الفصل 10 | من 34 فصل

رواية متى تخضعين لقلبي الفصل العاشر 10 - بقلم شيماء يوسف

المشاهدات
21
كلمة
3,073
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 29%
حجم الخط: 18

لم يستوعب فريد ما حدث إلا وجسدها ينزلق من بين يديه. صرخ باسمها برعب ثم حملها، وقد لاحظ بعض الدماء تتساقط من أنفها. تفحص جسدها مسرعًا ليتأكد من عدم وجود أي إصابات خارجية، ثم ركض بها نحو الخارج. كان يصرخ بكل من يقابله وهو يحملها كالأموات بين يديه. صعد بها إلى السيارة وهو لا يزال يحتضنها ويتمتم برعب ويمسح على شعرها ووجهها بحنان:

-حياة، خليكي معايا.. أنا آسف إني سبتك ومشيت.. الله يخليكي فتحي عينيكي.. خليكي معايا حياة، متناميش. كانت السيارة تسير بأقصى سرعة لها، مخالفًا سائقها كافة الإشارات المرورية للوصول بأسرع وقت ممكن، وهو يرى زوجة مخدومه شبه منتهية. ورغم ذلك، لم يسلم من صرخات فريد الذي كان يوجهها له بقوة.

بعد قليل، وفي وقت قياسي، توقفت السيارة أمام المشفى الخاص الذي كان فريد من أكبر مساهميه. كان كبير الأطباء يقف في انتظاره عند مدخل الطوارئ لاستقبال حياة بعدما هاتفه فريد في الطريق ليخبره بما حدث. بمجرد رؤيتهم للسيارة، ركض كبير الأطباء ومعه المسعفون لأخذها منه، ثم ركضوا بها مباشرة نحو الداخل. ربت الطبيب حازم فوق كتف فريد الذي كان وجهه يبدو كالأشباح من شدة الذعر، مطمئنًا إياه وهو يتمتم له قبل أن يركض هو الآخر مسرعًا

نحو الداخل: -متخافش حضرتك، هعمل كل اللي نقدر عليه وأطمنك لما أخلص. ظل فريد واقفًا مكانه كالجماد، يحدق في أثرها وهم يركضون بها إلى الداخل، رافضًا عقله تصديق كل ما مر به. ظل هكذا بدون حراك، يقف مصدومًا لمدة لا يعلمها إلا الله، حتى خرج الطبيب حازم من غرفة الاستقبال يركض في اتجاهه قائلًا: -حالة تسمم.. إحنا دلوقتي بنعملها غسيل معدة.. وبعد كده هنطلعها على غرفة الأشعة نطمن إن مفيش نزيف داخلي.

فاق فريد من صدمته وسأله مستفسرًا بجمود وقد عاد عقله للعمل: -نزيف! أجابه حازم بأسف قائلًا: -فريد بيه، للأسف من التشخيص المبدئي حالة التسمم دي مقصودة.. هنتأكد بالتحليل، بس دلوقتي لازم نطمن إنه معملش نزيف داخلي جوه، وخصوصًا بعد نزيف الأنف اللي حصلها.. وعمومًا، الحمد لله إن الأعراض بانت عليها.. في ناس بيحصلها نزيف داخلي بصمت من غير أي أعراض.. بس من الكشف المبدئي الحمد لله اتلحقت بدري وإن شاء الله مفيش حاجة خطيرة.

أنهى الطبيب جملته ثم استأذنه في الرجوع للداخل مرة أخرى. في تلك اللحظة، وصل كبير الحراس مع باقي موظفيه إلى المشفى. بمجرد لمح فريد له، ركض نحوه ثم قام بتسديد عدة لكمات إلى وجهه وهو يصرخ به بغضب قائلًا: -كنت فين! كنت فين وهما بيعملوا فيها كده! اخفض الحارس رأسه للأسفل بخنوع، تاركًا لمديره فعل ما يشاء به، فالخطأ خطأه. ابتعد فريد عنه بعدما امتلأ وجه حارسه بالدماء، ثم قال له بنبرة مهددة وهو يشير إليه بأصبعه:

-لو جرالها حاجة هخليك تحصلها، سامع! أقسم بالله لخليكم كلكم تحصلوها. بعد قليل، خرج الطبيب وبرفقته حياة المستلقية فوق الناقلة الطبية (الترولي) ، وهي لازالت غائبة عن الوعي. ركض فريد نحوها يمسك بيدها ويمسح على شعرها بحنان، وهو يمنع جاهدًا دموعه من التساقط. تحدث إليه الطبيب المساعد قائلًا باهتمام بعدما لاحظ حالة الألم والحزن الذي يمر به فريد: -لو حضرتك حابب تطلع معانا الأشعة عشان تكون مطمئن، مفيش مشكلة.

هز رأسه موافقًا دون النظر إليه، فهو لم تكن لديه أدنى نية في تركها بعد الآن. انتهت إجراءات الفحص وطمأنه كبير الأطباء باستقرار حالتها وعدم وجود أي مضاعفات أخرى أو نزيف داخلي، ثم قام بنقلها إلى غرفة خاصة.

دلف فريد إلى الغرفة بخطوات بطيئة متثاقلة. وقف أمام الفراش بقلبه المنهك يتأمل شحوب وجهها وتلك الإبرة الطبية المنغرزة داخل كفها الرقيق لتتولى مهمة نقل المحلول إلى سائر جسدها. تحرك ببطء نحو مقدمة الفراش ثم انحنى بجزعه فوقها ليضع كفه بحذر فوق رأسها، ثم مسح على شعرها بنعومة وحنان، قبل أن تتحرك شفتيه نحو جبهتها. طبع قبلة مطولة فوقها، صاحبتها دمعة واحدة سقطت عنوة من بين أهدابه جعلتها تجفل أثناء نومها.

أخذ نفسًا عميقًا يهدئ به بركان المشاعر الذي يموج بداخله، ثم دفن رأسه يستنشق عبير شعرها ببطء وشغف. اعتدل بعدها في جلسته وجر المقعد الموضوع في إحدى أركان الغرفة الأربعة إلى جانب الفراش ليجلس عليه، واتكأ بذراعيه على طرف الفراش، ثم مد يده يتحسس كفها الآخر بحنو، قبل رفعه بحذر أمام وجهه. تأمله مطولًا، ثم أخذ يتحسس بإصبعه ذلك الشريان النابض عند مقدمة معصمها، كأنه يتأكد من قيامه بمهمته على أكمل وجه، فهذا الشريان ينقل الدم لحياته قبل حياتها. طبع قبلة حانية فوقه، ثم قام بطبع عدة قبلات رقيقة متتالية داخل كف يدها،

وهو يتمتم بحزن: -آسف.. آسف إني في كل مرة بوعدك محدش يأذيكي ومش بقدر أوفي بوعدي. أنهى جملته ثم عاد لتقبيل كفها وأصابع يدها كلا على حدى، وهو يحتضن كفها داخل كفه العريض. بعد قليل، دلف كبير الأطباء إلى الغرفة بعدما قام بالاستئذان منه، ثم تنحنح وهو يقف قبالته قائلًا بحذر: -فريد بيه.. نتائج التحاليل طلعت وزي ما قلت لحضرتك قبل كده.. شكنا طلع في محله.. حياة هانم تناولت عن طريق الفم سم حيوانات وبالأخص فئران.

جحظت عين فريد للخارج وبدا الاحتقان جليًا على وجهه وعضلات جسده المنتصبة، ولكن لم يعقب. تنحنح الطبيب مرة أخرى مستطردًا حديثه بتوجس: -احم.. فريد بيه، الموضوع كده فيه شبهة جنائية وأنا لازم أبلغ. انتفض فريد في وقفته واحتقن وجهه وهو يجيبه بنبرة جامدة، ضاغطًا على حروف كلماته بتحذير قوي: -محدش هيحقق مع مراتي.. فاهم! ارتسمت ملامح الطبيب ثم بادر بحروف متعلثمة يبرر طلبه قائلًا: -بس أنا لازم أخلي مسؤوليتي.. دي مشكلة لو...

قاطعه حديثه نبرة فريد الناهرة قائلًا بحدة: -ملكش دعوة، أنا هتصرف. أنهى جملته الأخيرة وأخرج هاتفه وقام بطلب شخص ما، ثم تحدث على الفور قائلًا بنفاذ صبر وحدة: -اسمعني.. في حد ابن ****** حاول يسمم مراتي والمستشفى مصممة تبلغكم عنه.. خلصلي الموضوع ده دلوقتي من غير ما تتحرك من مكتبك، فاهم! صمت لبرهة ثم أضاف بنفس نبرته الآمرة: -وبكرة اللي عمل كده يكون عندي.. تتصرف تشق عليه الأرض وتطلعه وألاقيه قدامي.. بكرة، فاهمممم!

أنهى مكالمته ثم استدار بجسده نحو الطبيب بغضب وشراسة، قائلًا ببرود وهو يرفع إحدى حاجبيه في إشارة للتحدي: -في حاجة تانية؟ هز الطبيب رأسه نافيًا بصمت ثم تحرك بخطوات مسرعة نحو الباب. أوقفه صوت فريد يسأله بجمود: -نقدر نطلع امتى؟ أجابه الطبيب بمهنية شديدة وثبات مفتعل: -مفيش أي خطورة على حياتها تمنعها من الخروج.. بس يفضل إنها تستنى معانا الـ 48 ساعة الجايين عشان تستعيد عافيتها. أجابه فريد بنفاذ صبر قائلًا:

-شوف هتكون محتاجة إيه وأنا هوفره في البيت، مش عايزها تفضل هنا. أومأ الطبيب برأسه موافقًا، فهو يعلم جيدًا عدم جدوى النقاش معه، ثم أردف قائلًا بخنوع: -مفيش مشكلة، هجهز لحضرتك واحدة من أفضل الممرضات عندي تتابع معاها أمور العلاج.. وزي ما قلت لحضرتك الـ 48 ساعة الجايين مهمين.. هتلاقي سخونية وهلاوس، كل ده طبيعي جدًا، وواحدة واحدة هتستعيد وعيها وترجع أحسن من الأول إن شاء الله.

أومأ له فريد بجمود، طالبًا منه الانتهاء من إجراءات الخروج بأسرع وقت ممكن، فهو لا يستطيع تأمينها جيدًا وسط هذا الكم الهائل من الأفراد، حتى لو كان داخل مشفاه الخاص.

في الخارج، حمل فريد حياة التي مازالت غائبة عن الوعي بتملك، رافضًا كل محاولات أو عروض حرسه أو موظفي الإسعاف في مساعدته. صعد بها إلى السيارة بحذر وهو لا يزال يحملها ويضمها إلى صدره بقوة. في الحقيقة، هو من كان بحاجة إلى ذلك العناق، بحاجة إلى قربها، إلى أن يشعر بدقات قلبها قريبة من صدره حتى تستكين روحه المرتجفة ويتسلل الهدوء لخلايا جسده المنتفض.

وصل إلى المنزل ووجد في استقباله عفاف، التي علمت بما حدث، فانتفض قلبها هي الأخرى ذعرًا على تلك الفتاة التي كانت تعاملها بحنان ورأفة. انتهى فريد من وضعها برفق داخل الفراش في غرفته، وطلب من السيدة عفاف تبديل ثياب المشفى لها ومساعدة الممرضة التي جاءت معه في الاعتناء بها حتى يعود، ثم تحرك نحو الخارج بوجهه مكفهر وعرق نابض منتفض من شدة الغضب. أمر نصف حراسه بالتحرك معه، ثم صعد إلى سيارته وانطلق بها.

كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل عندما وصل فريد إلى فيلا والده وأطلق زمور سيارته بقوة ليحث الحارس على فتح الباب الرئيسي ليتسنى له الدخول. انتفض الحارس من مقعده على صوت أبواق السيارات التي كانت تدوي دون توقف، وهرول مسرعًا ينظر في شاشة المراقبة عن هوية ذلك المتطفل، ثم قام بفتح الباب راكضًا بتوجس من مظهر ابن رئيسه الغاضب. اندفع فريد بسيارته للداخل بسرعة ساحقة تتبعه سيارة حراسته، ثم توقف أمام الباب الداخلي. ترجل منها وعيناه ترمي شررًا من شدة الغضب، ثم تحدث إلى

رئيس حراسه يأمره باقتضاب: -خليكم هنا لو احتجتكم. أنهى جملته وتحرك يركل بقدمه وبكل ما أوتي من قوة الباب وهو يطرق عليه بكفه، فكاد الباب ينكسر تحت وطأة طرقاته وغضبه. آفاق جميع من في البيت على خبطات فريد المتلاحقة، وركضت الخادمة برعب تفتح الباب ثم تنحت جانبًا عندما رأت فريد وهو بتلك الحالة. وقف في منتصف البهو يصرخ بصوته الجهوري هاتفا: -يا جيهان هانم! انتي يا جيهاااااان انزليلي هنا!

ركض غريب من فوق الدرج حيث مكان فريد، ثم توقف أمامه ينظر له بغضب واضح، ثم نهره بقوة قائلًا: -إيه ده! في إيه! أنت اتجننت؟ إزاي تعمل كده في بيتي في الوقت ده! مد فريد إحدى ذراعيه يزيح والده من أمامه بعدما حرك عينيه ينظر إليه شرزًا وهو يقول باهتياج: -أنت لسه شفت جنان! ابتسم بشراسة ثم قال بتهديد وهو يضغط على شفتيه بقوة، ثم صاح بوالده قائلًا:

-أنا بقى.. فريد.. هوريكم الجنان اللي على أصله.. انتي يا جيهان يا سكري تعاليلي هنااااااااا.. أنهى جملته بصراخ هز أركان المنزل وجعل والده الواقف بجواره ينتفض. هبطت جيهان إلى الأسفل وهي تغلق رداء نومها الحريري بإحكام، وتتساءل ببرود واشمئزاز: -إيه ده! في إيه؟ إيه الهمجية دي؟ ركض فريد نحوها وقبض على ذراعها بقوة وغرز أظافره بذراعها قائلاً بعصبية شديدة: -عملتي إيه في مراتي؟ انطقي!

هدر بسؤاله بقوة جعلها تنتفض من مكانها وتجيبه برعب من بين تأوهاتها قائلة: -معملتش حاجة.. آآه سيب إيدي دي، قلتلك معملتش حاجة. أجابها فريد بغضب وهو لا يزال يضغط على ذراعها بقوة مستطرداً حديثه قائلاً بحنق: -أمال مين اللي عمل؟ مين اللي حط لها السم في الأكل؟ مش ده اللي كنتي بتعمليه معايا زمان؟ حركت رأسها نافية بيأس وقد بدأت تشهق بصوت مسموع من ألم ذراعها وقوة قبضته قائلة بتوسل:

-معملتش حاجة.. والله ما عملت حاجة، أنا معرفش أنت بتتكلم عن إيه. نفض فريد ذراعها بقوة تاركها تتلمسه بحذر للتأكد من عدم إصابته ثم أجابها بتحذير قائلاً وهو يرميها بنظرات احتقارية: -أنا بنفسي هعرف مين اللي عمل كده، ولو كان ليكي دخل بالموضوع ده اتشاهدي على روحك. فريد اللي كنت بتأذيه زمان خلاص مبقاش موجود. وأقسم بالله لو عرفت إن ليكي يد في الموضوع هكون مولع في البيت ده بكل اللي فيه. فاهمة؟

أنهى جملته بصراخ قوي وهو ينظر نحوها بشراسة قبل أن يستدير للخارج ويغلق الباب خلفه بعنف رج معه أركان المنزل من شدة قوته. توجه غريب نحوها يسأله بأسف: -عملتي إيه يا جيهان؟ هزت رأسها نافية بعدم تصديق قائلة: -معملتش حاجة.. والله ما عملتش حاجة.

عاد فريد إلى منزله ومنه مباشرة إلى غرفته للاطمئنان عليها. دلف إلى الغرفة بهدوء فوجد الممرضة تجلس فوق المقعد الموجود بغرفته في حالة تأهب. انتفضت من مقعدها بمجرد رؤيته ووقفت تنتظر تعليماته. سألها بإرهاق مستفسراً عن حالتها وهو لا يحيد بنظره عن الفراش حيث هي مستلقية: -في جديد؟ هزت الممرضة رأسها نافية فاستطرد حديثه قائلاً بجمود: -طب تقدري تروحي أنتِ تقعدي في أي أوضة جنبنا وأنا هكون معاها. قاطعته الممرضة قائلة:

-بس يا فريد بيه. قاطعها فريد بحدة متجهماً: -مفيش بس. نفذي اللي قلت عليه من غير كلام كتير. هتلاقي أوض كتير فاضية استخدمي أي واحدة منهم، بس خليكي قريبة عشان لو احتجتك. وافقت الممرضة على أوامره بخضوع وتحركت من الغرفة على مضض. انتظر فريد خروجها ثم بدأ في حل أزرار قميصه الملطخ ببعض دمائها وهو يزفر بتعب ثم التقط إحدى ملابسه النظيفة من خزانة الملابس وتوجه نحو المرحاض ليغتسل ويأخذ دشاً دافئاً ليريح به عضلاته المجهدة.

خرج بعد قليل وهو يرتدي تيشرت أبيض وبنطال رياضي من اللون الأسود. ثم تحرك في اتجاه فراشه يتسلقه بحذر بعد أن رمقها بعدة نظرات ناعمة. مد كفه يتحسس حرارتها ثم زفر بضيق. لقد بدأت حرارتها في الارتفاع ولكن ما يطمئنه هو الدواء الموضوع داخل المحلول المعلق بكفها. مد إصبعه يزيح إحدى خصلات شعرها التي تمردت من الجديلة التي قامت بعقدها لها السيدة عفاف. ثم انحنى ليطبع قبلة فوقها قبل أن يعتدل في جلسته ويرجع برأسه للخلف ويستند برأسه

على ظهر الفراش ثم أغمض عينيه المجهدتين وهو يتنهد بوجع. ابتلع لعابه بصعوبة وهو يتذكر ما شعر به وهو واقف أمام غرفة الطوارئ منتظراً خروجها. تلك الدقائق شعر كأنها دهر كامل يعيشه. كان قلبه يرتجف بقوة كأنه سيتوقف في أي لحظة عن العمل. لم يجد أمامه سوى التضرع. التضرع لله بكل حواسه. التضرع بقلب طفل نقي لم يتجاوز السابعة تعلمه والدته لأول مرة كيفية الخشوع لله. بصرف النظر عن انتصاب جسده. كانت روحه ساجدة بكل حواسه يطلب منه برجاء

العاصي قبل التقي أن يحفظها له.

فتح عينيه مرة أخرى ورمش بجفونه عدة مرات لطرد تلك الدموع الدخيلة التي تجمعت في الداخل دون استئذان. مرر كفيه فوق وجهه بتعب ثم استدار برأسه ينظر إليها كأنه يتأكد من وجودها هنا وبجواره. فبعد اعتياده على فكرة وجودها الدائم معه شعر بعدم أهمية أي شيء آخر. الغضب والانتقام والشراب والسهر. كل شيء يبعده عنها لن يكون له مكان في حياته فقد اختبر اليوم هذا الشعور المزعج ولا يريد تكراره مرة أخرى تحت أي ظرف كان.

شعرت حياة بأنها سقطت بمفردها داخل بئر عميق مظلم وقد تحولت إلى عقلة الإصبع. كانت تتلفت حولها بذعر فكل شيء حولها يبدو عملاق. ما بين صحوتها وغفوتها كانت تتداخل الأحداث في عقلها. كان الفراش الذي تستلقي فوقه يبدو عملاق ويبدو وكأن سقف الغرفة سيسقط فوقها في أي لحظة ليسحقها تحته بعد أن عادت إلى سن التاسعة مجدداً. حاولت التسلق على جدران ذلك البئر في محاولة بائسة منها للخروج. ولكن باءت كل محاولاتها المستميتة بالفشل لذلك تخلت

عن الفكرة وعادت إلى قاعه تجلس هناك بخنوع وهي تضم ركبتها نحو قفصها الصدري تنتظر هبوط سقف الغرفة فوق جسدها الضئيل. فجأة لمحت جسداً عريضاً برائحة ما تعرفها جيداً وتميزها من بين مئات الروائح تتجه نحوها. انتظرت وصوله إليها ثم تنهدت بارتياح قبل أن تنتفض من جلستها لتركض نحوه وتشكو إليه ذلك الوخز الذي أصاب كفها. تململت في نومتها ثم همست

باسمه بخفوت من بين غفوتها: -فريد. كان صوتها لا يزيد عن الهمهمة ولكنه وصل إلى حواسه. وصل إلى قلبه قبل أذنه. انتفض يعتدل في جلسته وهو يجيبها بصوت أجش مملوء بالحنان: -عيون فريد وروح فريد. رفعت كفها الموضوع به تلك الإبرة الحادة ثم أجابته بوهن: -فريد في وجع هنا خليه يروح. ابتسم بحزن ثم أمسك يدها بحذر يطبع قبلة حانية للغاية فوقها قبل أن يجيبها بحنو كأنه يتحدث إلى طفلته: -حبيبي مينفعش تتشال دي عشان تخفي بسرعة.

حركت رأسها بتعب شديد رافضة تصديق حديثه ثم أجابته باعتراض طفولي بصوت لا يزيد عن الهمس: -مليش دعوة، أنت وعدتني. خلي الوجع ده يروح. مرر إصبعه أسفل جفنه يمسح تلك العبرات التي تجمعت داخل عينيه قبل سقوطها ثم انحنى بجذعه يطبع قبلة حانية فوق جبهتها وهو يتمتم لها قائلاً: -حاضر. ثواني وهشيلهالك. أنهى جملته ثم تحرك بجسده للخارج يبحث عن الممرضة التي اصطحبها معه. عاد بها إلى الغرفة ثم طالبها بنبرته الآمرة المعتادة:

-شيلي المحلول ده من إيديها. نظرت إليه الممرضة بدهشة ثم فتحت فمها معترضة: -بس يا فريد بيه، ده مش كويس عشانها. أجابها فريد بحدة ونفاذ صبر: -قلتلك شيليها. بتوجعها. شوفي أي طريقة تانية تاخد بيها العلاج. أطرقت الممرضة برأسها مفكرة في حل ما ثم أجابته على مضض قائلة: -هو الحل الوحيد إني أشيلها دلوقتي وأستبدلها بإبرة عادية، بس الصبح لازم أعلق محلول تاني عشان الجفاف. وافق فريد على الفور متمتماً براحة:

-ماشي. على الأقل تكون ارتاحت شوية منها. انتهت الممرضة من عملها وقامت بنزع تلك الإبرة الحادة من يدها وقامت بوضع لاصق طبي فوق أثرها ثم انسحبت من الغرفة بهدوء. تسلل فريد مرة أخرى إلى جوارها بهدوء ثم قام بطبع قبلة حانية على كف يدها المتألم وموضع اللاصق الطبي قبل أن يستلقي على الفراش بهدوء. تحركت حياة وقد بدأت تشعر بالبرد يتسلل إلى جسدها الضعيف لتندس داخل أحضانه وهي تتمتم بخفوت: -خليك هنا.. أنا بردانه.

أجابها بصوت أجش عميق: -أنا دايماً هنا.

رفعت كفها تتلمس وجهه برقة كأنها تتأكد من وجوده. لم يقاوم إغراء النوم بين أحضانها لذلك. اقترب بجسده أكثر يضمها إليه ويحاوطها بذراعيه حتى شعر بدفء أنفاسها يلحف عنقه بقوة. أغمض عينيه ببطء يستمتع بذلك الدفء الذي أحاط قلبه من اقترابها منه ثم اقترب منها أكثر يقبل وجنتها وجبهتها وأنفها ثم تحرك ببطء نحو شفتيها يطبع قبلات خفيفة ناعمة. كان يعلم جيداً أنه يستغل وضعها وعندما تتذكر ما فعله ستقوم بتعنيفه ولكنه فكر بيأس وليكن فهو ليس قديساً ولا تنتظر منه أن تكون بمثل هذا القرب منه ويستطيع السيطرة على مشاعره.

ظنت حياة أنها داخل حلم غريب ولكن جميل. يقوم رجل ما بقناع بإنقاذها من بين براثن وحش مخيف ثم يطلب منها بحب وهو يركع على ركبته واحدة أن تتزوجه. وافقت بفرحة على طلبه فقفز ينتصب في وقفته بسعادة ثم احتضنها بحب وهو يتمتم في أذنها بكلمات حب شغوف ثم بدأ يطبع قبلات خفيفة متفرقة فوق وجهها. مدت حياة كفيها وهي تبتسم له لنزع ذلك القناع الذي يخفي ملامح فارسها عنها فوجدته فريد. ابتسمت بخجل ثم أسندت رأسها فوق كتفه براحة قبل أن تغمض عينيها وتذهب في نوم عميق.

في الصباح استيقظ فريد فوجدها غافية داخل أحضانه بهدوء وتدفن رأسها داخل تجويف عنقه. أغمض عينيه بإستمتاع ثم دفن أنفه داخل شعرها يستنشق عطره المميز فحتى تلك التفصيلة البسيطة لم تغفل عن عفاف أثناء مساعدتها لها بالأمس. فكر بسعادة. ماذا سيحدث إذا توقف العالم الآن وعند تلك اللحظة بالذات؟

ما سيحدث هو أنه سينعم براحة وجودها داخل أحضانه للأبد. ولكن أكثر ما يزعجه هو حرارتها التي تزداد بشكل دائم مع هلاوسها المستمرة. تململت هي بين يديه لفترة قبل أن تبتعد عنه وهي تفتح عينيها بكسل إذا أنها لا تزال داخل حلمها الخاص حتى أنها استيقظت بداخل غرفة بألوان زرقاء زاهية لا تعرفها أبداً. ابتسم لها بحنان ثم طبع قبلة حانية فوق أرنبة أنفها وهو يتمتم بحب: -صباح الخير.

ابتسمت له بخجل فهي تعلم أنها لا تزال داخل الحلم ولكنها تستمع بكافة تفاصيله. بدأت تتحرك من الفراش فاعتدل على الفور يسألها مستفسراً: -حبيبي رايحة فين؟ أطرقت رأسها بخجل وقد بدأت وجنتيها تورّد ثم أجابته بتعب شديد وهي لا تزال مطرقة الرأس: -عايزة أروح الحمام وأغسل وشي. ممكن؟ ابتسم لها بإشراق ثم اقترب منها يضع ذراعه تحت ركبتها ويحملها بين ذراعيه حتى وصل إلى باب الحمام فأوقفاته معترضة: -لو سمحت نزلني وأنا هكمل.

اقترب برأسه من وجهها ثم سألها بخبث وهو يحك أنفه بوجهها: -طب مينفعش أكمل للآخر؟ هزت رأسها له معترضة فأنزلها على مضض وبحذر واختفت هي بجسد هزيل ومتعب داخل الحمام. بعد قليل خرجت منه وقد بدأت تترنح من شدة الحرارة والتعب فيبدو أن هذا المشوار القصير قد أضناها. حملها فريد على الفور وضمها بين ذراعيه يقربها أكثر نحو صدره. وصل بها إلى الفراش وجلس فوقه وهي لا تزال داخل أحضانه. سألها بقلق: -حياة انتي كويسة؟

أصدرت همهمة خفيفة ثم حركت رأسها تحت صدره وهي مغمضة العينين. سألها مرة أخرى بترقب يتمنى بداخله رفضها: -تحبي أنزلك؟ حركت جسدها لأعلى قليلاً حتى تستطيع الاختباء داخل تجويف عنقه ثم قالت بعدم وعي: -مش مشكلة. أنا عارفة إنك مش هنا. أجابها بصوت أجش هامس: -مش ممكن أكون هنا. حركت رأسها داخل عنقه ثم تمتمت هامسة: -ششش.. أنت مسافر وأنا عارفة إن كل ده مش حقيقي.

أنهت جملتها ثم انتظمت أنفاسها دلالة على ذهابها لنوم عميق. أحكم لف ذراعه حول خصرها ثم استلقى فوق الفراش وجسدها يقبع فوقه بهدوء، رافضاً إنزالها أو وضعها في وضع أكثر راحة، فهنا هو مكانها الطبيعي حيث قلبه. لقد خُلقت من هذا الضلع، وهذا الضلع موجود لتستند عليه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...