بعد انتهاء الفطور، انسحب فريد مرة أخرى إلى غرفة مكتبه. وقررت حياة استئناف اكتشافها للمنزل. فقبل مقابلة عزة، كانت تنوي الدخول للمطبخ، فهو من إحدى هواياتها المفضلة. أما الآن، فهي تعلم جيدًا أن وجودها بداخله شيء غير مرحب به.
أكملت جولتها بداخل المنزل ولم تملك إلا الإعجاب به حقيقةً. فكل ركن به مفروش بعناية وذوق رفيع. لم يتبق لها إلا المطبخ لدخوله. كان ينتابها الكثير من الفضول لرؤيته ورؤية تأثيثه وتجهيزاته. لذلك، وقفت مترددة تحاول الوصول لقرار. ثم رفعت رأسها بكبرياء وقررت زيارته، فهو في الأخير منزلها هي. وما إن خطت بداخله حتى رأت ستة أزواج من العيون تنظر لها، ما بين مهتم ومستنكر. زوجان أصبحت تعرفهما جيدًا، أما الآخرون فغريبان كليًا.
تنحنحت حياة بحرج وهي تقف في مدخله، وعلى الفور تقدمت نحوها سيدة ممتلئة الجسد في منتصف الخمسينات تقريبًا، قصيرة القوام، ذات ابتسامة دافئة. أحبتها حياة على الفور، فبادلتها ابتسامتها بإشراق. تحدثت السيدة بنبرة أكثر دفئًا وهي تمد يدها في اتجاه حياة لتحتضن كلتا يديها بحب، متسائلة: -أكيد إنتي بنت آمنة حياة.. قصدي حياة هانم؟ هزت حياة رأسها لها بإيجاب ثم نفي، وهي لازالت تحافظ على ابتسامتها الواسعة:
-لا طبعًا، أنا اسمي حياة بس. وأه، أنا بنت آمنة. حضرتك تعرفيها؟ مسحت المرأة على شعر حياة بحنان ونظرات الإعجاب تملؤها، قائلة: -ما شاء الله، آمنة عرفت تربي. ليه حق فريد. جميلة خلقًا وخُلقًا. أخفضت حياة رأسها بخجل والاحمرار يغزو وجنتها، فأضافت السيدة متمتمة: -صحيح، نسيت أعرفك بنفسي. أنا عفاف، المسؤولة عن الطبخ والمطبخ هنا. ثم أشارت إلى رجل في مقتبل الستينات من عمره كان يجلس على الطاولة بهدوء يتناول طعامه، ولكنه نهض
بمجرد دخول حياة ورؤيتها: -وده بقى عمك رضا، جوزي والجنايني بتاع الفيلا. أومأ برأسه لحياة يحييها باحترام ووقار، ولكنه تفاجأ من رد فعلها وهي تتقدم نحوه تمد يدها في اتجاهه متمتمة: -إزيك حضرتك يا عم رضا؟ أجابها معجبًا بسلوكها: -بقيت أحسن لما شفتك يا بنتي. ربنا يبارك لك فيكي. تمتمت حياة بخجل موجهة حديثها للسيدة عفاف: -لو حضرتك مش هتضايقي، ممكن أقعد معاكم شوية؟ أجابتها عفاف بترحاب لم تعهده حتى من والدتها: -يا خبر أبيض!
إنتي بتسأذنيني عشان تقعدي في بيتك! ده المطبخ كله ينور. ثم سحبتها بحنان لتجلس على أحد المقاعد الموجودة به، وللحق كان وثيراً وناعماً مثل مقاعد الاستقبال. لم تعلم كم شعرت حياة بالسعادة من ذلك الاستقبال الحميم، فعلى الأقل شعرت أنها فازت بصديق في ذلك المنزل الكبير الجاف. خرج عم رضا بعد قليل ولم يتبق سوى ثلاثتهم معًا. كانت السيدة عفاف تثرثر مع حياة دون توقف، قبل أن تتوقف لتسألها بعبوس:
-شوفي، أنا أكلت دماغك إزاي ونسيت أسألك! تحبي أعمل لك حاجة مخصوص للغدا النهارده؟ أكيد مش هتحبي تاكلي أكل فريد بيه من أول يوم كده. ضمت حياة حاجبيها معًا بتركيز، مستفسرة: -ليه مش هحب أكله؟ أجابتها عفاف مسترسلة في شرحها وهي تجعد أنفها وتهمس كأنه سر حربي خطير:
-ما إنتي أكيد عارفة، فريد بيه بيحافظ على صحته إزاي. مش بياكل غير أنواع أكل محددة، كله خضار ومفيهوش ملح وحاجات غريبة كده. وبعدها بيدخل الجيم ويقفل على نفسه، مبيطلعش قبل ساعتين تقريبًا، كل يوم. وممنوع حد يدخله. تقريبًا، الجيم والمكتب محظورين أي حد يدخلهم وهو فيهم، إلا لو هو طلب. صمتت قليلاً لتزدرد ريقها وهي تتفحص حياة، قبل أن تضيف بابتسامة واسعة: -طبعًا، الكلام ده مش ليكي، أكيد فريد بيه هيحب تكوني جنبه على طول.
زمجرت مدبرة المنزل القابعة بهدوء على أحد المقاعد وتستمع لحديثهم دون المشاركة فيه: -ست عفاف، بيتهيأ لي كفاية كلام كده وتخلصي اللي وراكي، ميعاد الغدا قرب. حدجتها عفاف بنظرة حنق، قبل أن تجيبها قائلة: -عزة، أنا بتكلم أنا والهانم وأنا بشتغل وهي مش معطلاني. روحي بس إنتي شوفي وراكي إيه بدل ما إنتي قاعدالنا كده. ضربت الأخيرة الأرض بقدمها غيظًا، قبل أن تحدج حياة بنظرة غل وتتجه نحو الخارج. أعادت عفاف تركيزها نحو حياة، متسائلة:
-إحنا وقفنا لحد فين؟ -أه، كنت بقولك إن فريد بيه محبش في الدنيا دي حد قدك. أنا من ساعة ما جيت هنا وأنا مش بسمع غير عن حبه ليكي. أرادت حياة فتح فمها للاعتراض وقول ملاحظة لاذعة، ولكنها عدلت عن ذلك. ففي النهاية، لن تتحدث عنه أمام موظفته. *** في تلك الأثناء، كان فريد يجلس خلف مكتبه وعروق وجهه بارزة من شدة الغضب وهو يتحدث في الهاتف بعصبية. صاح بمساعده قائلاً: -يعني إيه يعلوا علينا السعر؟ هو لعب عيال؟
تعلثم المساعد في نبرته قائلاً: -ما.. ما يا فندم... قاطعه فريد بغلظة قائلاً: -إنت لسه هتئمئم؟ اخلص! أنهى فريد كلمته الأخيرة بصراخ جعل الرجل على الطرف الآخر ينتفض فزعًا، ثم قال مسرعًا: -يا فريد بيه، هو بيقول إن الشركة بره علت عليه وهو معندوش استعداد يتحمل الخسارة. جحظت عيونه للخارج بقسوة، قبل أن يصمت قليلاً متفكراً، قبل أن يقول يتوعد: -الجنيدي ببلوى دراعي صح!
أنا عارف كويس إن مفيش حاجة من دي حصلت. هو فاكر كده بيضربني يعني؟ هو كده جاب آخره معايا. بس ورحمة أمي إن ما أفلسه مبقاش فريد. حك ذقنه بيديه، ثم تابع بصيغة الأمر: -اسمع، قدامك أسبوع وتكون ظبطلي مع الشركة الألمانية اللي عطياه التوكيل وتبلغني. أجابه مساعده برعب: -بس يا فريد بيه، إحنا كده بنعلن الحرب عليهم، وعيلة الجنيدي مش قليلة في السوق. صاح به فريد بغضب: -نبيل! اظبط معايا كده، ولو بتخاف روح اقعد في بيتك.
سارع نبيل يجيبه مصححًا: -يا فندم، أنا خايف على ساعتك مش أكتر. أجابه فريد وهو يصر على أسنانه بشراسة: -لسه متخلقش اللي يقف قدامي أو يلوي دراعي. حرك كفه داخل فروة رأسه مفكراً، ثم تابع بنفس صيغة الأمر: -ظبطلي بس إنت الشركة، وأنا هقولك بعدها هنعمل إيه. ثم أغلق الهاتف بنفاد صبر وألقاه بقوة فوق سطح مكتبه، وهو يتوعد لعائلة الجنيدي. ***
مضى الوقت وجاء موعد وجبة الغذاء سريعاً. دلفت حياة غرفة الطعام على مضض، فوجدته يجلس على رأس الطاولة باسترخاء ينتظرها. نظر إليها بتمعن يتأمل ملامحها المتجهمة، فاسترخت تقاسيم وجهه على الفور. حتى وهي في حالتها تلك، تستطيع تبديل بنظرة منها. فكر بحب أنها أصبحت كالمخدر بالنسبة له، ولكن مخدر من نوع آخر. مخدر يجعل الزمن يتوقف عن الحركة وينسى معها ماضيه وما يخشاه من حاضره ومستقبله.
قررت هي تجاهله والتصرف بلامبالاة مثله. لذلك، توجهت مباشرة نحو أحد المقاعد البعيدة عنه نسبياً لتجلس فوقه بهدوء. نظر إليها ملياً، أولاً نظرة خالية، قبل أن ينطق جملته متشدقاً: -بصي كده كويسة، هتلاقي إني الحمد لله معنديش مرض معدي. ولا إحنا في نص الشهر والقمر بدر، فخايفة أتحول وأقوم أعضك! نظرت إليه بصدمة، قبل أن تستوعب حديثه. انتظر هو رد فعل منها، ولكن دون فائدة. لذلك، تمتم بنفاذ صبر قائلاً بتهديد:
-هتتفضلي تقعدي جنبي من نفسك، ولا تحبّي أجي أشيلك؟ قفزت من مقعدها على الفور بمجرد سماع جملته، فكلاهما من نبرته ونظرته كانت توحي بجديته التامة. جلست في المقعد المجاور له دون أن ترفع نظرها نحوه، حتى لا ترى نظراته الباردة التي يرمقها بها منذ الصباح. في تلك الأثناء، دلفت السيدة عفاف داخل الغرفة تحمل الوعاء الخاص بالطعام. وضعته فوق الطاولة وشرعت في بدء عملها، عندما تحركت حياة من مقعدها وهي تتحدث بود:
-متتعبيش نفسك يا دادا، أنا هكمل. قبض فريد على معصم يدها بقوة يمنعها من الحركة، وهو يرفع نظره إليها بنظرة غاضبة أصابتها بالارتباك، ثم تحدث بنبرة منخفضة ولكن حادة: -اقعدي مكانك. أنا مش جايبك هنا تشتغلي.
فتحت فمها لتعارضه، ولكنه نظرة التحذيرية التالية التي رمقها بها مع زيادة ضغطه على معصمها جعلتها تتراجع. عادت تجلس فوق مقعدها بغضب، قبل أن توجه نظرة معتذرة في اتجاه السيدة عفاف، فبادلتها الأخيرة نظرتها بإيماءة خفيفة من رأسها وابتسامة متفهمة، قبل أن تشرع في استئناف عملها والخروج بهدوء من الغرفة بعد استئذانه. أمسكت حياة بملعقتها لتبدأ في تناول طعامها، قبل أن تعقد حاجبيها معًا باشمئزاز!
إن الحساء يحتوي على جميع المكونات التي تكرهها فعلاً. دفعت الوعاء بعيداً عنها قليلاً، فهي لن تتناول ذلك الطعام تحت أي ظرف كان. كان فريد يراقب ما تقوم به بتركيز تام، وعندما دفعت الوعاء من أمامها، حدثها بنبرة آمرة: -حياة، كملي أكلك. إنتي مش طفلة! حدجته بنظرة غاضبة، قبل أن تجيبه بحنق قائلة وهي تقلد نبرته: -كويس إنك عارف إني مش طفلة! ولا أقولك، تعالى أكلني غصب عني زي ما اتجوزتني غصب.
شعرت بالانتصار عندما رأت أثر الصدمة واضحاً على ملامحه، ولكن سرعان ما تحولت نظرة انتصارها إلى قلق عندما وجدته يرفع إحدى حاجبيه بتحدٍ ويضع ملعقته فوق الطاولة وهو يستعد للتحرك. شهقت برعب وهي ترفع كفها في اتجاهه لتوقفه وهي تتمتم برعب: -أوعى تقرب مني. أنا مش هاكل أكل الناس العيانة ده.
اتسع فمه بابتسامة انتصار، ثم تحولت بتسلية وهو ينظر إلى ملامحها الغاضبة. فهو يعلم جيدًا أن مذاق الطعام لم يعجبها، ولكنها أرادت اللعب معه وعدم الاعتراف. زمّت هي شفتيها بحنق وهي تفكر بغيظ، لقد خدعها. إذاً، عليها أن تكون أكثر يقظة عندما تتعامل معه في المستقبل. أعادها من أفكارها صوته العميق يسألها باهتمام ونبرة حانية: -ليه مطلبتيش من المطبخ حاجة إنتي بتحبيها؟ أجابته بحنق: -وأنا أعرف منين يعني! كنت بحسبك بتاكل زي الناس.
رمقها بنظرة غير مفهومة، قبل أن تعود إليه نظرته الباردة مرة أخرى: -الناس هي اللي مش بتاكل زيي! تمتمت بخفوت: -مغرور. فريد: -سمعتك. أجابته بحنق: -ميهمنيش. أنا كده كده بكرُهك. اهتزت نظرته قليلاً، قبل أن يجيبها بصوت هادئ ونبرة تملؤها التهكم المرير: -مسمعتهاش من امبارح. وضع المحرمه فوق الطاوله بعد أن مسح بها فمه وتركها وخرج من الغرفه.
قررت حياة قضاء ما تبقى من يومها داخل غرفتها حتى تتجنب لقائه. وفي المساء عند حلول موعد العشاء رفضت النزول بحجة أنها ليست جائعة. ولكن بعد العاشرة بقليل أعلنت معدتها العصيان الكامل عليها، فهي لم تتناول شيئًا يُذكر منذ صباح البارحة. لذلك قررت التسلل إلى المطبخ بهدوء لعلها تهدئ من احتجاج معدتها قليلًا. صادفت السيدة عفاف التي كانت على وشك إنهاء عملها والذهاب لمخدعها. عندما رأتها فهمت على الفور سبب هبوطها فابتسمت لها بتفهم.
تمتمت حياة بخجل تقول: -دادا.. أنا جعانة. استجابت السيدة عفاف لطلبها على الفور وقامت بوضع مائدة كاملة أمامها. تناولت حياة طعامها بهدوء ثم جلست تتسامر قليلًا مع السيدة عفاف عندما شعرت بخيال شخص ما يقف عند مدخل المطبخ. علمت من هو من رائحة عطره المميزة. التفتت تنظر إليه فوجدته يرتدي زيًا رياضيًا أسود يتناسب تمامًا مع عضلات جسده ويضع منشفة صغيرة حول عنقه وتبدو على ملامحه الإرهاق، فعلمت أنه قد انتهى للتو من تمارينه. تحدث
على الفور بلهجته اللاذعة: -بيتهيأ لي مش ناويه تقضي الليل كمان في المطبخ. ثم تحرك في اتجاهها بعد انتهاء جملته، يمسك بذراعها ليجذبها نحوه ويتحرك بها للخارج دون كلمة أخرى. نفضت يدها من قبضته فور خروجهم من المطبخ ورفعت رأسها بكبرياء تسبقه للأعلى. كانت على وشك دخول غرفتها عندما أوقفها صوته يقول باستخفاف: -ما كنتش أعرف إن القعدة مع الخدم والحرس حلوة كده! الصبح حاولتِ تحمي واحد وباقي اليوم قاعدة مع التانية!
التفتت وعادت بخطواتها للوراء حتى توقفت أمامه مباشرة. ثم وضعت إحدى أصابعها فوق فمها بتفكير قبل أن تميل برأسها نحوه وتقول بثبات وعيناها تطلق شررًا نحوه: -الخدم دول أمي وأبوك منهم يا فريد بيه يا ابن رحاب هانم. شعرت بذلك العرق بجانب صدغه قد بدأ في البروز من كثرة ضغطه فوق أسنانه، لذلك قررت الانسحاب على الفور. ولكنه سرعان ما تدارك غضبه فأجابها بسخرية وهي تدير مقبض باب غرفتها: -حياة هانم طلعت عن شعورها وبتقول أمي وأبوك!
واضح إن تعب رحاب هانم معاكِ ما جابش نتيجة. أنهى جملته الأخيرة وهو يضغط على كلماتها بقوة، فهمت مغزاها جيدًا. توقفت يدها عن تدوير المقبض ثم التفتت تحدقه بنظرات حانقة قائلة له بغيظ: -بكرهك. لوى فمه بسخرية مجيبًا وهو ما زال يقف أمام باب غرفته: -عارفة إيه الناحية التانية للكره؟ خلي بالك تلاقي نفسك واقفة عندها من غير ما تحسي. أنهى جملته الأخيرة ثم دلفت غرفته وأغلق الباب خلفه بهدوء، تاركًا إياها تشعر بالرعب مما هو قادم.
دلفت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها برفق، واستندت بثقل جسدها فوق الباب ثم أغلقت جفونها بحزن قبل أن تضع كلتا كفيها فوق وجهها لتخفي ملامحها من شدة خجلها. فكرت بضيق: يالله! ما هذا الذي تفوهت به منذ قليل؟ أيعقل أنها أقحمت أحب إنسانة إلى قلبها في صراعهم العقيم ونقاشهم الملغم؟ شعرت بوخز الدموع داخل مقلتيها بسبب شعورها المتزايد بالذنب. اللعنة على ذلك فريد!
إنه يستطيع إثارة غضبها وإخراجها عن شعورها بكلمة واحدة منه. انزلقت بجسدها إلى الأرضية الخشبية لتجلس فوقها وهي تضم ركبتيها إلى قفصها الصدري وتحاوطهما بذراعيها وهي تستند بذقنها عليهما مطلقة لدموعها العنان. فكرت بحزن أن كل ما وصلت إليه حتى الآن يعود فضله بعد الله إلى والدتها الثانية رحاب التي سخرت منها منذ قليل.
ففي الحقيقة كانت تعاملها بحنان أكثر من طفلها الوحيد. حتى عندما قرر السيد غريب والد فريد أن يعهد بتربيته إلى معلمة خاصة لتعليمه كافة أصول الإتيكيت متعللاً أنه لا يثق في خادمه لتنشئة ولي عهده، أصرت أمامه السيدة رحاب أن تتلقى حياة نفس التنشئة وتحضر معه كافة الدروس حتى تتعلم كيفية التصرف كسيدة مجتمع منذ صغرها. وبالطبع لم يكن فريد ليتركها، فوافق والده مجبرًا. وعندما حان موعد دراستها الأكاديمية أصرت على صديقة عمرها ووالده
حياة إدخالها مدارس الراهبات لتتلقى أفضل تعليم للفتيات في ذلك الوقت، وبالطبع تكفلت بكل مصاريفها في مراحل تعليمها الأولى. حتى بعد وفاتها علمت حياة أنها آمنت مصاريف دراستها حتى المرحلة الإعدادية. وعندما انتقلت بعد ذلك إلى المدارس الحكومية كانت قد حفر داخل ذاكرتها كل ما تعلمته منذ صغرها، فكان يُعجب بأخلاقها ورقتها وفطنتها في التعامل كل من يراها. والآن هكذا يكون رد الجميل لها؟!
السخرية من ذكراها؟! فكرت بضيق وحزن أنها منذ وصولها إلى ذلك المنزل وهي تشعر بالغضب على الدوام، حتى أنها أصبحت لا تعرف نفسها. فالطالما كانت هادئة ذات نفسية متوازنة لا تسمح لأي كان أن يؤثر بسلوكها حتى والدها، ولن تسمح لفريد الآن بأن يحولها إلى شخص فظ مثله. هذا ما قررته وهي تجفف دموعها وتنطلق نحو الباب المشترك بينهم.
طرقت الباب عدة طرقات دون إجابة. طرقته للمرة الأخيرة قبل أن تقرر التوجه نحو الحمام وتبديل ملابسها عندما وجدت الباب يُفتح ويقف فريد قبالتها وهو لا يرتدي سوى منشفة بيضاء على خصره وأخرى صغيرة فوق عنقه وشعره يبدو مبللًا. شهقت بفزع من مظهره والاحمرار يزحف نحو وجنتيها قبل أن تبدأ في مهاجمته متناسية كل ما ذكرت به نفسها منذ قليل: -إيه ده!!! إيه قلة الأدب دي! أنت إزاي تفتح لي وأنت كده!
نظر لها بحاجب مرفوع متعجبًا من هجومها غير المبرر قبل أن يجيبها متشدقًا: -حياة.. أنتِ أكيد مخبطيش الباب كل ده عشان تقولي لي إني قليل الأدب؟! ارتبكت من نبرته ومظهره العاري وعضلاته البارزة وبدأ الاحمرار يزداد فوق وجنتيها، ففي كل الأحوال تلك هي مرتها الأولى التي ترى أمامه رجلًا نصف عارٍ ولديه كل ذلك الكم من العضلات المصقولة. انتظرها لتتحدث ولكن دون فائدة، لذلك تحدث مرة أخرى بعد أن تبدلت ملامحه للاستمتاع وهو يرى ارتباكها،
فهتف باسمها: -حياااااااة! أجابته مغيظة وهي ترفع رأسها نحوه بتحدٍ وثبات: -فرييييييد! التوى جانب فمه بابتسامة صغيرة قبل أن يجيبها بنبرة مشاكسة: -عيون فريد! أنا معنديش مشكلة أفضل واقف كده للصبح بس أنتِ شوية وهيغمى عليكِ من الكسوف، فقولي عايزة إيه من غير كل التوتر ده؟! فركت باطن كفيها بتوتر قبل أن تقول بتعلثم وهي تشعر بحرارة جسدها تزداد تلقائيًا من كثرة الضغط: -أنا بس كنت عايزة أقولك إني...
صمتت قليلًا محاولة استجماع شجاعتها، فأخر ما كانت تتوقعه هو أن تقف أمامه تطلب منه السماح. سألها بنفاد صبر يحثها على تكملة جملتها: -ها! كنتِ عايزة تقولي إنك... رفعت نظرها إليه ثم قالت بخجل: -كنت عايزة أقولك إني آسفة على الكلام اللي قلته من شوية، وآسفة إني جبت سيرة ماما رحاب في كلامنا. أنت أكتر حد عارف أنا بحبها قد ايه ومكنش ينفع أقول كده أبدًا. هل لمعت عيونه للتو أم أنها كانت تتخيل ذلك؟!
لم تتلقى منه أي رد، ولكنها رأت تبدل ملامحه تمامًا، فقد تحولت من التجهم إلى شيء آخر لم تفهمه، ثم سريعًا إلى الاسترخاء، حتى أنه بدا أصغر سنًا وهو يقف أمامها. وقف ينظر إليها مليًا يحاول تفسير ما يراه أمامه وما تفوهت به للتو! هل لذلك السبب يبدو عليها أثر البكاء؟ كم تبدو شهية بأنفها الأحمر ووجنتيها وعينيها الدامعة!
إنها تثيره إلى أقصى درجة دون أن تعلم ذلك حتى ودون أي جهد يُذكر منها. انتظرت حياة أي رد فعل منه ولكن دون جدوى، لذلك سألته بتحدٍ وهي تعاود رفع رأسها بكبرياء: -دورك على فكرة. أعاده صوتها الرقيق من تأمله فسألها بعدم فهم: -دوري في إيه بالظبط؟ أجابته بكبرياء: -إنك تعتذر مني على اللي قلته لي من شوية. نظر إليها بصدمة كأنها تطلب منه المستحيل. لوت فمها بإحباط قبل أن تتحول نظرتها إلى خيبة الأمل. حسنًا، ما الذي كانت تنتظره منه؟
أن يتخلى عن غروره ويعترف لها بخطئه؟ لو كانت تلك شخصيته ما كان أجبرها منذ الأساس على الزواج منه. التفتت تعود إلى غرفتها تجر معها إحباطها عندما أوقفها صوته العميق يقول بصوت مليء بالعاطفة: -حياة.. أنتِ أغلى عندي بكتير من إني أزعل على اللي قلتيه من شوية. تنهد بحرارة قبل أن يكمل حديثه بصوت أجش: -وصدقيني أنتِ في عيني أكبر من إنك تعتذري حتى لو ليا. وحتى لو غلطتي أنا أعتذر عن غلطي وغلطك بدالك.
فاجأها اعتذاره وحديثه، فالتفت تنظر إليه ودون وعي منها بابتسامة واسعة مشرقة وعيون تلمع بالرضا. بادلها ابتسامتها بابتسامة حقيقة لم تزر شفتيه منذ زمن بعيد، ولم تعلم أن بابتسامتها تلك قد أضاءت له ليلته المظلمة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!