كانت تنظر له بقلب يرتجف من نظرة عيونه لها. همست بداخلها: "لو قالولي إن الدنيا كله بتحبني زيك عمري ما صدقت. عارفك يا بلال عاشق، والعاشق معلش له عتاب مهما عمل. طول عمرك محافظ عليا. كل مرة كنت بتخاف تلمسني فيها كنت ببقى غالي قوي في نظري. عشان كده مش أنت يا بلال الراجل اللي يتساب. أنا أبقى غبية لو سبتك من إيدي تاني." "إيه يابنتي روحتي فين، سرحانة فيا كل ده؟ طب سيبي حبه لبعد الجواز طيب." قالها هو يمازحها.
ابتسمت: "ربنا ما يحرمني منك يا راجلي وعمري الجاي كله. عمري ماشفتك غير أبو عيالي يا بلال." "وأنتي عمري كله يا مسك، أنتي العمر اللي فات والعمر الجاي. أنتي الأمنية اللي طالما اتمنيتها من صغري، وخلاص هانت وهتكوني معايا. هانت يا مسك خلاص." ابتسمت وتحدثت
بنبرة يملأها الرجاء: "أنا سلمتلك قلبي وقريب هتبقي جوزي وهبقى ملكك. أوعى في يوم تكسرني ولا تكون سبب إني أحس بالأمان بعيد عنك. أنا عايزة حضنك يبقى هو الأمان، يبقى الحصن اللي أتحامى فيه من أي حاجة توجعني. أوعى تكون سبب في وجعي ولو لساعة واحدة يا بلال."
ابتلع غصة مرة في حلقه وحاول الابتسام لها حتى لا تشك بأمره. نعم، يؤلمه قلبه لفكرة أن تبتعد عنه بمعرفتها بحقيقة أخيه، لكنه تلاشى تلك الفكرة. فهو أبعد أخيه عن كل العيون ولا أحد يعرف طريقه، ويحمد الله أن لا أحد كان يعلم بتقربه لتلك الجماعة. ومهما حدث لن يسمح لها بالابتعاد عنه مهما حصل. "بلال." نطقتها مسك وهي تعلق عينيها على عينيه. "أوعوا بعد ما هديتك قلبي ترجعهم لي مكسور." "أنتي ليا بتكلمي كده؟ هو فيه حاجة؟
قصدي فيه سبب معين لكلامك ده؟ " قالها وابتلع لعابه من شدة خوفه. أشاحت مسك وجهها عنه ناطقة: "لا مفيش، بس بحاول أطمن قلبي مش أكتر." *** "يعني هيكون راح فين؟ الأرض تتشق وتخرجوا منها؟
يا أغبية المتفجرات لازم تكون جاهزة قبل العملية بيوم. لو المعاد جه والمتفجرات مش موجودة هنشوف جهنم حمرا على الأرض. اسموا انتوا تقبوا وتغتصوا وتجبولي حجاج بأي طريقة قبل ماسيدنا يحس بحاجة." كان صياحه يهز المكان ونبرته تحول الوعيد لهم إن لم يجدوا بلال قبل تنفيذ أول عملية لهم في الصعيد.
ابتلعوا لعابهم ونظروا لبعضهم، وحاول أحدهم التكلم مع أميرهم الذي يخرج الدخان من أنفه كالثور الهائج من كثرة غضبه. "يا أمير، نحن سمعنا من أحد غفير بيتهم إن من تسبب في اختفاء حجاج هو أخيه الطبيب بلال، لأنه علم أن حجاج ينتمي لجماعة سرية لهذا أخفاه عن الأعين بعد معرفته بوجوده أثناء قتل رشاد النمر أيضاً." نظر له الأمير بتركيز فيما قاله ورفع أحد حاجبيه ناطقًا: "ومن أين عرفت تلك المعلومات يا أحمد؟
"لقد تفوه هذا الغفير بتلك الكلمات أثناء تواجده مع بعض أصدقائه الفاسدين مثله وهم يشربون وكان عقله مغيب وهو يتحدث فلم يدرك بما يقول. أنا كنت متواجد معهم كما أمرتني. أقسم لك يا أمير أننا منتشرون في كل البلدة وعلى علاقة بجميع الرجال هنا ونسائنا أيضا أصبحوا على علاقة كبيرة بنساء البلدة. فلا تقلق لن يقدر حجاج على التخفي كثيرا، سوف نجده ولكن أمهلنا بعض الوقت فقط وسوف نأتي به لك ونرميه تحت قدميك."
هز رأسه وهو يفكر في شيء ما، وقد لمع عقله بخطة خبيثة سوف تجعل بلال يأتي له بأخيه بنفسه. "أريد أن أعرف جميع تحركات بلال من أول خروجه من بيته حتى لرجوعه له." "كما تأمر يا أمير، سوف نأتي لك بكل ما تريد." "اللهم أعني على الجهاد في سبيلك." قالها ليرددو ورائه: "آمين." ***
بكت بألم وهي أمام قبر زوجها تشتكي له عن مصاعب الدنيا. تعاتبه على بعده عنها ثم تستغفر لتفوهها بذلك العتاب، فمهما كان هذا قضاء الله وأمانته التي استردها له مرة أخرى.
"آه يا عوض، سبتني وحدي لبناتك. سبتهم أمانة في رقبتي وياريتني كنت قد الأمانة. سامحني أوعى تشيل مني. والله حاولت إني أحافظ عليهم وأحرسهم من كل ناحية، بس غصب عني. إحنا بقينا عايشين في دنيا البشر فيها بتنهش في لحم وعرض الولايا ويدوسوهم تحت رجليهم من غير حتى ما يرمشلهم جفن. بيهينوا شرف الناس كأنه حتة لحمة حيوان بياكلوا فيها. حتى سيرة الناس بقت عندهم زي الميه والهوا، ويمكن أهم كمان. خلاص يا عوض كل واحد بقى عاوز يدوس على أخوه عشان يذله. وإحنا بقينا من ضمن اللي انداس عليهم. دسوا عليا في بتي، ذلوني وكسروني بيها. آه يا وجع قلبي عليكي يا بتي. نفسي آخد حقك بس خايفة على أختك تدوق من نفس اللي دقتي منه."
لم تقدر على إكمال الحديث بسبب بكائها الذي زاد عليها وجعلها تنهار أمام قبر زوجها الذي تلجأ إليه كلما أحست أنها تحتاجه في كل وقت صعب تمر به ولا تجده بجانبها. فتكرر هي أن تذهب إليه وتشكو له همها كأنه حي أمامها. ولكن هذا لم يجعلها تنسى أن رب العالمين خالقها وخالق زوجها معها وجوارها دائما، وهي على يقين أن كل هذا هو اختيار صعب من الله ويجب عليها تجاوزه وبتفوق. ***
دخل بيته وظل يبحث عن أمه بكل مكان في البيت. وقابل في طريقه زوجة أبيه، فامتعض وجهه بضيق لمجرد رؤية وجهها أمامه. وقفت أمامه وهي تنظر له بشر. "وديت ابني فين يا ابن نجوان؟
أوعاك تفكر إنك أكده بتحميه ولا هتعرف تبعده عني. لأ يبقى متعرفنيش. دا أنت لو مخبيه في بطن الحوت هغطس وأجيبه. وساعتها ابقى ألمحه بطرف عينك تاني عشان هو اللي هيبقى الكبير غصب عنك وعن وصية المرحوم أبوك. وبكرة تشوف مين فينا اللي هيمسك إيد التاني عشان بس يسامحه." ثم نظرت له نظرة يملأها الاستهزاء، قائلة: "زي ماقولتلك لو في بطن الحوت هغطس وأجيبه."
قالتها وتركته وذهب. ونظر له بقرف قائلاً: "الله يغطس ما تقبي يا شيخة عشان نرتاح من سحنتك المهببة دي. الله يرزقك بقرش أحول ياكلك ونخلص بقى. الله يسامحك يا بابا أنت اللي بلبلتنا بالبلوة دي. بقى تضحك على أمي وتجوز دي؟ يعني بضحي برغيف الفينو عشان حتة الجبنة القديمة المعفنة دي." "هنقول إيه طول عمر أبوك يحب العك." قالتها نجوان وهي تنزل من الأعلى باتجاه ابنها بعدما سمعت حديثه عن أبيه. طقت بلال كفها وقبلها وسأل عن أحوالها.
جلس بلال في غرفة أمه واقترب منها ليبدأ في الحديث: "أمي، أنا كنت عاوز أقولك على قرار أخدته. أنا عاوز أتزوج." تهللت أسارير نجوان بهذا الخبر السعيد، فهي سترى ابنها متزوجًا ويكون له أسرة صغيرة كما تمنت. ***
تمسكت بصورة ابنتها التي تركتهم وهربت من أجل الزواج من رجل قد رفضه والده أكثر من مرة. تركتهم وفضلته عليهم. حتى عزاء أخيها قد حضرته كأنها غريبة تؤدي الواجب فقط، وكأن الذي رحل ليس شقيقها وأخوها الكبير. لقد عاشت ابنتها سندس متمردة دائما حتى كبرت وتمردت على قرار والدها وإخواتها وهربت وتزوجت، مما جعل والدها يعلن أمام الناس أنها ماتت. ولكن هذا لم يجعل الجميع يتكلم حتى لو في الخفاء، حتى وصل حديثهم لأذن زوجها أثناء الصلاة في مسجد البلدة. لم يستطع ساعتها الرد عليهم وابتلع غصته في قلبه وتركهم. حتى زاد قهره ومرضه من فقدان أعز مكان يملك وهي سندس بيته، كما كان يحب أن يلقبها هو، فهي كانت قطعة قلبه الوحيدة.
لمست وجه ابنتها في تلك الصورة التي خبأتها من زوجها حتى لا يحرقها كما أحرق جميع أغراضها بعد هروبها. "وحشتيني يا نضري، هانت عليكي أمك مبتسأليش عليها طول الفترة دي؟ هانت عليكي أبوكي تبعدي عنه ولا تفكري حتى تتصلي بيه؟ ميتا جلبك بقى حجر علينا لدرجة دي؟ نستينا ولا جوزك جوه جلبك علينا وعوضك عن أهلك... سمعت طرقات على الباب. طلبت من الطارق الدخول. دخل رضوان وهو يبتسم لها وقبلها من رأسها كعادته دائمًا. ومد كف يده مسح دموعها.
كان يعلم أنها تختبئ وتبكي عندما تشتاق لشقيقتها. "كنت عارف إن هاجي ألاقيكي بتبكي. بس ياما إيه لزمته البكا؟ ما خلاص اللي حصل حصل. عمر البكا ما يرجع الأيام القديمة ياما." اقترب منها وقبل عينيها قائلاً برجاء: "لو البكا بيرجع اللي راح، كان زمان العالم كله نظره راح عشان الغايب يرجع تاني."
أمسك بصورة أخته ونظر لها. نعم، لقد اشتاق لها كثيرا ولكنه تغاضى عن المشاعر التي تجعله يريد أن يذهب لها ويحتضنها ويوبخها ويخفيها بين ضلوعه ويلومها ويعاتبها على بعدها عنه. مشاعر مختلفة، لكنها في النهاية ستقوده لرؤيتها وملء عينيه منها. "لسه مش ناوي تسامحها يا ولدي؟ مسح دمعة فرت من عينها وهو يتذكر أخته الصغيرة التي كانت كل شيء له وسره ونصفه الآخر كأنها توأمه وليست أخته.
"عمري ما هسمحها ياما. خلاص سندس قررت إنها تبعد ولازم تتحمل نتيجة بعدها ده. وأنا خلاص نستها." قال وهو يدير وجهه بعيدًا عن أمه. "طب عيني في عينك كده، وجول إنك نستها." قالتها وهي تدير وجه ابنها لها لتنظر في عينيه، رغم أنها تعلم أنه يكذب. تعلق رضوان بعيون والدته ولم يستطع الصمود أكثر.
فقد تعب قلبه من كل شيء: هروب أخته، وموت أخيه، التهديدات التي تأتي لأبيه وخوفه على أهل بلدته وحمايتهم كلهم. رغم تعاون قادته معه، لكن تلك هي بلدته وهو يشعر أنه أولى بحمايتها. كل ما فعله هو أنه ارتمى على قدم والدته وتخفى وجهه بين أحضانها وظل يبكي كالأطفال بين يديها كأنه هو من يحتمي فيها وليس العكس، وأنه هو من يحميهم.
أشفقت رجاء على ابنها ورتلت الكثير من آيات الله عليه ليطمئن قلبه. فهي تعلم أن ولدها يتحمل الكثير بداخله وقليلاً ما ينفث عن وجعه بالبكاء بين أحضانها. وقررت التخفيف عنه قليلاً ببعض الحكايات القديمة.
"عارف يا ولدي لما ولدت أخوك رشاد، كنت مفكرة إنه ميت. لما نزل كان ساكت. بصيت ليه كده وكنت خلاص رغم تعب الولادة كنت هرجع بصوت بس لقيت الداية كتمت بقي وجالت إنه حي عينه مفتوحة بس ساكت. ومرتحتش ولا هديني بال إلا لما جبته ليا في حضني واتأكدت إنه صاحي. ساعتها حمدت ربنا وجدك ساعتها وزع الدبايح على أهل البلد كلها." ثم تنهدت بحزن. "من يومه وهو هادي، حتى ملامح وشه كانت هادية."
ابتلع غصة قائلاً: "حتى يا ضنايا موته برده كانت هادية زيه ومحدش حس بيه ولا حتى لحاجة." شعرت برعشة رضوان بين أحضانها. علمت على الفور خطأها. فهي تريد تهدئته وليس الضغط عليه. فعادت لتحدث وحاولت الضحك.
"أنت بقى يوم ولادتك، كان يوم أسود. حتى طلق ولادتك كان حامي قوي فضلت طول اليوم لا أعرف أقعد ولا أعرف أقف. حتى الداية مابقتش عارفة تولدني. راح أبوك جاب لي دكتورة مخصوص زي ما يكون أنت حالف ماتخرج من بطني يوميها. خليت البيت كله بقى واقف على رجل واحدة ومش عارفين نعمل إيه ولا نروح فين آخر الليل. وبعدها نزلت على خير بس فضلت أعيط وأصوت ومش راضي تسكت أبدا لا معايا ولا مع أبوك. وبقيت تتنقل بين إيدين كل اللي في البيت ومسكتش إلا
مع جدك الله يرحمه. ما كنتش بشيلك إلا لما كنت برضعك بس وبعدها أوديك لجدك عشان تسكت. حتى يوم الولادة بتاعتك كان فيه أربع محازن في البلد وجوزتين اتفركشت والفرح جلب خناقة كبيرة. حتى أبوك كان في فرح منهم هناك وجاب له عركة كبيرة جدا وكانت ليلة ما يعلم بها إلا ربنا. حتى لما كبرت شوية وجدك مات كان وقتها عندك ١٠ سنين. يوميها حلفت إنك لازم تخش تغسل جدك مع أبوك وعمك. رغم إن أبوك هددك إن يحرمك أن تحضر العزا بس كالعادة محدش قدر
يمشي كلمته عليك. ودخلت معاهم وشاركتهم في الغسل. ساعتها أنا قولت إنك هتخاف وتخرج بس أنت لأ مخرجتش وفضلت جوا معاهم لحد ما الغسل انتهى ومشيت في عزي جدك ونزلت كمان التربة بجدك مع عمك ودفنته. كل الناس بقت تستغرب إن إزاي عيل صغير زيك مخافش، لأ وكمان دخل التربة بنفسه."
"ساعتها أبوك بقى واقف رفع رأسه قدام الناس إن ابنه جريء ومخافش. كان رشاد أخوك وجتها كان في مصر بيخلص مصالح لأبوك. وعلى ما جه كانت الدفنة خلصت. كان وجدتها رشاد عنده ١٧ سنة بس كان راجل يعتمد عليه." تنهد قائلاً: "الله يرحمه."
"بس تعرف إن من يومها وأنت بتعيط كل ليلة بالليل. غصب عنك كان يجي عليك الليل وتبكي. كنت بحس بيك وأجي آخدك في حضني لحد ما تخرج كل اللي جواك وتنام. من ساعتها وبقت عادة عندك إنك تبكي في حضني وتنام. بس عمرك ما جيت في حضني إلا لما يفيض بيك... رضوان رضوان، أنت نمت يا ولدي."
ابتسمت عندما رأته نام مجدداً بين أحضانها. عدلت من وضعية نومه وخلعت حذائه ودثرته بغطاء خفيف، وجلست بجانبه وظلت تلمس شعره. فهي تعرف أن رضوان عندما يفقد عقله من التفكير ينام. "طول عمرك جبل يا ولدي صامد رغم الحمل اللي على كتفك." رفعت يدها للسماء قائلاً برجاء لربها: "يارب معادش ليا غيره، احميه ليا حافظ عليه من كل شر، ورجع الغايب وابعد عنا ولاد الحرام." "اللهم آمين آمين آمين وصلى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين."
ختمت دعاءه ونامت بجانب ابنها واغمضت عيونها لترتاح قبل رحلة الغد التي نوت أن تذهب إليها مهما كلفها الأمر. بعد ساعة دخل جابر البيت وهو في حالة لا يرثى بها من كثرة التفكير. ذهب لغرفته بتثاقل، ولكن تفاجأ بنوم رضوان في غرفته، فهو لم يفعلها منذ كان صغيرا. ابتسم واقترب من ابنه وقبل رأسه وخلع حذائه وجلس على الأريكة وظل يطالع ابنه طوال الليل حتى غلبه النوم وأرهق عقله من التفكير. *** "لسه برده ناوية تسافري يا ورد؟
بالله خليكي معايا. دي أول مرة تسافري من غيري. ولا هو سي بدر نساكي أختك؟ أنا من الأول مش مرتاحة لزواجه ده. اطلقي منه." قالتها مسك بغيره شديدة على أختها. ضحكت ورد على حديث أختها وتذمرها مثل الفتاة التي تريد والدتها تركها وحدها لتسكع بدونها. "والله لو كان عليا كنت جبتك معايا، بس أنتي خابرة محتاجة أبقى مع بدر لوحدينا عشان نقدر نعدي اللي حصلي وننساه سوا." ثم تنهدت بحزن. "مع إني عارفة إني عمري ما هعرف أعدي منه مهما حصل."
"متجوليش كده، ربنا بكرة هيعوضك في بيتك وجوزك وبكرة تخلفي عيل واتنين يملوا عليكي البيت وينسوكى كل الدنيا وما فيها. بكرة الورد يفتح ويرجع أحسن من الأول كمان. يلا بطلي نكد، أنتي شبه أمك تعشق النكد جد عنيها." وضكت أختها لمزحها. ابتسمت لها. "يلا خلينا نشوف هتلبسي إيه وإنتي مسافرة بكرة وأبقى حطي قطرة عيون على الحباية اللي في وشك دي عشان تختفي على بكرة."
عبس وجه ورد قائلاً: "يعني هلبس إيه يا حسرة، غير الجلابية والطرحة والشال الطويل على دماغي." نظرت مسك لها بمكر قائلة: "لأ ما أحنا هنغير الجلابية."
بعد دقائق معدودة، وقفت ورد أمام المرآة تنظر لنفسها ولطلتها الجديدة. فكانت ترتدي فستان من اللون السكري طويل وواسع يتوسطه حزام من نفس قماش الفستان رفيع، وفوقه طرحة من اللون السكري وعليه شال طويل من نفس لون الطرحة. ونظرت لنفسها بفرحة كبيرة، فكان شكلها جميل في تلك الملابس البسيطة. أحست أنها عروس وغداً زفافها ومختلفة قليلاً، لأول مرة سوف تخرج بفستان بدلاً من تلك العباءة التي دائما ترتديها.
مسك بفخر: "ها إيه رأيك بقى في تنقية أختك؟ عشان بس تعرفي إن أنا ماليش زي في البلد. والله إني مكاني مش هنا." "اومال فين يا ست مسك الليل؟ " قالت ورد. نطقت مسك بثقة: "مكاني هناك جنب الست أميرة شلبايه نقدم برنامج سوا عن جمال المرأة العربية، ونسميه 'جمالك مع مسك الليل'." نظرت لها أختها بسخرية: "ولما هو اسم البرنامج هيبقى على اسمك، أميرة شلبايه هتبقى لازمتها إيه؟
"يا بت أميرة دي وجودها لوحده ترند، دي أول واحدة تقول إن العيش بيتاكل الأول قبل الملوخية." ظل يتمازحان قليلاً حتى هدأت ورد واحتضنت أختها بقوة وقبلتها من كتفها واستنشقت رائحتها. ثم ابتعدت بعد مدة طويلة ونظرت لمسك وقالت: "خلي بالك على نفسك يا مسك وحافظي عليها. أوعي تفرطي فيها. وحافظي على جلبك للي يستاهل." ثم تأملتها وكأنها تملأ
عينيها منها قائلة ببكاء: "هتوحشك قوي، سلميلي على أمي وجوليلها إني مسامحاها ومش هممني حاجة في الدنيا دي غير رضاها عليا." مسحت مسك دموع أختها بقلق، ولكنها تعلم أنها تفعل كل هذا لأنها لأول مرة سوف تبتعد عنهم. حاولت تهدئتها ونجحت في هذا. نظرت مسك لساعة الحائط وجدت أن الوقت قد تأخر كثيراً وعليها الذهاب بسرعة لأن لا يصح وجودها الآن في بيت أختها لوقت متأخر.
قبلت مسك رأس أختها وتحركت للخارج، ولكنها توقفت عندما سمعت نداء أختها. "مسك خلي بالك على روحك." قالت ورد. ابتسمت لها مسك وهزت رأسها وذهبت بعد وداعها لورد وحماتها. *** صرخت في وجه ابنها بعد معرفتها بهوية عروسه التي يريد الزواج منها. "أنت أكيد اتجننت!
دا لو السما انطبقت على الأرض مش هتخالف وصية أبوك وتجوز البت دي. أنت رفضت بنت الدكتور مصطفى زي ما أبوك طلب منك قبل ما يموت. فأوعى تفكر إنك عشان أبوك مات هتعمل اللي أنت عاوزه. لأ يا حبيبي، أنا اللي هقف في وشك ووصية أبوك هتتنفذ غصب عنك. والبت دي رجليها مش هتعتب البيت ده طول ما أنا عايشة فيه." ثم أردفت بسخرية: "ابقى استناني بقى لما أموت وابقى اتجوزها."
وقف أمامها وهو يغلق زر بدلته قائلاً: "أوكي يا ماما زي ما تحبي، مسك مش هتخش البيت ده أبدا."
لم تشعر براحة من حديثه، فهي تعلم أن ابنها ليس من النوع الذي يتنازل عن شيء يريده بتلك السهولة. ولكنها صدمت عندما سمعت تكملة حديثه. "أنا هجبلها بيت بره، أحسن بيت في البلد كلها، حتى لو هبنيه ليها من أول وجديد. وهيبقى باسمها وهتبقى سرايا مسك الليل. وخليكي انتي قاعدة في السرايا هنا مع ضرتك صفية، اهو تونسه بعض، ماهي هتفضل وشها في وشك كده على طول عشان أنا مش هعتب البيت هنا بعد اللي قولتي. ومسك هتبقى مراتي لو الدنيا كلها انطبقت مش هسيبها."
قال وبعده خرج من الغرفة بل من البيت بأكمله. كان يسمع صراخ أمه عليه أنها لا تريد رؤيته بعد تفضيله لتلك المسك عليها هي أمه. وقعت على أقرب أريكة وظلت تبكي وهي تنظر في أثر ابنها بحسرة. فهو قد تغير كثيرا منذ موت أبيه، وكأن لم يعد هناك له أي رابط أو كبير يخشى منه.
لعنت مسك في سرها، فهي من تسببت بكل ما جرى لابنها منذ أن تعرف عليها. حتى مشاكله مع أبيه كانت بسببها هي. لقد ترك أجمل الفتيات وينظر لتلك السمراء الفقيرة المعدومة. ولكنها عزمت على أن تبعد تلك الفتاة بأي طريقة عن ابنها مهما كلفها الأمر، حتى لو كسر قلب ابنها. فالأيام كفيلة بتجميع قلبه من جديد مع فتاة من اختيارها هي، وستكون آية في الجمال. ***
دخلت بيتها لم تجد والدتها، فعلمت أنها بغرفتها. قررت تبديل ثيابها. خلعت شالها الطويل من على رأسها وبدلت عباءتها بعباءة بيتيه مريحة وفردت شعرها على ظهرها. دخلت غرفة زينات وجدتها تنام على سريرها ولكنها مازالت مستيقظة. اقتربت منها مسك ونامت بجانبها. ونظرت لسقف الغرفة قائلة: "ورد مسافرة ونفسها تشوفك بكرة." لم ترد عليها زينات ومازالت على وضعية الصمت تلك. اعتدلت مسك
لها وحاولت التكلم بهدوء: "أما، خلاص بقى متأسيش على نفسك أكتر من كده. والله ياما إحنا فهمنا إن سكوتك ده عشان مصلحتي أنا وورد. وبصراحة كده عندك حق، إحنا مش قد أي حد. إحنا ولاية وملناش ضهر نسند عليه."
تنهدت بتهكم: "الاسم عندنا خال، وهو مش شايفنا ولا حاسس بوجودنا أصلا. وأديه سافر من غير حتى ما يسلم. نبي في حد في الدنيا دي حظه وحش كده غيرنا." قالت مسك آخر جملة بحزن لشعورها بعدم الأمان لعدم وجود أي سند لها ولأمها. فاورد الآن أصبح لها زوج يعتمد عليه، أما هي فلا ليس لها غير بلال، ولكنها لا تقدر أن تعتبره السند لها قبل أن تكون زوجته وعما قريب جدا. ولكن قطع تفكيرها سؤال والدتها الذي جعلها تبتلع لعابها وتتوتر.
"لسه بتجيبي بلال يا مسك؟ "أيوه ياما بجيبه." قالتها ببعض القوة. هزت زينات رأسها ببطء. لم ترى مسك أي ردة فعل من والدتها عقب حديثها، حتى لم يظهر على وجهها معالم الضيق أو أي شيء. فقط تعبيرها جامد وصامت تماماً. هذا جعلها تقلق، فوالدتها ليست من النوع الصامت هكذا، فهي دائما صوتها يعلو عليها عندما تخالف أوامرها، ولكن الآن صامتة فقط لم تبدِ أي ردة فعل لها. "اخرجي عاوزه أنام." قالتها زينات ببرود حاد ولم تلتفت أو تنظر لها.
"أما بس اسمعيني، بلال عمره ما يرضى بالغلط، هو ما يعرفش مكان حجاج، أنا متأكدة من ده... "قولتلك اخرجي عاوزة أنام، وأنتي حرة اعملي اللي كيفك فيه. أنتِ معدش ليكي كاسر، يالا ورجلك ماتخطيش الأوضة دي تاني." قالت زينات وهي تغمض عينها. ولم تشعر بدموع ابنتها التي بللت وجنتيها وخرجت كما أمرتها ولم تنبس بأي كلمة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!