الفصل 4 | من 34 فصل

رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الرابع 4 - بقلم شيماء يوسف

المشاهدات
29
كلمة
3,475
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 12%
حجم الخط: 18

مرت الأيام سريعا وجاء موعد عقد القران. لم تقم أو تهتم بأي شيء ولم يتركها فريد تنشغل بشيء، حتى فستان زفافها التي ارتدته بعد توسلات كثيرة من والدتها كان من اختياره. تم عقد القران في الفيلا خاصته وسط حضور عدد بسيط من المدعوين، ولكن في النهاية كان كل شيء مثالي وراقي لأقصى حد تحلم به كل فتاة عداها، هذا ما فكرت به حياة وهي تنظر حولها متأملة.

انتهت الحفلة سريعا ولم يحاول فريد خلالها الاقتراب منها أو لمسها، حتى بعد عقد قرانهم اقترب منها يطبع قبلة بسيطة فوق جبهتها ثم ابتعد فورًا عند شعوره بتململها تحت قبضته. انقضى الحفل وودعت حياة الجميع، ثم جاء وقت توديع والدتها التي بكت من أعماقها قبل أن تتمتم هامسة في أذن حياة: -أنا آسفة يا بنتي بس مكنش في حل تاني. شدت حياة من احتضانها لوالدتها وهي تتمتم لها مطمئنة: -عارفة وصدقيني مش مضايقة.

كانت حياة صادقة فيما تفوهت به، فهي لا تشعر بالضيق نحو أي منهم على الإطلاق. لقد اختارت حماية أخاها دون أدنى ضغط من أي طرف، وقرارها ذلك نابع من قلبها فقط، ولو عاد الزمن لفعلت نفس الشيء مجددًا، من أجله. ثم أنها لا تدري، لعل ذلك هو الخير لها. ربتت آمنة على شعرها وظهرها بحنان قبل أن تقبل جبينها وترحل. سألها فريد بنبرة خالية بعد رحيل الجميع: -تحبي تدخلي دلوقتي؟

هزت رأسها له موافقة دون إضافة. دلفت حياة إلى الداخل ثم طلبت منه أن يريها غرفتها فورًا، فهي تريد التخلص من ذلك الرداء بأسرع ما يمكن. تقدمها نحو الدرج ليرشدها ثم توقف أمام غرفة ما يفتحها. دلفت حياة للداخل أولًا، ثم تبعها فريد بهدوء. كانت غرفة واسعة رائعة الجمال بألوانها الكريمية الهادئة مع أثاثها الخشبي المريح من الطابع الفيكتوري. أول شيء استرعى انتباه حياة هو وجود بابين داخل الغرفة. سألته بتوجس وهي تشير

برأسها نحو الباب الآخر: -إيه الباب ده؟ أجابها فريد بلامبالاة وقد وضع كلتا يديه داخل جيوب بنطاله: -ده باب أوضتي، أو بمعنى أصح باقي جناحي. شعرت حياة بالدم يتدفق بقوة داخل عروقها فأجابته بنبرة حادة: -يعني إيه الكلام ده؟ وبعدين أنت وعدتني. نظر إليها فريد مطولًا. ظنت أنه لن يجيبها قبل أن يقول: -وأنا لسه عند وعدي. انتي طلبتي يبقى ليكي أوضة خاصة، أهي أوضة خاصة بباب مقفول ومفتاحه معاكي. ضربت حياة الأرض بقدمها

من شدة الغيظ وهي تصيح به: -أوضة خاصة إزاي وأنا في نفس جناحك وبيني وبينك باب؟ نظر إليها بتسلية قبل أن يجيبها قائلاً: -الباب مقفول ومش هيتفتح إلا بإذنك. وبعدين المرة الجاية ابقي حددي طلبك أكتر.

ثم تحرك دون انتظار ردها يدير مقبض الباب بيده ثم اختفى داخل غرفته. نظرت حياة إلى أثره بغضب، وهي التي ظنت أنها ستقطن في طابق غير الذي يقطن به، ولكن كل ما تحصلت عليه هو جناح واحد والفاصل بينهم هو باب مشترك. اللعنة على هفوتها، فالخطأ منها. كيف لم يخطر في عقلها أن فريد سيتلاعب بالكلمات كعادته ويستغلها لصالحه؟ تحركت بغضب نحو المرآة تقف أمامها لبرهة قبل أن تقوم بخلع فستان زفافها. زفافها!

يالها من كلمة كبيرة الآن. تأملت نفسها بالمرآة قليلًا. لتكن واقعية، أن ذلك الفستان الذي ترتديه غاية في الروعة تمامًا كالذي حدثت والدتها عنه أيامًا وأيامًا، كأنه خرج من مخيلتها ليتجسد أمامها. رفعت يدها تتأمل ذلك المحبس الموضوع داخل إصبعها بعناية. لوت فمها بسخرية، فأي فتاة أخرى كانت ستقفز فرحًا من فرط سعادتها لتحصل على زوج غني ووسيم كفريد. فالحقيقة أنه كان وسيمًا للغاية ببدلته الأنيقة وابتسامته الهادئة وعيونه العسلية

التي تشع إصرارًا وقوة، ولكن ذلك لا يشفع عن طباعه المهلكة. ربما هي أيضًا، إذا حدث ذلك منذ عشر سنوات أو يزيد، كانت لتفقز فرحًا لزواجها من حاميها الأول، ولكن الآن الوضع تغير وها هي متزوجة من صديق طفولتها ونقمة حياتها. حتى أنه لم يعلق على مظهرها كأي عروس. عنفت نفسها بقوة. أتنتظر منه مدحًا أو تعليقًا؟

ليحل البؤس والشقاء على حياتها قبل أن تنتظر منه شيئًا هكذا. قاطع أفكارها طرقات خفيفة على الباب المشترك، فعلمت أنه هو. أغمضت عينيها وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تمسد على ثوبها الناعم وتتحرك لتواجهه. وضعت يدها فوق المقبض ثم حركته ووقفت تنظر إليه بهدوء منتظرة أن يدلو بما في أفكاره. نظر إليها فريد مطولًا وهو يضع يديه في جيويه مفكرًا: كم أنها صغيرة وجميلة. إنها أميرته الخاصة. هل تعلم كم تبدو فاتنة بذلك الفستان الأبيض؟

بل هل تعلم كم حلم وتمنى تلك اللحظة؟ هل تعلم أنه طوال حياته لم يقترب من أي امرأة أخرى فقط ينتظر إشارتها؟ إن مظهرها الرقيق بنظرة عيونها الحائرة التي تفصح عن أكثر بكثير مما تصمت هي عنه تجعله يفقد السيطرة على أعصابه وتفكيره. تنحنح محاولًا تنقية حلقه قبل أن يقول بنبرة حانية: -انتي جميلة أوي النهاردة. انتي جميلة كل يوم وأجمل في عيني يوم عن يوم، بس النهاردة جمالك من نوع تاني.

شعرت حياة بالخجل من تفكيرها، أيعقل أنها علمت ما كانت تفكر به منذ قليل؟ أطرقت عينيها للأسفل تهرب منه حتى لا يرى ارتباك نظرتها. لم يكن بحاجة إلى أن يراها ليعلم رد فعلها. هذا ما فكر به وهو ينظر إلى احمرار وجنتيها. حرك يده داخل جيب بنطاله يلتقط شيئًا ما ثم مد يده في اتجاهها. عبست حياة وهي ترى يده ممدودة أمامها وهو ممسك بورق ما فوق ما يبدو أنها قطعة قماش مطوية بعناية. رفعت رأسها تسأله وهي لا تزال مقطبة الجبين: -إيه ده؟

أجابها فريد بهدوء: -ده الورق اللي يخص والدك وطلبتي مني أقطعه. تمتمت حياة متذكرة: -آه أنا نسيت حكاية الورق ده خالص. أجابها فريد مبررًا: -بس أنا منستش. أنا وعدتك إني هنفذ اللي طلبتيه كله، بس ملقتش فرصة أديهولك قبل كتب الكتاب لأنك كنتي بتتهربي من إنك تشوفيني. شعرت حياة بالخجل يزحف نحو وجنتيها مجددًا، فهو محق في ملاحظته تلك، فطوال يومها حاولت التهرب من رؤيته أو مصادفته بأي شكل كان. أضاف فريد بثبات وقد تبدلت ملامحه:

-عمتا الورق قدامك أهوه تقدري تعملي فيه اللي انتي عايزاه. مدت يدها ببطء تأخذ منه الأوراق مع قطعة القماش، تاركة له المجال ليعود إلى غرفته. توقف مرة أخرى عائدًا إليها ومتحدثًا بهدوء: -حياة، لو حبيتي تاكلي هتلاقي العشا تحت جاهز. أنا مطلبتش منهم يطلعوه هنا عشان متأكد إنك مش هتحبي تتعشي معايا، وطبعًا مش منطقي من أول ليلة أطلب منهم يطلعوا عشا لكل حد فينا لوحده.

أنهى حديثه ولم ينتظر تعقيبها، بل مد يده يلتقط مقبض الباب المشترك بينهم ويغلقه. شعرت حياة بالخجل للمرة الثالثة من حديثه، ولكن لا، لن تنخدع بكل ذلك. ذكرت نفسها أنه هو من ابتزها ليتزوجها. إذا فليتحمل شروطها وأسلوبها مهما كان فظًا. ثم أنه لا يمتلك قلبًا مثل البشر ليشعر أو يتألم.

تحركت نحو المنضدة تضع الورق فوقها ثم منه إلى خزانه الملابس لتبديل ثيابها. فتحت الخزانة قبل أن تشهق بصدمة. إنها تحتوي على الكثير والكثير من الملابس بألوانها وأقمشتها المفضلة لديها. يالله، لقد وقعت في حبهم على الفور. كيف استطاع معرفة ذوقها لذلك الحد؟

ولكن لا، ذكرت نفسها بحزم. لن ترتدي من ملابسه، فها هي أحضرت معها جميع ملابسها التي كانت تدخرها لزواجها. ستستخدمها عوضًا عن تلك الملابس التي ابتاعها لها، فهي لا تريد شيئًا منه. التقطت إحدى البيجامات الناعمة من حقيبتها ثم تحركت نحو الحمام لتبديل ملابسها. فقط للاحتياط.

خرجت بعد قليل وقد بدلت ملابسها وأزالت آثار المكياج الذي غطى وجهها بعدما أخذت دشًا سريعًا تريح به أعصابها، وربطت شعرها على هيئة كعكة بسيطة وجلست على حافة الفراش بجوار المنضدة بصمت تسحب الورق الذي أعطاه لها منذ قليل. فتحته ووجدت توقيع والدها يقبع هناك بهدوء. تنهدت بألم ثم قامت بتمزيقه إلى قصاصات صغيرة ووضعته في سلة المهملات بجوار فراشها. مدت يدها مرة أخرى تلتقط قطعة القماش المطوية لتفتحها باستغراب. شهقت حياة من جمالها. إنه ليس أكثر من منديل عقد قرانهم. لمعت عينيها بانبهار فقد كان تحفة فنية رائعة. زُيّنت أطرافه بالجبير الرائع ونُقش بداخله يدويًا بخيوط من الذهب.

"قلبي يحدثني بأنك متلفي"

في بداية الأمر أرادت إلقاءه مع باقي الأوراق في سلة المهملات، ولكن براعة تنفيذه منعتها من ذلك. لذلك قامت بطيه بعناية مرة أخرى ثم وضعته بحرص داخل أحد أدراج خزانه ملابسها. عادت إلى الفراش لتستلقي عليه في محاولة فاشلة منها للنوم. تأففت بعد فترة تنظر في ساعتها فوجدتها تجاوزت الواحدة صباحًا. حسنًا، لن تستلقي هناك طيلة الليل، فيبدو أن كل محاولاتها البائسة في النوم ذهبت جفاءً. أضاءت مصباح الغرفة قبل أن تقرر استكشاف الشرفة.

فتحت النافذة ودلفت إليها وإذا هي تشهق بسعادة. فغرفتها مطلة تمامًا على البحر. ابتسمت بقوة وهي تتقدم إلى الأمام بداخلها حتى استندت على جدارها تستمع بذلك الهواء البارد الذي يلفح وجهها، مغلفًا برائحة الصوديوم المنبعثة بقوة من رذاذ البحر. التفت يمينًا تنظر إلى الضوء المنبعث فتسمرت مكانها. إن شرفتها أيضًا مشتركة معه. لقد قام بعزل الغرفة ولكنه ترك الشرفة مشتركة بينهم. ارتبكت بشدة عندما سمعت وقع خطوات تقترب منها آتية من

غرفته، فعادت راكضة إلى غرفتها تغلق نافذة الشرفة خلفها جيدًا وتندس داخل الفراش.

فكرت بحنق: اللعنة عليه! إن غضبها يزداد منه مع مرور الوقت، فكيف ستتحمل عشرته كل ذلك الوقت حتى يأتي يوم الخلاص؟

فتحت عينيها في الصباح بثقل بعد نوم ليلة متقطعة. نظرت حولها وهي مستلقية فوق الفراش تحاول إجبار عقلها على تقبل ما مرت به منذ البارحة حتى تستطيع التعامل مع كل تلك التغييرات. زفرت بيأس، فليس هناك أمل في التظاهر بالنوم حتى يصبح كل شيء على ما يرام. حثت نفسها على القيام ومواجهة قدرها، فليست حياة من تتهرب من عقبات حياتها. بعد قليل كانت تقف أمام مرآة غرفتها تصفف شعرها جيدًا، ثم عقدته للأعلى على هيئة كعكة بسيطة أبرزت نعومته.

لوت فمها بسخرية وهي تنظر في المرآة تتفحص هيئتها البسيطة وهي ترتدي بنطالًا من الجينز الفاتح مع تي شيرت قطني خفيف، فكان مظهرها أبعد ما يكون عن عروس جديدة. تنهدت بثقل وقد عادت إليها تلك الأفكار التي تحاول الهرب منها منذ البارحة. كيف ستتعامل معه؟

فبرغم تظاهرها بالقوة أمامه، إلا أنها منذ البارحة تخشاه، أو بالأدق تخشى التواجد معه في نفس المنزل. فهي لا تعلم ردود أفعاله عن أي شيء، فعلاقتها معه انقطعت منذ ما يقارب الخمسة عشر عامًا. وما تعلمه عنه في تعامله مع غيره لا يبشر بخير إطلاقًا. هل سيفي بوعده لها أم أنه فقط يجاريها؟ هل سيستخدم العنف معها مثلما كان يفعل والده مع والدته؟

كان هذا أكثر ما تخشاه، فقد أصبحت الآن في عرينه بمفردها، وليس لديها من يدافع عنها أو يحميها من بطشه. تذكرت بأمل أن دائمًا لديها الله، لذلك تضرعت له بقلب مفعم بالرجاء أن يحميها من بطشه وقوته. ثم رفعت رأسها بكبرياء تستعد لاستقبال أول يوم في أسرها، وأول شيء قررت القيام به هو استكشاف سجنها. فتحت باب غرفتها بهدوء، كأنها تخشى إصدار أي صوت قد يعلن عن وجودها فيذكره بها وكأنها تنساه.

التفتت يمينًا ويسارًا تبحث عنه فلم تجد له أثر. تنهدت براحة ثم استأنفت طريقها للأسفل. أول شيء لفت انتباهها بمجرد وصولها للأسفل هو كل تلك الأجسام الضخمة التي تقف متأهبة داخل الحديقة وعلى أعتاب المنزل الداخلية. بالطبع لم يكن الأمر يحتاج لذكاء خارق لتدرك أن كل هؤلاء الرجال للحماية، ولن تتفاجأ إذا علمت أن نصفهم للحرص على إبقائها داخل جدران ذلك القفص. أثناء تفحصها لهم، استرعى انتباهها زوج من العيون يتأملها بحذر. التفتت

حياة تتقدم للأمام وهي تدقق النظر، فإذا بها ترى امرأة في منتصف الثلاثينيات على أقصى تقدير، ذات قوام متناسق ووجه أبيض رائع الجمال، ترتدي زيًا رسميًا وتنظر إلى حياة بتفحص من رأسها حتى أخمص قدميها. توقفت حياة عن السير ولم تدرِ لمَ لم يعجبها نظرات تلك المرأة لها. على كل حال،

سألتها حياة بفضول: -مين حضرتك؟ أجابتها المرأة بنبرة رسمية خالية من أي عاطفة: -أنا عزة.. مديرة البيت هنا.

لوت حياة فمها بيأس، فيبدو أن إقامتها هنا لن تكون سهلة على الإطلاق. على كلا، هزت حياة كتفيها بعدم اهتمام ثم أكملت طريقها عدة خطوات للأمام قبل أن تتوقف فجأة وتعقد حاجبيها معًا بعبوس وهي ترى إحدى زجاجات الخمر موضوعة فوق بار للمشروبات بعشوائية. لم تتخذ الكثير من الوقت قبل أن تقرر ما عليها فعله. التفت خلفها مرة أخرى، توجه حديثها إلى تلك التي لحقت بها: -مدام عزة لو سمحتي خدي الأزاير دي بالكاسات بتاعتها أرميهم.

أجابتها عزة بكبرياء، محافظة على نبرتها الخالية معها: -آسفة يا هانم.. دي حاجات فريد بيه ومقدرش أتصرف فيها غير بأمره هو. رفعت حياة إحدى حاجبيها باندهاش قبل أن تحرك رأسها موافقة، وهي تلوّي طرف فمها بابتسامة سخرية وتقول بإصرار: -طب تمام.. تقدري تندهيلي حد من الحرس اللي واقف بره دول.. بيتهيألي مش محتاجة إذن فريد بيه في حاجة زي دي صح؟

نظرت إليها عزة بتشكك واضح قبل أن تتحرك نحو الحديقة، ثم اختفت لثوانٍ قبل أن تعود ومعها أحد الأفراد مرتدياً بذلة سوداء ويحمل أحد الأسلحة فوق خصره بوضوح. تشدقت حياة وهي تنظر إلى مظهره المرعب، تشعر وكأنها سقطت في إحدى دور المافيا الإيطالية. ترى هل كل ذلك حلم ستفيق منه بعد قليل؟ كان ذلك أقصى أمانيها في الوقت الحالي. على كلا، أغمضت عينيها لبرهة قبل أن تفتحهما مرة أخرى وتطلب من الحارس بهدوء:

-لو سمحت ممكن تجيبلي صندوق خشب مقفول أو برميل؟ .. عايزة أي حاجة متتسربش مياه. أومأ لها الحارس على الفور باحترام قبل أن يجيبها: -حالاً يا فندم ويكون عندك. ثم تحرك للخلف وهو لازال يعطيها وجهه حتى اختفى عن الأنظار. التفتت حياة مرة أخرى بعد ذهابه تسألها بنبرة متحدية: -عايزة جوانتي.. أكيد عندك. أومأت عزة لها برأسها قبل أن تختفي هي الأخرى. زفرت حياة بحنق وهي تفكر في تلك المرأة وطريقتها العدائية في التعامل معها.

أعادها من أفكارها عودة الحارس حاملاً برميل أزرق عميق، فابتسمت حياة بسعادة ثم طلبت منه وضعه أمامها والانصراف، فنفذ على الفور دون جدال. ثم بعد ذلك جاءت مدبرة المنزل تحمل لها القفازات، فارتدتها حياة على الفور. همت بإمساك الزجاجة الموضوعة فوق البار عندما شعرت بعيون تحدق بها. التفتت حياة فوجدتها لازالت واقفة مكانها تراقبها. قالت لها حياة بهدوء يشوبه الكثير والكثير من تمردها المعهود:

-على فكرة تقدري تتفضلي أنا مش محتاجة حاجة. أومأت لها مدبرة المنزل بنفاذ صبر قبل أن تتحرك للداخل بتردد وتتركها بمفردها، وهي تعلم جيدًا ما تنوي فعله. ***

كان فريد يجلس في غرفة مكتبه المطلة مباشرة على البحر، خلف مكتبه الواسع في مقعده الجلدي المريح، يدقق في إحدى الملفات الموضوعة أمامه عندما سمع أصوات تحطم قادمة من الخارج. أرهف سمعه فإذا بها أصوات تحطم زجاج. ركض على الفور نحو الخارج يتبع مصدر الصوت، وقلبه ينتفض رعبًا عليها ظنًا منه أن أحد أعدائه قد تجرأ على مهاجمة منزله. صرخ باسم أحد الحراس بقوة، مما جعل حياة تنتفض قبل أن يتوقف بصدمة وهو يرى صغيرته تقف بتحدٍ وهي تضع يدها فوق خصرها وتزم شفتيها للأمام، ويدها الأخرى تلقي بما تحمله من زجاجات الخمر في وعاء أزرق عميق. جالت عيناه جسدها ونظرات الإعجاب ظاهرة عليه. كم سيسعده ترويضها!

هذا إن استطاع التفريط بها أساسًا. رفعت حياة رأسها على صوته العميق الغاضب: -حياة!!! هتجرحي نفسك!

استعادت هدوءها ثم نظرت إليه بعيون متحدية وهو يقف أمامها يرتدي تيشرت أزرق يبرز عضلاته بقوة ويضع كلتا يديه داخل جيوب بنطاله. رفعت حاجبيها مع نظرة مغيظة له قبل أن تتحرك نحو البار تلتقط آخر زجاجة موضوعة به، ثم رفعتها بتحدٍ أمام عينيه وتحركت بها حتى توقفت أمام البرميل مرة أخرى وقامت بإلقائها من ارتفاع عالٍ، فأصدرت ضجيجًا قويًا من ارتطامها بالزجاج الملقى بداخله. حاول كتم ضحكته أمامها ولم تلاحظ هي بريق التسلية في عينيه. تنحنح لتنقية حلقه وإخراج صوته حازمًا:

-على أساس إنك لما تكسريهم مش هعرف أجيب غيرهم تاني! عقدت كلتا ذراعيها أمام صدرها ثم تحركت ببطء في خطوات ثابتة نحوه قبل أن تقف أمامه مباشرة وترفع رأسها بكبرياء حتى تصل لعينيه، ثم تحدثت بنبرة ثابتة قوية عكس ما تشعر بداخلها تمامًا وتقول:

-من اللحظة اللي أجبرتني فيها على إني أكون مراتك ودخلتني بيتك وبقي اسمي مرتبط باسمك والبيت ده بقى بيتي أنا كمان.. وأنا معنديش استعداد لحظة واحدة أقعد في بيت بيتعصى فيه ربنا بالشكل ده.. وأوعى في يوم تفكر إن قبولي بيك معناه قبولي لشياطينك دي.. البيت اللي هكون موجودة فيه لازم يكون نضيف.

صمتت قليلاً وهي ترى عرقًا خفيفًا بدأ ينتفض في جانب صدغه، ولكنها كانت تغلي غضبًا من كل ما حدث منذ البارحة ولن تستطيع التوقف الآن. أضافت محافظة على نفس نبرتها وتحديها: -عايز تشرب هنا اتفضل.. بس ساعتها هتكون ملزم تجيبلي بيت تاني أعيش فيه حتى لو أوضة واحدة.. بس خليك متأكد إني هحارب على طهارتها بروحي.

أنهت حديثها وصدرها يعلو ويهبط أمامها من شدة التوتر والغضب معًا. ظل فريد ينظر إليها مطولاً دون أن ينبس ببنت شفة، وهي أيضًا لم تزيح عينيها من أمام عينيه، فقد كانت مسألة إرادة بالنسبة لها وشعرت أنها لو حركت عينيها بعيدًا عنه معناه إعلان هزيمتها، وهي أبدًا لن تهزم أمامه. ظلا هكذا لمدة دقيقة ينظر إليها بشرر يتطاير من عينيه، قبل أن تلين نظراته أمامها وتتحول إلى شيء آخر يعلم أنه لن يستطيع تحقيقه ولو بعد حين، ولكن ليس بيده حيلة، فوقوفها أمامه الآن بكل ذلك التحدي يثيره إلى أقصى درجة ممكنة. قاطع أفكاره

دخول الحارس يسأله بقلق: -فريد بيه.. في حاجة حصلت؟ صاح به فريد بغضب بعد أن حول نظره عن حياة وقد تبدلت ملامحه ونبرته: -مين الحيوان اللي دخل البرميل هنا؟ هبت حياة تجيبه بشجاعة وهي تنظر للحارس نظرة ذات مغزى من وراء فريد قائلة: -محدش جابه.. أنا اللي جبته لوحدي! التفت فريد ينظر إليها نظرة متشككة قبل أن يعود بغضبه للحارس: -لما أسألك ترد علياااا!! .. مين اللي دخله هنا انطق!!! فتح الحارس فمه ليجيب قبل أن يسكته

صوت حياة للمرة الثانية: -أنا قولتلك إني جبته لوحدي.. روحت الجنينة جبته ورجعت. بالرغم من نبرتها القوية ونظرتها الثابتة فوقه، إلا أنه استطاع أن يرى الخوف في عينيها. لانت نظرته أمام حيرة نظرتها وطول أهدابها فوقهما. قاطع تأمله صوت مدبرة منزله تقول في وقار: -فريد بيه.. الفطار جاهز. أجابها فريد دون أن يحول عينيه عن حياة التي التفتت تنظر إلى مصدر الصوت بتركيز بمجرد سماعه: -تمام.. روحي انتي واحنا هنحصلك.

شدد على حروف جملته الأخيرة بقوة، مما جعل حياة تفكر في الرفض إغاظة له، ولكن كان لمعدتها رأي آخر، فهي لم تتناول شيئًا منذ صباح البارحة. أشار فريد لها بيده نحو غرفة الطعام لتتقدمه، فتحركت أمامه في صمت وكبرياء، منتهزة الفرصة للهروب من الموقف. التفت يحدث حارسه بنبرة متوعدة: -حسابك معايا مخلصش.. بس خليه لبعدين.

أنهى جملته ثم التفت يكمل طريقه ويتبعها. دلفت حياة للغرفة فتفاجأت بعزة مدبرة منزل تقف خلف الطاولة بهدوء. توقفت حياة تفكر بيأس كيف ستتمكن بتمرير الطعام داخل حلقها في ذلك الجو المتوتر المشحون. كانت غارقة في تلك الفكرة فلم تشعر بتحرك فريد خلفها يسحب لها إحدى مقاعد الطاولة للجلوس. اندهشت من فعلته تلك والحقيقة أنها أعجبت بها، فهي لم تتوقع أبدًا أن يصدر منه مثل ذلك الفعل تجاهها بعد ما حدث بينهم منذ قليل، ولكنها سرعان ما حذرت نفسها، فهو يفعل ذلك فقط من أجل خداعها. تحركت تخفض جسدها قليلاً لتجلس غافلة عن نظرات الحقد التي تخترق ظهرها. بمجرد جلوسهم، أومأ فريد لمديرة منزله برأسه متمتمًا:

-تقدري ترجعي للمطبخ مش محتاجينك معانا. لم يصدر منها أي رد فعل، ولكنها سألته باهتمام: -حضرتك تحب تطلب أو تضيف حاجة معينة للغدا النهارده؟ نظر فريد باتجاه حياة ثم أجاب بنبرة حانية: -لا.. تقدري تسألي حياة هانم.. ومن هنا ورايح تنسقي معاها كل يوم وتشوفي هي هتقولك إيه. رفعت حياة رأسها لأعلى تنظر إليه باندهاش قبل أن تحول نظرتها نحو مدبرة المنزل. انقبضت معدة حياة من نظرتها القوية الجافة نحوها. اللعنة! ماذا يحدث هنا؟

لماذا توجه إليها تلك المرأة كل تلك النظرات غير المريحة؟ تنهدت حياة بإحباط، فقد ضاع أملها في أنه يصبح لديها صديق في ذلك المنزل. شردت في تلك الأفكار وهي تنظر إلى وجه عزة، قبل أن يلفت انتباهها نظرة أخيرة لفريد. لقد كانت النقيض لنظرتها له. كان هو مستغرقًا في تناول طعامه، ولم يدرِ بتلك النظرة المبهورة الموجهة نحوه من مدبرة منزله. وضعت حياة كفيها بإحباط فوق وجهها، وهي تعود بظهرها إلى الوراء لتستند على ظهر المقعد.

"حسنًا، ما الذي يحدث هنا الآن؟ "أي عقل! إنها عشيقته أو أي شيء من هذا القبيل! "إنها ليست غبية، وتعرف نظرات الإعجاب جيدًا حين تراها." جعدت جبينها بحزن وهي تفكر بقلق. "هذا ما كان ينقصها. لا يكفيه ما سببه لها من تعقيدات حتى الآن، ليجمعها مع عشيقته أو أياً كان مسماها تحت سقف واحد." هزت حياة رأسها مستنكرة. "ما هذا الذي أفكر به؟ "إنها تتهم امرأة مثلها بشيء سيء، فقط من أجل نظرة لاحظتها." "كيف أفعل ذلك؟!

"ربما كل ذلك من وحي خيالها، وربما هو مجرد إعجاب من طرف واحد لم يتعدَّ تلك النظرة." شعرت بالسوء من نفسها وقررت تجاهل الأمر بأكمله، فذلك لا يعنيها. لاحظ فريد صراع المشاعر المرسوم بدقة على وجهها ونظرتها، ولاحظ أيضًا عدم تناولها للطعام. فتح فمه ليتحدث إليها، ولكنه أغلقه مرة أخرى، فهو يعرفها جيدًا، ويعلم أنه إذا طلب منها تناول طعامها ستعانده.

حاولت حياة دس أي شيء داخل فمها، ولكن كان لحلقها رأي آخر مخالف لها. وضعت شوكتها بإحباط، ثم نظرت له تسأله، فهي لم تستطع جمح ركاب فضولها لأكثر من ذلك. تحدثت بهدوء، محاولة إخفاء فضولها بعد خروج مديرة المنزل: "هي عزة شغالة هنا من زمان؟ أجابها بعدم اهتمام، مرتشفًا قهوته دون النظر نحوها: "مش فاكر.. يمكن 3 سنين." علمت من نبرته أنه لا يريد الاستمرار في ذلك الحديث، ولكنه لن تتركه حتى تحصل على أجوبتها، فأضافت:

"مع إن شكلها صغير، يمكن قدي أو أكبر شوية." رفع رأسه ينظر إليها بنظرة متشككة، ثم أجاب بتركيز: "لما اتوظفت هنا كان عمرها 30." شهقت حياة بصدمة دون وعي، متمتمة: "دي قدك تقريبًا؟! عقد حاجبيه معًا، وضاقَت عينيه فوقها، يتأملها. فأضافت مبررة بعد أن شعرت أنه يشك بشيء من كثرة أسئلتها: "أصل أنا مستغربة إنها عرفتني بنفسها على إنها مديرة البيت، في الوقت اللي ماما كانت فيه هنا! يعني ماما كانت لازمتها إيه؟

نظر لها مطولًا، وهو يعود بظهره ليسترخي فوق المقعد، حتى شعرت أنه لن يجيب عن سؤالها. ثم تحدث باقتضاب: "كانت جنبي." هزت رأسها، فقد أدركت معنى إجابته قبل أن تزم شفتيها معًا للأمام في حركة طفولية. تحرك من مقعده ليقف أمامها بنفاذ صبر، ثم حدثها أمرًا: "متعمليش الحركة تاني." أساءت فهم مقصده، وظنت أنها تغضبه، فعقدت النية في قرارها نفسه أن تفعلها أمامه كلما أتاحت لها الفرصة عنادًا به.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...