الفصل 6 | من 34 فصل

رواية متى تخضعين لقلبي الفصل السادس 6 - بقلم شيماء يوسف

المشاهدات
22
كلمة
3,665
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 18%
حجم الخط: 18

استيقظت حياة في الصباح والابتسامة تعلو ثغرها، فهي عاقدة النية على بدء خطتها بداية من اليوم. ولكن أول شيء عليها فعله هو إقامة هدنة مع فريد، أو بالأدق، ذلك ما سوف توهمه به. فهي لا تريد الاستمرار في معاملته على ذلك النحو حتى تصرف انتباهه عنها، فالتجربة علمتها جيداً أنه كلما عاندت معه كلما لفتت انتباهه أكثر، وهذا آخر شيء تود فعله في تلك الأيام. فكرت أيضاً في البحث عن عمل حتى تستطيع الهرب من المنزل أكبر وقت ممكن، ولكنها تراجعت، فهي لا تريد شيئاً ما يربطها حتى تستطيع الهرب متى تحين لها الفرصة.

قفزت من فراشها بسعادة بعد ما قررت ما عليها فعله، ورتبت كيفية فعله أيضاً. فقط يبقى التنفيذ. هبطت إلى الأسفل بمزاج مرح نوعاً ما. توجهت مباشرة نحو غرفة الطعام فوجدته جالساً بانتظارها. إنه دقيق في مواعيده حتى أنه لا يتأخر ثانية. هذا ما فكرت به حياة بتعجب وهي تراه يجلس على طاولة الطعام ويرتدي بدلة رسمية سوداء تتناسب جيداً مع تفاصيل جسده، ويعبث بتركيز بأحد هواتفه الموضوعة أمامه. رفع نظره بمجرد وصولها الغرفة، وأومأ لها

إيماءة خفيفة برأسه، وظل يتأملها وهي ترتدي بنطالاً من الجينز مع قميص من نفس النوع واللون، عكس جمال بشرتها وأظهر تناسق قوامها. ارتبكت نظرتها أمام نظراته المتفحصة لها. اللعنة على ذلك التوتر الذي ينتابها بحضوره. إنها لا تخشاه في المجمل، ولكن وجوده بجوارها يوترها كثيراً. للحق أن حضوره بهيئته تلك، ونظراته التي تشبه نظرات الصقر ولا يفوتها حركة واحدة، تستطيع إرباك أي شخص وليس هي فقط. على كل حال، حيّت تحية الصباح باقتضاب، ثم

جلست على مقعدها لتناول فطورها. بالطبع كانت عزة هي من تشرف على تقديم الطعام. يبدو أن البارحة على الغذاء كان استثناء، وسيحرص فريد جيداً على ألا يتكرر ثانية. قررت حياة تجاهلها وتجاهل نظراتها، فهي لن تسمح لهم بالضغط عليها أو إفساد تعاليمها بسبب سوء معشرهم.

تناولا الطعام بصمت، ففريد كان هادئاً بطبيعته ولا يتحدث كثيراً منذ صغره، وهذا ما أسعد حياة كثيراً. ففي الحقيقة آخر شيء تود فعله هو مشاركته أي حديث مهما كان تافهاً أو بسيطاً. انتهى من تناول فطوره أولاً، ثم حدثها بنبرة منخفضة هادئة وهو يتحرك من مقعده قائلاً: -حياة، أنا في الشركة النهارده لو احتجتي أي حاجة بلغيني.

ثم اقترب من مقعدها بعد انتهاء جملته، واخفض رأسه نحوها محاولاً تقبيل شعرها، ولكنها انتفضت وابتعدت عنه في حركة تلقائية منها، غير عابئة بوجود مدبرة منزله التي تتابع المشهد بتركيز تام. فابتعد عنها في الحال بضيق وهو يرى نظرة الرعب داخل عينيها واضحة، ثم هم بالخروج من الغرفة وقد بدأت علامات الغضب تظهر عليه. أوقفه صوت مدبرة منزله تحدثه باحترام: -فريد بيه، لو حضرتك عندك وقت ممكن أتكلم معاك شوية. أجابها بنبرة

غاضبة لم يحاول إخفائها: -لو حاجة بخصوص البيت، أنا قلتلك بعد كده ترتبيها مع حياة هانم. هزت له رأسها نافية قبل أن تجيبه بتصميم: -لا يا فندم، حاجة ملهاش دخل بالبيت. دي حاجة شخصية. نظر بنفاد صبر إلى ساعة يده، ثم أجابها بهدوء: -معاكي عشر دقايق تقولي فيهم عايزة إيه. هزت له رأسه موافقة دون حديث، فأضاف بصوته العميق: -تقدري تحصِّليني على مكتبي. ثم تابع سيره دون النظر إلى الخلف.

كانت حياة تتابع ذلك الحديث والفضول يتأكلها. ما هذا الشيء الخاص الذي يجمع بينهم؟ هل شكوكها بشأنهم صحيحة أم ماذا؟ عنفت نفسها بقوة لإخراج تلك الأفكار من رأسها، فذلك ليس من شأنها، فهي لديها أمور أهم تهتم بها، ألا وهي حريتها. *** في تلك الأثناء، كانت تجلس كل من جيهان، زوجة والده، بجوار والده غريب على طاولة الطعام في فيلتهما الخاصة. سألته جيهان بحقد واضح مع نبرتها المتعالية المعتادة: -وعلى كده حلوة حبيبة قلب البيه ابنك؟

حدقها غريب بنظرة لوم قبل أن يجيبها بعدم اهتمام: -مش مهم حلوة ولا وحشة، المهم إنه كان عايزها ووصلها. أجابته جيهان بغيظ قائلة: -طبعاً، هو في حد مدلعه هنا غيرك؟ وبعدين مالها نجوى يعني بنت حسب ونسب، بس هقول إيه! طبعاً ذوقه بلدي شبهه أبوه. سألها غريب باستنكار: -ولازمته إيه الكلام ده دلوقتي يا جيهان؟ أجابته بحدة كأنها كانت تنتظر جملته لتبدأ بالهجوم عليه:

-لازمته إني عمري ما هنسى إنك في يوم جريت ورا حتة خدامة عشان تتجوزها عليا أنا جيهان هانم السكري. أنهت جملتها وهي تشير بأصبعها نحو نفسها بغرور وثقة. فقال لها غريب مبرراً فعلته: -إنتي عارفة كويس إني عملت كده عشان أجيب ولد يحافظ على كل ثروتي دي بعد ما الدكتور أكد إنك استحالة تحملي تاني بعد نيرمين. هاجمته على الفور بمجرد انتهاء جملته: -إنت بتضحك عليا ولا على نفسك وعايزني أصدقك؟

أنا عارفة كويس يا غريب إنك اخترت الخدامة بتاعتك عشان احلوت في عينيك، وخصوصاً لما مقدرتش توصلها من غير جواز. أنهت جملتها وهي ترميه بنظرات حارقة. أما غريب فقد ظهر الارتباك جلياً على ملامحه ونبرته وهو يقاطع حديثها المهاجم له قائلاً: -جيهان! إنتي بتتكلمي في ماضي عدى عليه أكتر من عشرين سنة؟ دي واحدة ميتة من سنين، فاهمة؟ سنين. صاحت به وهي تتحرك من مقعدها متأهبة:

-أيوه بتكلم فيه وهفضل أتكلم فيه طول ما إنت مفضل ابن الخدامة دي عليا وعلى بنتك، لحد ما في يوم هيكوش على كل حاجة ويرمينا في الشارع. صاح بها غريب مهدداً وهو يضرب الطاولة بقبضة يده: -جيهان!

ابني ما يعملش كده، وبعدين هو اللي شايل الشركات كلها فوق كتافه، والفلوس اللي عمالة تدخل حسابك كل أول شهر وتزيد زي الرز دي من تعبه. ومتفكريش إني عشان سكتت على اللي عملتيه زمان أبقى نسيته. ملكيش دعوة بفريد، أنا بحذرك، مش هسمحلك تأذي ابني تاني. ارتبكت نظرتها قليلاً ولم تعقب، ولكنها توعدت له داخلياً، فهي لن تكون جيهان السكري إن لم تنهِ ما بدأته منذ سنوات مضت.

تركها غريب منتفضاً من مقعده بغضب، وأثناء استعداده للخروج من المنزل صادف فتاتين متقاربتين في العمر، إحداهما تشبه والدتها السيدة جيهان بشعرها البني وبياض بشرتها ونحالة خصرها، والأخرى بشعر أشقر ووجه رفيع. ارتمت نرمين داخل أحضان والدها تقبله، قبل أن تلقي عليه تحية الصباح بدلال. حياهم غريب على عجل، ثم توجه مباشرة نحو الخارج. بمجرد وصولهم إلى المدخل، تحركت جيهان لاستقبالهم وهي تتمتم بحبور مرحبة بضيفة ابنتها:

-نجوى حبيبة قلبي.. إيه الجمال ده كله؟ البيت نور طبعاً. ثم وجهت حديثها لابنتها: -ها يا نيرو يا حبيبة مامّي.. قولولي اتبسطتوا في النادي ولا إيه؟ أجابتها نرمين بدلال مصطنع: -نننبسط إزاي يا مامّي ونجوى عاملة مناحة من أول امبارح. أوف بجد زهقتني. تحدثت نجوى على الفور مداعبة عن نفسها: -يعني يرضيكي اللي حصل ده يا طنط؟ خلاص كده فريد اتجوز وراح من إيدي؟ ربتت جيهان على ذراعها بحنان وهي تحثها على الجلوس:

-تعالي بس نقعد هنا ونتكلم بالراحة. أجابتها نجوى بضيق قائلة: -أقعد إيه يا طنط، أنا بقولك فريد اتجوز وإنتي تقوليلي أقعد! ابتسمت لها جيهان مشجعة وهي تقول بلؤم: -تعالي بس واسمعي مني. فريد مضاعش من إيديك ولا حاجة. اللمعت عينا نجوى بأمل وهي تسألها مستفسرة: -قصدك إيه يا طنط؟ أجابتها جيهان بمكر: -قصدي إننا إحنا التلاتة هنرتب سوا إزاي نطير بنت الخدامة دي من سكتنا. إنتي تتجوزي فريد حب حياتك وإحنا نطلع باللي إحنا عايزينه برضه.

تدخلت ابنتها نرمين قائلة: -والطالعة الأولى دي بقى سيبوها عليا. سألتها والدتها مستفسرة: -هتعملي إيه يعني يا نيرو؟ أجابتها ابنتها بخبث وهي تغمز لهم بعينيها: -هعمل زيارة لست الحسن وأعرف ميتها إيه بالظبط عشان نعرف إحنا بنلعب مع مين. وافقت والدتها على الفور على اقتراحها، وهزت نجوى رأسها بحماس موافقة على حديثها وهي عاقدة النية بداخلها بمجرد الحصول على فريد ستقوم بإلقائهم جميعاً بالخارج. ***

انتهزت حياة فرصة جلوسها بمفردها وقررت الحديث مع صديقتها مريم للاطمئنان عليها من جهة، ومعرفة أخبار محمود الصحية من جهة أخرى. فهي لازالت تشعر بالذنب تجاهه بسبب ما حدث معه، وتريد الاطمئنان على أحواله، فهذا أقل ما تستطيع فعله بعدما تركته دون حتى اعتذار. أمسكت بهاتفها وتحدثت قليلاً مع صديقتها التي كانت تمازحها عن زواجها برجل أعمال وعن زفافها الفخم رغم بساطته. مازحت حياة معها قليلاً قبل أن تسألها بقلق قائلة:

-مريم.. متعرفيش محمود عامل إيه دلوقتي؟ أجابتها مريم قائلة بغيظ: -ما تسيبك منه وخليكي في جوزك! عايزة إيه من سي محمود ده؟ وبعدين أنا معرفش عنه حاجة من ساعة ما كنا سوا. عنفتها حياة قائلة بحدة: -مريم أنا مش بهزر! ثم لانت نبرتها وهي تترجاها قائلة: -مريم الله يخليكي حاولي تعرفي هو عامل إيه دلوقتي وتطمنّي عليه وترجعي تطمنيني. -حييااااااااة!!!

صدح صوت فريد خلفها بقوة جعلها تنتفض، وسقط الهاتف من يدها تلقائياً. أرادت الركض من أمامه بكل ما تملك من قوة، ولكن كان لقدميها رأي آخر مخالف كلياً، فقط تسمرت قدماها فوق الأرضية ولا تستطيع التحرك قيد أنملة. التفتت تنظر خلفها برعب، فلا مفر من المواجهة، فوجدته ينظر إليها بوجه لا يمكن تفسيره. حسناً، إن كل تفكيرها الساذج على أنها لا تخشاه أصبح الآن هراء. لقد كان وجهه يكسوه الاحمرار من شدة الغضب، وعيونه تنطق بالشرر، وذلك العرق بجانب صدغه كان ينبض بقوة كأنه على وشك الانفجار. سألها بصوت أشبه

بالفحيح وهو يقترب منها: -مين ده بالظبط اللي عايزة تطمنّي عليه؟ ازدردت ريقها بصعوبة وهي تنظر إليه برعب. لم يتلقى منها إجابة، فأعاد سؤاله مرة أخرى وهو يضغط على كل حرف يخرج منه: -أنا سألتك سؤال ومحتاج رد. مين ده اللي عايزة تطمنّي عليه يا حياة؟ انطققققى.

انهى كلمته الأخيرة بصوت هادر جعلها تنتفض من مكانها. وفى تلك اللحظة وهى تراه يتقدم منها بعيون جاحظة، تدفق الأدرينالين داخل جسدها بقوة. تراجعت خطوة للوراء فى محاولة للركض بعيداً عنه، ولكنه فى اللحظة التالية كان يقبض عليها بكل قوته. ذراع واحدة تحاوط خصرها وهى تضغط فوقه بقوة، وأرجله حاوطت قدميها قبل أن تتشابك معاً لتكبيلها. وضعت يدها فوق ذراعيه لفك حصارها، وفى نفس الوقت حاولت دفع نفسها بعيداً عنه، ولكنه كان يضغط بقوة على مؤخرة ظهرها حتى شعرت أنها ستتأذى إذا حاولت أكثر.

حاولت عدم النظر فى وجهه حتى لا ترى نظراته المرعبة لها، فاخفضت رأسها بعيداً عنه وهى تتمتم اسمه بخفوت وتطلب منه أن يتركها، ولكن دون جدوى، فغضبه كان فى قمته. صاح بها قائلاً: -أنتى عايزه تجننينى صح!! لا وأقولك وأتجنن ليه! .. أنا هريحك من حبيب القلب دلوقتى عشان متعرفيش توصليله أو تطمنى عليه تانى. أنهى جملته وأخرج هاتفه بيده الفارغة وأخذ يعبث به. شعرت حياة بضغط دمها ينخفض من شدة الرعب. أحقاً سيقدم على قتله؟

ستزهق روح بريئة بسببها؟ هتفت إليه متوسلة وهى تحرك يدها لتمسك يده وتمنعه قائلة بلهفة: -فريد!! الله يخليك لا.. لا أنت بتعمل إيه.. هتموت إنسان بجد عشان بسأل عليه!! .. أنا غلطانة مش هسأل عليه تانى والله بس سيبه.. فريد.. كان يشعر بكامل جسدها ينتفض تحت قبضته رغم محاولتها أن تبدو ثابتة. توقف عن العبث بهاتفه قبل أن يحدثها بصياح: -عشان بتحبيه.. عرفتى ليه مش هخليه عايش.. عشان بتحبيه هو.

لم تعرف ما الذى يجب عليها فعله فى تلك اللحظة، فلو عاندته سيقتله وهى أبداً لن تترك شخصاً يلقى حتفه بسبب غضبها منه. هزت رأسها له نافية وهى شبه مغيبة، ثم رفعت كلتا يديها المرتجفتين لتحيط بوجهه وتجبره على النظر إليها وهى تمتم له بتوسل ورعب حقيقي: -مش بحبه.. والله العظيم مش بحبه.. أنا عمرى ما كدبت عليك ومش بكدب دلوقتى مش بحبه ومش هسأل عليه تانى ومش هعمل أى حاجة بس سيبه عشان خاطرى.

لانت نظراته وهو يرى ارتجاف يدها الناعمة التى تحيط بوجهه ونظرتها المتوسلة وملامحها التى على وشك الإغماء من رعبها. فأنزل يده ووضع هاتفه مرة أخرى داخل ردائه. وبالرغم من أنه أرخى قبضته عليها وترك لها المساحة لتتحرك بحرية، وفى ظروف أخرى كانت لتهرب من لمسته مسرعة، إلا أنها فى تلك اللحظة كانت تشعر أن الشئ الوحيد الذى يحول بينها وبين سقوطها أرضاً هو جسده الذى يحاوطها. فهى تشعر أن قدميها كالهلام لا يقدران على حملها. حاولت

تهدئة ضربات قلبها والسيطرة على ارتجافها حتى تستطيع الذهاب من أمامه، ولكنها لم تتجاوز صدمة أنها كانت على وشك وضع محمود فى دائرة الخطر مرة أخرى. لقد اختبرت مرحلة جديدة كلياً من الرعب بالنسبة لها. فهى منذ إصرار والدها على انتقالهم من القصر إلى ذلك الحى المتواضع الذى يقع به منزلهم، قد اعتادت على الصراخ والعنف من جميع قاطنيه إلى جانب عنف والدها وصياحه المعتاد. ولكن غضب فريد كان شيئاً آخر. غضب يحرق معه الأخضر واليابس

ويجعلها تشفق كثيراً حتى على أعدائها. رفعت جفونها تنظر إليه حتى تستطيع قراءة ما بداخلهما، وإن كان ذلك مهمة مستحيلة، ولكنها كانت تريد الاطمئنان إذا كان صدق حديثها أم أنه فقط يجاريها.

التقط هو نظرة العتب التى رمقته بها. نعم لم يخطئ تفسير نظرتها، فقد كانت عتاباً خالصاً. زفر بضيق وهو يرى حالتها تلك أمامه وبسببه هو. لعن نفسه سراً، فقد تفوق عليها فقط وأرعبها بسبب تفوق قوته الجسدية لا أكثر. لوى فمه بسخرية وهو يفكر، هل استطاع فعلاً التفوق عليها بأي شيء؟

حتى قوته الجسدية ونفوذه لا تعطى له الأفضلية. فالأفضلية فقط موجودة داخل تلك النظرات التى تصرعه أرضاً بنظرة توسل واحدة ترمقه بها. رفع كفيه يحاوط رأسها ثم طبع قبلة رقيقة فوق جبينها. حاولت هى بكل قوتها تحاشيها قبل أن يتركها وينصرف. ***

حركت قدميها ببطء بعد خروجه، ترتمى على أقرب مقعد يقابلها وتترك لدموعها العنان. لقد تلقت منذ قليل هزيمتها الثانية من فريد رسلان وخضعت له فى أقل من أسبوعين. وفى المرتين تنازلت من أجل أشخاص آخرين غيرها. فكرت بحزن، يبدو أنه علم جيداً نقطة ضعفها وأن أيامها التالية معه أبداً لن تمر بسلام. ظلت هكذا طوال يومها تقبع بهدوء فوق أحد المقاعد فى صالة الاستقبال. لم تتناول شيئاً ولم تتحدث مع أحد، فتلك كانت طبيعتها التى لم يعرفها

الكثيرون. كانت شديدة التأثر ومرهفة الحس حتى وإن حاولت إخفاء ذلك عن عيون الجميع وإظهار الصلابة والقوة، ولكنها كانت تتأثر بأقل صراخ أو حركة عنف أمامها، والفضل فى ذلك يعود إلى والدها الذى كان يملأ المنزل يومياً بصراخه عليها بمجرد رؤيتها أمامه. حاولت السيدة عفاف إخراجها من حالتها تلك أو حثها على تناول شيء ما، ولكنها رفضت بشدة. وعند حلول المساء، تفاجئت بامرأة تقارب فريد فى السن بشعر بني ناعم وجسد رشيق طويل وعيون مشابهة

للون عينيه تقتحم المنزل دون استئذان وتمشي بخطوات واثقة حتى توقفت أمام حياة تسألها بعجرفة واشمئزاز واضحين

وهى تشير إليها بسبابتها: -ها أنتِ بقى اللي اسمك حياة ولا في شغالة تانية هنا شبهك؟ نفضت حياة رأسها ثم نهضت من فوق مقعدها وهى تعقد حاجبيها معاً وتكتف ذراعيها فوق صدرها فى حركة معتادة منها عند الهجوم، ثم أجابتها قائلة بكبرياء: -أيوه أنا حياة.. وبيتهيألى البيت ده له احترامه!! مش بندخل بيوت الناس كأننا حيوانات كده؟ أجابتها نيرمين مهاجمة: -يااااى.. حيوانات!! أيوه طبعاً ما أنا هستنى إيه من واحدة بنت خدامة وتربية خدامين!!

لوت حياة فمها بسخرية قبل أن تجيبها بنبرة هادئة لإثارة غضبها: -ياما في ناس لابسة كويس بس تربيتها أقل بكتير من تربية الخدامين اللي مش عاجباكي ده وأنا قدامي مثال حي على كلامي أهو. شهقت نيرمين بصدمة وهى تضرب قدميها فى الأرض بغيظ قبل أن تقول لها:

-أنا مش هرد عليكي عشان أخلاقي متسمحليش.. أنا بس جايه أقولك إنك لو فاكرة إن كده كسبتي بجوازك من فريد وهتاخدي الجمل بما حمل تبقي غلطانة.. صدقيني على جثتي فلوسنا تطلع لابن الخدامة ومراته!! فتحت حياة فمها لتسألها من أنت، ولكن أوقفها صوت فريد الذى دلف من الخارج يسأل بعبوس وتأهب ناظراً نحو شقيقته: -نيرمين!! انتي بتعملي إيه هنا في بيتي وأنا مش موجود؟ نظرت له أخته بغل قبل أن تجيبه قائلة بمرح وهي تحاول تبديل ملامحها:

-ولا حاجة.. كنت ببارك الهانم الجديدة على الجوازة الهنا دي.. مانت عارف أنت حتى مسمحت لناش نحضر الفرح فقلت أعرفها بأخت جوزها. تقدم فريد في اتجاههم وهو يقول لها بعبوس وحدة: -محدش طلب منك تتعبى نفسك وتعرفي نفسك لحد مش عايز يعرفك أصلاً!! ودلوقتي لو خلصتي كلامك اتفضلي من غير مطرود. حدقته بنظرة كره قبل أن تجيبه بعدم اهتمام: -أنا كده كده كنت ماشية واللي عايزة أقوله خلص. أنهت حملتها ثم وجهت حديثها لحياة تسألها بتهديد:

-عايزة حاجة يا حياة هانم!! متنسيش اللي قلته من شوية. نظرت حياة إليها مطولاً قبل أن تقول وهي تشير إليها وإلى فريد بإصبعها: -عايزيكي تاخدي أخوكي في طريقك وتحلوا عني. ثم تركتهم وتحركت نحو غرفتها دون النظر خلفها. ***

بعد عدة دقائق كانت حياة تجلس على طرف الفراش ويدها تتمسك بالشرشف بقوة من شدة غضبها. تنفست سريعاً عدة مرات متتالية ثم استغفرت قليلاً مثلما اعتادت من والدتها في محاولة منها لتهدئة غضبها المتزايد من تلك العائلة التي يتسم جميع أفرادها بالوقاحة. سمعت طرقات خفيفة فوق الباب المشترك بينهم. أرادت تجاهله وخصوصاً بعد ما حدث بينهم في الصباح، ولكنها خشيت أن يقتحم الغرفة عنوة إذا لم تجبه، لذلك تحركت على مضض من مقعدها واتجهت نحو

الباب لتفتحه، ثم وقفت أمامه بهدوء ترفع إحدى حاجبيها بسؤال لم تفصح عنه. التوت شفتيه بنصف ابتسامة جانبية وهو يراها تعقد ذراعيها أمامها، فعلم باستعدادها للهجوم في أي لحظة. كان لا يزال يحتفظ بجزء من غضبه منذ الصباح ورؤيته تلك المسماة أخته قد زاد من حنقه، لذلك

سألها مباشرة دون مقدمات: -كانت هنا ليه وعايزة إيه منك وقالتلك إيه بالظبط؟ أجابته بلامبالاة متعمدة قائلة: -ولا حاجة.. شوية كلام تافه ملهوش لازمة. رفع حاجبيه معاً في استنكار ثم كرر حديثها ببطء كأنه أحجية يقوم بحلها: -شوية كلام تافه ملهوش لازمة!! وإنتي بقى وشك كده عشان كلام تافه ملهوش لازمة؟ أجابته بنبرة متهكمة: -وأنت تفتكر إني كده عشان كلامها؟

علم جيداً ما ترمي إليه بحديثها. فرعبها وإن حاولت إخفاءه ما زال واضحاً في حركتها ونظرتها. رفع رأسه للأعلى محاولاً الاسترخاء ثم زفر مطولاً بتعب قبل أن يعاود النظر إليها وقد تبدلت ملامحه إلى الرفق، ثم حدثها بنبرة مليئة بالحنان قائلاً: -حياة خليكي عارفة حاجة واحدة بس.. إني مش هسمح لحد يأذيكي أيّاً كان هو مين حتى لو كان أنا.. عشان كده كنت بسألك وعشان كده بلاش نظرة الخوف اللي في عيونك مني دي.. ده وعد مني.. حياتي قبل أذيتك.

ارتبكت نظرتها قليلاً وتوترة معها حركة جسدها، ولكنها سرعان ما تمالكت وأجابته وهي تراه يلتفت بجسده عائداً إلى داخل غرفته قائلة بصوت هادئ ولكنه مليء بالمرارة: -فريد أنت إيه مفهومك عن الأذى!!! أنت متخيل إن الأذى يكون بالضرب بس؟ توقف عن السير والتفت ينظر إليها مرة أخرى بملامح وجه مصدومة نوعاً ما، فأضافت هي بعد أن ازدرت ريقها وبدأ صوتها في التحشرج: -يعني أنت فاكر إني أقعد هنا مقفول عليا باب ورا باب وعلى كل باب حارس مش أذى؟

أو إنك تهددني بأخويا الصغير مش أذى؟ أو إنك تقف في طريق أي حد بيحبني أو يعرفني وتستغله عشان أعملك اللي أنت عايزه ده مش قمة الأذى؟ اللي بيحب حد يا فريد مبيقدرش يأذيه ولا يعذبه! صمتت بعد أن تغلبت الدموع عليها وتساقطت فوق وجنتيها بكثرة. هو وقف أمامها مصدوماً، لا يقوى على الحركة من جملتها الأخيرة، لقد اخترقت قلبه مباشرة. لقد سمع جملتها بصوت والدته وتوسلها، مثل توسل والدته له وهي توصيه بها خيراً.

تراجع خطوات للوراء وهو مازال ينظر إليها كالأشباح التي لا روح فيها، وهو يحل أزرار قميصه كالآلة، ثم ارتدى بنطاله الرياضي بعد أن تركته هي، وأغلقت الباب المشترك بينهم. توجهه مباشرة نحو صالته الرياضية في الطابق الأرضي. دلف إلى الصالة الرياضية كالإنسان الآلي. ارتدى قفازاته وذكريات تلك الليلة المشؤومة بصورتها الكريهة تومض داخل عقله بوضوح.

توجهه نحو الكيس الرملي المعلق الخاص بالملاكمة، ثم صرخ بألم حتى شعر بأحباله الصوتية على وشك الانقطاع، وهو يلكمه بكل ما أوتي من قوة لإفراغ حزنه وغضبه. ومع كل لكمة يسددها، كانت تظهر صورة أمامه من الماضي. تذكر وهو ممدد تلك الليلة داخل فراشه برعب يترقب عودة والده، فتلك الليلة هو موعد قضاءها في منزلهم. أرهف سمعه عند سماعه وقع خطوات تقترب من أمام غرفته، ثم ابتعدت مرة أخرى متوجهة إلى غرفة والدته، فعلم جيداً أنها تعود لوالده.

أغمض عينيه بقوة حتى يستطيع طرد تلك الفكرة التي تسيطر على عقله منذ الصباح، ثم طمأن نفسه داخلياً بعقل طفل لم يتجاوز الثانية عشرة بعد، أنها لن يصيبها مكروه. بعد فترة من الصمت استعاد فيها هدوئه قليلاً، بدأت بعض الهمهمات غير المفهومة تصل إليه، ولكن لم تلتقط أذنه أي شيء واضح منها.

حدث نفسه مطمئناً، أن تلك الليلة من الممكن أن تمضي على خير، وخصوصاً أن آثار الضرب المبرح من الليلة التي تسبق البارحة مازالت تغطي وجه والدته وعنقها بوضوح، إلى جانب النوبة القلبية التي أصابتها في الصباح، فبالتأكيد سوف يشفق والده على حال والدته ويتركها وشأنها. بدأت تلك الهمهمات تتصاعد حتى أصبحت صياحاً واضحاً من والده. قفز فريد من فراشه، ثم توجهه إلى باب غرفته يفتحه بهدوء ويخرج منه، ثم أغلقه خلفه مرة أخرى.

توجهه إلى حيث غرفة والديه يقف أمامها برعب. رغم أن وجوده لم ولن يفيدها، ولكنه كان يشعر هنا حيث وقف بشيء من الحماية الوهمية. سمع توسلات والدته الباكية تطلب من والده بضعف: "غريب الله يخليك، اديني علبة الدوا، خليني آخدها، مش قادرة أتنفس." صرخ به والده قائلاً بحنق: "يا سهلة.. عايزة تاخديها وتخفي عشان تسبيني وتروحي جري على عشيقك صح؟! هزت رحاب رأسها له عدة مرات بفزع وهي تقول من بين توسلاتها وبكائها:

"مفيش حاجة من اللي في دماغك دي يا غريب، متصدقيش كلام جيهان، أنا عمري ما خنتك ولا هخونك." ازدردت لعابها في خوف ثم أضافت من بين شهقاتها المتتالية قائلة: "هخونك إزاي وأنا مش بطلع من البيت ومش بشوف حد خالص." صرخ بها وقد جحظت عيناه إلى الخارج، ثم قال بشراسة وهو يقترب منها: "مانا عارف، عشان كده جبته يشتغل هنا مع الحراس بحجة إنه قريبك صح؟ انطقي! شهقت بفزع مصدومة من أثر كلماته، ثم قالت وقد بدأت ملامح وجهها في الشحوب

من توترها وشدة نغز قلبها: "كذب، والله كذب. قلتلك المرة اللي فاتت ده راجل قريبي غلبان عنده أولاد ومراته طلبت مني إني أساعده، دي كل الحكاية والله." هز رأسه نافياً بشراسة وهو يقترب منها وبقول يتوعد: "أنا هشرب من دمك وبعدين من دمه، أنا غلطت إني اتجوزت واحدة زيك ولازم أصلح غلطي ده دلوقتي." ثم انقطعت الأصوات إلا من صوت صفع والده لها، وبعدها بدأت والدته في الصراخ بشدة ولطمات غريب تقع فوق جسدها دون رحمة.

ظل فريد واقفاً أمام الباب يضع كفيه فوق أذنه محاولاً منع صراخ والدته من الوصول إليه حتى اختفى الصوت تماماً. خرج غريب بملامح مرتبكة وهو يلهث من شدة المجهود والفزع. نظر له فريد بملامح مرتعبه قبل أن يقول له وهو يزدرد ريقه بخوف: "أنا عايز أشوف مامي." حدجه غريب بنظرة حانقة أرعبته قبل أن يقول له بتهديد واضح: "مفيش حاجة اسمها مامي، فاهمممم!!! إنت إيه اللي جابك هنا دلوقتي؟

يلا على أوضتك ومش عايز أسمعلك صوت أو أشوفك قدامي قبل الصبح، يلااااااا." لم يطعه فريد بل ركض من خلفه نحو غرفة والدته، ثم قفز على فراشها ليطمئن عليها. وجدها نائمة فوقه بلا حراك بوجه أبيض شاحب وشفاه زرقاء. هتف باسمها عدة مرات ولكن دون جدوى. هزها بقوة حتى تستفيق ولكن أيضاً دون جدوى. كان جسدها مرتخياً تماماً بين كفيه. توسل إليها بصوت باكي أن تجيبه ولم يتلق منها أي رد.

حمله غريب عنوة من خصره وذهب به نحوه غرفته وهو يصرخ بـه أن يظل بها وإلا سوف ينال جزاءه هو الآخر. أدخله إلى غرفته ومنها إلى مخدعه ودثره جيداً بغطاء الفراش حتى أعلى رأسه. ظل فريد هناك منتظراً بجسد مرتجف حلول الصباح حتى يطمئن على والدته التي لم يصدر منها أي صوت منذ وقت ليس بالقليل. لم يعلم متى غالبه النوم ولكنه استيقظ في الصباح على هرج ومرج وكثير من الأصوات المتداخلة.

فز من فراشه ركضاً إلى الخارج فوجد طبيب العائلة يقف مع والده وهناك ٣ أشخاص آخرين يحملون على حمالة طبية والدته التي كانت مغطاة من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها بغطاء أبيض ويتحركون بها نحو الدرج هبوطاً للطابق الأرضي وهم مطأطئون رؤسهم وتبدو على ملامحهم الأسف. فعلم أن أسوأ ما يخشاه قد تحقق على يد والده.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...