يجلس جابر أمام هذا الضيف الذي أتى خصيصًا لزوجة ولده ويصر على عدم الحديث إلا أمام مسك. "أسمع يا... جولتي اسمك إيه؟ أجاب الآخر: "عيس سليمان يا جابر بيه." هز الآخر رأسه. "اسمع يا أستاذ عيس سليمان، إحنا حرمنا مبيجعدوش مع غرب. فياريت تجول عاوز منها إيه وأنا بنفسي هبلغها." تحدث جابر باحترام رغم عدم الراحة التي يشعر بها لهذا الرجل منذ أن رآه. أنزل عيس فنجان قهوته الذي يحتسيه وأصر على وجود مسك في تلك الجلسة.
"مش هينفع والله يا جابر بيه، لازم أشوفها، دي أمانة ووصية ميت. وأنت راجل سيد العارفين وبتفهم في الأصول، واكيد هتفهميني وهتقدر طلبي زي ما أنا قدرت وجاي أنفذ الوصية." رغم أن رده هذا وضع جابر في موقف محرج، وظن عيس نفسه ذكيًا بعد جملته الأخيرة، إلا أن جابر رد عليها بذكاء يفوق ذكاءه لأنه فهم لعبته بالحديث.
"بس هو اللي بيفهم في الأصول ده بيروح لبيوت الناس يسأل عن حرمهم ويطلب إنه يشوفهم ويقعد معاهم قبل ما يسأل عن راجل البيت ويستأذن منه قبلها. مش المفروض تشوف راجلها رأيه إيه، ولا حد جالك إنها زريبة؟ حمحم عيس وشعر بالحرج الشديد، ولكنه حاول تبرير فعلته بأي حديث. "معلش يا حاج جابر، العيشة في القاهرة بتنسي الواحد عاداتكم في الصعيد. أصل إحنا عندنا عادي الستات تقابل رجالة طالما في شغل أو مسألة مهمة."
رد عليه جابر بصرامة ولكنها هادئة. "لأ. معلش يا أستاذ عيسى، مش كل العائلات أكده، في ناس برده عارفة الصح من الغلط رغم إنهم برده عايشين في القاهرة أو في أي بلد أو قرية. عمومًا الحلال باين والحرام باين. ومعرفة إن أي ست يتقابل راجل من ورا راجلها أو بيتقابله بدون علمه أو في أي مكان مقفول يبقى حرام، وخصوصًا لو بدون محرم في وسطيهم." "بس... أنا... أشار له بيده أن يصمت وأكمل.
"إحنا مش في محكمة عشان تبرر موقفك. أنا خابر كيف الحياة عندكم في القاهرة، بس أنت لازم تاخد بالك إنك في الصعيد. وهخليك تشوفها بس مش هنسيبكم لوحدكم. أظن كده كلامي واضح. ووصيتك الغريبة دي نعرفها من مين؟ أمها الله يرحمها كانت على جد حالها، ما حالتها إلا بيتها."
قال جابر ما يدور في عقله لأنه ظن أن هذا المحامي قادم من ناحية والدة مسك وأن الوصية التي معه هي وصية تقسيم البيت بينها وبين ابنتها مثلًا حتى لا يشاركون خالهم فيها، هذا ما توصل له عقله حتى الآن ويتمنى أن يكون هكذا، فهو غير مرتاح لتلك الجلسة. وأثناء حديثهم دخل رضوان، كاثور الهائج، وأمسك عيس من تلابيب ملابسه وصرخ في وجهه حتى جعل الآخر من كثرة خوفه منه جعله كاد يتبول على نفسه. كاد صوت رضوان يصم أذنيه.
"اسمع يا جدع أنت، أنت تاخد بعضك وتغور منها برجليك الاتنين أحسن. أقسم بالله الواحد الأحد لخليك تخرج على نقالة. يلا غور." رماه رضوان من يده ناحية الباب ولم يعي رضوان بوجود والده، وكأن الغيرة تأكله لدرجة أنه لم يرى والده من الأساس. كاد عيس يركض من أمامهم، ولكن وجد والده يصرخ وينادي عيسى ويطلب منه الجلوس. وظل يعتذر وصرخ في ابنه. "إنت أكيد اتجننت، إزاي تعمل في الراجل كده وهو ضيفك؟ مفيش أي احترام لوجودي."
"أبويا، وجودك على عيني وراسي. بس البني آدم ده لازم يخرج وكلمتي لازم تمشي." تلك الجملة الأخيرة جعلت غضب جابر يزيد أكثر على رضوان، الذي وقف أمام والده وفي المنتصف كان يقف عيس يرتعش بينهم. "كلمة مين يا جليل الحية اللي تمشي؟ كلمتك دي تمشيها على مراتك، لكن طالما أنا موجود في البيت ده كلمتي وهي اللي هتمشي على الكبير والصغير هنا. وصوتك ده لو عالي تاني هطردك من البيت كله. يلا روح هات مراتك."
جحظت عين رضوان، لأول مرة يسمع هذا الكلام من أبيه. ورغم حزنه إلا أنه رفض وجود مسك وعاند أبيه. "وأنا قولت هيخرج يا بابا ومسك مش هتقابل حد، ودا يغور في ستين داهية... ولكن لم يكمل كلمته وابتلعها ولم يستطع حتى تكملتها. "بس إني هجبله يا رضوان... التفت لها بصدمة وجز على أسنانه وأردف بغضب. "اطلعي فوق دلوقتي أحسنلك." رغم خوفها منه، ولكنها أصرت. "سيبني بس أشوفه محتاج مني إيه ويعرفني منين." صرخ بها حتى جعل جسدها كله ينتفض.
"قولتلك غوري على فوق ورجلك متخطيش بره الزفت الأوضة وإلا هكسرهالك. غوري، إنتي هتفرجي عليه." ينهج بسبب صراخه القوي وكاد الدماء تنفجر من وجهه من كثرة غضبه، وهي تراجعت للخلف بقدميها برعب من هيئته. حتى والده صدم من رد فعله غير الطبيعية. فلأول مرة يرى رضوان بتلك الهيئة، فولده دائمًا هادئ ويتحدث بعقلانية وشخصيته هادئة جدًا وكان نادرًا ما يراه غاضبًا، ولكن حتى لم تصل لتلك الدرجة.
هرولت من أمامه بسرعة خائفة منه، ولكن تجمدت بأرضها عندما سمعت عيس يقول: "أنا جاي من طرف بلال." وعندما وجدها توقفت أكمل بسرعة. "بلال كتبلك 20% من ورثه ليكي." انتهز عيسى فرصة وجودها وأخبرها بما يريد رغم العواقب التي سيراها من رضوان. "ارتعش بدنها عند ذكر اسمه، وايضًا اندهشت من تلك المفاجأة الأخرى، هل فعلًا فعل بلال لها هذا؟
أغمض رضوان عينيه وضغط على يديه، فقد حصل ما أراد أن يخفيه ليس عنها فقط بل عن أبيه أيضًا، الذي استغرب من حديث عيسى والذي وجه حديثه له. "وأيه دخل بلال بمرات ابني؟ وايه اللي يخليه يكتب جزء من ورثه ليها؟ هنا توتر رضوان ودب الرعب في قلبه، هو حاول أن يطرد هذا الحقير حتى لا يعرف أبيه أي شيء. "أبويا... أبويا... أنا هقولك بعدين... بس...
"أنا مسألتكش أنت." يقولها وهو ينظر باتجاه عيسى ومسك التي كانت اقتربت من رضوان وعيسى، ولكنها لأول مرة تختبئ خلف رضوان من نظرة جابر لها التي كادت تحرقها. تمسكت مسك بقميص رضوان بيد مرتعشة واختبأت خلف ظهره تحتمي فيه. التفت لها برأسه ونظر لها ليطمئنها قائلًا: "متخافيش." لم ترد بل هزت رأسها له وظلت متشبثة في قميصه.
هنا نطق عيسى ليهرب من تلك الحرب الصامتة، لكنها بعد قليل ستسوأ. وأراد الهرب قبل أن يسوء الوضع أكثر، فنطق بسرعة وهو يخرج الأوراق من حقيبته. "مدام مسك، دي أوراق الوصية اللي بتملكك 20% من ورث الدكتور بلال المنسي، وكمان معاها جواب خاصة ليكي من الدكتور بلال، واتمنى تقرأيه لأنه وصاني عليه أكتر من ورق الورق نفسه."
مد يده بالأوراق، فنظرت له ونظرت لرضوان. كانت عيون رضوان كلها أمل أن ترفض أخذه أي شيء يخص بلال، كان عنده أمل أن تختاره هو وليس بلال. ولكن خذلته كالعادة واختارت بلال، فمدت يدها لعيسى وأمسكت الأوراق منه. وبعدها هرول بسرعة للخارج، ولكن وجد من ينتظره أمام الباب وأخذوه كما أمرهم رضوان. أما هي فظلت خلف رضوان تنظر للأوراق التي بين يديها، وبعدها سمعت صوت رضوان بهدوء عكس صراخه قبل قليل.
"اطلعي فوق يا مسك ومتنزليش غير لما أبعتلك." كادت تخطو، ولكن منعها جابر بعد أن أمسك بيدها بقوة وصرخ. "مش هتتحركي من هنا غير لما أعرف إيه صلتها ببلال المنسي." اقترب رضوان وأمسك بيد والده يحاول أن يبعدها عن مسك ولكن دون أن يضغط عليه بقوة. "سيبها يا بابا ميصحش كده." نهره والده. "اخرس أنت متتكلمش، ليك عين تتكلم بعد ما جبتلنا عجربة (عقربة) كانت مع قاتل أخوك، والله أعلم إيه اللي كان بينهم." "أبويا...
" صرخ بها رضوان وهو ينزع يد والده بقوة من على مسك التي تبكي حتى كاد يغشى عليها من الخوف. جحظت عين جابر من فعلة رضوان ونظر ليده التي شدها رضوان بقوة لدرجة أن أصابع رضوان طبعت على يده من قوة الشدة. "اطلعي فوق يلا." قالها لها رضوان حتى يخرجها من تلك اللحظة لأن والده ممكن أن يهينها أكثر من هذا. ركضت الأخرى هاربة من أمامه بسرعة خائفة منه، ولكن تجمدت بأرضها عندما سمعت عيس يقول. "أنا جاى من طرف بلال."
وعندما وجدها توقفت أكمل بسرعة. "بلال كتبلك 20% من ورثه ليكي." انتهز عيسى فرصة وجودها وأخبرها بما يريد رغم العواقب التي سيراها من رضوان. "اطلعي فوق يلا." قالها لها رضوان حتى يخرجها من تلك اللحظة لأن والده ممكن أن يهينها أكثر من هذا. ركضت الأخرى هاربة من أمامه بسرعة خائفة منه. تنهد رضوان وحاول أخذ نفس عميق ليستطيع أن يتحدث مع والده ويخبره بكل شيء أخفاه عنه، ولكن... "اطلع بره...
بره بيتي يا عاق، بره بقولك." صاح جابر بآخر كلمة. ولكن رفض رضوان التحرك. "يابا اسمعني الأول وبعد كده اعمل اللي انت عاوزه." ظل جابر يطرده للخارج ويدفعه ناحية الباب. "بره أنت والتعلبة اللي دخلتها بيتي وخلتها بقت ستة وفى الآخر تطلع مصاحبة بلال اللي قتل أخوك، تلقيها مدبرة العملية معاه، تلقيها دبرت كل حاجة عشان متطلعش خسرانة ولو واحد اتقتل التاني يسد مكانه، مش كده؟ رد رضوان على والده.
"لأ يا بابا، مسك أشرف من أشرف بنت عرفتها وأطهر من كده بكتير. مش مسك يا بابا اللي تشارك في دم حد بريء ولا حتى شيطان، دي أجبن من كده بكتير يا بابا.... انخفض ليد والده وحاول تقبيلها وهو يقول: "ورحمة رشاد يا حاج، ورحمة رشا لتمسّعني للآخر، بعد كده مش هتشوف وشي تاني هنا في الدار، بس اسمعني."
بعد حلفانه برحمة أخيه، رضخ جابر ليسمعه، ولكنه وافق ليستمع له، ليس بسبب رشاد فقط، بل لأجل ذلك الغلاف الشفاف الذي ظهر في عين رضوان يوحي بانهياره لو لم يسمعه.
قص له رضوان كل شيء يخص مسك وعلاقتها السابقة ببلال، ولكن لم يذكر أنها أخبرته أنها ليست عذراء حتى لا يزيد الطين بلة. بالفعل كان والده يعرف أنها تريد الزواج من شخص معين ووالدتها ترفضه دائمًا، ولكن لم يذكر لوالده اسمه هذا الشخص خوفًا من ردت فعله وأن يكره مسك قبل أن يراها. ولكن ما جعل جابر يهدأ قليلًا بعد أن عرف أنها هي من تخلصت منه وكان لها جزء كبير من رد حق ابنه وفرحتهم بهذا. تنهد رضوان.
"بس يا بابا، أدي كل اللي حصل. أنا عارف إنها غلطانة، بس هي اعترفت بغلطها ده والحمد لله إنها فهمت في الوقت المناسب قبل ما الموضوع يطور عن كده. وطالما عرفت غلطها يا بابا تبقى تستحق دنيا جديدة. وأنا كمان يا بابا حابب أعيش حياة ودنيا جديدة ومش هعيشها من غير مسك. فايتختارها وتختارني، يا نمشي. أنا هقعد يبقى هي تقعد قبلي. دي خلاص بقت مراتي يعني كرامتها من كرامتي وراحتها من راحتي."
نظر جابر له يحاول التفكير في حديث رضوان ويقلب الحديث في رأسه. ولكن انتفض عندما وجد رضوان يركض للخارج ويصرخ وينادي مسك.
رأى رضوان النار خلف نافذة المكتب، كانت نيران قوية جدًا تأكل أي شيء يقترب منها. ظل يركض بكل سرعته حتى وجد ما جعله يتوقف، رآها وهي تبكي أمام النار وتمسك بمظروف والأوراق التي أعطاها لها عيسى من بلال، وهي تمسكهم وتقطعهم لقطع صغيرة، وكل قطعة تلقيها بقوة في النيران وكأنها لا تمزق الأوراق بل تمزق ذكرياتها مع بلال وتلقي في النيران لتحرقها، تشعر أنها تمزق كل صفحة في كتاب حياتها كتب فيه اسم بلال وتحرقه لكي تنساه وتعيش من حديد.
اقترب منها ورأى حالتها الحزينة وكأنها تائهة وتريد قشة النجاة، وكأنه هو تلك القشة، لا، ليس قشة، ولن يقبل أن يكون مجرد قشة ضعيفة تريد التعلق بها، بل يريد أن يكون لها مركب النجاة التي تبحر معها وتحميها حتى لا تغرق في بحر الحياة الغدار.
عندما شعرت بلمسته، ارتتمت في أحضانه تبكي وتبكي بكاءً لو أنك حجر كنت لنت وادمعت من بعد سماعها، يكفيك فقط شهقاتها التي تخرج من قلبها، كأنها تكويها لتجدد خلاياه وتجعله يبدأ من جديد. ها هي تعاقب على ما فعلته، ولكن من رحمة الله عليها هونه وأعطاها فرصة جديدة لأن الله يعلم نقاء قلبها وأنها أدركت خطأها وتريد التوبة عنه، ولكن يجب أن تدفع ثمن ما فعلته، وها هي دفعت الثمن.
ركض جابر خلف ابنه للحديقة الخلفية ورأى حالتها تلك، رغم كل غضبه منه وكل الأفكار السيئة التي جمعها شيطانه في عقله من ناحيتها، إلا أن صوت بكائها شق قلبه وجعله يرق لها من جديد. وأخذ وعدًا أنه لن يتدخل في حياة رضوان، وخصوصًا عندما يكون يخص زوجته، فله اختياره ويتحمل نتيجته أين كانت النتيجة لصالحه أم ضده، ولكن يكفيه المحاولة معها، لعل وجوده معها مقدر من عند الله.
وعندما رأى دموع ابنه تهبط على خديه، علم أن ابنه وقع في المحظور وهو (العشق) . لم ينطق بكلمة معها، بل تركها تخرج كل ما بداخلها في أحضانه. يضمها بقوة كأنه يريد أن يدخلها في قلبه ويحميها من أي شيء. ضعف هو الآخر وظل يبكي وأخرج كل ما بداخله من ضيق كتمانه وجعه طوال تلك الفترة وأخرج كل معاناته في أحضانها، وهي فعلت مثله وأخرجت كل ما بداخلها وكأنهم يغسلون قلوبهم من كل ألم عاشوه ليعودوا من جديد.
ظلوا على تلك الحالة فترة كبيرة لا يعلمان عددها. وبعدها حملها رضوان بين يديه وسار بها حتى دخل البيت وتخطى والده ولم ينظر له، بل لم يرى أي شيء غير وجهها الذي تخبئه بين أحضانه وصعد بها للأعلى. ودخل غرفته واقترب من الفراش ووضعها عليه وأمسك قدمها وخلع حذاءها، وهي تخبئ وجهها داخل الوسادة. دموعها توقفت عن الهطول، ولكن لم تتوقف شهقاتها عن الخروج، فظلت تشهق حتى شعرت أن روحها سوف تخرج من استمرار شهقاتها تلك.
نام بجانبها بعد أن عدل وضعية نومها ليريح جسدها وجلب لها الماء وجعلها ترتشف منه القليل، ولكن لم تستطع الشرب بسبب شهقاته القاتلة لقلبه تلك. حاول أن يجعلها تشرب القليل وبعدها ضمها له وظل يردد آيات قرآنية حتى تهدأ وهو يضمها ويمسح بيده على رأسها وهو يتلو القرآن والرقي الشرعية أيضًا. ظل يرددها لها حتى شعر بثقل رأسها على صدره، فعرف أنها قد غفت. وعدل من وضعيتها مرة أخرى وبعدها نام وهو أيضًا وهي بين أحضانه ليريح رأسها على صدره. ولكن قبل أن تغفو عيونه قبلها من رأسها ودعا الله لها براحة القلب والنفس والبدن وراحة العقل.
وبعدها غفت عيناه بعد أن أخذ قرارًا أن يبدأ معها حياة جديدة وسيجعلها تعيش معه أجمل أيام حياتها وعاهد نفسه أنه سيجعلها تحبه لدرجة كبيرة وسيكون قلبها ملكه في أقرب وقت ليساعدها على ترميم قلبها من جديد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!