الفصل 13 | من 34 فصل

رواية مسك الليل الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سارة طارق

المشاهدات
28
كلمة
4,078
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 38%
حجم الخط: 18

ينام على ظهره على ذلك اللوح الخشبي الذي يبرز منه العديد من المسامير الحديدية الحادة. ينام على نتوءاتها البارزة منها، يفرد ظهره عليها كأنه ينام على مرتبة أو وسادة أو شيء من هذا القبيل. وجهه للسماء، يغمض عينيه كأنه يمنع ضوء الشمس من الدخول لعينيه. ظل هكذا لدقائق، ثم وقف وهو يحرك جسده بحركات رياضية مدروسة، كأنه اعتاد على تلك التمارين الخطيرة وأصبحت من عادته.

لم تؤثر تلك المسامير على ظهره إلا بعض العلامات الحمراء التي ملأت ظهره من نتوءاتها فقط، ولكنه لا يشعر بأي شيء غير مجرد ألم بسيط وقد اعتاد عليه. حرك جذعه العاري لأسفل بحركة ماهرة ليلعب تمارين الضغط تلك ليقوى قليلاً من قوة ذراعيه وظهره. ظل هكذا لفترة طويلة لا يعلم عددها. "٤٠٦، ٤٠٧، ٤٠٨... كان هذا صوت صديقه حاتم العراقي، الذي يأتي له دائماً في الصباح وهو من أقرب وأعز أصدقائه له.

وقف جمال عن تمارينها ووقف ليعدل من جسده والعرق يغرق جسده من كثرة تمارينها الصعبة وبسبب تلك الحرارة التي تجلبها الشمس عليه. أمسك المنشفة وأخذ يمسح العرق وهو يحيي صديقه. "جمال: صباح الفل يا واد عمي." "حاتم: حبيب يا جمال، طول عمرك رياضي يا جمال وبتحب الرياضة جداً عنيك. بس مش عارف إيه لازمتها الخشبة اللي مليانة مسامير دي يا ابن الناس. أنا خايف في مرة تنام عليها جسمك يخونك ويغرز في المسامير دي." ابتسم له جمال وألقى

نظرة على تلك الخشبة وقال: "اللي تخاف منه ميجيش أحسن منه. وبعدين الخشبة اللي بتقول عليها دي ميغرز فيها اللي خايف منها. يعني لو حسّت بس إنك ارتجفت وأنت نايم عليها هتاكلك." "حاتم: وهي هتعرف منين إني خايف بس؟ "جمال: أنت اللي هتعرفها، ما أنت لما تنام عليها هتحس بخوفك. جسم يرخى من الخوف فاهوب تغرز. ويبقى الله يحرمك وآخرتك تبقى على شوية مسامير."

ارتبك حاتم قليلاً ونظر لتلك اللوحة بخوف، فهو رغم خوفه منها إلا أن فضوله يقتله لتجربتها بسبب حديث جمال عن نومه عليها وكأنه يشعر بسبب بقوة وطاقة لا حصر لها. ولكن بعد حديث جمال شعر كأنه ينبهه ألا يستخدمها من ورائه، وكأنه يعطيه إشارة أنه يعرف ما يدور في عقله حول تلك اللعبة. "حاتم: بص سيبك أنت من البتاعة دي وجولي، الأمير هينفذ العملية إمتى؟ أنت مش شايف إنه اتأخر جوي على التنفيذ؟

أنا بدأت أقلق من التأخير اللي ملوش مبرر ده، حاسس إن في حاجة وإن العملية اتلغت." "جمال: ومين قال إن العملية هتتلغي؟ العملية هتتنفذ بس الخطة هي اللي اتغيرت. وتم وضع خطة بديلة بس قبل ما العملية تتنفذ لازم في حاجة مهمة تتعمل وأنا لازم أنفذها. ولو اتنفذت، ساعتها هثبت ولائي وبقى أنا الأمير المنتظر وأنتم هتبقوا جمعتي والجيش بتاعي."

جحظت عين حاتم من حديث صديقه ونظر حوله خوفاً أن يكون أحد سمع ما قاله ويخبر الأمير ويتم قتل هذا الأحمق معاقبة على حديثه الغبي مثله. "جمال: ششش، اسكت خالص! إيه اللي بتجوله ده؟ مش خايف حد يسمعك ويدخل يبلغ الأمير بكلامك الماسخ ده؟ نظر له جمال بسخرية، فهو لا يهمه أي أحد. فهو الآن مسنود وتحت حماية من هو أكبر من الأمير. هو تحت حماية المؤسس بنفسه والممول لتلك الجماعة.

"جمال: لاه، مش خايف. ولو عايز تدخل جوله بنفسك ادخل. هو خلاص راحت عليه وكلها العملية الجاية وهيحصل اللي راحوا. يعني معادش له عازة. بعد ما الممول طلب منه يلاجي حجاج ويقتله قبل ما الحكومة توصله وهو مش عارف يوصله. أديله أربع شهور." نظر له حاتم بغيظ قائلاً:

"ما أنت عارف إن أخوه خافيه عن عيونا وعيون الحكومة وإن محدش عارف يوصله لحد دلوقتي. وطالما مظهرش يبقى أحنا في السليم. بلال الأمير جابه وهدده إنه يجول مكان حجاج فين وهو هيساعده. بس بلال نابه أزرق، ومحدش يعرف يوصله ويجيب آخره. ومحدش هيقدر يقرب من حجاج طول ما هو عايش. ولو حد لمسه بس هيبقى عليه وعلى أعدائه. فبلاش حجاج عشان إحنا مش جد بلال المنسي وشره. ابعد أنت عن الحوار ده ومالكش فيه. والأمير لا هو عبيط ولا سهل. ده البصة من عينه بيجيب جرار الواحد ويعرف مين معاه ومين عليه. ده عشان مصلحتك أنت بس يا صاحبي. وخلي بالك لو فضلت على فكرتك دي أنا هبقى عليك مش معاك. عشان أنا مهما كان مش هخون أمير جماعتي."

قال حاتم بنبرة يملأها التهديد والتحذير من تفكير صديقه جمال، فهو بأفكاره تلك يلقي بنفسه في الجحيم بيده. فهو مهما فعل لن يقدر أن يصل لحجاج مهما فعل. نظر جمال لأثر صديقه بعدما رحل، يعلم أنه عنده حق. فهو يعلم ناب بلال الأزرق وماكره، ويعلم خبث وذكاء أميرهم. رغم أنهم لم يعلموا بهويته الحقيقية إلا أنه لديه هيبة تجعل من يرى طلته فقط قوتهم تتراخى ويدب الرعب في قلوبهم من غضبه الذي ليس له مثيل.

فغضبه هو الجحيم بحد ذاته. ولكنه سوف يتجرأ ويكمل ما خطط له وينفذ ما طلبه منه هذا الممول ويصبح هو الأمير. ولو على حاتم فهو صديقه ويخاف عليه ويعلم أنه لم يفتش سره أبداً مهما حصل. توقف عن التفكير ورجع لتمارينه ليتجهز لتلك العملية التي خطط لها لأيام كثيرة. دخل داخل مقرهم وهو ينظر أمامه والشرار يكاد يخرج من عينه من كثرة الغضب. وقف أمام غرفة الأمير وأخرج من جيبه مفتاحاً وفتح الغرفة.

ونظر حوله ليتأكد من خلو المكان ودخل الغرفة وفتح الإضاءة ووقف أمام النافذة وهو ينظر لصديقه جمال قائلاً بسخرية: "بقى أنت يا جمال عايز تبقى الأمير؟

بس الغلط مش عليك الغلط عليا أنا إني صحبتك واديتك أهمية أكتر من الباقيين. ودلوقتي عايز تخوني. الحمد لله اللي مخلينيش أفتش هويتي ليك، بعد كل تلك السنوات. الآن تتحالف لتصبح أنت الأمير، وتريد أن تصل لحجاج قبلنا لتثبت ولاءك وتثبت أنك أحق بالإمارة. ولكن لن يحدث هذا أبداً طالما حييت حتى لو على جثتك يا جمال. الآن يجب تطهير الجماعة من الخائنين."

قالها وهو يخرج هاتفه ويضغط على رقم ما لتنفيذ ما يريده، وهو ينظر لجمال نظرات الوداع الأخيرة. "مرحباً بأميرنا، لقد اشتقت إليك... لدي أخبار ليست بعيدة إطلاقاً. لا لم ينفع أن أحدثك إياها على الهاتف يجب أن نتقابل وغداً في مكاننا... حسناً إلى اللقاء... أيها الأمير." دخل إلى تلك الغرفة التي تكون تحت البيت وتكون مثل السرداب الذي تحت الأرض. تلك هي الغرفة التي يخبئ فيها أخيه حتى يبعده عن الأعين التي ترصده وتريد قتله بأي طريقة.

فتلك الغرفة لا يعرف عنها أحد غيره هو وأبيه فقط. دخل وبحث عنه ولكنه لم يجده. سمع صوت تكسير يأتي من زاوية ما. ذهب باتجاهها ولكن تفاجأ بخروج أخيه منها وهو يتعثر في خطواته ويبدو عليه الارتباك والقلق مما جعله يشك في أمره. وتحدث بلال وهو عاقد حاجبيه: "كنت بتعمل إيه جوه يا حجاج؟ توتر حجاج من نظرات أخيه المتفحصة له ناطقاً: "كنت بدور على أي حاجة أسلي بيها نفسي في التربة اللي حبسني فيها دي. أنا مخنوق يا خوي."

"بلال: الأوضة دي أو التربة زي ما حضرتك بتقول هي اللي أوياك ولولاها كان زمانك في التربة فعلاً بس مش دي كان زمانك في تربة بحق وحقيقة وبتتحاسب يا ولد أبوي." قالها بلال بسخرية من أفعال أخيه الهوجاء. أمسكه بلال وأجلسه بقوة على الكرسي ووضع على الطاولة أمامه لفافة من الطعام الذي خرجت رائحته على أنف حجاج جعل لعابه يسيل من كثرة جوعه. "حجاج: الله عليك يا بلال. ده أنا كنت هموت من الجوع والله."

وأثناء تناوله للطعام وقفت اللقمة في حلقه أثناء سماعه لسؤال أخيه: "حجاج: أنا عاوز تكملة بقية الحكاية بعد ما الشيخ عبد الله الله يحرقوه مطرح ماراح، دخل الزفت الجماعة دي." أمسك قطعة اللحم ودسها في فمه قائلاً:

"بعد ما قابلت الشيخ عبد الله في الجامع وحكى لي عن فضل الجماعة إنهم غرضهم إنهم ينشروا الإسلام بشكل صحيح وعرّفوا الناس دينهم لأنهم قربوا ينسوه. وجعد يحكي لي عن فضل الجماعة والثواب اللي ربنا هيديه لي لما أهدي شاب أو فتاة لطريق الإسلام. وعن فضل الأعمال اللي من النوع ده. وفي مرة وإحنا في مسجد كانوا بيحكوا عن شاب زيهم فجر كنيسة في القاهرة وإنه صنع القنبلة بنفسه وفجر الكنيسة أثناء الاحتفالية بتاعتهم. وقد إيه كانوا فرحانين

بالشاب ده ونفسهم يبقوا شهداء زيه. أنا في الأول اتخدعت وخفت بس الشيخ عبد الله أخد باله وقدر يدخل أفكاره السامة في دماغي وجالي إن حاجة زي دي تعتبر جهاد في سبيل الله زي الجهاد كده أيام الرسول وإن أنا لو عملت كده أبقى زي الصحابة بالظبط لما كانوا بيدافعوا عن الدين الإسلام في الحروب الإسلامية والغزوات. المهم أنا هنا حاولت أشجع نفسي رغم إن في حاجة كانت مانعاني أتكلم وأجاوبهم بس أنا قولت إن لازم أعمل حاجة تنفعني في آخرتي

لأني عملت معاصي كتير وكنت حابب أكفر عن ذنوبي. وجولت لهم أنا بعرف أعمل قنابل ومتفجرات وأقدر أصنعهم وأفككهم وإن أنا أصلاً مهندس. من هنا بدأت علاقتي تقوى بشكل كبير وقابلت الأمير الجماعة ورحب بيا جداً وكان هو السبب إني أصنع أول متفجرات العملية اللي بيخططوا لها للأيام الجاية."

"بلال: يعني أنت قابلت الأمير؟ وهو اللي قالك تعمل المتفجرات اللي هيعملوا بيها العملية اللي بتقول عليها دي؟ طب العملية دي هتتعمل فين ومين اللي هيعملها؟ رفع حجاج كتفيه علامة على عدم معرفته قائلاً: "والله يا خوي أنا معرفش. هما مرة بيقولوا إنهم هينفذوا العملية في محطة القطر ومرة سمعت إنهم هيعملوها في مكان جديد بيتبني في الصعيد بس مخبرش هو إيه."

هز بلال رأسه في علامة التيه. فهو لا يعلم ماذا يفعل وأن هذا الغبي قد أوقع نفسه في شبكة كبيرة من المجرمين. ولكن كل هذا كان بسببه. نعم، هو كان عليه أن يبقى أكثر حرصاً على أخيه. هو كان قادر على إبعاده عن تلك الجماعة قبل وقوع تلك الكارثة. هكذا ظل بلال يلوم نفسه على تقصيره في حق أخيه. أخرجه أخيه من شروده وهو يطلب منه هذا الطلب الذي جعل غضب بلال يشتعل أكثر منه. "حجاج: أنا عاوز أشوف أمي يا بلال."

قالها وبعدها ابتعد عددت خطوات عن أخيه بعد أن رأى معالم وجهه تتغير بشكل مخيف جعله يندم ألف مرة قبل أن يطلب هذا الطلب منه. "حجاج: خلاص خلاص يا خوي اعتبرني مأقولتش حاجة. أنا بس قولت أتأكد من شوقي ليها هي برضه أمي وبقالى ياما ماشوفتهاش ولا هي حتى سمعت صوتي." قال أخر جملة له بأمل أن يحن قلب أخيه عليه ويجعله يرى أمه ولو لدقيقة واحدة فقط. هي دقيقة ولا يريد أكثر، فقط ضمة منها وينتهي الأمر.

ولكن لم يلن بلال بنبرة الرجاء التي سمعها في صوت أخيه وامسكه من تلباب قميصه وقال بصوت منخفض ولكنه مخيف: "لو سمعتك بتجيب سيرة أمك تاني أنا اللي هسلمك بنفسي، لأني مش دي الأم اللي توحشك، لأنها السبب في اللي وصلت له دلوقتي. لو كانت ربتك صح كان زمانك بني آدم نضيف والناس كلها بتحترمك لكن طلعتك سكري وبتاع نسوان من مولد لتاني وكل يوم من خيمة لخيمة." ثم رماه وهو ينظر له قائلاً بقرف:

"ويوم ما اتعدل وتقرر تتوب تدخل في التقيل وتتجنّد وتبقى من ضمن جماعة إسلامية لا ومش بس كده وتقولهم إنك مهندس وبتصنع متفجرات وقنابل. ويا ريت نفعت حتى معاهم ده أنت من أول عملية خسعت وبقيت شبه العيل التائه اللي ضيع كراسة الواجب وخايف من الأستاذ بتاعك اللي ماسك لك خرزانة وهربت منه على أخوك يلحق قبل ما الأستاذ يضربك. ده حتى الليلة كلها مجاش فيها اسم حد غيرك أنت يا حجاج رغم إنك ما قتلتش حد. ومين عارف يمكن تكون عملتها قبل كده ومحدش عارف."

هز حجاج رأسه برفض دموعه تنهمر على وجهه قائلاً: "والله ما عملت حاجة والله ما قتلته والله ما كنت أعرف. حتى إنهم هيعملوا كده. والله ما قتلته والله ما قتلته يا بلال." قالها حجاج وهو يرجع للخلف برعب حقيقي حتى كاد يتعثر في خطواته. ولكن أمسكه بلال وظل يربت عليه بين أحضانه، فشكل أخيه والرعب يتملك منه هكذا يقتله ولا يعرف ماذا يفعل لينقذه من تلك الفاعلة.

فقط يحتاج لبضعة أيام حتى ينتهي له من أوراق الهجرة تلك ليهرب من مصر كلها باسم وشخصية مختلفة تماماً. سكين، دماء متناثرة في كل مكان، صدى صرخاتها يجلجل في المكان، دموع وخوف ورعب. ثم تفرح وتضحك وهي تمسك بذلك السكين وتقتله للمرة العشرين وكأن مع كل طعنة ترجع لنفسها من جديد. خرجت منها شهقة عنيفة وهي تكاد تختنق وتمسك رقبتها تحاول أن تتنفس ويدخل الهواء لرئتيها.

فزع من نومه على أثر شهقتها وصراخها تلك وفتح الإضاءة وركض إليها عندما وجدها على وشك الاختناق. جعلها تنام وظل يضغط على صدرها لعلها تتنفس وقام لها بتنفس اصطناعي لإدخال الهواء لها حتى تنفست. وبالفعل ولكن بدأت تتنفس ببطء. غزا العرق جسدها ووجهها الأصفر الذي أصبح هو واللون الأصفر شيئاً واحداً. شحب وجهها بسبب ذلك الكابوس الذي جعلها تنتفض أكثر وهي تتذكر ذلك الحلم البغيض وهذا الشخص البغيض الذي رأته في حلمها.

هي لم تر وجهه ولكن ذلك الوشم الذي على كتفه من الخلف جعلها تتعرف عليه وصوته الذي لن تنساه أبداً. صوته الذي يتردد في أذنها منذ يوم الذي ذبحت فيه. رؤيتها في ذلك الوضع وشحوبها هذا ونظراتها الذي يملأه الذعر جعلته ينتفض وياخذها بين أحضانه ويبث فيها الأمان ويخبرها أنها بين أحضانه وأنها بخير.

"بدر: أهدي، متخافيش انتي في حضني يا ورد. متخافيش يا جلب بدر. متخافيش من حاجة طالما أنا حي وواخدك في حضني. متخافيش، أهدي يا جلب بدر أهدي...... ظل بدر هكذا لفترة طويلة يحاول تهدئتها وبث القوة فيها وأخبارها أنها هنا بين أحضانه، أنه لن يسمح لأحد بإيذائها. ظلت على تلك الحالة لفترة لا يعلم عددها بدر حتى غفت بين أحضانه وظل يرتل عليها بعض آيات القرآن الكريم حتى تنام بهدوء وراحة يبعد عنها الشر.

هو حتى لم يحاول أن يسألها بماذا حلمت حتى تشعر بهذا الذعر والخوف الشديد. تجنب هذا السؤال خوفاً عليها من الدخول في حالة هستيرية لها. وخاف أن يجعلها تتذكر بعد أن هدأت ونامت. ضمها بين أحضانه بقوة كأنها طفلته التي يخشى عليها من الهواء الطائر، ويحاول بثها القوة ويحميها وكأن ذراعيه اللذان يحوطان ورد يمثلان سور كبير يحاوط بستان به وردة. نعم وردة واحدة فقط ولكنها وردة نادرة ورائعة لا يوجد لها مثيل.

لهذا يجب عليه حمايتها. وتلك هي قيمة ورد عند بدر، فهي بنسبة له وردة نادرة الوجود. ووجدت على تلك الأرض لتزرع في بستانه هو فقط. بستان قلبه. تتحسس على بطنها وتغمض عينيها وتشعر أنها تلمس أبنائها. ثم غلبتها عيونها وانهمرت دموعها لتلك الذكرى بينها وبين رشاد. كانت تتمنى أن يكون بجانبها عندما تلد ويمسك أطفاله ويراهم ويفرح بهم. لقد مات وتركها هي وحدها ومعها طفلان مسؤولان منها هي.

كما كانت تتمنى أن ترى فرحته عندما تبلغه عن خبر حملها. ولكن ليس كل ما نريده يحصل. فلاش باك. ظلت تدور حول نفسها وهي بغرفتها، يكاد القلق والتوتر ينهشان فيها. في كل لحظة تمر عليها تنظر للساعة الحائط ترى أن مر الوقت أم لا. فهي قرأت على هذا الاختبار الخاص بالحامل أن يجب عليها بعد اتباع الخطوات التي ترشدها كيف تستخدمه أن تتركه بضع دقائق لتظهر لها النتيجة بشكل صحيح.

مرت عليها تلك الدقائق كأنها سنوات حتى انتهت المدة الزمنية المحددة. وركضت لداخل المرحاض وامسكت هذا الاختبار ودعت بداخلها ثم نظرت للنتيجة وبعدها... لحظة، اثنتين، ثلاثة. وبعدها صرخة كبيرة جعلت أمها تركض باتجاه الغرفة خوفاً أن يكون حصل لها شيء. وجدت ابنتها تقفز من فرط السعادة البادية على وجهها. "هناء: بتنطي كده ليه يا بت؟ قطعتي خلفي يا بت المجنونة."

قالتها هناء وهي تصرخ في وجه ابنتها التي توقفت عن القفز ونظرت لأمها باستنكار قائلاً: "لا وأنتِ بعد السنين دي كلها عايز تخلفي تاني؟ أنتِ مش شايفة الشعر الأبيض اللي على دماغك يا ما. وبعدين ما هو أنتِ قطعتي الخلف فعلاً، ولا هو أبويا رجع من الموت تاني؟ قالتها وبعدها تأوهت من الألم بسبب تلك القرصة التي تلقتها من والدتها على ذراعها. "هناء: بس يا جليلة الحية، عيب الكلام ده. وبعدين الدهن في العتاقي يا بنت بطني."

"زينة: منين يا ما؟ هو أنتِ اتجوزتي تاني وأنا مخبرش ولا إيه... يا مصيبتي يا لتكوني عملتيها من ورانا." كادت والدتها تهجم عليها ولكن تراجعت زينة بسرعة قبل أن تمسكها والدتها. صرخت زينة بفزع قائلاً: "أما بلاش إني حامل، والله العظيم حامل." توقفت والدتها ونظرت لها وبعدها استوعبت ما قالته ابنتها ومرة واحدة صرخت في وجهها برعب وأخرجتها من المرحاض ونهرتها قائلاً:

"تاني مرة متحلّفيش في الحمام، دا مكان مش طاهر وما ينفعش يتذكر فيه اسم ربنا." وبعدها نظرت لها بسرعة تحاول استيعاب الجملة التي قالتها ابنتها كاملة ورددتها في نفسها. ثم نظرت بصدمة باتجاه ابنتها لا تصدق ما فهمته. هل هي حامل فعلاً؟ "هناء: أنتِ حامل يا زينة؟ هزت الأخرى رأسها بنعم وهي تتحسس على بطنها بحركة دائرية حانية.

"زينة: أيوه يا ما أنا لسه عاملة الاختبار دلوقتي وعرفت إني حامل. أنا حامل يا ما هبقى أم. هبقى أم وهجيب عيل من رشاد." قالتها زينة بفرحة كبيرة وهي تحتضن أمها. فرحت هناء وضحكت ابنتها بسعادة كبيرة وهي تربت عليها وتدعو لها بالخلف الصالح. ولكن تلك الفرحة لم تدوم عندما أخرجتها والدتها من بين أحضانها ونظرت لها والخوف دب في أوصالها. "هناء: ورشاد هيوافق إنك تكملي الحمل ده وهو متجوزك في السر؟ نظر ت لها زينة بعدم فهم.

"زينة: وهو مش هيرضى ليه يا ما؟ رشاد ابن حلال، هيفرح جوي. مين ميتمناش يبقى أب؟ هزت هناء رأسها بقلة حيلة تخشى على ابنتها أن تتحول فرحتها الكبيرة تلك إلى حزن أكبر بعد ما عرف زوجها حملها هذا. "هناء: بس مش في حالتك أنتي يا بنتي. أنتِ عارفة جوازك من رشاد ده كان عشان إيه؟ هو عمل كل ده عشان يستر عليكي من الفضيحة اللي كانت هتجرالك. ولولاه كان زمانك مدفونة تحت التراب. متفكريش إنه هيجي يخلف منك."

اختفت ضحكتها واختفت معها فرحتها وهي تستمع لحديث والدتها. ابتلعت ريقها ونظرت لوالدتها وتحدثت بتلعثم بسبب القلق. "زينة: لا لا يا ما رشاد بيحبني. أيوه بيحبني وإلا مكانش زماني حامل منه دلوقتي. هو كان متفق معايا إنه هيتجوزني ويعلن الجواز وبعدها بسنة نطلق. بس هو حبني وجوزنا بقى شرعي مش على الورق بس ودلوقتي تشوفي هو لما يوصل وأقوله هيفرح قد إيه. ااا أيوه هيفرح وهتشوفي."

قالت تلك الكلمات لتطمئن والدتها أو بمعنى أصح تطمئن قلبها وتحاول ألا تصدق حديث والدتها وأنه رشاد ليس هذا الرجل الذي من الممكن أن يرفض هذا الحمل ويقتل أبناءه ويطلب منها الإجهاض. هل فعلاً سوف يفعلها؟ خرجت من شرودها على صوت رشاد وهو يدخل الغرفة وينادي عليها. تجمدت في أرضها هي وأمها وشعرت بدماء تفر من جسدها بعد أن رأته ودب الرعب في قلبها. ونظرت والدتها التي هزت لها رأسها بمعنى ألا تخبره بموضوع حملها منه.

نقلت انتظارها من على والدتها لتنظر لرشاد الذي يقف أمامهم لا يفهم سبب الخوف الظاهر عليهم هذا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...