زوجته مهما كلفه الأمر. حتى امسك
يدها وقبلها وأردف بصدق: "زينة أنا بحبك وقلبي اتعلق بيكي، وعاوزك تعرفي حاجة واحدة بس أنك، أنتي في عينيه يا زينة. فأوعي تخافي من حاجة طول ما انتي شايفة نفسك في عينيه." قالها وهو يمسك يدها يقبلها ويقبل رأسها ومسح دموعها وانطلق بسيارته ليعيدها لبيت والدتها. "ما خلاص بقا ياعم صادق قولتلك جاي، أعمل إيه يعني أطير؟ ثم أكمل بسخرية: "معلش أصلي مش مركب جنحات...
بقولك إيه متزعقش أنا على آخري فلم نفسك بدل ما آجي أديك بوكس يخليك تشوف الدنيا مغيمة و بتمطر كمان في عز الصيف." ختم حديثه ثم ابتسم ابتسامة كبيرة ثم حدث صديقه صادق قائلاً: "طب اقفل أنت ياصادق عشان شكلها كده بتمطر فراولة عندي." قالها وهو يضع الهاتف في جيبه وينظر لتلك الواقفة بجانب أمها في السوق يشترون مستلزمات البيت. طبعاً لم تكن تلك الفتاة غير مسك الليل، فتاته التي عشقها لسنوات.
وقف مكانه وهو يشاهدها تقف بجانب أمها زينات وتنقي الخضروات الطازجة، فأراد أن يلفت انتباهها له. رغم قصر المسافة بينهم إلا أنها لم تراه من الأثاث. ابتسم بمكر عندما وجد مبتغاه ولمعة في عقله فكرة ما. "عم مصلحي، عم مصلحي." نادى رضوان. هذا الرجل الذي يجلس أمام طاولة صغيرة لبيع العطور والبخور ومستلزماته. رفع الرجل رأسه وابتسم له بود قائلاً: "تعالى يابني، عاش من شافك أكده تنسى عمك مصلحي."
ذهب له رضوان وامسك المقعد الذي بجانب عم مصلحي وعدل مكانه حتى يجلس في مواجهة تلك الحسناء السمراء كما يلقبها هو. "على البال والله يا عم مصلحي، ومجابنيش ليك غير الشوق الشوق وبس والله." قالها بصوت مرتفع جداً لدرجة أنه لفت له الأنظار كل من بالسوق معادها هي. نظر له عم مصلحي باستغراب شديد بسبب علو صوته رغم جلوسه بجانبه: "انت بتعلي صوتك ليه يا والدي، ما أنا قاعد جمبيك أهو."
لم يعيره رضوان أي اهتمام ونظر لمسك التي لم تلتفت ولم تسمعه من الأساس بسبب تركيزها فيما تفعله. نظر له بغيظ قائلاً: "هي طرشة ولا إيه؟ دا السوق كله سمعني." فأعاد جملته مرة أخرى قائلاً: "مجابنيش ليك يا عم مصلحي غير الشوق الشوق يا عم مصلحي بص بقا يخربيت أبوك." انتبه له الجميع معادها، لدرجة أن الناس ظنوه مجنونًا أو به شيء ما، وبعضهم ظنه يتعاطى الممنوعات وأفعاله تلك من تأثيرها عليه.
كانت تتأفف من هذا الشخص الذي يتحدث بصوت عالٍ بهذا الشكل، ولكنها لم تعيره اهتمامًا وظنته أحد الشباب العابثين يحدث أحدًا على مسافة كبيرة عنه. نظر لوالدتها التي تقوم بسرد قفص الطماطم أمامه لتنقية منها الصالح للطعام: "أما أنا هروح أجيب الموز من عم حسن لحد ما تخلصي." رفضت والدتها وقالت دون أن تنظر لها: "لأ روحي هاتيه من خالتك لوزة غالبًا هي أولى من عمك حسن."
أخذت المال من محفظة أمها وذهبت لشراء الموز من الست لوزة كما أخبرتها والدتها. وكانت لوزة تجلس بجانب عم مصلحي بمسافة قصيرة، بمعنى أن لوزة بينها وبين عم مصحلي بائعين فقط. تهللت أسارير رضوان عندما وجدها تذهب لتلك السيدة التي بالقرب منه بمسافة قصيرة. لمحت هي ذلك الجالس الذي ينظر لها ببلادة لدرجة أزعجتها، فأقامت برد النظرة له ولكن بطريقة جعلته يستشعر أنها تسبه بداخلها.
"يالهوي على القرف بوز النحس هنا. الواد ده من ساعة ما عرفته والمصايب نازلة ترف على دماغي أقسم بالله." قالتها وتشعر بضيق لرؤيتها له أمامها. وقفت أمام بائعة الموز ونظرت للموز الذي أمامها بفرق، فحالته سيئة جدًا، فعلمت أنه السردة الأخيرة منه. "إيه دا يا خالتي لوزة، الموز ماله دبلان كده ليه؟ ردت عليه لوزة: "ما انتي اللي جاية في الآخر يامسك يابنتي لو كنتي جيتي الصبح كنت هتلاقي شوية موز مفيش زيهم في السوق...
بس أنا كنت عاينه شوية لسوق بتاع بكرة هقوم أجبهملك تنقي منهم." ذهبت السيدة لجلب الموز لها وانتظرتها مسك. علم رضوان أنها فرصة لتربية تلك المغرورة على نظراتها له بتلك الطريقة الغاضبة كأنه رأت عدوًا لها. فابتسم بمكر قائلاً وهو ينظر لها: "الا قولي يا عم مصلحي معندكش إزازة مسك أصلي زي اللي قدام عيني دي؟ " قالها بابتسامة عابثة وهو يغمز لها بعد أن نظرت باتجاهه بوجه يملأه الصدمة من وقاحته، فهي علمت مقصده.
رد عليه مصلحي بعد فهم: "هي فين دي يابني؟ "ملكش دعوة... قصدي يعني عندك مسك أصلي، فلو مش عندك أروح أجيبه، فقولت أسألك. حكم العطور دي بذات ليها زبون معين كده يقدر قيمتها كويس، أصل مش كل من حط ريحة يبقى بيفهم فيها." وافقه مصلحي على جملته الأخيرة: "عندك حق يابني، في ناس بتيجي تختار إزازة الريحة من شكلها وبس، يهمها الشكل الحلو من بره، وناس زيك أكده ميهمش غير المضمون وبس."
كان ينظر له وكأنه يبعث له رسالة ما. سمعت كل ما قاله هو وعم مصلحي وفهمت أنه يقصد علاقته السابقة مع بلال وأن بلال لم يعرف مضمونها، فكانت له مجرد فتاة أعجبته وأحبها وأرادها، ولكن مع أول مشكلة تركها وكان سببًا في سلب عطر الحب الذي اشتمته معه. رآها شارده، فعلم أن كل كلمة قالها وصلتها وعلم من اكتساء الحزن على معالم وجهها، فأراد أن يخرجها من نوبة التفكير تلك فأردف بمكر:
"مردتش عليا ياعم مصلحي، عندك مسك أصلي ولا أروح أجيب الإزازة اللي قدامي؟ حكم المسك اللي قدامي أصلي الأصلي نفسه." "لا عيب عليك دا أنا جايني مسك أصلي من السعودية، إنما إيه هيعجبك أوي حاجة كده مستوردة أصل بلادها." نظر لها وهو يغمز بطرف عينه: "مفيش أحسن من المحلي ياعم مصلحي، البلدي يكسب دائمًا والله."
احمر وجهها وكان أشبه بقطعة الطماطم من كثرة احمرارها بسبب مغزى حديثه لها. إلى هذه الدرجة وصلت به الوقاحة ليغازلها أمام العامة. تريد أن تقطع له لسانه، ولكن تخشى من الناس أن يشعروا أن الحديث لها هي، فقررت الصمت وشغلت نفسها بتنقيتها الموز الذي أمامها. لاحظ احمرار وجهها وأبتسم بخبث، فهو وصل لمراده وهو إحراجها، رغم أنها لا تنظر اتجاهه، ولكنه يعلم جيدًا أنها تستمع لكل كلمة يقولها وتفهم معناها جيدًا.
"كان عندي حق والله لما قولت إن السماء بتمطر فراولة حمرا." قالها بسبب احمرار وجنتيها. نظر له هذا الجالس بجانبه الذي فقد عقله من حديثه الغير موزون، حتى ظنه أن عقله مغيب من شرب الممنوع، ولكنه يعرف أن رضوان ليس من هؤلاء الشباب العابثين الذين يشربون الممنوعات، ولكنه أخاف أنه سوف يفقد عقله من ذلك الشاب، فنطق بسخرية ردًا على حديثه الأخير:
"السماء بتمطر فراولة وحمرا كمان، ياااه تصدق كنت مفكر إن الفراولة لونها أصفر كل ده وإن السماء بتمطر ميه. شوف الدنيا يا جدع الجهل وحش برده." ضحك رضوان ملء فمه على سخرية عم مصلحي له. "برده مرضتش عليا ياعم مصلحي، عندك مسك أصلي ولا أجيب أنا واحدة من بره؟ صرخ فيه مصلحي: "يابني ما أنا قولتك عندي واحدة سعودية لسه جايه من بره على هنا طازة لسه بشوكها." "تؤ...
أما أنا ميلزمنيش السعودية، أنا عايزها مصرية وبنت بلد صعيدية ومن عيلة لما تحتاجه تلقيها سدادة، على رأي الست دنيا سمير غانم الله يمسيها بالخير... ها عندك ولا أروح أجيب الإزازة اللي قدامي والله إزازة مسك ياعم مصلحي أصلي على أبوها، لاء دي المنبع المسك نفسه، آه، دي لو الواحد نقعها في شوية ميه بس والله هنكسب من وراها دهب لدرجة إن مصر هتبقى الأولى على العالم في صنع عطر المسك وهتبقى ريحة ثابتة ثبات محصلش."
"وانت بقا اتثبت من الريحة دي؟ " قالها مصلحي بمكر عندما لمح عينيه التي لا تزال على مسك. رد بتوهان قائلاً: "دا أنا أتثبت تثبيتة ما ثبتهاش أمين شرطة لحرامي جزم في الجامع." قال جملته وبعدها رنت ضحكتها بصوت عالٍ لدرجة أنها لفت الأنظار لها، ولكن تمالكت نفسها بسرعة حتى لا يشك أحد بها، أو حاولت أن تقنع نفسها بهذا، ولكنها لم تقدر أن تمسك نفسها على مزحته السخيفة تلك.
صفق الآخر قائلاً: "لأ أنا أروح أجيب الإزازة اللي قدامي أحسن... عم مصلحي اتصل بمأذون البلد قالها." وكاد يذهب لها بعد أن رآها تذهب بخطى سريعة باتجاه والدتها وكأنها تحتمي بها منه. هو ضحك بقوة عليها على سرعتها تلك فعلم أنها تهرب منه. فنطق بسرعة قائلاً: "مصيرك يا مسك تيجي بين إيديا وأتعطر بيك." ولكن أمسكه مصلحي قائلاً: "انت اتجننت يابني؟ مأذون إيه؟ عيب اللي بتعمله ده، إحنا في السوق الناس واقفة هتفضح البنية."
تنهد بخيبة أمل قائلاً: "والله مقصد ياعم مصلحي بس بت الجزمة طارت البرج اللي فضلي من نفوخي، ماهو يا إما هتجوزها يقتلها وحسرها على عمرها قبل ما تحسرني أنا وألقيها في الكوشة جنب راجل تاني." تحدث مصلحي بتعقل: "طب ما تروح تطلبها من أمها، إيه رأيك بقا في الحل ده؟ "تصدق كانت فايتة عني دي، ما أنا لو ضامن إنها هتوافق عليا كنت طلبتها من زمان، بس القلب وما يريد بقا ياعم مصلحي وهي قلبها مش ملكي." "اومال ملك مين يابني؟
" نطقها مصلحي بحزن على حال هذا الشاب الذي تغيرت ملامحه المشاكسة لأخرى حزينة. هو من الشباب الذي حظه قليل في كل ما يتمناه، حتى أخيه الذي كان كل شيء له مات وتركه وحيدًا، وأيضًا عندما أحس يحب، ولكن حتى عندما دق قلبه لفتاة وأراد حبها وقلبها وجدها قد سلمتهم لغيره. أليس هذا سوء حظ؟ خرج عم مصلحي من دوامة تفكيره على صوت رضوان الضاحك: "لأ يا عم مصلحي انت فهمت إيه؟
أنا أقصد أنها متعرفش إني عاوزها يعني، عشان كده قلبها مش ملكي، وإن رحت أتقدملها مش هتوافق عليا." علم مصلحي كذبته، ابتسم لتربية هذا الرجل الذي أمامه. نعم، رجل طالما حافظ على سر أو شرف فتاة مثل مسك يبقى رجل. فهو لا يريد أن يسوء سمعتها حتى أمامه، رغم معرفة رضوان له أنه لن يتحدث عنها أو يفتش سره، ولكن أراد أن يجعلها متصانة كما يقولون.
"راجل يابني، طالما بتحافظ على سمعة بنات الناس تبقى راجل من ضهر راجل، بس خلي عندك يقين بربنا إنه عمره ما بيرد دعوة لمؤمن أبدًا، وانت ابن حلال وربنا عمره ما هيخيب ظنك أبدًا، بس انت اصبر وادعي." حاول رضوان تغيير الأجواء والمزاح كعادته قائلاً: "والله صابر وبدعي ياعم، بس دي مينفعهاش دعوة وسلام، اللي زي دي محتاجة دعوة مني قصاد الكعبة يمكن تحن وتلين وتنسى."
ختم حملته مع ارتفاع ضحكات مصلحي بقوة على مزاحه وعهده، وربت على كتفه قائلاً: "رب الكعبة هو رب كل مكان، بس انت محتاج تكثف الدعاوى شوية يمكن تأثر فيها ولا حاجة." غمز له رضوان بعينيه بمشاكسة: "ماشي ياعم مصلحي، هكثفه. يلا أطير أنا بقا عشان ورايا مشوار." "طب وازازة المسك؟ " قالها مصلحي بصوت عالٍ. "لأ الإزازة دي متلزمنيش، أنا قولتك عايزها أصلي...
أو يمكن استناها منك هدية في الفرح." قالها وهو يودعه ويذهب لصديقه صادق الذي سوف يدفنه بالحي بعد أن يذيقه من العذاب ألوانًا وأنواعًا بعد تأخره كل هذا عليه.
وقفت بكل كبرياء وهي تضع قدم فوق الأخرى وهي تنظر لمنزل الزوجية الذي سوف تسكن فيه عم قريب. فكان المنزل مساحة كبيرة وبه غرف كثيرة، وأساس المنزل حديث جدًا وديكورات المنزل عصرية جدًا وجذابة تجعلك تظن أنك بأحد القصور الفخمة في القاهرة. ولكن أكثر ما يشغل بالها الآن هو كيف سيكون جناحها الذي سوف تسكن فيه مع زوجها المستقبلي. قاطع تفكيرها على صوت حماتها المستقبلية نجوان، والدة بلال، التي هي خالتها وحماتها مستقبلاً.
"ها ياروحي السفر كان صعب عليكي ولا كانت رحلة لطيفة؟ ردت بلطف وصوت ناعم يناسب مع هيئتها: "لأ يانوجا كانت رحلة صعبة أوي، انتي عارفة إني مبحبش السفر في العربيات، بس زي ما بيقولوا لأجل الورد يتسقى العليق." ضحكت نجوان على حديثها الأخير ناطقة: "لأ متقلقيش من ناحية الورد، فاهو دبلان خالص ومحتاج اللي يرويه بماية الحب عشان يرجع زي الأول."
"متقلقيش على الورد، دا أنا هراعيه أوي وأخليه شبعان ومش هيحتاج أي راعية من أي حد تاني، بس خليكي معايا على الخط بس." قطع حديثهم دخول بلال المفاجئ الذي جعل تلك الفتاة تقف على قدميها تنظر لهيئة هذا الرجل الذي أسرها منذ طفولتها.
نظرت له وهي تتأمله بعيون ماكرة، فهو طوله مناسب لها كثيرًا وذو جسد قوي وذو بشرة بيضاء اللون وعيون سمراء، تخفي وراءها الكثير والكثير. غير مركزه كطبيب وشهرته الواسعة رغم عمله في الصعيد، ولكنها لم تجعله يجلس هنا طويلاً وسوف تقنعه بالعمل في القاهرة، فهذه فرصة لتوسيع شهرته وكسب المال أكثر. هذا مكان يدور في عقلها، ولكنها انتبهت على صوت عالٍ بجانبها جعلها تنتفض وتخرج من دوامة أفكارها لزواجها المستقبلي. فاقت
على هذا من خالتها نجوان: "تيا حبيبتي مالك؟ بلال بيسلم عليكي وانتي مش بتردي عليه." نظرت لهذا الواقف أمامها يبتسم بعملية ويبادلها نظراتها بالمثل. "إيه يا تيا؟ أنا حلو أوي كده لدرجة إنك تسرحي فيا ومتسمعنيش؟ " أردف بمكر، فهو عندما رآها فورًا علم بلعبها هي ووالدته، يظنون أنه سوف يقع في حبها، ولكن مساكين لا يعلمون أنه قد وقع قلبه أسير لفتاة واحدة فقط ولن يكون لغيرها مهما كلفه الأمر.
نظرت له الأخرى وألقت نظرة أولاً على خالتها التي تركتهم لتعد لهم مشروبًا باردًا. أردفت بدلع وهي تبادله نظراته بخبث: "إذا كان الواحد ما يسرحش فيك انت يا بيلى هيسرح فين؟ معقولة الحلاوة دي كلها تقف قصاد بنت ومتسرحش فيها؟ دي حتى تبقى عامية ومحتاجة تكشف نظر." ضحك ملء فمه وهو يقترب منها وجعل مسافة قصيرة بينهم قائلاً: "يبقى انتي لازم تكشفي نظر يا روحي عشان انتي مش شايفة كويس."
"تؤ، دا أنا نظري ستة على ستة ولما بشوف، بشوف صح أوي ومبختارش أي حد، والا مكنتش اخترتك، يا بيلى." قالتها وهي تقرب يدها من وجهه، ولكنه علقت يدها في الهواء بعد أن أمسكها بلال وهو يبعدها عنه وينظر لها بتحذير من لمسته مجدداً. ولكنها لم تؤثر فيها وما زالت تبتسم له وتنظر لعينيه، ولكنها انتبهت لحديثه الأزع لها.
"كان عندي حق لما قولتك إنك لازم تكشفي نظر، لأنك المرادي نظرك خانك وخلاكي تشوفي وتحاولي تقربي من حاجة مش ملكك ولا عمرها هتكون ملكك يا تيا." قالها وهو يتركها ويذهب لغرفته، ولكن أوقفته كلماتها المليئة بالغرور مثلها. "تيا لما بتحط عينيها على حاجة بتبقى بتاعتها بكل سهولة، يعني اللي مش ملكي بخليه ملكي أنا وبس يا بيلو." قالتها وهي ترسل له قبلة في الهواء. ضحك ملء فمه قائلاً
وهو يصعد على السلم: "نجوم السما أقربلك يا قلب بيلو." نطقها بسخرية من حديثها الجريء، فأتى في مخيلته مسك وحديثها معه. فرغم حبها له لم تتجاوز حدودها معه أبداً رغم تلك السنوات التي قضوها سوياً، ظلت تحافظ على نفسها لآخر لحظة. لا، لا يوجد وجه مقارنة بين تيا ومسك.
تيا جريئة جداً وجرأتها تلك تجعله يتقزز منها رغم جمالها، ولكن مسك قلبه ليس لها مثيل أبداً ولن يكون يكفيه براءتها التي تجعله يتمنى أن تكون ملكه فقط ويترك تلك البلدة ويهرب بها لبعيد. ولكن الصبر فقط وسوف يأخذها لبعيد لمكان لا يعرفهم فيه أحد ليعيشا سوياً براحة وسعادة ولن يكون هناك أحد لعوق زواجهم من بعض. فها هو قد اقترب من إنهاء موضوع أخيه وبعدها سيكون شاغله الشاغل هي مسك الليل.
وقف على أعتاب بيتها وأخذ نفسًا عميقًا يحفز نفسه لما سيسمعه منها بعد أن طلبت منه أن يأتي لها لأن عندها ما تريد إخباره شيئًا بخصوص أخيه رشاد. وها هو يجلس أمامها ينتظر لما ستقوله له بخصوص أخيه. نظر لها بعيون خبيرة، فرؤيتها وهي تفرك يديها والتوتر والخوف ظاهرين عليها هكذا يجعل حدثه ينذره بخطورة ما ستقوله له. حاولت التحدث بنبرة هادئة ويعطيها الأمان
لتتحدث معه بحرية تامة: "زينة انتي أكيد مش جايباني هنا إلا عشان حاجة مهمة وأنا حاسس إنها تخص موت رشاد، فلو عندك حاجة مهمة فعلاً قوليها لو يهمك أن حق جوزك وأبو ولادك يرجع. بس قبل دا كله عاوزك تطمنيني ومتخافيش من حاجة، انتي في عينيه يا زينة وعيالك دول ولاد أخويا يعني ولادي." رفعت
رأسها عند نطقه جملته لها: "انتي في عينيه." وهنا انهمرت دموعها على وجنتيها وهي تتذكر تلك الجملة التي كان زوجها يقولها لها دائماً، فهو عندما يريد طمئنتها كان يخبرها أنها في عينيه ولن يتركها أبداً. أتت تلك الذاكرة على بالها الآن.
"بحبك يا رشاد بحبك وهفضل في خدمتك لأخر العمر بعد ما سترتني، وخدتني وأنا أرض بور ما نفعش لحاجة، وجيت انت وخليت الأرض البور الناشفة دي لأرض زراعية فيها كل الخير والأرض دي جوها جزء منك يا رشاد وشايلة بدل الزرعة اتنين." قالتها وهي تحتضن بطنها وتبكي بفرحة كبيرة. وكان الله عوضها وجعل بعد العسر يسر، وها هي بين أحضان رجل قد تجمعت كل الطيبة والحنان ليصبح زوجها. هزت رأسها له وكأنه يؤكد له ما جال له بخاطره قائلاً
فرحة عارمة: "أيوه يا رشاد أنا حامل في تؤام." صدم رشاد بما سمعه منها وهو ينظر لها ببلاهة: "طب إزاي واحنا كشفنا في المستشفى والدكتورة قالت إنك حامل في عيل واحد؟ أجابت زينة قائلاً: "أنا روحت أنا وأمي عند الدكتورة في المستشفى في بلد جنبينا وقالت لي إن ساعات الكيس التاني مبيظهرش في الأول، واديني أهو حامل في توأم وهتبقى أبو العيال وتنسانى." ضحك رشاد ملء فمه قائلاً
وهو يحتضنها: "مقدرش أنساكي يا أم العيال، انتي في عينيه يا زينة." قالها وهي يكاد يشعر أنه يحلق في السماء من فرحته. زينة... زينة... زينة انتي سامعاني؟ خرجت على تلك النداءات من فم رضوان ليجعلها تستفيق من شرودها هذا. خرجت تلك المسكينة البائسة من ذكرياتها الجميلة على الحقيقة المرة ونظرت لأخو زوجها الحبيب.
"أنا هقولك على كل حاجة يارضوان بس عاوزك تحلفلي برحمة أخوك إنك هتحميني مش عشاني دا عشان عياله." قالتها وهي تشير على بطنها. هز رضوان رأسه قائلاً: "أوعدك يازينة أنا قولتك انتي وعيالك في عينيه." "لأ متقولش كده تاني أنا محبش أسمع الجملة دي غير من رشاد، عاوز رنتها في دماغي تبقى من صوته هو مش من حد تاني."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!