الفصل 4 | من 10 فصل

رواية مستشفى السعادة الفصل الرابع 4 - بقلم علياء عبد الصبور

المشاهدات
38
كلمة
1,433
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 40%
حجم الخط: 18

أنا مروان حامد.. طبيب متقاعد.. بمارس الطب على قد مقدر بعيدًا عن العيادات والمستشفيات.. حاليًا بشتغل في التدريب والدعم النفسي وبكتب.. المكان هنا مساحة آمنة إننا نعبر عن نفسنا ونحكي اللي بيوجعنا.. مشاركة خبرات وقصص.. هنسمع بعض ومش هنحكم على بعض.. هنفضفض ونتناقش، لعل حد يسمع كلمة من حد تاني تساعده وتقويه.. وتنورله قلبه. المهم.. تحبوا أبدأ أنا بقصتي ولا حد حابب يبدأ. كلهم أجمعوا على إنه هو اللي يبدأ فحكى:

زي ما الناس القديمة عارفة.. أنا فقدت البصر من عشر سنين تقريبًا.. حادثة.. كنت راجع من الشغل متأخر بعد يوم طويل.. كنت سايق على طريق سريع ومركز أوي.. بس زي ما بيقولوا.. الحذر لا يمنع القدر.. عربية نقل كبيرة شايلة حديد وقفت فجأة ومش عارف إزاي دخلت فيها بكل قوة.. أخذتها بالحضن يعني.. ودي كانت آخر حاجة افتكرتها في اليوم ده. ابتسم وكمل:

لا ما فقدتش الذاكرة.. صحيت تاني يوم لقيت نفسي في المستشفى وأهلي حواليا.. سامع صوتهم بس مش شايفهم.. والدي كان أول واحد سمعت صوته. "انت كويس يا مروان؟ "هو فيه إيه؟ صوت والدتي مخنوق من العياط: "حمد الله على سلامتك يا حبيبي." "هو فيه إيه؟ صوت والدي تاني: "ما فيش حاجة يا حبيبي.. طمنا عليك بس." "إيه اللي على عيني ده؟ "حادثة بسيطة وعينك فيها خدش بسيط." "خدش بسيط؟ فيه إيه يا بابا؟ صوت أخويا ظهر:

"ما تقلقش يا مروان.. ما فيش حاجة.. إصابة بسيطة وإن شاء الله خير." من بين كل ده كنت مركز مع صوت بكا والدتي.. واللي أكدلي إن الموضوع مش بسيط مش بسيط خالص.. سألت: "أنا عميت؟ على أساس إن ده اللي بيحصل في الأفلام يعني. ردت أمي من بين دموعها: "بعد الشر عنك يا حبيبي، إن شاء الله." "أنا تعبان."

ودي كانت آخر كلمة نطقتها، حسيت بعدها بألم عمري ما تخيلت إني أحسه ومن شدته فقدت وعي وصحيت بعدها وأنا عندي يقين إني من النهاردة بقيت كفيف ومش هشوف النور بعيني تاني. بكيت يوميها وفضلت أدعي ربنا يهون عليا المصيبة.. دعيت كتير. "اللهم أجرني في مصيبتي وأخلفني خيرا منها."

كنت أنا اللي بطمن أهلي وبصبرهم.. "المؤمن مبتلى يا أمي.. أنا راضي يا بابا.. ما تزعلش نفسك يا أحمد هكون بخير إن شاء الله.. ما تبكيش يا سلمى صحابك هيفضلوا يزنوا عليكي تجوزيهملي وأنا برضه هرفض." كنت بقولهم كلام محتاج أسمعه.. ورغم الأفكار اللي سيطرت عليا بأن حياتي انتهت.. سمعت أصوات جاية من جوايا بتقولي.. ما حدش بينتهي باختيار ربنا ليه.. فين ثقتك في ربنا؟

تعبت فترة بعدها لحد ما اعتدت الوضع الجديد.. بس أصعب موقفين مروا عليا لما المستشفى اللي بشتغل فيها رفضت إني أستمر معاها مع إني كنت شايف إني ممكن أقدر أكمل بمساعدة ممرض أو ممرضة مثلاً.. والموقف التاني لما خطيبتي سابتني.. كنت بحبها ومش متخيل تعمل كده.. وكنت فاكر إنها كمان بتحبني بس اتضحلي إنها ما كانتش بتحبني لشخصي كانت شايفاني مناسب.. دكتور ناجح وإمكانياته المادية معقولة وأخلاقي كويسة وعنيا خضرة. سمع ضحكة

من حد من الموجودين فكمل: "بتضحك على إيه يا بهاء.. مش مصدق إن عنيا خضرة." رد بهاء: "لا مصدق يا دكتور .. وعارف كمان إن شعرك أصفر." ضحك ضحكة عالية ورد: "ما تبالغش يا بهاء.. عنيا مدارية بالنضارة.. بس كل الناس شايفة شعري." ضحك كل الموجودين.. فكمل: "عذرتها.. حقها تخاف تكمل حياتها مع حد هيبقى عبء وحتى ملامح مستقبله ما بقتش واضحة." سكت للثانية وكمل:

"صدمة، إنك تتحول من دكتور ناجح وشاب كله مرح وإقبال على الحياة، لشخص عاجز.. ما تقدرش تتحرك إلا بمساعدة.. ما تعرفش تفرق أنت بالليل ولا بالنهار.. الضلمة وحشة.. والعجز أوحش.. بس برضه اختيارات ربنا خير.. وزي ما راح مني البصر فأنا لسه عندي البصيرة.. كنت بقول لنفسي كده.. بس برضه أنا في الآخر بشر.. كان لازم تعدي عليا فترة أحس فيها إن الأرض اتهزت من تحت رجلي.. كان حقي أخاف."

عشت فترة مصدوم أوي.. أيأس شوية وأحس شوية بأمل.. كنت بنام وأصحى من غير هدف.. معتقد إن حياتي وقفت على كده.. راضي بقضاء الله.. بس مستسلم. صدقت إني ما نفعش في أي حاجة ولا أنفع لأي حد. دمعت عينيها.. هي وناس من الموجودين. كمل كلام:

لحد ما في يوم والدي قعد معايا.. وقالي كلام كتير مش فاكر كله.. بس مضمونه.. إن الحياة لازم تستمر.. وإن كل اللي حصل ده ابتلاء، صبري عليه هيخليني في مكانة أفضل عند ربنا.. كنت مقتنع بكل كلمة بيقولها.. بس مش عارف المفروض أعمل إيه.. طلب مني أقعد أفكر مع نفسي وأعمل خطة بديلة لحياتي.. مش هينفع تشتغل في الطب شوف حاجة تانية بتحبها وشوف نتعلمها إزاي ونستغلها إزاي.. مش عارف تنزل من البيت.. كلنا موجودين وتحت أمرك في أي وقت.. خايف تنزل تصلي في المسجد.. أنت حافظ الطريق وهترجع تصلي.. مش عارف تقرا هنتعلم برايل ونستخدم برامج لمساعدة المكفوفين.. فتحلي طاقة نور رغم بساطتها إلا إن عيني كانت متغمية عنها.

وقد كان.. بدأت أقعد أكلم نفسي كتير وأدعي ربنا يدلني.. لحد ما وصلت لشوية حاجات بحب أعملها وكان الشغل والمذاكرة طول الوقت شاغلني عنهم.. والفرصة جت إني أعمل كل الحاجات دي.. بدأت أرجع للصلاة في المسجد وانتظم في حلقات حفظ القرآن.. وبدأت أقرأ كتير في علم النفس وتطوير الذات وأخد دورات متخصصة.. ورجعت أكتب.. الكتابة كانت بالنسبالي ملاذ آمن طول الوقت.. لكن مع زحمة الحياة نسيت إني بعرف أكتب أو إني بحب الكتابة.. عملت بيدج على الفيس بوك وبدأت أكتب عليها بمساعدة أخواتي.

بقى ليا حياة.. يومي اتشغل لدرجة ما بقاش عندي وقت أفكر في اللي حصل وفي اللي فقدته وفي اللي سابني. سنة تقريبًا بذاكر وبعمل كل حاجة من البيت.. ما عدا الصلوات وحلقات القرآن وخروجات بسيطة مع أهلي.. لحد ما بقى عندي الجرأة.. إني أواجه العالم.. وأقول لأي حد.. أيوه أنا كفيف.. بس مش عاجز. صفقت أوي وكأنها نسيت اللي موجودين. ابتسم وكمل:

حاليًا بشتغل في أكتر من مركز تدريب وبعمل جروبات دعم نفسي تطوعية.. زي اللي إحنا فيها هنا.. وعلى فكرة دي المستشفى اللي رفضوا إني أكمل معاهم أول ما تعبت.. ولحسن حظي إن فيها قسم نفسي.. ورحبوا بفكرة جروبات الدعم اللي تطوعت إني أعملها. الجروبات دي بالنسبالي حياة.. بستنى من الأسبوع للأسبوع ميعادها. سكت ثانية وكمل:

إنتوا عارفين.. أنا النهاردة جازفت وجيت لوحدي لأن مواعيد أهلي كانت النهاردة مش مناسبة لميعاد الجروب، لظروف خارجة عن إرادتهم. وعارفين كمان.. "أنا كنت هـتخطف" بص للحظة ناحية الصوت اللي وصله منه صقفة وكمل: "أو يمكن اتخطفت."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...