دخل عليه وجده يجلس ويضع قدم فوق الأخرى وينظر له ويبتسم وهو يخرج دخان سيجارته من فمه وأنفه وينظر له نظرة تشمل بلال من رأسه لأخمص قدميه. ورحب به بسعادة كبيرة، لأول مرة يرى بلال من أخيه حجاج ترحيب مثل هذا. "أهلاً يا أخوي يا ابن أبوي، وحشني يا غالي، فين مش باين بقالك يومين." رفع بلال حاجبه ونطق بسخرية: "ودا اسمه إيه أن شاء الله، من امتى وأنت بترحب بيا بحرارة كده، مالك يا ابن صفية؟
أخرج حجاج السيجارة من فمه وبعدها أخرج الدخان من فمه وأنفه، وهو بعدها ضحك بقوة ونطق بألم داخلي: "بتحبني يا بلال؟ كان هذا السؤال الذي طرحه حجاج على أخيه. رغم استغراب بلال من سؤال أخيه، ولكنه رد بحنان أب قبل أن يكون أخ كبير: "ولا عمري حبيت حد زي ما بحبك، ولله يا حجاج معزتك في قلبي كبيرة أوي لدرجة أن لو ليا ولد مش هحبه وأخاف عليه زيك." احتضنه حجاج وانهمرت دموع عينيه على كتف أخيه، شعر بذنب كبير تجاه أخيه.
ضمه أكثر وهو يلقي عليه كل كلمات الاعتذار والشكر الذي يعرفها. كلما شعر بذنب يضمه أكثر حتى كادت تتهشم ضلوع بلال بين يد أخيه. "مالك يا حجاج... فيه إيه؟ وقبل أن يكمل بلال سؤاله لأخيه، سمع رنين هاتفه، فحرر نفسه بصعوبة من بين أحضان أخيه ورد على المكالمة. رأى حجاج نظرات أخيه التي انقلبت بشكل مخيف، حتى عيونه أصبحت لون الدماء، مما جعله يبتلع ريقه ويتراجع للخلف برعب. وكل ما نطق به بلال في حالته المرعبة تلك هو: "هما فين دلوقتي؟
وبعد أن سمع الرد انطلق للخارج بسرعة رهيبة وهو ينوي قتل أي أحد يأتي على طريقه. وها هي أتت بقدمها له رغم أهميتها له سابقاً. *** أتت لمقابلتها، رغم معرفتها أن تلك المقابلة بنسبة كبيرة لن تمر على خير، ولكنها أقنعت نفسها أن لتلك المقابلة ستنهي كل شيء لترتاح، أو كما ظنت أنها ستريح نفسها. خرجت من شرودها على صوت تلك الضيفة الثقيلة على قلبها. نطقت تيا بتعجب ساخر:
"إيه ده، مسك الليل جت تقابلني بنفسها، لا أنا كده ممكن أشك إنك بتحبيني وليا دلال عليكي." ضحكت مسك بسخرية قائلة: "لا دلال ولا اعتدال، أنا جيت هنا عشان عاوزة أعرف إيه اللي عاوزاه مني وطلبتي تشوفيني ضروري بسببه يا تيا." نطقت تيا بتعجب: "هو أنتي ليه بتكرهيني يا مسك؟
"أظن أنتي مش جايباني هنا عشان تسأليني أنا ليه بكرهك. بس أحب أريحك، أنا لا بحبك ولا بكرهك، أنتي كلك على بعضك كده متفرقيش معايا. يا ريت يا تيا تدخلي في الموضوع على طول وجولي عاوزة مني إيه." "ليه انتي يا مسك؟ " نطقتها تيا بألم، ولكنها تمالكت نفسها. "ليه إيه بقا؟ اقتربت منها تيا ونظرت في عينيها ببعض الحقد: "ليه انتي دوناً عن البنات كلها تقع في حبك؟ عملتي إيه ليه عشان يعشقك بشكل ده؟
مع إنك عادية جداً زي أي حد وبلال اتعامل مع الأجمل منك بس محدش قدر يلفت انتباهه ولو بنسبة بسيطة. حتى أنا بنت خالته اللي كنت أقرب واحدة ليه مقدرتش ألفت نظره ليا كحبيبة... وحتى انتي بكل سهولة أخدتيه مني." نطقت بحقد دفين بسبب شعورها بالنقص أمامها رغم أنها تفوقها جمالاً. "إزاي عملتي كده؟ إزاي خليتيه يحبك بشكل ده؟ عملتي له إيه؟ "عمل." نطقتها مسك بكل سهولة. "إيه؟ بتقولي إيه انتي؟ رفعت مسك إحدى حاجبيها وردت: "إيه...
انتي دلوقتي بتسأليني بلال حبني إزاي وجوبتك أهو، عملت له عمل." ثم أكملت بسخرية: "روحت لشيخة فطيما المغربية وعملت له عمل إنه يعشقني وميشوفش غيري." هنا شعرت تيا بسخريتها منها: "انتي بتريقي عليا؟ انتي بتسخري من كلامي؟ "اسمعي يا تيا من غير رغي كتير، أنتي عارفة كويس إن إجابة سؤالك ده مش عندي. إجابة السؤال ده عند بلال. بلال هو اللي حفر ورايا عشان بس أبص له بصة واحدة." هنا صرخت تيا بها قائلة بغيظ: "ليه اشمعنا انتي؟
فيكي إيه مش عندي؟ أنا حتى عندي كل حاجة. عندك إيه انتي عشان يبصلك؟ على الأقل أنا تيا هانم بنت الحسب والنسب والجاه، انتي مين وعندك إيه عشان يبصلك ويسبني؟ "قلب." نطقتها مسك بكل بساطة. "مش بيقولوها كده بالمصري...
عندي قلب بيحب بصدق، عندي قلب ميعرفش غير الصدق وحب الشخص مش حب ماله وواجهته ولا منصبه. عندي قلب حفر جواه اسم بلال بصدق، عشان كده بلال مش بس حبني لا ده بقى هيمان بيا عشان لمس إني صادقة في كل كلمة بقولهاله. لمس فيا صدق مشاعري ليه. عشان كده سلم لي قلبه على طبق من دهب. عرفتي ليه بقا؟ أظن أنا كده جاوبت على كل سؤالك وعلى الأسئلة اللي لسه مجولتهاش." بكت تيا بقهر قائلة:
"أنا بحب بلال يا مسك، وأنتي السبب في إنه ميحبنيش مع إني كنت مستعدة أحط كل ما أملك تحت رجليه وأكون زي ما يحب بس هو مكانش شايف غيرك انتي بس. عيون بلال مش بتشوف غير مسك الليل وبس ولسانه مش بينطق غير اسم مسك كل لحظة بتعدي لازم يكون فيها، مسك. مسك. مسك. مسك. مسك. لحد ما كرهتك وكرهت اسمك لدرجة إني كنت بتمنى موتك على إيدي." قالت تيا آخر جملة وشعور الغيرة والحقد يتملكان منها بشكل مخيف.
ولكن لم يؤثر في واقفتها، لم تشعر بالخوف بل بالشفقة عليها وعلى حالها الذي لا يسر لا عدو ولا حبيب. "بصي يا تيا خديها نصيحة مني، أوعي تتنازلي عن أي شيء ممكن يقلل منك أو من شخصيتك عشان حد. وأوعي تحبي حد زيادة عن اللزوم، عشان متوجعيش قلبك على الفاضي وتذلي نفسك مع واحد مش شايفك." قطعت تيا حديثها وهي تصرخ في وجهها: "مش شايفني بسببك انتي! ضحكت مسك بسخرية: "انتي بتضحكي على مين يا تيا؟
أنتي كنتي عارفة كويس إن بلال عمره ما هيبصلك بصة تانية غير إنك أخته وبنت خالته وصاحبته المقربة. غير كده انتي متأكدة إنه عمره ما هيشوفك حبيبة أبداً. بس انتي لما شفتي حب بلال ليا مع إني أقل منك جمالاً ومال زي ما بتقولي، فهنا نار الغيرة بدأت تحرق فيكي وحسيتي إنك انجرحتي في أنوثتك عشان سابك وراح لغيرك. بس أحب أقولك إن انتي اللي جليتي (قلتي)
من نفسك بنفسك. الحب عمره ما قل من حد، دا إحنا اللي بنقل منه لما بنستخدمه في الديرة، زي ما عملت مع بلال كده وبدأت أكلمه وأقابله من غير أي حاجة تربطني بيه. عرفتي بقا إن البني آدم هو اللي بيقلل من نفسه مش الحب اللي بيقلل منه. بصي الحب بيتبني، الأساس بتاعه القبول بين الطرفين. لقيتي القبول منه وأثبتلك ده قدام الدنيا بحالها يبقى ياحظك. إنما لو من طرف واحد فدا ميقلش منك أبداً، لأ دا يخليكي متغلطيش تاني وتعلقي نفسك بحبال ديبا من الأول مع حد مش شايفك من الأول. فهمتي بقا؟
"طب ما انتي بتحبي بلال في السر ولقيتي منه حب كبير ليكي." هنا نطقت مسك بحزن: "في الآخر فوقت على قلم كسرني وكسر أمي، وفتفت قلبي مية حتة، بس أنا راضية لأني عارفة إن كل اللي حصلي ده عقاب من ربنا ليا، وأنا راضية بعقابه ومش عاوزة غير الغفران. كفاية إنه لحد دلوقتي ساترني." مسحت تيا دموعها ونظرت لدموع مسك ونطقت بعدم فهم: "يعني إيه كلامك ده؟ أنا مش فاهمة حاجة."
"يعني إني وبلال طريقين استحالة يتجابله في سكة واحدة ولا يجتمعوا مع بعض. أنا خلاص نهيت أي حاجة تربطني ببلال وخلاص بقا بنسبيلي ماضي وكان، وبدأت أتعايش من غيره." "ودا من إمتى؟ " قالت تيا بصدمة. "من مدة." ثم نظرت لها وابتسمت بهدوء قائلة: "مبروك عليكي بلال. ولو كنتي شايفة إن أنا اللي مانعة بلال إنه يشوفك، فخلاص أحب أقولك إن مسك نهت بلال من حياتها." "بس هو منهاش علاقته بيكي، هو لسه بيحبك."
"خلاص صدقيني أنا مش هقدر بعد اللي حصل أشوف بلال حبيب ليا أو زوج." قالت تيا باستغراب: "هو إيه اللي حصل؟ ردت مسك بهدوء لتنهي النقاش:
"مفيش حاجة حصلت، وأنا اللي عندي قولته، بلال انتهى من حياتي. بس نصيحة مني بلاش تقللي من نفسك تاني عشانه، عشان محدش بيحس بالوجع إلا صاحبه. والله انتي من جواكي معدنك طيب، رغم كل الوحش اللي بتظهريه من بره بس أنا حاسة إن فيكي حتى كويسة، فعشان كده الحقيقي نفسك قبل ما تضيعي نفسك مع واحد مش شايفك أصلاً، وعمره ما هيديكي الحب اللي انتي عاوزاه. بلاش يا تيا، بلاش بلال، اشتري نفسك بدل ما تبيعيها برخيص."
قالتها مسك وتركت تيا تنظر لأثرها وهي تفكر في كل حرف قالته. هل ستشتري نفسها أم تعود لذلك الأعمى وتحاول من جديد وتستغل عدم رجوع مسك له؟ كل تلك الأفكار وأكثر تدور داخل عقل تيا الآن ولا تستطيع أن تأخذ قرار حتى الآن. *** طرق الباب بقوة حتى فتح وظهرت من ورائه، فهو يعلم من رجاله أنها بمفردها في البيت، فاستغل تلك الفرصة لينفرد بها ويخبرها بما لديه. "إيه اللي جابك عندينا يا ابن نجوان؟ عاوز منينا إيه تاني يا بلال؟
دفع بلال الباب بقوة حتى جعلها تتراجع للخلق، كادت تقع ولكن تمالكت نفسها على آخر لحظة وأغلق الباب من خلفه. صرخت به زينات لفعلته تلك: "عاوز إيه يا وش البومة؟ بعد عنا بقا كفاية وجع قلب بتي اللي كنت سبب فيه من الأول، بكفيانا شرك." كان ينظر لها ببرود رغم النيران التي تشتعل في داخله تجعله يريد قتلها بين يديه ليريح نفسه ويشعر بأنشوة أنه وأخيراً تخلص منها لياخذ مسك قلبه ويتزوجها دون أي مشاكل تأتي منه ل تنهي زواجهم. صرخت له
زينات مرة أخرى قائلة بغضب: "اطلع بره، وإياك أشوفك جدام بابنا بس، هولع فيك." قطع حديثها قائلاً: "إيه اللي بين رضوان ومسك يا زينات؟ " قالها بهدوء رغم غضبه. ذنبته زينات وصرخت في وجهه: "اخرس، قطّع لسانك! أنا بنتي أشرف من الشرف وملهاش أي علاقة بأي جنس مخلوق، ورضوان ده أنضف من إن اسمه ينطقه واحد زيك على لسانه الزفر." هنا صرخ في وجهها ولم يعد يتحمل، لقد انتهت كل ذرة هدوء لديه:
"قسماً بالله لو عرفت إنك بتكلمي مع الزفت ده تاني في موضوع جواز مسك لكون قتلتك وحرقت جثتك وأرمي رمادك في الترعة ولا أخلي حتتك ترتاح في تربة. لو بس عرفت إنك بتكلمي معاه أصلاً أو جبتي سيرة مسك وياه هقتلك يا زينات، هقتلك." ردت الأخيرة بتبجح دون أن تخاف منه قائلة بقوة أم: "وأنا لو هيبقا آخر يوم في عمري مش هخلي مسك ليك، يا إما لرضوان يا بلاش. كفاية إنه بيحبها بجد."
صرخ بها بلال وأمسكها من ذراعها بقوة دون أن يعبئ لسنها أبداً: "طب ما أنا كمان بحبها وانتي عارفة دا كويس، فإيه هو وأنا لأ؟ فيه إيه زيادة عني عشان تتمنيه ليها وترفضيني... انطقي." هنا ابتسمت باستهزاء قائلة: "فيه، إنه راجل تربية راجل مش تربية مرة زي نجوان." وكأنها بتلك الكلمات أشعلت فتيل غضبه حتى جعلته يمسكها من رقبتها بكلتا يدها ويضغط عليها ليقتلها ويخنقها بقوة حتى ازرق وجهها وشفتها وأصبحت على حافة الموت.
وهنا أطلق بلال صرخة قوية جداً بسبب ألم قوي أصاب يده مما جعلها تنزل من على رقبة زينات. ونظر حوله وجدها مسك وتمسك بيدها سيخ حديد ضربته به على يده. وقبل أن يستوعب أي شيء تلقى واحدة أخرى على قدمه جعلته يصرخ أكثر ويقع على الأرض من أثر تلك الضربة القوية التي تلقاها. هرولت مسك لأمها حتى تطمئن عليها، وجدتها تحاول أن تستعيد أنفاسها من جديد، فحمدت ربها أنها أتت في الوقت المناسب.
هرولت تركتها لتأخذ أنفاسها وذهبت لذلك الخائن كما لقبته، وبصقت في وجهه. صرخت في وجهه: "ليه؟ ليه تعمل فيها كده؟ عاوز تقتلها عشان إيه كل ده؟ عاوز تخلص على أمي يا رخيص." بادلها الصراخ وهو يحمل يديه على جسدها كأنه شل: "أمك اللي زعلانة عشانها دي، بتبيعك لرضوان ابن جابر النمر وعاوزة تجوزك ليه؟ عشان تبعدك عني." "وعشان عاوزة تجوزني غيرك تقوم تموتها؟
"وموت أي حد يحاول يبعدني عنك ويملكك غيري. أنتي ملك بلال المنسي وبس، ملك بلال، ملكي أنا فاهمة ولا أفهمك." دفعته مسك بقوة أوقعته بسهولة بسبب قدمه التي أصابتها بضربة قوية. ونزلت لمستواه قائلة: "دا بعينك يا بلال إنك تلمس شعراية واحدة مني بعد اللي شفته منك ده. اطلع بره ومشوفش وشك تاني وإلا والله لأكون مخلصة عليك بإيدي دي، وأرميك لكلاب السكك تنهش في عضمك."
تمالك بلال آلامه وأمسكها من شعرها بقوة وجعل وجهها مقابل وجهه ونظر لعينيها بتوعد قائلاً: "وأنا لو هقتلك بإيديا دي هي يبقى أهون بكتير إن غيري يملكك يا مسك. مش بعد الحب اللي حابيتهولك تكوني لغيري. انتي ملكي أنا وهتفضلي ملكي أنا سامعة؟ لو مش هتبقي ليا في الدنيا، يبقى التربة أولى بيكي لأنها هي الحاجة الوحيدة اللي هتبقى أولى بيكي مني أنا." قالها وهو يلقيها على الأرض كما فعلت به. ولكن توقف عن السير للخارج
على صوت صراخها قائلة: "يبقى الموت أهون عليا من إني أكون ليك." ضحك بسخرية قائلاً: "والله لأخليكي تيجي تطلبي الجواز مني، ويمكن كمان أخليكي تنزلي قدامي ومعاكي الخاتم وتطلبي الجواز مني. إيه رأيك بقا؟ فكرة مش كده؟ ولا أقولك؟ ما يصحش برضه، هركع أنا ليكي وأقدم لك الخاتم يا ستي يلا عشان مبقاش حرمتك من حاجة." "دا بعينك يا بلال يا منسي." "هتشوفي يا قلب بلال المنسي. والله ما هتكوني لغيري إلا على موتي."
قالها وهو يخرج من البيت بأكمله وهو ينوي على فعل أي شيء حتى تخضع له تلك الحبيبة التي عشقها قلبه وبسبب غبائه وإهماله أضاعها من بين يديه. وكأن الحل الذي سيجلبها له ركعاً أتى إليه دون عناء أي مجهود. ابتسم بمكر وهو ينظر لذلك الاسم الذي ينير شاشة هاتفه ويغمز قائلاً: "كده يبقى كل حاجة مترتبة إلا حاجة واحدة، لو اتنفذت صح يبقى مبروك عليا مسك، وكل حاجة. وبعدها أقدر أقول لنفسي، مبروك يا عريس." ***
حل الليل أخيراً بعد تعب هذا النهار الذي مر على البعض بسلام والبعض الآخر مر عليه كنقطة سوداء التي لن ينسوها بحياتهم أبداً، ستظل ذكرى لعينة لديهم. رغم ألم جسدها قامت من فرشتها تشعر أنها مازلت لا تستطيع التنفس كالسابق. ولولا مسك ابنتها أخذتها على المشفى فور ذهاب بلال، كانت قد ماتت. شعرت وهي بين يدي ابنتها أنها لو توفاها الله، كيف ستعيش مسك بدونها؟ من سيحميها ويبقا معها؟
هي الآن تمثل لها الحامي، ولكن بعد أن تموت من سيحميها ويبقا لها الحصن المنيع الذي يحميها من غدر البشر الذين يعشقون مص دماء الفتيات الضعفاء أمثال ابنتها. انهمرت دموع زينات. انقبض قلبها، شعورها أن الموت قريب منها وفي أي وقت تقبض روحها لخالقها وتترك مسك وحدها.
فاقت من شرودها هذا بعد أن عقدت العزم على حماية ابنتها بطريقتها، حتى لو كان هذا سيكون ضد رغبة ابنتها، ولكنها أم، ويقتلها هذا الشعور البشع الذي يجعلها تتخيل أن ابنتها تقع بين يدي ذئب مثل بلال. أتكأت على نفسها حتى وصلت لغرفة ابنتها التي انتفضت من نومتها بفزع عندما وجدت والدتها تتحرك بصعوبة اتجاهها. ساندتها مسك حتى أجلستها على الفراش وعدلت وضعيتها ببعض الوسادات حتى تكون جلستها مريحة. عاتبتها مسك وهي تنطق بحزن:
"ليه تعبتي نفسك بس يا ماما؟ كنتي ناديتي عليا وأنا كنت أجيب لك لحد عندك و... قاطعتها زينات وهي تخرج أنفاسها بصعوبة: "أنا كويسة يا بنتي بس كنت محتاجة منك طلب مهم أكده." قالتها زينات وهي تطالع وجه ابنتها وتحاول التماسك أمامها حتى لا تضعف وتنهمر دموعها وهي تقول: "عاوزة أطمن عليكي يا مسك، قبل ما أقابل وجه كريم... ومهما يحصل اسمعي كلامي للآخر، دا لو عايزة تريحي قلبي عليكي." شعرت مسك بالخوف وانتفض جسدها: "قصدك إيه يا ماما؟
وبعدين، الأعمار بيد الله. أحب على يدك متقوليش كده. إن شاء الله أنا وانتي لأ يا ماما." وانهارت مسك واحتضنت أمها وظلت تبكي بوجع تخشى فقدان أمها، فهي متعلقة بأمها بشكل كبير. رغم خلافاتهم الدائمة معاً إلا أنها تحبها وستظل هي الحامية لها في تلك الحياة بعد الله سبحانه وتعالى. ظلت تضم ابنتها بقوة كأنها تخبرها بطريقة غير مباشرة: دعيني أشبع منك قبل أن أغادر.
بكت مسك أكثر بسبب ضم والدتها لها بتلك الطريقة جعلتها تشعر أن والدتها قد ترحل فعلاً وتتركها وحيدة. انقبض فؤادها وارتجفت أوصالها لذلك الشعور السيء الذي شعرت به لتو. أدق باب بيتهم في تلك الساعة المتأخرة. أخرجت زينات ابنتها من بين أحضانها بصعوبة لتجعلها ترى من الطارق، ولكنها أبت أن تتركها. ولكن فعلتها بسبب إصرار والدتها. تحركت كالمغيبة لدرجة أنها كانت تصطدم في أي شيء يقابلها لا ترى بسبب بكائها.
وجدت بدر يقف على أعتاب بيتهم ومعه سيدة غريبة لأول مرة تراها. انقبض فؤادها لفكرة أن تلك المرأة لها علاقة بالعمل الذي يكون مع الأموات، ك مغسل وتكفين الميت. أسترحل أمها فعلاً؟ كادت تقع ولكن لحقها رضوان الذي أتى من خلف بدر كأنه توقع انهيارها بسبب ارتجافة جسدها بشكل غير طبيعي بالمرة. وهذا كله سبب الخوف، الخوف من الحرمان والفقد. حملها بين يديه ينظر لها بشفقة وهي فاقدة الوعي.
وضعها على تلك الأريكة الخشبية وطلب من بدر كوب ماء وطلب منه أن ينصرف، ولكنه لم يتحرك إلا بعد أن نظر له رضوان بعينيه نظرة جعلته ينصرف كأنه أخبره ألا يخاف عليها. وضع يده في الماء ونثر على وجهها قطرات المياه. حزن لشحوبها هذا، فهذه ليست مسك تلك الفتاة اليافعة الجميلة، ذات ضحكة يرن صداها كل مكان تذهب إليه.
الآن أصبحت تشبه العجائز وكأن الحزن حولها من فتاة في الحادي والعشرين من عمرها إلى فتاة من يرى شكلها يقول صغيرة ولكن في السبعين. ولكن مهما أصبح عمرها ومهما ذهب جمالها تستظل عطره الجميل الذي يفوح في أيامه القادمة معها. ظل ينثر عليها القطرات دون أن يلمس وجهها ولكنه يجلس وينظر لها حتى اهتزت جفونها، فعلك أنها ستفيق الآن.
فاقت تلك الفتاة ونظرت لهذا الجالس أمامها، لا ترى شكله بوضوح، ولكن بعد أن فاقت بشكل كامل وضحت لها الرؤية وجدته هو ومن غيره يفعل هذا، رضوان هذا العاشق الذي اعترف بحبه لها أمام والدتها دون أي خوف أو خشية، فقط قال ما في قلبه كأنه شيء ثمين يعتز به ولا يريد إنكاره أبداً ولا إخفائه. ولكن قطع وصل النظرات هذه بدر وهو يدعوهم للدخول لأن زينات تريدهم الآن.
نظرت زينات لتلك ابنتها التي تجهل حتى الآن لما توجد تلك السيدة الغريبة ولم رضوان أيضاً هنا وبدر. أخذت زينات أنفاسها بصعوبة لتجيب ابنتها على سؤاله الذي قرأته في عينيها. أمسكت زينات كف يد ابنتها وضغطت عليها بقوة قائلة: "دي يا مسك الست مروة مأذونة من البلد اللي جنبينا واللي هتكتب كتابك على رضوان... وقبل ما تقولي أي حاجة دي وصيتي ليكي يا بنتي."
الصمت ثم الصمت لا يوجد غيره، وكيف تتحدث بعد أن ألجم لسانها الآن بسبب تلك القنبلة التي ألقتها والدتها في وجهها. أتريد تزويجها لرضوان وماذا قالت وصية؟ لم يأتي منها أي شيء غير أنها ارتمت في أحضان والدتها تبكي وتحتضنها بشدة. "خليكي معايا يا ماما وأنا والله هعمل كل اللي أنتي عاوزاه بس خليكي متمشيش، خليكي يا ماما." قالتها بقلب يحترق لفكرة بعدها، فما بالكم أن أصبحت تلك الفكرة حقيقة وواقع تتعايش معه وهو الوجود دون أمك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!