تلك هي الكلمات التي نطق بها الشيخ قبل ساعة، بعد ساعة من انتهاء كتب كتاب رضوان جابر ومسك الليل. أبعدت يدها عن يده بعد أن رفع الشيخ المنديل وكشف أيديهم. كان رضوان يمسك بيدها بقوة ويضغط عليها، كأنه يخشى أن تهرب. أما هي، فكانت تحاول أن تتحمل ألم ضغطه على يدها، حتى أصبحت تردد بسرعة وراء الشيخ حتى ينتهي كل هذا بسرعة، وتخرج يدها من بين يديه التي تمسكها، كأنه يتمسك بيد لص وليس فتاة بعد دقيقة ستكون زوجته.
بعد أن رفع المنديل، شدت مسك يدها بقوة من بين يد رضوان وظلت تمسحها بسبب الألم. أما هو، فينظر لها ببرود، كأنه لم يفعل شيئاً. ثم رجع بظهره للخلف وسند على ظهر الأريكة، وظل يتابعها بعينيه. وهي أيضاً تنظر له ولعيونه، فلأول مرة تجده لا يهتم بها كالأسابق. ولكن قطع تلك اللحظة قدوم ورد، أختها، وهي تحتضنها وتبكي بقوة وتضمها إليها بشدة. "كان نفسي أمك تكون موجودة اليوم ده يا حبة عيني، مشيت قبل ما أشوفك عروسة."
قالتها وهي تبكي بقوة، جعلت مسك تبكي أيضاً. نظر لهم رضوان بغيظ قائلاً: "أقسم بالله عيلة بتشتري النكد ببلاش وبتوزعه على اللي حواليهم، عيلة عاشقة للنكد والدموع." ضحك بدر بقوة وهو يذهب ليبعد زوجته عن مسك ويحاول أن يجعلها تهدأ. "خلاص يا ورد، هي حبكت النكد الساعة دي." حاول إخراجها من أحضان مسك، ولكنها أبت أن تخرج وظلت ملتصقة بها بقوة، كأنهم التصقوا بسمغ قوي. أمسكها بقوة من كتفيها، حاول إبعادها بكل قوته.
"سيبي البنت يا ورد، سبيها. حرام عليكي، هتموت في حضنك من العياط. سبيها، هتموت في إيدك يا نكدية." "لأ مش سايباها. سيبوني أفضفض أنا وأختي شوية، ليه عاوزين تحرمونا من بعض؟ ليه؟ قالتها بطريقة درامية فاشلة. استنكر رضوان حديثها ونطق: "ولا تزعلي نفسك يا حاجة، خديها معاكي. ياما أنا أساساً بدأت أتشائم من الجوازة دي، يا عيال الفقر."
كان جابر ورجاء يتابعان هذا المشهد الدرامي بين مسك وورد، ولكن رجاء نظرت لرضوان بتحذير وغضب بسبب آخر ما تفوه به. وقفت وذهبت لهم وحاولت التفريق بينهم. "سيبيها يابنتي، كفاية كده. يعني يرضيكي تقلبي يوم أختك عياط ونكد؟ استهدي بالله، انتوا كده بتزعلوا المرحومة في تربتها." أرخت ورد يديها عن مسك وابتعدت عنها قليلاً، ورفعت شالها ومسحت وجه أختها وحاولت الابتسام.
"اخس عليا أكده، خليت العيون السودا اللي شبه اللؤلؤ دي تبكي. والله مليا حج، أكده عريسك هيجي علينا إيه؟ نطق رضوان بسخرية: "هو أنا لسه هقول، ما أنا قولت خلاص." ولكنه رجع في قوله بسبب نظرات والدته الحادة. أما مسك، فكانت في حالة لا تجعلها تقوى على الرد عليه. "يلا بينا إحنا يا ورد نروح ونسيب العرسان ترتاح." قالها بدر وهو يمسك يدها بقوة حتى لا تفلت منه وتركض وتتمسك بأختها كطفلة صغيرة، فهو يعرفها ويعرف تعلقها الشديد بمسك.
"استنى يا والدي، ناكل لقمة مع بعضينا الأول." نطقها جابر، ولكن رفض بدر وتحجج بأنه يفضل أن يأكل مع أمه وإخوته كل يوم. وبعدها أمسك بيد ورد وكتفها وظل يحاول أن يخرجها من البيت بكل قوته، فهي كانت لا تريد ترك مسك وحدها، كانت تشبه الأم التي تبكي على ترك ابنتها في الروضة (الحضانة) وحدها.
"يلا يا ورد، يلا أبوس إيدك، فضحتيني والله. هجيبك ليها تاني، يلا يا بنت الناس معايا خلينا نمشي من هنا بسرعة، أنا حاسس إن شوية ورضوان هيرمينا في الشارع وفوقينا أختك." هزت رأسها وأمسكت طرف شالها ووضعته على وجهها تمسح دموعها، وصاحت لمسك: "هجيلك يا أختي، مش هسيبك أبداً أبداً. هنفضل مع بعض ومحدش هيفرقنا أبداً، أبداً أبداً." قالتها بدارمية شديدة فاقت العادي. "أبو أم دي أفورة، هي رايحة تحارب؟
أنا عارف إني مش هخلص من العيال دي. أنا كده عرفت أمهم ماتت بسرعة ليه، أكيد متحملتش بسبب الشلل الدماغي اللي جالها منكم ومن نكدكم. هي جوازة بانّت من أولها." همس بها رضوان في سره. ذهبت ورد مع زوجها بعد محاولات كثيرة منه. ودخل رضوان مع والده المكتب كما أمر، فوالده يريد أن يخبره شيئاً مهماً. أما عن رجاء ومسك، فكانت تجلسان على أريكة متوسطة الحجم تكفي لشخصين. ربطت رجاء على ظهرها وابتسمت لها وهي تتأمل وجه مسك وعينيها. وقالت:
"بصي يابنتي، أنا عايزة أطلب منك طلب ولازم تنفذيه لو اعتبرتيني مكان والدتك." لم ترد عليها مسك، فهي توترت قليلاً. فتابعت رجاء: "أنا كل اللي عايزاه من الدنيا هي سعادة ابني، لأني مليش غيره خلاص. كان ليا اتنين وراحوا...
المهم، انتي بقيتي بنتي دلوقتي وأنا ساعدتك انتي كمان تهمني. فيابنتي، انسى كل اللي راح، ألغيه. أنا عارفة إن صعب الواحد ينسى، بس لازم ننسى عشان نعدي ونبدأ من جديد. الدنيا مش بتقف على حد. عيشي حياتك يا ضنايا، واحمدي ربنا إنه رزقك براجل حق وحقيقي، مفيش منه في الزمن ده، فاهمني؟ هزت لها مسك رأسها بمعنى أنها تفهمها. وبعدها أرادت رجاء تلطيف الجو والمزاح معها.
"بعدين، انتي تبوسي إيدك وش وظهر إن ربنا رزقك بشاب زي البلسم. العيبة متطلعش من بوقه أبداً ولسانه بينقط عسل نحل كده." ثم لمحت رضوان يصعد لغرفته فنادت عليه: "رضوان، استنى يا حبيبي خد عروستك معاك الأوضة." نظر ببرود ورفع حاجبه: "متطلع هي، ياما هي اتشلت؟ نظرت لها رجاء: "مش قلتلك العيبة متطلعش من بوقه." حزت مسك على أسنانها ونظرت له بغيظ: "لأ واضح ونعمة الأدب والأخلاق صراحة." "اخس، الله يكسفك. تربية ناقصة بصحيح."
قالتها رجاء بصوت منخفض سبب إحراجها مما تفوه به ابنها، فهو النقيض لما قالته. فحاولت رجاء الهرب منها: "طب يا حبيبتي، أسيبك مع بلوتك بقا… قصدي جوزك. أسيبك مع جوزك وأنا هبعتلكم الفطار على فوق. معلش أصل نسيت أصلي الظهر." نطقت مسك بسخرية: "ظهر إيه يا حاجة، الساعة سبعة ونص الصبح." توترت رجاء قائلة: "أصل أنا بحب أصلي بدري." وتركتها قبل أن تتفوه بكلمة وهربت من أمامها، فهي محرجة منها جداً وظلت تلعن في رضوان وتسبه.
أما مسك، فالتفتت إلى الواقف خلفها ببرود، ولكن صدمت عندما وجدت أنه ذهب وتركها، فأغاظته منه كثيراً. بدت لو تضربه على رأسه هذا وتقطع لسانه الحاد هذا بسكين. "يا أنا يا أنت يا بن النمر، والله لو طولت لسانك عليا تاني، لكون قطعهولك ومشوحاه في بصلة وعملاه سندوتش." نطقت بغيظ، ولكن عندما نطقت كلمة سندوتش تذكرت الطعام وشعرت بالجوع الشديد، وسمعت أصوات معدتها وهي تنوح من شدة الجوع.
صعدت إلى الغرفة وابتسمت باتساع عندما وجدت أنه ليس بالغرفة، فزفرت براحة وجلست على السرير وتثاءبت. ولكن لفت نظرها هيئتها في المرآة واقتربت للمرآة وظلت تنظر لانعكاسها. ظلت تدور حول نفسها بهذا الفستان وابتسمت، فهي لأول مرة ترتدي مثل هذا الفستان وترى نفسها فيه. فهي كانت دائماً ترتدي الجلباب والشال الطويل عليه. لم تعتد على ارتداء مثل تلك الفساتين، ولكنها لأول مرة تشعر أنها معجبة بهيئتها كهذا. ولكن لفت نظرها شحوب وجهها هذا، فتراجعت في كلامها وشعرت أنها بشعة، وأصبح هذا الفستان لا يناسبها ولا يناسب بشرتها السمراء، وكأنها أصبحت الآن تمقت لونها.
"ده وش حتى يبقى حلو في أي حاجة، طول عمرك بتحبي تكدبي على نفسك يا مسك." هكذا حدثت نفسها بصوت عالٍ. "عندك حق فعلاً، ده وش ما يليق عليه الحاجات اللي زي دي." قالها وهو يرمي المنشفة وينظر لها. تفاجأت به ونظرت لانعكاسه في المرآة وهي تعطيه ظهرها، وعلمت أنه كان في الحمام من تلك المنشفة التي خرج بها. ولم تستدر له، بل ظلت تتابع انعكاسه ونظراته لها. فنطقت بحزن: "محدش طلب رأيك على فكرة، خليك في نفسك."
اقترب منها حتى أصبح وراءها ونظر للفستان الذي ترتديه، فكان من الستان ولونه بني فاتح وكان ضيق قليلاً عليها، ولكنه ناسبها جداً ولاق بها. اقترب من أذنيها ونطق وهو يسند ذقنه على كتفها من الخلف وينظر له في المرآة قائلاً:
"الشكل ده مينسبوش غير الحشمة، لأن حلاوته لازم تداري عن عيون الناس. ولو طولت أخفيها عن عيوني لعملتها. انتي حلوة لدرجة إن أي لبس ضيق ما يليق بيكي، لأنك مش بس حلوة، انتي حورية نزلت على الأرض. بلبسك الواسع وشالك الطويل مش بالفستان اللي يبين أجمل ما فيكي ويخلي كل العيون ترشق فيه، كأن جسمك ده ملكهم هما، مش ملكي أنا زي دلوقتي."
ارتعش قلبها من حديثه، وخصوصاً عندما طبع قبلة على رأسها وذهب للفراش لينام، وتركها تنظر لأثره في المرآة، لا تستطيع حتى أن تنطق أو تستدير له، بل تجمدت في مكانها وظلت عيونها عليه تتابع وجهه. ارتفعت ضربات قلبها بشكل كبير حتى شعرت أنه سيخرج منها. تنظر له بدهشة وتقول: من هذا؟ كيف تبدل كهذا في دقائق؟ هل هذا الذي كاد يقتلها بالأسفل ويتعمد إحراجها؟ أم أنه شبيه فقط؟ أم أنني فقط أحلم؟
وجدته قد غفى وتركها. ابتسمت ببعض الراحة عندما وجدته قد نام وتركها، ولن يطلب منها ما لا تستطيع أن تقدمه له. احترمت هذا كثيراً وقدرت له تلك الفاعلة جداً. "أمي هتبعت الأكل دلوقتي، كلي ونامي عادي جمبي واتصرفي براحتك جداً كأننا أخوات ومتخافيش من حاجة." نطق بتلك الكلمات وهو ما زال مغمض عينيه، كأنه شعر بالحيرة والخوف الذي بداخلها.
وبالفعل، أكلت حتى انتفخت بطنها ونامت بجانبه بعد أن بدلت فستانها بجلباب بيتي واسع من ثياب أخته. ونامت بجانبه ولكن حافظت على مسافة كبيرة بينهم. فهو في النهاية أصبح زوجها وقدرها، فعليها أن تتصرف ببعض الحرية لتريح نفسها قليلاً. أغلقت عينيها وذهبت في عالم آخر.
"أنا مش قولتلك إن ولاد أختك دول مش سهلين أصلاً يا خبتي الجوية، رايح تفضحها يا موكوس. مفكر إن بعد الفضيحة إنها هتمضيلك تنازل عن الدار. اهو طلع جوزها وخدها قدام الناس كلها، وأبوه علم عليك قدامهم، ورضوان خلاك تعملها على روحك قدام البلد كلها. يا خبتي الجوية فيك." أمسك أرجيلته وكسرها على الأرض وسب زوجته. "ما تحطِ جزمة قديمة في خشمك وتسكتي، وليه ندابة بصحيح؟ كنتي عاوزاني أعمل إيه يا أختي؟
مش دي فكرتك المهببة إني أفضحها يا ولية يا فقر؟ بعد ما سمعتيها مع ابن النمر وقولتي إنها بتخرج معاه آخر الليل؟ "أنا يا راجل، قولت تفضحها ولا تهددها وتخليها تمضيلك على عقد تنازل هي وأختها عن الأرض والدار. أهي طلعت متجوزاه يا خويا ويتقبله. يلا، أهي نفذت بس من أول ضربة. خليني أتكتك ليها كده ونشوف هنعمل معاهم إيه، ولاد زينات." نظر لها بسخرية: "تكتكي يا أختي، بس بسرعة قبل ما الناس يكلمونا."
ينظر لظرف ملقى أمامه على الفراش منذ أمس، لا يعرف كيف يتصرف. أيحرقه ويتخلص منه، أم يفتحه ويرى ما بداخله؟ عقله يخبره أن يحرقه ويتخلص من أي شيء يخص بلال بعد ما فعله به. وقلبه يخبره أن يقرأ، لعل هناك شيء يجعله يغفر له ويسامحه. ولطيبته يفوز قلبه ويمد يده ليفتح الظرف ويخرج ما تركه أخيه له. قرأ أوراق الوصية، وبعدها أمسك رسائله له. أمسك رسالة منهم وفتحها وكانت بها: "أخي ورفيق دربي،
أتمنى أن تقرأ هذه الرسالة بقلبك. أنا أعلم جيداً ما هو شعورك نحوي الآن، وأن صدمتك فيني كبيرة، ولهذا أنا أعتذر منك. أعتذر عن وقاحتي معك وتصرفاتي السيئة في آخر فترة، وأعتذر عن كل الأيام السودة التي عشتها بسببك. ولكن أقسم لك بمعزتك عندي أنك دخلت هذا العالم القذر ومع هؤلاء الأوغاد دون علمي. وعندما عرفت، كنت قد وقعت في المحظور وشاركت في جريمة ليس لك فيها أي ذنب. أعتذر منك لأنك كنت نقطة الضعف التي ضغطوا علي بها. وقاحتي تلك
ومعاملتي السيئة معك كانت نتيجة لخوفي الشديد عليك. فإني أعتذر عن كل شيء صدر مني، وأتمنى أن تكون من بعدي بأمان. والله كنت سأبتعد عن كل شيء خطر لأجلك ولأجل أن أبدأ من جديد، ولكن الظاهر أن لم يكتب لي الله التوبة. ولكن سأفعل أي شيء حتى تكون بأمان، حتى لو كانت روحي هي فداك. أخي، وإذا قرأت تلك الرسالة، سأكون أنا ميت وأنت بأمان، وأريد منك أن تسامحني عن كل وجع سببته لك وعن أي لحظة خوف عشتها بسببى. ولكن أنا أعلم جيداً أنني لم
أعرف أنك ستتعرض لكل هذا. فأنت الشخص الوحيد الذي لو تأذى أشعر بضعف وغربة، وأشعر بكسر ظهري. سامحني يا أخي، أرجوك أن تغفر لي. أنا أعلم جيداً أن داخلك طفل بريء سي سامحني من كل قلبه. أحبك أخي، أتمنى لك حياة سعيدة ودنيا جديدة تهنئ بها.
أخيك الكبير الذي يحبك أكثر من أي شيء، بلال" ختم تلك الكلمات بدموعه التي بللت وجنتيه، وتلك الورقة التي في يده. كانت دموعه تشبه الشلالات من كثرتها. "مسامحك يا خويا، مسامحك من قلبي. اتحشتك جوي يا بلال، اتحشتك جوي يا نني عين أخوك. مسامحك، مسامحك يا سندي، مسامحك."
طرقات على بابها جعلتها تستيقظ وتفتح عينيها بتكاسل، كأنها تريد المزيد من النوم ولم يشبع جسدها من تلك الراحة التي أغمرتها منذ أن استلقت على هذا السرير. فركت وجهها بتذمر ووقفت على قدميها لتفتح لهذا المزعج الذي يظل يطرق وكأن الباب أصبح طبلة بين يديه يدق عليها. فتحت الباب وطلت برأسها لطارق، وجدتها فتاة بعمرها تقف أمامها تتأمل فيها كأنها ترى من تلك التي جعلت رضوان النمر يتزوجها. وجدتها مسك تتأمل فيها بطريقة أزعجتها كثيراً، وهذا جعلها تقلب وجهها لها وتحذرها بعينيها. فتوترت الأخرى وأدركت خطأها.
"ست مسك، الست رجاء بتقولك الغدا هيكون جاهز كمان ربع ساعة." "قوللها نازلة، يا اسمك إيه؟ ردمت الأخرى ابتسامة صفراء: "اسمي عايدة يا ست مسك." قالتها الأخرى وذهبت وهي تبرطم بالحديث: "شكلها متنكة وأليطة وهتعمل فيها هانم من أولها."
أما مسك، فأغلقت الباب بعد أن ذهبت مباشرة، ولكنها وجدت الفراش فارغ ورضوان ليس به. فهي عندما استيقظت لم تلاحظ عدم وجوده. ظنت أنه في المرحاض، ولكنها طرقت على الباب أكثر من مرة ولم تجده بداخل. ولكنها انتبهت لهذا الصوت، صوت صهيل حصان. ورغم عنها ابتسمت، فهي تعشق هذا الصوت وخصوصاً عندما كانت صغيرة تذهب بصحبة أبيها لتركب على خيل صديقه.
بدون وعي، تحركت باتجاه الصوت حتى فتحت الشرفة ووقفت بداخلها، وبعدها وجدته على يمينها وهو ينطلق بحصانه بكل مهارة. كان كان… فارس. وجدته ينطلق بالحصان بسرعة شديدة وهو يمسك اللجام بيديه ويقفز فوق تلك القضبان الحديدية بمهارة كبيرة. حتى جلوسه فوق الحصان كان رائع، كأنه هو والحصان واحد. فهو لم يتحرك أو يميل أو يفقد اتزانه بسبب تلك السرعة الفائقة التي يركض بها الحصان. وعندما ينتهي من النط على القضبان يلف بالحصان ويعود يقفز عليها من جديد.
"رائع، كم كان رائع." نطقتها دون شعور منها في تلك اللحظة، فهي لم ترى أحد يركب الخيل بمهارة هكذا مثله… حتى بلال لم يكن عنده تلك المهارة مثل رضوان رغم ركوبه للخيل. "بلال." نطقت اسمه وهي تتابع بعينيها رضوان، ولكن ظهرت صورة بلال مشوشة أمامها الآن، وكأن ذاكرتها لم تستطع أن تحدد ملامحه الآن وصورة رضوان هي التي تجتمع بدلاً عنه. فنفضت عن رأسها كل ما تفكر فيه.
"لأ لأ، أكيد بس عشان لسه صاحية من النوم ومش مجمعة. بس هو ده السبب، أكيد. آه، أكيد ده السبب." ولكنها رفعت عينيه عندما سمعت صوت شخص يسأل عنها، فنظرت لهذا الرجل الذي يقف مع أحد الغفر. "لو سمحت، مدام مسك موجودة هنا؟ "أيوة يا بيه، نجولها مين؟ رد عليه الآخر: "أحب أنا أعرفها بنفسي أنا مين، بس بلغها إن في حد عايزها." "طب اتفضل معايا جوا لما أبلغ البيه الأول."
تحرك هذا الضيف ورائه، وأثناء سيره رفع رأسه فوجد تلك التي تقف في الشرفة تنظر له. فنظر لها ول هيئتها ولشعرها الذي يغطي جسدها من كثافته وطوله، فكان شعرها أسود به لمعة جميلة. أعجبته، فرغم عنه ابتسم لها. ولكن الاثنين فاقوا على صوت صراخ حاد. "مسك!
لم يكن هذا غير رضوان الذي رآها وهي تقف في الشرفة بدون حجاب وهناك من يتأمل فيها أيضاً. ركض الضيف لداخل خائفاً عندما أدرك خطأه. وأما هي، فنظرت له باستغراب لصراخه القوي هذا باسمها. وجدت الشرار يتطاير من عينيه ويشير بيده لها على رأسها، فوجدت يديها تمتد لا إرادياً على رأسها. فجحظت عينيها عندما سلمت شعرها بيدها وتذكرت عدم ارتدائها لحجابها وابتلعت ريقها بخوف. ولكنها وجدت جسدها يرتعش أكثر عندما سمعته يقول:
"ليلتك سودا يا مسك." "أنا مش قولتلك إن ولاد أختك دول مش سهلين أصلاً يا خبتي الجوية، رايح تفضحها يا موكوس. مفكر إن بعد الفضيحة إنها هتمضيلك تنازل عن الدار. اهو طلع جوزها وخدها قدام الناس كلها، وأبوه علم عليك قدامهم، ورضوان خلاك تعملها على روحك قدام البلد كلها. يا خبتي الجوية فيك." أمسك أرجيلته وكسرها على الأرض وسب زوجته. "ما تحطِ جزمة قديمة في خشمك وتسكتي، وليه ندابة بصحيح؟ كنتي عاوزاني أعمل إيه يا أختي؟
مش دي فكرتك المهببة إني أفضحها يا ولية يا فقر؟ بعد ما سمعتيها مع ابن النمر وقولتي إنها بتخرج معاه آخر الليل؟ "أنا يا راجل، قولت تفضحها ولا تهددها وتخليها تمضيلك على عقد تنازل هي وأختها عن الأرض والدار. أهي طلعت متجوزاه يا خويا ويتقبله. يلا، أهي نفذت بس من أول ضربة. خليني أتكتك ليها كده ونشوف هنعمل معاهم إيه، ولاد زينات." نظر لها بسخرية: "تكتكي يا أختي، بس بسرعة قبل ما الناس يكلمونا."
ينظر لظرف ملقى أمامه على الفراش منذ أمس، لا يعرف كيف يتصرف. أيحرقه ويتخلص منه، أم يفتحه ويرى ما بداخله؟ عقله يخبره أن يحرقه ويتخلص من أي شيء يخص بلال بعد ما فعله به. وقلبه يخبره أن يقرأ، لعل هناك شيء يجعله يغفر له ويسامحه. ولطيبته يفوز قلبه ويمد يده ليفتح الظرف ويخرج ما تركه أخيه له. قرأ أوراق الوصية، وبعدها أمسك رسائله له. أمسك رسالة منهم وفتحها وكانت بها: "أخي ورفيق دربي،
أتمنى أن تقرأ هذه الرسالة بقلبك. أنا أعلم جيداً ما هو شعورك نحوي الآن، وأن صدمتك فيني كبيرة، ولهذا أنا أعتذر منك. أعتذر عن وقاحتي معك وتصرفاتي السيئة في آخر فترة، وأعتذر عن كل الأيام السودة التي عشتها بسببك. ولكن أقسم لك بمعزتك عندي أنك دخلت هذا العالم القذر ومع هؤلاء الأوغاد دون علمي. وعندما عرفت، كنت قد وقعت في المحظور وشاركت في جريمة ليس لك فيها أي ذنب. أعتذر منك لأنك كنت نقطة الضعف التي ضغطوا علي بها. وقاحتي تلك
ومعاملتي السيئة معك كانت نتيجة لخوفي الشديد عليك. فإني أعتذر عن كل شيء صدر مني، وأتمنى أن تكون من بعدي بأمان. والله كنت سأبتعد عن كل شيء خطر لأجلك ولأجل أن أبدأ من جديد، ولكن الظاهر أن لم يكتب لي الله التوبة. ولكن سأفعل أي شيء حتى تكون بأمان، حتى لو كانت روحي هي فداك. أخي، وإذا قرأت تلك الرسالة، سأكون أنا ميت وأنت بأمان، وأريد منك أن تسامحني عن كل وجع سببته لك وعن أي لحظة خوف عشتها بسببى. ولكن أنا أعلم جيداً أنني لم
أعرف أنك ستتعرض لكل هذا. فأنت الشخص الوحيد الذي لو تأذى أشعر بضعف وغربة، وأشعر بكسر ظهري. سامحني يا أخي، أرجوك أن تغفر لي. أنا أعلم جيداً أن داخلك طفل بريء سي سامحني من كل قلبه. أحبك أخي، أتمنى لك حياة سعيدة ودنيا جديدة تهنئ بها.
أخيك الكبير الذي يحبك أكثر من أي شيء، بلال" ختم تلك الكلمات بدموعه التي بللت وجنتيه، وتلك الورقة التي في يده. كانت دموعه تشبه الشلالات من كثرتها. "مسامحك يا خويا، مسامحك من قلبي. اتحشتك جوي يا بلال، اتحشتك جوي يا نني عين أخوك. مسامحك، مسامحك يا سندي، مسامحك."
طرقات على بابها جعلتها تستيقظ وتفتح عينيها بتكاسل، كأنها تريد المزيد من النوم ولم يشبع جسدها من تلك الراحة التي أغمرتها منذ أن استلقت على هذا السرير. فركت وجهها بتذمر ووقفت على قدميها لتفتح لهذا المزعج الذي يظل يطرق وكأن الباب أصبح طبلة بين يديه يدق عليها. فتحت الباب وطلت برأسها لطارق، وجدتها فتاة بعمرها تقف أمامها تتأمل فيها كأنها ترى من تلك التي جعلت رضوان النمر يتزوجها. وجدتها مسك تتأمل فيها بطريقة أزعجتها كثيراً، وهذا جعلها تقلب وجهها لها وتحذرها بعينيها. فتوترت الأخرى وأدركت خطأها.
"ست مسك، الست رجاء بتقولك الغدا هيكون جاهز كمان ربع ساعة." "قوللها نازلة، يا اسمك إيه؟ ردمت الأخرى ابتسامة صفراء: "اسمي عايدة يا ست مسك." قالتها الأخرى وذهبت وهي تبرطم بالحديث: "شكلها متنكة وأليطة وهتعمل فيها هانم من أولها."
أما مسك، فأغلقت الباب بعد أن ذهبت مباشرة، ولكنها وجدت الفراش فارغ ورضوان ليس به. فهي عندما استيقظت لم تلاحظ عدم وجوده. ظنت أنه في المرحاض، ولكنها طرقت على الباب أكثر من مرة ولم تجده بداخل. ولكنها انتبهت لهذا الصوت، صوت صهيل حصان. ورغم عنها ابتسمت، فهي تعشق هذا الصوت وخصوصاً عندما كانت صغيرة تذهب بصحبة أبيها لتركب على خيل صديقه.
بدون وعي، تحركت باتجاه الصوت حتى فتحت الشرفة ووقفت بداخلها، وبعدها وجدته على يمينها وهو ينطلق بحصانه بكل مهارة. كان كان… فارس. وجدته ينطلق بالحصان بسرعة شديدة وهو يمسك اللجام بيديه ويقفز فوق تلك القضبان الحديدية بمهارة كبيرة. حتى جلوسه فوق الحصان كان رائع، كأنه هو والحصان واحد. فهو لم يتحرك أو يميل أو يفقد اتزانه بسبب تلك السرعة الفائقة التي يركض بها الحصان. وعندما ينتهي من النط على القضبان يلف بالحصان ويعود يقفز عليها من جديد.
"رائع، كم كان رائع." نطقتها دون شعور منها في تلك اللحظة، فهي لم ترى أحد يركب الخيل بمهارة هكذا مثله… حتى بلال لم يكن عنده تلك المهارة مثل رضوان رغم ركوبه للخيل. "بلال." نطقت اسمه وهي تتابع بعينيها رضوان، ولكن ظهرت صورة بلال مشوشة أمامها الآن، وكأن ذاكرتها لم تستطع أن تحدد ملامحه الآن وصورة رضوان هي التي تجتمع بدلاً عنه. فنفضت عن رأسها كل ما تفكر فيه.
"لأ لأ، أكيد بس عشان لسه صاحية من النوم ومش مجمعة. بس هو ده السبب، أكيد. آه، أكيد ده السبب." ولكنها رفعت عينيه عندما سمعت صوت شخص يسأل عنها، فنظرت لهذا الرجل الذي يقف مع أحد الغفر. "لو سمحت، مدام مسك موجودة هنا؟ "أيوة يا بيه، نجولها مين؟ رد عليه الآخر: "أحب أنا أعرفها بنفسي أنا مين، بس بلغها إن في حد عايزها." "طب اتفضل معايا جوا لما أبلغ البيه الأول."
تحرك هذا الضيف ورائه، وأثناء سيره رفع رأسه فوجد تلك التي تقف في الشرفة تنظر له. فنظر لها ول هيئتها ولشعرها الذي يغطي جسدها من كثافته وطوله، فكان شعرها أسود به لمعة جميلة. أعجبته، فرغم عنه ابتسم لها. ولكن الاثنين فاقوا على صوت صراخ حاد. "مسك!
لم يكن هذا غير رضوان الذي رآها وهي تقف في الشرفة بدون حجاب وهناك من يتأمل فيها أيضاً. ركض الضيف لداخل خائفاً عندما أدرك خطأه. وأما هي، فنظرت له باستغراب لصراخه القوي هذا باسمها. وجدت الشرار يتطاير من عينيه ويشير بيده لها على رأسها، فوجدت يديها تمتد لا إرادياً على رأسها. فجحظت عينيها عندما سلمت شعرها بيدها وتذكرت عدم ارتدائها لحجابها وابتلعت ريقها بخوف. ولكنها وجدت جسدها يرتعش أكثر عندما سمعته يقول:
"ليلتك سودا يا مسك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!