ارتفعت أصوات الناس معتذرين له ولزوجته بعد ما شعروا بندم تجاه ما فعلوه من قول أو فعل في انتشار الإشاعات. "حجك علينا يا رضوان بيك، وحياة حبيبك النبي يا شيخ ماتزعل مننا، دا إحنا بنحبك والله، بس انت عارف الشيطان شاطر لما بيوسوس للبني آدم." ضحك رضوان بسخرية. "الشيطان بردو هو اللي شاطر يا بيومي، يا راجل دا الشيطان لما جه البلد لقاكم مش محتاجينه في حاجة، فقام ولف ورجع تاني، خاف على نفسه منكم."
ضحك الجميع على مزحته وظلوا ينهالون عليه بالاعتذارات. "والمسيح الحي ما تزعل يا رضوان بيه، إحنا ما يهونش علينا زعلك، وعلى استعداد إني وأهل البلد إننا نصلح غلطنا، بس انت قول اللي يرضيك." قالها جرجس الذي خرج من بيته على أثر صوت الصراخ. حك رضوان ذقنه وهو يفكر في حديث جرجس، وظل يفكر في عقاب لهم جميعاً يرضيه، فابتسم بخبث عندما نطق: "فيه حاجة لو عملتوها، هتبقوا كده اشتريتوا رضايا."
نظر لوجوههم، رآهم على أتم الاستعداد لتنفيذ ما سيقوله. "كلكم تحضروا فرحي على مسك الليل بعد أسبوع في الدوار عندنا، ومجموعة منكم تيجي تساعد في الفرح." هلل الجميع بتلك المفاجأة التي لم يتوقعوها. حتى هو لم يتوقع أن يقول هذا، ولكن هو قال ما يتمناه قلبه، هو يريد أن يفرح ويفرحها معه، يتمناه أن تكون سعيدة بذلك الخبر. نزلت عليه المباركات مثل المطر، واقترب رجل من بين الجميع اسمه حسين ونطق بفرحة:
"ألف مبروك يا رضوان بيه، بمناسبة الخبر الحلو ده، جلبية فرحك هفصلهالك عندي في الدكان." هز رضوان رأسه بفرض ونطق بسرعة: "أبوس إيدك ابعد عني يا حسين، كفاية الجلابيتين اللي عملتهم ليا وبوظتهم." نطق الآخر بصدمة لا تصدق: "أنا يا بيه بوظتهم؟ والله حرام عليك، دا أنا إيدي تتلف في حرير." نطق الآخر عليه بسخرية:
"قصدك لوف، إيدك تتلف في لوف.. بقا يا راجل أبقى جيبلك قماش دافع فيه دم قلبي وأقولك عايز جلابيتين يكونوا قصتهم جديدة، تروح عامل لي جلابية يدوبك وصلت لتحت ركبي وبقيت شبه سعيد صالح في العيال كبرت، والتانية عامل لي كوم قصير وكوم طويل، ولما أسألك إيه ده، ترد تقول لي كوم صيفي وكوم شتوي." "بس ما تنكرش إنها جديدة، محدش عمل كده غيري، حتى ما خطرش على بال ياسمين عز نفسها."
"طب غور يا حسين، أريحك يا حسين مش لابس جلاليب، أريحك أكتر أنا هلغي الفرح، انبسط بقا." قال رضوان وتركه وذهب، وسمعه وهو يصرخ خلفه: "برضه جلابية فرحك هتتفصل على إيدي وتبقى هديتي مني ليك، والحلوي أبو جنحات ده خده عندي المحل يروجهولي، أصله وسخ زيه." ابتسم رضوان وهو يكمل سيره دون أن يلتفت له. وأكمل سيره حتى وصل للبيت. دخل البيت حتى وجد غفير البيت يهرول إليه:
"رضوان بيه، ست مسك خرجت من شوية، ولما سألتها انتي راحة فين مردتش عليا، وكان شكلها غضبان وبتجري بسرعة." ارتعب رضوان وصرخ في وجهه: "ومرحتش وراها ليه؟ "متخافش يابيه، أنا بعت مصلحي وراها، وهو لسه مكلمني وجالي أنها في المستوصف." لم ينتظر رضوان بقية حديثه وانطلق بسرعة للخارج ليعرف ماذا فعلت تلك الفتاة التي تسير المصائب وراها كالمغناطيس. "أنا لو أعرف إن معرفتي بيكي هتطمرمطني كده كنت... كنت...
والله ولا هعمل حاجة، دا أنا قصادها ببقى بوء على الفاضي، حتى الهيبة بتختفي قدامها." ركب سيارته وانطلق بها، ولحسن حظه كانت أمام البيت. كانت صرخاتها تهز المستوصف وهي بين يدي مسك التي تمسك شعرها حتى أصبحت خصلاته تتقطع بين يديها. كانت مسك تمسك تلك الممرضة، تضربها بقوة حتى تشوه شعر تلك الممرضة ووجهها من كثرة الضربات.
كان الجميع يتابع ما يحصل، ولم يتجرأ أحد على الاقتراب خوفاً من تلك المتوحشة، وأيضاً لأنها معروفة زوجة من تلك، ولا يستطيع أحد الاقتراب منها أو لمسها. كانت تلك الممرضة تستغيث بزملائها ولكن لم يقترب أحد منهم. ولكن من أنقذها من بين يد مسك؟ وقف بسيارته أمام المستوصف وهرول لداخل عندما سمع صوت صرخات، ومن بينهم صوت مسك.
دخل وتفاجأ بتلك الفتاة التي تنام على الأرض وتحاول أن تغطي وجهها بسبب ضرب مسك التي تجلس فوقها وتبرحها ضرباً في جميع جسدها. هرول لها بسرعة وحاول أن يبعدها عن تلك التي تحتها، ولكن لم يستطع، فصرخ فيها وهو يبعدها: "سبيها يا مسك، حرام عليكي، هتموت في إيدك، سبيها." لم يجد منها أي رد، وظلت تضربها كأنها لا تسمعه. فصرخ فيها مرة أخرى: "حرام عليكي يا مفترية، إيه كل اللي عملتيه فيها ده ولسه مشبعتيش من ضربها؟
قالها وهي يحاول أن يرفعها عن تلك المستلقية تحته. فرفضت النهوض وردت عليه دون أن تنظر: "لأ، لسه شوية." لم يستطع أن يتمالك نفسه وكتف يدها وأجبرها على النهوض بقوة حتى غرزت أصابعه في ذراعها. ظلت تصرخ تحاول الهرب منه لتكمل على تلك السفاحة كما تلقبها مسك. هرولت الفتاة بسرعة وابتعدت عنها وهي تبكي وتمسح الدماء من وجهها وتسب مسك: "منك لله يا شيخة، ربنا ينتقم منك، شوهتيني."
"أهو بص بتدعي عليا، سبيني بجولك سبيني عليها عشان أوريها التشويه على حج." قالتها وهي تحاول أن تفلت من بين يديه لتضرب تلك الممرضة مرة أخرى لتتطفئ نارها. كتفها رضوان بقوة: "اثبتي بقا، فرهدتيني، عايزة تشوهي فيها إيه أكتر من كده، أنتي ما سبتيش حتة في وشها معلمتيش عليها." "لأ، لسه في حتة جمب ودنها فاضية أهيه، سبيني أروح أملاها." فتح فمه ببلاهة وصدمة ونطق بسخرية: "هي كراسة رسم؟ ماتهدي كده وتفهميني ضربتيها ليه."
هنا توقفت مسك عن الحركة وتوترت وابتلعت ريقها عند سؤاله هذا. "شايفك سكتي يعني." فنطقت تلك الممرضة التي ضربتها مسك: "والله يا بيه ما عملت حاجة، هي اللي اتهجمت عليا، حتى اسألوا زمايلي." صرخت فيها مسك: "كذابة، أومال الورم اللي في دراعي ده بسبب مين، مش بسببك انتي ياسفاحة." وكادت تنقض عليها مرة أخرى، ولكن أمسكها رضوان وحملها ونظر للممرضة قائلاً باعتذار:
"أنا بتأسفلك بنيابة عن مراتي، وتكاليف علاجك على حسابي كلها، هي وحق البهدلة اللي تعرضتيلها دي قصاد زمايلك." قالها وانطلق من المشفى للخارج ومسك التي تصرخ بسبب حديثه عن تعويض تلك الفتاة. فتح السيارة وأجلسها في المقعد الأمامي وثبتها بحزام الأمان. "أوعى، سبيني أدخلها السفاحة اللي هتموت الناس دي." ولكنها ابتلعت باقي حديثها وهي ترى عينيه المثبتة عليها والتي يملأها التحذير.
ابتلعت ريقها بخوف، ولكن زاد توترها بعد أن وجدته يقترب منها أكثر. رفع حاجبه ونظر لها بغضب مكتوم: "ضربتيها ليه يا مسك." لم يجد رد. "ماهو أكيد أنتي مش مجنونة لدرجة إنك تتضربيها كده من غير سبب، فاحسلك انطقي." حاولت إرجاع وجهها للخلف ولكن لم تستطع بسبب الكرسي، أم هو فراقه هذا الوضع كثيراً؟ تمنا أن تصمت قليلاً حتى يظل هكذا لبعض الوقت، راقه الوضع، ففي النهاية أصبحت زوجته، وهذا ما يجعل أي شعور معها لطيف وله طعمه الخاص.
وجدها تقول: "طب بعد عني شوية عشان أتكلم." "ما تتكلمي، هو أنا ماسك بوقك." صرخت به: "بطل قلة أدب وابعد عني." ضحك بسخرية: "على فكرة أنتي مراتي، بس ماشي هبعد عنك حاضر." ابتعد عنها وركب سيارته ولم يتحرك بها، بل ظل ينتظرها تتحدث. حتى بدأت قائلة: "أنا أول ما صحيت الصبح حسيت بدوخة، فعرفت إن ورد أختي تعبانة." نطق بسخرية: "وإنتي إن شاء الله أول ما تحسي بدوخة تبقى أختك تعبانة؟ وإزاي ده بقا؟
"عشان إحنا توأم، فلما هي تحس بحاجة وتتعب، أنا كمان بحس بيها والعكس. أنا مش أي دوخة هقول ورد تعبانة، لأ، إحساسي بورد حاجة مختلفة عن أي حاجة، أصل إحنا من يوم ما اتولدنا كده، بنحس ببعض. المهم، جه في بالي أكلمها وأقولها تاكل، أصل ورد دايماً تنشغل في شغل البيت وتنسا أكلها. وفضلت أكلمها مابتتردش عليا، قولت يمكن بتعمل حاجة ومش فاضية. المهم استنيت وجولت ابقى أكلمها، بس نسيت. وبعد ساعة حسيت بنفس الدوخة بس أقوى من الأول، وبعدها على طول حسيت بدراعي بيوجع قوي، ولما كشفت دراعي لقيت وارم قوي لدرجة إني ما كنتش قادرة المسّه."
"أيوه بردو كل الرغي ده وبرضه ما قولتيش بتضربيها ليه وإيه سبب الخناقة؟ نطق بغضب من ثرثرتها. ردت عليه بغيظ: "اصبر عليا، مش بحكيلك.. أنا كده بحب أحكي من الأول، عجبك على كده عجبك، مش عجبك يبقى ما تسألش." صفط على شفته السفلية بغيظ وسايرها: "لأ، إزاي عجبني، اتفضلي المايك معاكي وصدعي دماغ أمي." رغم سخريته ولكن لم تعره أي اهتمام وأكملت قصتها:
"المهم، لقيت دراعي وارم قوي، لدرجة إني جعت أعيط من جوة الوجع، فحسيت بورد إن فيها حاجة وإن الوجع ده بسببها. كلمتها لقيتها بتعيط. ولما سألتها قالت لي إنها حامل." لم يندهش رضوان كثيراً وسخر: "حتى وهي حامل بتعيط؟ أنا بقيت أشفق على بدر والله، أختك بتشتري النكد من الهوا اللي بتتنفسه."
"احترم نفسك وملكش دعوة بأختي. ولما أنت فالح قوي كده ولسانك طويل، ما تروح تربي الممرضة دي. أنا أختي تعبت وجابوها المستوصف جامد السفاحة اللي جوا دي، أدتها الحقنة بقوة لدرجة أن ذراع أخته اتصلب في لحظتها وورم وأزرق في ساعتها، ولما ورد زعجت معاها، ما عجبهاش وشتمت أختي وضحكت عليا المستوصف كله حتى بص."
رفعت كم عباءتها وأرته هذا الورم بالفعل، كان ذراعها منتفخ وبه زرقة شديدة. جعله جز على أسنانه من تلك الحمقاء التي في الداخل، التي من الممكن بسبب تهورها هذا أن تقتل شخصاً ما. فراجع عن شعوره بالذنب تجاهها وشعر أنها تستحق ما فعلته مسك معها. "بس إنتي عرفتيها منين؟ المستوصف فيه كذا ممرضة."
"ورد وصفت لي شكلها، وهي أول ما شفتني افتكرتني ورد ولجحت عليا بالكلام. فأول ما ورد حكت لي وأن دراعها بيوجعها كده، وإن في حد كان السبب في أذيتها وأنها بتعيط، ما حسيتش بنفسي ولا حتى حسيت بوجع دراعي. كل اللي كان في بالي إن في حد أذى ورد، ولازم أجيب حقها." هز رأسه بتفهم وقدر مشاعر الأخوة تلك، وخصوصاً أنهم توأم، فهذا الشعور في تلك الحالة يكون مضاعفاً. حرك السيارة وذهب، وظل صامتاً حتى ابتسمت وهي تنظر له بامتنان:
"شكراً على اللي عملته لي، وإني جبت حقي من رجب قدام الناس، وحتى جبت لي حقي من الناس نفسها." ابتسم لها وفرح لفرحتها وراحتها تلك. "دا واجبي تجاهك يا مسك، أمانك وسمعتك، وراحتك حتى فرحتك مسؤوليتي، بلاش شكر على واجب أصلاً." ابتسمت له، فهي فعلاً أصبحت تشعر أن الأمان يغمرها في حضرته، حتى لم تشعر بشعور الأمان هذا مع رجل غير والدها الحبيب. "إنت عملت في إيه؟ احكي لي."
قصت عليه ما حدث بتفصيل وأخبرها أنها يمكنها التحرك في البلد بكل حرية وأن لن يستطيع أحد حتى رفع عينيه فيها. ولكن لم يذكر لها الآن فكرة الزفاف تلك. "رضوان، عملت إيه مع مرات خالي." "متقلقيش، خلتها متسواش بصلة، ومش هتقدر ترفع عينيها فيكي لا إنتي ولا أختك. هما أنا أصلاً طردتهم من البلد، يعني مش هتشوفي وشهم تاني." "أحسن، في ستين داهية، أنا كل اللي هيجنني إزاي عرفوا إن أنا وإنتي اتقابلنا بعد عزاء أمي." رد عليها:
"مرات خالك شافتني يوميها بعد العزاء وسمعتك وإنتي بتقولي لي إنك... ابتلع غصة مرة في حلقه واشتعلت نيران الغيرة في صدره والخذلان ظهر في ملامحه. "يعني إنك مش بنت. ولحسن حظك أنها ما كانتش عارفة تسمع الكلام ساعتها بوضوح، بقت تجمع كام كلمة بالعافية لبعد المسافة. افتكرت إنك مش بنت بنوت بسبب أنا. وأحمدي ربنا إن ده حصل."
هربت دمعة من عيونه، يقتله هذا الشعور الذي يحرق صدره ويمزق قلبه كلما تذكر أن هناك من اقترب منها، وحتى أصبحت ملكه. لم يكن يشعر بتلك النيران لو كان هذا دون إرادتها، ولكن ما يقتله أنها أخبرته أنه بإرادتها كانت موافقة على اقترابه منها. أغمض عينيه وضغط عليها وهو يتذكر تلك المقابلة التي أخبرته بها أنها ليست عذراء. تنظر له بحيرة وتقول: "ليه أنا؟ ليه دون عن بنات البلد؟
ليه من ساعة أول مرة شوفتك فيها وأنا بقيت أشوفك دايماً قدامي." نطق بحزن ولكن جاهد لتغييره: "أنا طول عمري قدامك، بس إنتي اللي ما كنتيش شايفة غيره.... ولو على سؤالك، ليه أنتي؟ عشان محدش خطفني زيك، حتى اللي أجمل منك معرفش يعمل اللي عملتيه فيا من أول نظرة من عيوني ليك.... مش بالحلاوة يا مسك، فيه حاجات كتير أهم.... وليه دايماً بتشوفيني؟ عشان بتوحشني وببقى خايف من زوال النعمة... بتشوفيني كتير لأني بشتاق لدوام النعمة."
كم كانت حروف كلماته صادقة، تخرج من القلب لها كأسهم المداوي لجراحها. وهذا ما جعلها تتجمد وتصدم مع دموع عينيها التي ملئت وجهها، ناطقاً برجفة كأنها لا تصدق هذا الوصف الذي وصفه لها: "أنا نعمة؟ إنت بتتمسخر عليا (بتتريق) يا رضوان." "مقدرش." لم ينطق غيرها. هنا بدأت نبرتها تعلو وأخبرته بغلظة: "إنت كذاب، كلكم كذابين زيك زي بلال.... أيوه، مفيش راجل بيعرف يحب صح، مفيش، أنا عمري ما هصدق إني نعمة ليك يا رضوان." نطق بسرعة:
"كذابة يا مسك، كل حرف قولته لمس قلبك، بس المشكلة إنك عمرك ما هتحسيه ولا تعرفي قيمته إلا لما جرحك يطيب." نطقت وهي ترفع كتفيها وتهز رأسها بيأس: "عمره ما هيطيب، ما تحاولش عشان ما تعشمونيش وفي الآخر تفشل. وحياة الغوالي عندك، لتبعد عني، إنت مش وش بهدلة يا ابن الناس، صدقني، أنا مش شبهك ولا من مجامك." لم ينطق غير بجملة واحدة، فهو لم يهتم بأي كلمة نطقتها ورد عليها بثقة: "هيطيب يا مسك... وبكرة أفكرك."
وبعدها تحرك من أمامها، ولكن تجمد مكانه، وكأنك سكبت دلو ماء مثلج في ليالي الشتاء الباردة على رأسه، وهذا بسبب ذلك الاعتراف التي قالته الذي قلب كل الموازين وجعلته يشعر بتمزق قلبه لأشلاء صغيرة متناثرة على الأرض... لم يتوقعها منها. نطقت بألم ينبع من داخلها: "أنا مش بنت بنوت يا رضوان."
يحاول إبعاد تلك الفكرة عن عقله، تلك التخيلات التي تأتيه الآن وهي بين يد رجل آخر تحرقه. ولكن فاق على صرختها وانحدر بسيارته قبل أن يصطدم في عربة الخضار التي كانت قريبة منه جداً، ولكنه تفاداها بمهارة قبل أن يصطدم فيها هي وصاحبها. نظرت له بخوف، فعند ذكر تلك الجملة الأخيرة انقلب حاله كثيراً. ليتها لم تخبره، ليتها لم تتحامق. "وجف العربية." وجدته ذهب بعالم آخر مرة أخرى، من تعبير وجهه تعرف بماذا يفكر ويشعر الآن.
لم تجد غير أن تتجرأ ووضعت يدها على يده التي تمسك بمقود السيارة. شعر بلمستها فنظر لها نظرة أصابتها في مقتل، جعلت الندم يأكلها. "وجف العربية يا رضوان." أمتثل لطلبها وبالفعل أوقف السيارة في ركن ما حتى يصبحوا بمفردهم، فهو قرر عدم الذهاب للبيت والخروج سوياً. ولكن انقلبت تلك الخرجة لحزن. تفرك يديها وتنظر للأسفل، تشعر بالخوف. ولكن سألته: "هو أنا لو جلتلك حاجة هتصدقني." ابتسم لها رغم حالته في تلك اللحظة وأمسك يدها:
"لو الدنيا كلها كذبتك يا مسك، أنا هصدقك." تأوهت بتأثر، فكلماته تلك جعلت عيونها تلمع بدموع حتى كانت على وشك البكاء. مد أنامله ومسح دمعاتها وشجعها على ما ستقول وعدم الخوف. فتشجعت ونطقت: "أنا آسفة على كل لحظة صعبة حسيتها بسببي. وأسفة إني كذبت عليك وعيشتك في الوهم، بس والله العظيم كان غصب عني." ابتلعت ريقها وقالت برعب: "أنا لسه زي ما أنا، وبلال ما لمسش مني شعرة واحدة، وكل اللي قولته لك كذب."
ابتعد عنها وصدم من حديثها، لا يعرف أيفرح لهذا الخبر أم يحزن لأنها أخبرته عنها كل هذا حتى تبعده عنها. لتلك الدرجة كانت تكره قربه؟ تلك الفكرة التي ظلت ترن الآن في عقله. "لو كنتي كارهة وجودي لدرجة دي، ليه ما قولتيش بدل ما كنتي هتبوظي سمعتك كده." نطقها بخذلان منها. فردت بسرعة:
"لأ والله مش كده، أنا كنت بعمل وبقول كده عشان تبعد عني صح، بس مش عشان كرهك، لأ، دا عشان حسيت إني مستاهلش واحد زيك في حياتي، وإنك أكبر بكتير من إنك تجوز واحدة زيي بعد كل اللي حصل. رضوان، إنت من أول ما جربت وبدأت تتردد علينا بقيت أحس حاجة معاك في مدة صغيرة عمري ما حسيتها قبل كده، حتى مع الراجل اللي قضيت معاه سنين. إنت عوضتني عن الأمان اللي كنت بحس مع أبوي الله يرحمه. نظرت الراحة اللي بشوفها في عيون أمي كانت بتقلقني، وكنت بحس إني خاينة لما أفكر ليه أحس معاك الإحساس ده وعمري ما حسيته من بلال. ليه لما بشوفك بطمن؟
ولما جربت منك واتجوزنا حسيت إن ربنا بيحبني وسامحني لأنه جابك حياتي. لدرجة إني ندمانة إني معرفتكش من بدري يا رضوان." تأوه رضوان من جمال حديثها، أحس بقلبه سيخرج من بين ضلوعه من قوة وسرعة ضرباته. تأمل عينيها في كل حرف تقوله حتى شعر بصدقها. "بتثقي فيا يا مسك." هزت رأسها بنعم، فكان الخجل يعتلي وجهها حتى أصبح به بعض الحمرة التي تجعلها أجمل. "أنا بحبك يا مسك." ابتسمت له، لم تعرف بماذا تقول وردت: "وأنا بثق فيك يا رضوان."
لم يكن هذا الرد الذي تمناه، ولكن لن يتعجل، فيكفيه ثقتها فيه. يعلم أن الحب لن يأتي بتلك السرعة، ولكنه سينتظر حتى لو لآخر عمره. تأملها فيها، يشعرها بالحرج الشديد. "ممكن توديني عند زينة؟ أما رجاء قالت لي أروح أزورها." لم يهتم بما قالته غير "أمي". هل نادت أمه له؟ بأمي؟
يسعده سماع ذلك، فهكذا عرف أن مسك تأقلمت مع عائلته، وهذا جعله يسعد كثيراً. يكفيه كل هذا، لا يتمنا غير هذا. يكفيه أنها أثلجت تلك النيران التي تأكله وشعر بالراحة الآن تغمره، ليس لأنها عذراء، بل إنها رغم كل الحب التي كانت تحبه لبلال لم تضعف أمامه وحاولت أن تحافظ على عفتها، وأن هذا الباب أصبح ليس له وجود بعد الآن ولم يترك لها أي شيء يذكرها فيه. أصبحت الفرحة تملاء وجهه وشغل السيارة وانطلق إلى بيت زينة كما طلبت، والأبتسامة لم تفارق وجهه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!