الفصل 8 | من 34 فصل

رواية مسك الليل الفصل الثامن 8 - بقلم سارة طارق

المشاهدات
25
كلمة
4,801
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 24%
حجم الخط: 18

استيقظت بعد نومها المتأخر بسبب حزن أمها منها، حزنها على نفسها وتفكيرها كيف ستكون الأيام القادمة. فهي لا تريد أن تتزوج بدون رضاها أو تذهب من هذا البيت وبينهم مشاكل. تعلم أنها مخطئة، ولكنه بلال الرجل الذي لم تعرف غيره ولا تريد معرفة أي رجل غيره.

تنهدت بعتب وقامت من فراشها بتثاقل، تقدم قدم وتأخر الأخرى. فهي على يقين من انتظار والدتها لها لتكمل الحديث الذي أنهته البارحة. ابتلعت لعابها، أخذت نفسًا عميقًا وأخرجته بهدوء وفتحت الباب وخرجت. ولكنها تصنمت مكانها عندما وجدت والدتها تجلس وتبكي بطريقة غريبة وتجهش بالبكاء. هرولت لوالدتها تحسها على الحديث معها لتعرف ما سبب بكائها، وكانت تتمنى في قرار نفسها أن تكون بعيدًا تمام البعد عن سبب انهيارها. "أما، أما ردي مالك بس؟

إيه لزمته البكا طيب! ... طب مين اللي عمل فيكي أكده؟ ياما." رفعت زينات عيونها التي تشبه لون الدماء من كثرة بكائها. كانت نظرة لو تحولت لنيران لاحترقت مسك في لحظتها. صرخت مسك بقوة ودب الرعب في أوصالها عندما قبضت على شعرها وجذبتها تحت قدمها وظلت تضربها بكل قوتها. ومسك من تحتها تصرخ وتستنجد بها وتحاول أن تستعطفها لتعفو عنها وتبتعد.

ظلت زينات على حالة الهياج تلك لمدة لا تعرف عددها حتى أصبحت مسك تئن من الوجع لدرجة أنها لم تستطع حتى الصراخ، فقط تبكي وتتكور على نفسها. وقعت زينات على الأرض وهي تلهث، فقد تراخت كل قوتها في الشجار والبكاء، وآخر ما تبقى عندها أنهته على مسك وضربتها.

أخذت تبكي وتولول على حالها ولا تعرف بمن تستنجد به، ليس لها أي أحد. بينما مسك تكورت على الأرض وهي تضم قدمها عند معدتها وتضم يدها معًا حول قدمها وترتعش وتئن من الوجع، فهي تشعر بأن كل قطعة في جسدها تصرخ من الألم. كانت زينات تضرب على فخذها وهي تردد: "آه ياميلت بختك في بتك يازينات، ياخبتك الجوية في بنتك اللي هتجيبلك العار والفضيحة لحد عندك وتشمت فينا اللي مايسووش، يارب خدها جبل ما تيجبه ياتخدني أني وريحني...

كانت تهذي زينات بتلك الكلمات بينما مسك متكورة كما هي تستمع لها وترتعش وتبكي. فهي حتى الآن لا تعرف ماذا فعلت ليحدث معها كل هذا، لأنها أحبت لدرجة أنها فعلت خطئًا فادحًا تعاقب عليه، لأن قلبها قد نبض للحب. أفاقت زينات من ولولتها وندبها لحظتها، وأفاقت مسك من شرودها على صوت دقات الباب التي كادت أن تكسره وتجعله ينهار على الأرض. سندت زينات على يدها ووقفت لتفتح الباب، ولكن مسحت دموعها ولكن تبقى الأثر.

فتحت الباب ولكن صدمت واكتسى وجهها بحمرة الغضب حتى كاد الدخان الوهمي يخرج من أذنها. ولكن ما فعلته لتجنب أي شجار، فأغلقت الباب في وجه الطارق الذي لم يكن غير بلال. طرق بعنف ويصرخ في زينات أن تفتح له، ولكنه لم يجد أي رد فعل، فأخذ يهدد فيها حتى تفتح ولكن لم تفعل. كاد يجن. كانت مسك في الداخل تبكي بضعف، تريد أن تركض الآن عنده وترتمي في أحضانه ليأخذها ويبتعد عن البلدة بأكملها.

"ياست زينات، الله يهديكِ افتحي هنتفاهم والله، طب حقك عليا أنا بالله افتحي، ياست زينات افتحي الباب والا هكسره." ختم جملته بصراخ جعل المارة يتوقفون يشاهدون ما يحدث. وما هي إلا لحظات حتى كسر بلال الباب دون أن يعبئ بأي شيء ولم يهتم حتى بنظرات الناس المدهوشة بسبب فعلته تلك. صرخت زينات من فعلته تلك فيه، لم تتوقع أن ينفذ تهديده هذا ويكسر لها الباب فعلاً ويقتحم منزلها.

دخل بلال وعيونه تتفحص المنزل بأكمله يبحث عنها حتى وقع قلبه بين قدميه عندما رآها منكمشة على نفسها وترتجف وتنظر أمامها وآثار الضرب على وجهها وأنفها ينزف. لم يأخذ لحظات حتى هرول إليها ليطمئن عليها، ولكن وقفت زينات حائل بينهم وضربته في صدره ليبتعد. ولكن لم تؤثر الضربة فيه. كادت تدفعه مرة أخرى، ولكن أمسك يدها واقترب ونظر لها نظرة يملؤها الغضب على ما تسببت به من جروح وأذى لحبيبته.

"نزل يدك يا ابن نجوان، ولا أنت وارث جلت الحيا منها، جاى تفضحني أهنه كمان ولا بتنفذ وعدها ليا وجاى توسخ شرف بتي باسم العشج." جز على أسنانه ونطق بصعوبة: "هي كلمة واحدة، أمي جت هنا قالت إيه خلاكي تموتي الغلبانة دي من الضرب." انتزعت زينات يدها من

يده بقوة وهي تصرخ في وجهه: "ما تروح تسألها هي، جايلى أنا ليه، بس يكون في علمك أنت وأمك، لو هتبقا على موتي عمرك ماهتلمس شعرة منها حتى لو أمك جت تبوس الأيادي، مش هطولها ولا عمرها هتبقا بتعتك. يابلال، يالا من هنا طريقك أخضر بره وابجى قول لأمك إننا اللي مايشرفناش نسبكم، وابجى فهما إنك أنت اللي بتجري ورا بتي مش العكس، يالا من هنا بره."

لم يهتم بلال بأي كلام قالته، ولكنه استشفى الحوار الذي حصل مع زينات ونجوان، فأمه لن تهدأ حتى تخرب عليه تلك الزيجة مادام ليست على هواها. قضم بلال على شفتيه ونظر لها بتحذير وكاد يتحدث. ولكن ما منعه هو صوت مسك المبوح من كثرة البكاء: "بلال، أم ش ي عش ان خاطري اامشي، الناس بتتفرج علينا." نظر لها بلال بحزن يؤلمه قلبه لرؤيتها كهذا، ولكنه رضخ لأمرها. ونظر لزينات نظرة مرعبة قائلاً:

"همشي بس خليكي فاكرة أن مهما عملتي أنتي أو غيرك أني مش هبعد عن مسك وهتجوزها غصب عن أي حد سامعه." ثم ابتعد عنها حتى وصل أمام عتبة البيت وأدار رأسه لمسك مرة أخرى وذهب. خطوتين فقط ولم يطاوعه قلبه أن يتركها كهذا ويرحل. ضرب بحديث أمها عرض الحائط وتغاضى عن أي تقاليد وعادات بلده وركض إليها وحملها عنوة رغم محاولات زينات الفاشلة بأخذ ابنتها، إلا أنه أخذها وحملها أمام كل الجيران الذين يتابعون ذلك الشجار من البداية.

وقف بها في الخارج في منتصف الناس وضَمَّها إليه أكثر كأنه يعلمهم أنها ملكيته الخاصة وصرخ قائلاً:

"اسمعوا يا أهل البلد، مسك الليل بنت عم عوض هتبقى مراتى وأي حد أي حد هيحاول يقرب منها أو يأذيها بكلمة واحدة مين ما كان هيشوف مني وش عمره ما يتمناه في يوم يشوفه. ومن هنا ورايح هيبقى اسمها الست مسك حرم الدكتور بلال سعد المنسي، يعني أي حد شطانة هيلعب بيه ويخليه يفكر فيها حتى مجرد تفكير إذا كان حلو أو وحش مش هخليه يعرف يمينه من شماله سامعين."

كانت مسك بين أحضانه لا تقوى حتى على الرفض أو القبول بما يحصل، فهي من كثرة ضرب أمها لها أصبح جسدها كله يئن ولا تقدر حتى على قول كلمة واحدة. وعلى بعد مسافة قليلة من بلال يقف رضوان ومع أبيه ويتابعون ما يحدث. كاد جابر يتدخل ولكن منعه رضوان، ولكن لم يتسمع له جابر وذهب باتجاه بلال لينهره على فعلته تلك وحمله لفتاة ليس له أي حق بالاقتراب منها حتى، لو أرادها زوجة له، فهي ليست زوجته ليحملها بتلك الطريقة.

"نزل البت يابلال واديها لأمها، وعيب يا ابن سعد تحضن بنات الناس بشكل ده ولا هو المرحوم أبوك علّمكش العيب." صاح فيه. نظر له بلال الذي كان على وشك الذهاب ونطق بغضب مكتوم: "ياريت تخليك في حالك، ومتدخلش بيني وبين مراتي." ثم صاح في الناس: "كل واحد يروح لـ... " ولكن لم يكمل جملته حتى أتاه صوت رضوان الذي كاد يضربه لولا أن أباه الذي منعه ورده للخلف، ولكن هذا لم يمنع رضوان من الرد عليه:

"لما تتكلم مع كبير البلد تتكلم كويس، بس الظاهر إن الست الولادة معرفتش تربيك صح وتعلمك إزاي تتكلم مع اللي أكبر منك، والظاهر إن أخلاقك كدكتور منفعتكش. بس قسماً بالله الواحد الأحد، لو فكرت تتكلم مع أبويا بشكل ده لهندمك وأعرفك مقامك كويس قدام الناس دي كلها." نظر له بلال بثقة ونطق باستهزاء قائلاً: "ولا أنت ولا أبوك تعرفوا تعملوا حاجة وخدها مني نصيحة يا ابن جابر ابعد عن سكتي وسكت اللي يخصني عشان مندمكش."

اقترب منه رضوان ورفع كفيه باستفزاز قائلاً: "وأنا نفسي أجرب الندم ده، أصلي عمري ما حسيت بيه وأنا بحسسه للي بيجي على سكتي أو بحطه في دماغي، فانت اللي خلي بالك مني يا دكتور أصل أنا ما بندمش بندم بس." ثم نظر لمسك التي بين أحضانه وهمس له: "للي ما يحافظش على عرض الناس وينهش فيه زي الصعرانين." كانت كلماته الأخيرة ذات مغزى معين.

جملته الأخيرة تلك جعلت بلال يبتلع ريقه ويتراجع في الحديث والرد عليه ونظر له ببعض الغضب كأنه يرسل له أن حديثه لا يفرق معه، ولكنه عجزه أمامه وشعر رضوان أيضاً بذلك العجز وعرف أن لتلك الفتاة تأثير قوي وتركه يذهب معها وهو يظهر ابتسامة خبيثة بعض الشيء وهو يريد تلقين هذا بلال درساً لن ينساه في حياته أبداً. سمع صوت والده من خلفه يسأل الناس عن هوية تلك الفتاة، لكنه أوقفه واتاه سؤاله وأخذه وذهب قبل معرفة هوية مسك.

طار عقله من مكانه بسبب تلك الحبسِة التي حبسه له أخوه بعد آخر ليلة جلبه في تلك الشقة الكئيبة والمهجورة بسبب موقعها الصحراوي، فقط ما يحيطه به من كل ناحية هو الفراغ التام من أي مبانٍ أو عمارات، فقط رمال من كل ناحية. فهو يراها كل يوم من ذلك الشباك الصغير الذي في الغرفة لأنه أخيه أغلق كل النوافذ ولم يترك له سوى هذا حتى منعه من الوقوف فيها كثيراً، فقط لبضع دقائق حتى لا يختنق.

تنهد بملل، فهو قد اشتاق لحياته القديمة، كان يسهر ويلعب وكل ليلة كان يقضيها في أي مولد شعبي يقام في البلدان التي بالجوار. ولكنه هو من تسبب في تلك الحبسِة، هو مسؤول عن تلك الكارثة التي أتى بها لنفسه ولأخيه أيضاً لانضمامه لتلك الجماعة والاستماع لهم وتسليم عقله لهم دون الفهم أو النقاش معهم في أي أمر ما يفعلونه. فقط يهزون رؤوسهم مثل الدمية الخشبية التي بها خيط ويتحكم بها الآخرون. كان يشعر أنه جماد حي لتنفيذ المهام وقول حاضر فقط، غير ذلك هو جماد لا يسمع لا يرى لا يتكلم. ومن الممكن أنه لو منعهم من التنفس كان فعلها وأصبح في خبر كان.

أغمض عينيه بقوة ويهز رأسه بصعوبة ويضع كلتا يديه على أذنه يمنع صوت صراخها ويحاول أن يتلاشى صورتها وهي تستنجد به، ولكنه لم يلبِ رجائها وكسرها. بل أذلها، لا لا بل قتلها وجعلها بلا روح لأنه قتل روحها وأصبحت مثل الإنسان الآلي الذي يتحرك دون مشاعر أو حتى قلب. لقد دمروها كلياً. ضرب الطاولة التي أمامه بقوة حتى كسرت أحد أرجلها وصرخ بألم بسبب ضميره الذي يؤنبه وفي كل لحظة يذكره بضعفه.

"هي السبب، هي اللي دخلت، هي اللي فضولها خلاها تدخل مكان مهجور زي ده عشان ترضي فضولها وتعرف مين اللي جوه. يارتها كانت مشيت، يارتها مشيت وما كانش حصل اللي حصل. انتي السبب يا ورد، انتي السبب. آآآه."

صرخ بتلك الكلمة، فصوت صراخها يكاد يصم أذنيه كأنها تصرخ أمامه الآن. يضغط بيده بقوة على أذنيه يحاول منع صوتها وهي تستنجد به، يضغط على عينيه بقوة كأنه يمنع صورتها من الظهور أمامه، فهو لا يعرف للنوم طعم منذ تلك الليلة وكأن الراحة خاصمته وإلى الأبد.

يمسك بذلك المفتاح الخاص بتصليح المعدات الزراعية، ويصلح تلك الآلة الزراعية التي توقفت أثناء عمله. كان منهمكاً في عمله، وشعر بمن يجلس خلفه، لمحه بطرف عينه وعرف هويته. هو كان ينتظره، ولكن الحرس واجب كما يقولون. تحدث وهو ما زال يعمل على تصليح تلك الآلة: "اتأخرت، ودا مش في صالحنا، كل دقيقة هضيعها في التأخير شغلنا أولى بيها." نطق الآخر وهو يتابع المارة بهدوء تام ويهمس: "غصب عني كان فيه حوار كده هبقى أقولك عليه. إيه الجديد؟

وصلت لحاجة؟ قالها وهو يتمدد على ظهره للخلف لتمويه فقط حتى لا يشعر به أحد، رغم ابتعادهم عن البلدة. "عرفنا إن الجماعة بيدوروا على حجاج وقلبين عليه الدنيا والأمير طالب إنه يجي من تحت الأرض، بس هو اختفى ومحدش قادر يعرف مكانه منهم لحد دلوقتي." جحظت عين رضوان وأنيبه بعض القلق: "كده يبقى بيجهزوا عملية جديدة وعاوزين حجاج عشان يصنعولهم المتفجرات اللي محتاجينها."

"بالظبط، بس هما لحد دلوقتي محدش عارف يجيبه، فأكيد إنهم ممكن يستعينوا بمهندس تاني غير حجاج، بس المشكلة إن حجاج كان مخلص كل الشغل بس." "بس إيه؟ ماتتكلم على طول." "المشكلة إن حجاج لما صنع عدد المتفجرات كان فيه قنبلة متواصلة برقم معين ميعرفهوش غير حجاج، والقنبلة دي من غير الرقم ملهاش لازمة ومش هتشتغل." "طب ماهو ممكن يجيبوا مهندس تاني يعمل قنبلة من أول جديد والتانية ملهاش أي لازمة يرموها؟

"لأ، القنبلة التانية هتاخد وقت كبير لحد ما تتعمل. فإحنا دورنا إن حجاج يختفي عن العين تماماً لحد ما نشوف وقت ونوصلهم." "بس أنا مش معاك في الفكرة دي، إحنا ممكن نخليهم يوصلوا لحجاج ويقولوا له إن هينفذ وعده لحد ما نكسب وقت ونوصلهم عن طريق حجاج، بيتهيألي كده هيبقى أحسن وأسهل." رد الآخر بجفاء: "ملكش دعوة يا حضرة الظابط، انت وافق وبس، إحنا عارفين بنعمل إيه كويس." وقف رضوان وهو ينظر

أمامه كأن الآخر لم يحذره: "وأنا كمان عارف أنا بعمل إيه. ولو أنتوا صح شايفين شغلكم كويس كنتوا عرفتوا العملية هتم فين. وأنا مش هستنى لما أشوف البلد بتولع قدامي وأنا متكتف مش عارف أعمل حاجة عشان الأوامر." التفت له الآخر، رغم أن التعامل يبقى في السر، إلا أنه لم يعير تلك الأوامر أي شيء بعد ما فهم مغزى حديثه. "قصدك إنك تـ... "أنا هستقيل وأتعامل براحتي، الأقل من غير قيود." تجرأ الآخر

وامسكه من تلابيب ملابسه: "انت أكيد اتجننت، انت مفكر إنك بعد ما تستقيل هتعرف تعمل اللي انت عاوزه؟ تبقى بتحلم يا حضرة الظابط."

"أنا أبقى مجنون بجد لو سبت البلد تضيع. أنا، أنا خايف، خايف لحد يخسر عزيز عليه ويتوجع زيي، خايف أشوف كسرة أم وهي شايفة ابنها غرقان في دمه زي ما أمي شافت رشاد. أمي من بعدها انحنى ظهرها. خايف أشوف عجزي في شاب عايز يجيب حق أخوه بس مش عارف عشان القانون والأوامر أو أي بنت هنا تتعرض للاغتصاب كمان مرة عشان معندهاش اللي يحميها زي ورد. أنا ابن كبير البلد دي قبل ما أبقى ظابط في الجيش، يعني بشوف في عيون الناس شكواها قبل ما أتكلم. أنا دلوقتي كأني شايفهم بيستنجدوا بيا الحقهم بس أنا متكتف مستني الأوامر تجيلي."

نطق من كثرة الضغط والخوف الذي يتعايش معه. حاول الآخر الهدوء لأنه علم أن رضوان ليس في حالته الطبيعية الآن وحاول الحديث بتعقل.

"رضوان، إحنا كلنا حاسين بيك وعارفين النار اللي مشعللة جواك على فراق أخوك، بس صدقني إحنا بنتعامل مع كل حاجة بحذر تام وعمرنا ما هنسمح لحد من أهل البلد يجراله حاجة على رقبتينا يا صاحبي. بس لازم تكون عارف إن أي حرب ليها ضحايا، إن شاء الله نبقى إحنا الضحية عشان أهل البلد. اجمد يا رضوان ومتخليش خسارتك لأخوك تغلبك وتسيطر عليك. إحنا مش متعودين على كده منك، طول عمرك العاقل فينا. عايز أقولك على حاجة إن حق رشاد مسؤوليتنا كلنا."

"قبل ما تقول، كنت لسه هكمل، بس محدش هيجيبه غيرك بس مش هتجيبه إلا ببدلتك الميري." هز رضوان رأسه ونظر أمامه يحاول تهدئة عقله من تلك الأفكار الجنونية التي يود أن يفعلها، فهو من الممكن تجعله يعرض حياة الأبرياء للخطر. فهو بالكاد يحترق بنار الفراق التي لو أخرجها لاحترق الأخضر واليابس. فهو لم يتعافى حتى اليوم من فقدان شقيقه الأكبر ومن الواضح أنه لن يتعافى أبداً.

تجلس بكل هدوء في غرفتها تحتسي فنجان القهوة بعد أن هدأت قلبها كأم، وأبعدت تلك مسك عن طريق ابنها، هو يستحق فتاة أكثر جمالاً وجاذبية عن تلك السمراء. رغم اقتناعها أن سمار مسك مميز، إلا أنها تحاول إرضاء غرورها من بنت زينات التي امتلكت عن والدتها تلك البشرة السمراء التي تجعله لها جاذبية تجذب الرجل كما فعلت أمها في السابق. ولكن وقع فنجانها عليها واتسخ فستانها على أثر تلك الركلة التي تلقاها باب غرفتها من قدم بلال.

صرخت فيه: "انت اتجننت، إزاي تعمل كده؟ دي طريقة دخول حيوانات مش بني آدمين." قالت وهي تنظف فستانها من القهوة التي ملأته. رفعت نظرها له، فهو كان يقف وينظر لها فقط، كأنه يستكشفها من جديد كأنه لاول مرة يراها. ارتبكت قليلاً: "انت بتبصلي كده ليه؟ آه هي السنيورة لحقت تحكيلك وتبلغك باللي حصل." ولكنه لا يرد عليها، فقط يتطلع عليها بنظرة تجعلها لا تستطيع الوقوف أمام عينيه تلك، فأصبحت لا تشعر براحة من تلك النظرات. جاهدت

لتصرخ به وتبعد عينيها عنه: "متبصليش كده ورد عليا زي ما بكلمك، أنت مش هتقف زي الأخرس كده."

هنا نطق بلال بأسف من أفعال أمه التي يراها لأول مرة تظهر منها قائلاً: "للأسف لازم أبقى أخرس بعد الفضيحة اللي عملتيها لبنت ملهاش أي ذنب غير أنها حبت ابنك، ابنك اللي حفي وراها عشان بس تديله نظرة واحدة تريح قلبه. مش عارف أعمل فيكي إيه بعد ما فضحتيه هي وأمها، لاء وأنا بغبائي رايح أكمل عليهم. أنت بسببك مسك مرمية في المستشفى بسبب ضرب أمها ليها وكلامك اللي ملوش أي أساس من الصحة أصلاً. أنا كنت حتى وناوي على حاجات وتصرفات ماكنتش هتعجبك أبداً، بس لما وقفت قدامك حاسس إني متقيد ومش عارف أعمل حاجة لأنك للأسف أمي."

بكت نجوان من كلمة ابنها ونطقت بارتعاشة: "للأسف." "أيوه يا أمي للأسف، لأني بقيت شايفك زيك زي صفية ضرتك مفرقتيش عنها حاجة وطلعت أذية الناس وفضحتهم سهلين بنسبالك، وكأن النهش في عرض الولاية سهل يا نجوان هانم مش كده." صاح في آخر جملة نطقها. تبادلت معه الصياح أيضاً قائلة: "وطي صوتك، وإياك تصرخ في وشي كده تاني. ولما هو شرف الناس مهم بنسبالك كده مهرب أخوك ليه؟ ليه مسلمتوش وجبت حق أختها ورد؟

ها قول لي ضيعت حق الولاية اللي بتقول عليه ده ليه؟ ضيعته ليه وخفيت على أخوك؟ لاء وكمان ضيعت حق راجل ميت بسبب أخوك برده. ماترد ساكت ليه تحب أقولك أنا ليه." هنا لانت نبرة صوتها قليلاً

كأنها تستعطفه بنبرتها تلك: "لأن ده أخوك مسؤول منك أنت، وعشان انت الكبير بتاعه، فأنت على دراية بالصح والغلط، وعشان كده خفيته بعيد عنهم عشان عارف إن اللي عمله واللي هيعمله كان غلطه كبيرة أوي في حقه وحق نفسه وانت اتصرفت بفطرتك كأخ، زي ما أنا عملت كده اتصرفت فطرتي كأم خايفة على ابنها ومصلحته. كان لازم تشوفي مني وشي تاني، كان لازم يظهر لما أشوف ابني بيضيع عمره مع بنت مش هتقدر توصل لعقليتك كدكتور ولا حتى هتعرف تذاكر لولادك أو تربيهم. منظرك قصاد الناس إيه لما تبقى دكتور محترم ملو هدومك ومراتك مجرد فلاحة معاها دبلوم دي مش هتعرف حتى تتناقش معاك في أي موضوع تفتحه سوا."

نظر لها بلال بسخط ونطق مدافعاً

عنها: "مسك اللي بتقللي منها دي وبتقولي أنها معاها دبلوم دي عندها معلومات مش عندك انتي بكل شهاداتك وتعليمك اللي كان على أعلى مستوى. مسك اللي بتقولي عليها مش هتقدر تتناقش معايا فاحب أصدمك، وأقولك إن أنا اللي مش هقدر أتناقش معاها لأنها صاحبة رأي وجهة نظرها دائمًا اللي صح. هي آه يمكن معاها دبلوم بس دماغها توزن بلد، وعندها معلومات تكفيها وتغنيها عن أي شهادة جامعية من أكبر الجامعات، غير أنها بتحب تقرأ وتتعلم نفسها. الثقافة والتفكير ملهاش دعوة بشهادة الجامعة رغم أهميتها، بس ملهاش علاقة. ياما ناس معاها شهادات بس مبتفهمش ولا بتقدر، وفضيحة الناس عندها سهلة."

رمى بكلامه الجارح لها وذهب وتركها بمفردها مجددًا. ولكن تبكي على طريقة إهانة ابنها لها، الأ لدرجة لم تعد تعنيه. وأصبح يقلل من شأنها بسهولة، بلال الذي لا يتحمل عليها حتى الهواء الطائر، أصبح إهانة أمه والتقليل منها شيء سهل بنسبة له، لمجرد أنها تحاول أن تبعده عن تلك الفتاة. أراد له حياة سعيدة مع غيرها فقط، ألهذا أذنبت هي.

كانت داخل تلك الحفرة العميقة جدًا، تحاول إنقاذ نفسها ولكن يدها اليسرى مكبلة بسوار حديدي، يجعلها تفشل في إنقاذ نفسها. ظلت تصرخ وتستنجد بأي أحد ينقذها قبل أن تموت هنا وحدها ولا يشعر بها بوجودها أحد. وتظهر يد شخص من فوقها يمد لها يده يحاول إنقاذها. ابتلعت ريقها عندما اتضح لها وجهه، كان آخر شخص تظن أنه يمكن أن ينقذها. همست: "رضوان." ولكن تلاشت دهشتها عندما استمعت لصوته الدافئ الذي جعلها تشعر ببعض الراحة واستدارت له،

وهمست بفرحة: "بلال." ولكن صرخ فيها رضوان: "لأ يامسك بلاش، هاتي إيدك في إيدي أنا، تعالي يا مسك ليا، متخافيش." صاح بلال أيضًا: "لأ يامسك متسمعيش كلامه، انتي مش هتيجي غير ليا أنا صح، مش هتروحي لغيري يامسك، يلا مدي إيدك في إيدي يلا يامسك." هزت رأسها له كأنه يعرف نقطة ضعفها، وبفطرتها مدت يدها لبلال، ومجرد أن لامسته أصابتها صعقة كهربائية جعلتها ترتد للخلف لأنها ألمتها بشدة بسبب تلك الأسورة الحديدة المربوطة في يدها.

"تعالي ليا أنا يا مسك، بلاش تروحي معاه، وعد مني هحميكي." قالها رضوان وهو يمد يده لها ثانياً. كانت تنظر له، فصدق يخرج من عينيه كأنه يلامس قلبها ويجعله يطمئن. ولكن تلاشت تفكيرها على صوت بلال الذي أصبح أقوى من السابق يدعوها له من جديد، فستجيب له كدمية وتمد له يدها من جديد. وبمجرد اقتراب يدها من يده أبعدتها بسرعة كبيرة، لتحول يد بلال لنيران وكأنها تشبه الجمر.

وعلت صرخاتها وهي ترى الأتربة تنهال عليها من جديد لردم تلك الحفرة التي بها. جائها صوته من جديد ويمد لها يده، لم يكل أبداً من إنقاذها. صرخ رضوان بها لتستفيق: "بسرعة يامسك، بسرعة هاتى إيدك، ومتخافيش، كل شيء هيبقى بخير، وعد مني." كأنه يعيد لها الحياة بتلك الكلمات البسيطة وتمد له يده لينقذها. وبمجرد تلامس يدها مع يده انفكت تلك الأسورة الحديدة، وأمسكها كأنها شيء ثمين يخشى الضياع منه.

أغمضت عيونها تلك بعد أن أمسكت يد رضوان، كلماته ترن في أذنها من جديد: "متخافيش، كل شيء هيبقى بخير." كأنها كانت تحتاج لأحد في حياتها يخبرها أن كل شيء سيكون على ما يرام دائمًا. فتحت عينها ونظرت حولها لم تجد أي شيء. نظرت ليدها اليسرى لم تجد أي علامة لتلك الأسورة رغم أنها كانت ضيقة عليها جدًا، ولكن لم تجد أي أثر على يدها ولا حتى مجرد احمرار بسيط. حتى الدنيا من أمامها ساكنة هادئة كأنها لم تجدها تنهار بها منذ قليل.

وجدت نفسها بين أحضانه، كانت تنظر حولها تبحث عن بلال ولم تجده بجانبها. أرادت النداء عليه ولكن لم تنطق اسمه بل قالت: "رضوان." صدمت عندما نطقت اسمه، هو كانت تريد قول بلال، قالت رضوان، كيف هذا؟ وكأن الآخر لبى طلبها وأخرجها من أحضانه وهو ينظر لها وعلى وجهه ابتسامة صافية جدًا. ظلت على حالة جمودها هذا. هز رضوان بخفة وهو ينادي عليها: "مسك، مسك، اصحي مسك." لم يجد منها إلا شهقة عنيفة أخرجتها.

انتفضت بقوة وهي تنظر حولها برعب شديد. انتفضت أكثر عندما أحست بشيء ما يوضع عليها. نظرت بجانبها وقالت بصدمة: "ورد."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...