الفصل 3 | من 34 فصل

رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الثالث 3 - بقلم شيماء يوسف

المشاهدات
29
كلمة
2,732
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 9%
حجم الخط: 18

استيقظت حياة في الصباح بقلب مثقل. فكرت بيأس أنه لا فرار من تلك المواجهة. فقلبها يحدثها بأن والدتها على علم بكل ما حدث معها بالأمس. فمنذ المساء ووالدتها تحاول الوصول إليها هاتفياً. وبمجرد دخولها للمنزل اقتحمت غرفة حياة على الفور، ولكن الأخيرة تظاهرت بالنوم فور سماعها أقدام والدتها خارج غرفتها.

تحركت حياة على مضض. اتجهت إلى الحمام مباشرة فلم تصادف أحد في طريقها وذلك لحسن حظها. ثم عادت مرة أخرى لغرفتها تستعد لارتداء ملابسها والخروج. بعد قليل كانت قد انتهت من ارتداء جميع ملابسها وتمشيط شعرها. نظرت إلى المرآة بحزن. ففي ظروف أخرى كانت لتبدو سعيدة بأن كل مجهوداتها في الثلاث سنين الأخيرة توجت أخيراً بالنجاح. ولكن الآن كل ما تشعر به هو الحزن مع الكثير والكثير من تأنيب الضمير بسبب ما حدث مع محمود البارحة. وكل ذلك بسبب ذلك المدعو فريد وهوسه في التملك.

أعادتها والدتها من أفكارها باقتحامها غرفتها بحدة. تنهدت حياة بإحباط. إذاً فكل شكوكها صحيحة، فملامح والدتها تبوح بكل ما يعتمر داخل رأسها دون حديث. لوت حياة فمها بإحباط قبل أن تأخذ مبادرة الحديث: -واضح إنك عرفتي باللي حصل امبارح.. أجابتها والدتها بجدية: -مقالش تفاصيل..

تنهدت حياة بحزن قبل أن تقص عليها كل ما حدث معها البارحة وما فعله فريد بمحمود وحالته الصحية وأيضاً تركها له. شهقت والدتها برعب من بطشه، فلم يكفيه ما فعله ولكن أيضاً قام بتهديدها. كانت تريد لوم ابنتها على طيشها وعنادها غير المبرر معه، ولكنها تراجعت فور رؤيتها الدموع المتكونة داخل عيون ابنتها بوضوح. تحركت حياة للخارج وتبعتها والدتها بصمت. صادفت أخاها يستعد للخروج هو الآخر. ابتسم لها بعذوبة وهو يلقي عليها تحية الصباح.

قبل أن يسألها باهتمام: -مالك؟ في حد قالك حاجة زعلتك؟ ثم أشار برأسه حيث غرفة والدهم. هزت حياة رأسها بالنفي قبل أن تقول: -أنا اديت محمود المحبس بتاعه.. عبس أخاها قبل أن يسألها مستنكراً: -انتي لحقتي؟ ده مكملتيش يومين! ايه السبب؟ حاولت حياة تغيير مجرى الحديث فأجابته بنفاذ صبر: -هحكيلك بعدين بس يلا عشان منتأخرش.. أخاها: -طب يلا أنا كمان نازل معاكي، تعالي أوصلك.. ثم تحركا معاً للخارج. وفي الطريق سألته حياة باهتمام:

-عامل إيه في الشغل؟ وبعدين انت نازل بدري ليه؟ مش معادك يعني؟ أجابها أخاها بتذمر: -حياة أنا خلاص قرفت.. ضغط شغل مش بيخلص والراجل المدير ده مش بيرحم كأنه اشترياني.. حتى النهاردة طلب مني أروح بدري عشان آخد فلوس وأوديهاله البنك مع إن ده مش من مهامي وأول مرة يعملها.. عبست حياة قبل أن تفتح فمها لمواساته:

-معلش يا محمد، اصبر عليا شوية كمان، إن شاء الله هلاقي فرصة للسفر وهاخدك معايا، أنا مش ساكتة ويمكن ربنا يكرم في أقرب فرصة.. هز لها أخاها رأسه مطيعاً قبل أن يضيف: -طب أنا هسيبك هنا عشان متأخرش على الراجل ده والحق معاد البنك، وانتي خلي بالك ولو احتجتي أي حاجة قوليلي.. ابتسمت له حياة بحنان قبل أن تلوح له مودعة وتستمر في طريقها.

كان محمد هو أخاها الأصغر، وبالرغم من ذلك كان يتعامل معها على أنه يكبرها بسنوات. كان حنون معها بطريقته الخاصة. كان دائماً ما يأخذ صفها عند نوبات غضب والدها، وفي المساء أثناء عودته يجلب لها نوع الشيكولاتة المفضل لديها ويحاول دائماً إخراجها من حزنها. بالطبع لم يكن السند الذي تستطيع إخباره بمشاكلها وما يفعله معها فريد، ولكنه كان يحاول حبها بكل ما يملك.

وصلت حياة إلى مكتبها قبل ميعادها الرسمي بعشر دقائق تقريباً. فبدأت في تحضير ملف الاجتماع على الفور. بعد حوالي ساعة تفاجأت برب عملها يدلف إلى غرفة مكتبها بعبوس. حييته باحترام قبل أن تسأله بارتياب وهي ترى ملامح وجهه المتجهمة أمامها: -في حاجة أقدر أساعد حضرتك فيها يا مستر رؤوف؟

بدأ الارتباك يظهر جلياً على ملامح وجهه. فتح فمه للتحدث ولكنه أغلقه مرة أخرى. ظلت حياة تنظر له وقد انتقل إليها توتره آلياً، فملامح وجهه لا تبشر بخير. تنحنح أخيراً لتنقية حلقه قبل أن يتحدث إليها: -حياة.. انتي عارفة إنك من أحسن الموظفين اللي عندي.. وأنا فعلاً بعزك وبحترمك وبتمنى كل الموظفين يكونوا في نشاطك وذكائك وخوفك على الشغل.. بس أنا آسف ومضطر أقولك إننا استغنينا عن خدماتك.. وكتعويض ليكي هنصرف لك ٣ شهور مكافأة.

نظرت له حياة بصدمة تحاول استيعاب ما تفوه به للتو. هل هذه مزحة سخيفة؟ لا، فملامح وجهه وارتباكه لا يدل إطلاقاً على أنه مزاح. كما أنها ليست كذبة أبريل فنحن على أعتاب الشتاء! صمتت قليلاً واخفضت رأسها محاولة السيطرة على الدموع التي تجمعت داخل مقلتيها. ثم بعد قليل رفعت رأسها وهي تبتسم له وتقول:

-تمام.. قدر الله وما شاء فعل. مفيش أي مشكلة وأنا أكيد سعيدة إني اتعرفت على حضرتك وأكيد اتعلمت من حضرتك حاجات هتنفعني في سيرتي الذاتية. اسمح لي بس ألم حاجتي وأتحرك.

ارتبك وهو واقف أمامها ولم يدرك ما يجيبها به، فقد أعجب بقوتها ورد فعلها الثابت. فكر متعجباً، لماذا يفعل ذلك الملعون فريد كل ذلك معها. على كل حال هذا ليس من شأنه، يكفيه ما يحصل عليه منه منذ أن قام بتعيينها حتى الآن، وذلك هو المهم. خرج من غرفتها بعد أن وضع مغلفاً أمامها وانصرف دون وداع. انتظرت حياة خروجه بفارغ الصبر حتى تستطيع الارتماء فوق المقعد والتفكير بتلك المفاجأة التي قلبت موازين يومها، ففي أثناء استعدادها لتشغل

منصب جديد وجدت نفسها خارج المؤسسة بأكملها. على كلا، حاولت تشجيع نفسها، ففي الأخير كل ذلك رزق من الله وهي لديها من الخبرة والمؤهلات ما يؤهلها للتعيين في أي شركة أخرى بسهولة. بالطبع كانت تلك من أفضل شركات الملاحة في الإسكندرية، ولكنها لن تجزع. ستجد فرصة أفضل إن شاء الله. أخذت حاجياتها وهمت بالانصراف عندما أوقفها رنين هاتفها. نظرت به وإذا بوالدتها هي الطرف الآخر. تجاهلت اتصالها في المرة الأولى ولكن والدتها كانت تعاود

المحاولة دون انقطاع. التقطت هاتفها وأجابت بحزن فجاءها صوت والدتها باكياً:

-حياة.. الحقي محمد أخوكي.. كانت تشعر بالأرض تدور بها من شدة الفزع. خرج صوتها هامساً تستفسر: -ماما! حصله إيه؟ محمد حصله حاجة؟ ماما! أجابتها والدتها وهي لازالت على بكائها: -هو كويس بس تعالي على شغله دلوقتي حالا.. حالا! يا حياة.. أخوكي في مصيبة.

تحركت حياة تلقائياً، تركض نحو الخارج كأنها إنسان آلي دون روح. استقلت أول سيارة أجرة صادفتها في طريقها وصوت كلمات والدتها يتردد في أذنها بقوة. ضرب ألف احتمال واحتمال رأسها في تلك المسافة من مقر عملها لعمله. حاولت طمأنة نفسها. المهم أنه لم يصبه مكروه. أي شيء آخر يمكن تفاديه، المهم ألا يصيبه مكروه. هذا ما فكرت به بيأس وهي تركض الدرج للأعلى حيث مقر الشركة التي يعمل بها. دفعت الباب بيد مرتعشة فألتقطت عينيها على الفور

والدتها تجلس بعيون منتفخة من كثرة البكاء على إحدى الأرائك الموضوعة في مدخل الاستقبال ويجلس إلى جوارها أخاها بملامح مرتعبه. رفعت رأسها قليلاً وإذا بها ترى شخصاً تعرفه جيداً، يستند بكسل وملامح مسترخية على حافة أحد الأبواب وبجواره يقف مدير أخاها. لم يكن الأمر يحتاج إلى الكثير من الذكاء لمعرفة من المتسبب بكل ذلك الذعر الذي تمر به عائلتها. تمتمت بغضب توجه

نظراتها المشتعلة إليه: -انت!!! ثم تحركت تركض حتى وصلت إليه وأخذت تُلكمه فوق صدره بكل ما أوتيت من قوة وهي تصرخ به كأنها بذلك تفرغ جميع شحنات الغضب المتكونة بداخلها منذ البارحة: -انطق عملت فيهم إيه تاني! انت إيه مش بتشبع تعذيب في الناس! عملت إيه في أخويا انطقققق.. كان فريد يقف أمامها بثبات كأنها تسدد تلك اللكمات للهواء وتصرخ بشخص آخر وليس هو نفسه. بعد قليل شعرت بقوتها تنهار فتوقفت عن لكمه وهي تلهث

فتحدث هو بصوت ثابت وعميق: -لو خلصتي الدراما اللي عملتيها ياريت تتفضلي معايا جوه.. لم تتحرك من مكانها فأضاف بنفاذ صبر لجذب انتباهها: -عشان أخوكي..

التفت تنظر إلى والدتها بعيون حائرة فاومأت لها براسها مشجعة. تحرك هو أولاً، وتحركت حياة في أثره دون اعتراض أو حتى سؤال. فتح لها باب غرفة ما وتركها تتقدمه. دلفت حياة إليها أولاً تتفحصها. كانت الغرفة مؤثثة جيداً وواسعة، يبدو أنها غرفة المالك. قاطع أفكارها صوت فريد الذي أغلق الباب فور دخوله يطلب منها الجلوس. رفضت على الفور وهي تفكر بقلق ما الذي يمكن أن يجمعها به ويخص أخيها، ولماذا تشعر بأنها كبش يُجر إلى الذبح. استند فريد على حافة المكتب يراقب تعابير وجهها ونظراتها الحائرة بهيام. يالله كم يعشقها!

هل تعلم كم هي جميلة ورقيقة وهي تقف أمامه الآن ترتدي جاكيت بدلة نسائية من اللون الأسود وبنطال من الجينز فتبدو شابة وقوية. وشعرها الفحمي الناعم مرفوع على هيئة ذيل حصان. إنها حقاً تبدو كجوهرة أصيلة متمردة، حتى تلك اللحظة لم يستطع ترويضها. لوى فمه بمرح مفكراً، ومن قال إنه يريدها مروضة!!! إنه يريدها بكل عنفها وكبرياؤها وتمنعها عليه. أعاده من تأملاته صوتها الرقيق تسأله بحدة: -هنفضل واقفين طول اليوم تبصيلي كده!!!

ابتسم بمرح قبل يجيبها: -أنا شخصياً معنديش أي مانع أفضل واقف سنين مش بس يوم أتأملك.. بس عندك حق الأيام جاية.. خلينا في المفيد.. نظرت له برعب واضح من تلميحه المبطن ولكنها تجاهلت ما يخبرها به عقلها فقالت بهدوء مصطنع يشوبه التحدي: -سمعاك.. تنحنح فريد ثم تحدث مباشرة: -محمد.. سألته حياة بارتياب: -ماله؟ أجابها ببرود يخرج فقط من إنسان آلي وليس إنسان يمتلك مضخة دم وشرايين: -ولا حاجة.. بس اختلس من الشركة ٥٠٠ ألف دولار..

نظرت له حياة باستهزاء: -هزار.. انت حد فاكر إن دمك خفيف فسايب أعماله وأشغاله وجايبني عشان تهزر!! هز فريد رأسه لها ببطء صادراً صوت من فمه ينم على الاستياء: -غلط.. إجابة غلط.. المفروض الإجابة اللي أسمعها أنا موافقة إني أتجوزك يا فريد.. نظرت له حياة بصدمة واضحة دون أن تنطق ببنت شفة. انتظر فريد صدور رد فعل منها لمدة دقيقة ولكن لم تفعل. أضاف بنفس بروده المعتاد بعد أن وضع إصبعه فوق فمه متفكراً:

-اعذريني.. يمكن حماسي خلاني أنط للجزء ده قبل ما أسمعك باقي عرضي.. دلوقتي أخوكي محمد اختلس من الشركة اللي شغال فيها ٥٠٠ ألف دولار. وطبعاً إنتي ما خدتيش بالك إن فيه ناس واقفة بره شهود شافوه وهو بياخد الفلوس من الخزنة ويحطها في شنطة، وبعدين الشنطة بالفلوس اختفوا. ها، إيه رأيك؟ محمد يتحبس ولا تتجوزيني؟ تمتمت حياة بخفوت، مقرة كأنها تتحدث لنفسها قبل أن تتحدث إليه وتحاول حل تلك الأحجية اللي في راسها:

-المدير اللي بره ده الكلب بتاعك، مش محتاجة تفكير. صمتت لبرهة، ثم أضافت وهي تضيق عينيها: -والفخ ده مترتبله من زمان، عشان كده طلب منه إنه يجي قبل ميعاده ويوصله الفلوس للبنك على غير العادة. ابتسم فريد بعمق، قبل أن يرفع كفي يده يصفق لها بأسلوب درامي: -ذكائك كل يوم بيزيد، كنت خايف بعدك عني السنين دي كلها يقلل منه، بس بالعكس، طمنتيني عليكي. نظرت إليه باشمئزاز، قبل أن تقول: -إنت إزاي كده؟

أنا بقرف منك وبكرهك، فاهم يعني إيه بكرهك؟ والموت أهون عندي من إني اتجوزك. وضع يده فوق قلبه بتمثيل، قبل أن يجيبها: -زوجتي المستقبلية، كلامك جرح قلبي، بس مش مهم، هعتبره خجل منك برضه. إحنا دوبنا لسه مخطوبين من ساعة وشوية وهتتعودي عليا. صرخت به حياة بقوة، وقد بدأت تفقد أعصابها أمامه: -هلقى حل، السجن أرحملي، هقول إني أنا اللي أخدتهم مش هو. أجابها بثقة: -الشهود ضده والكاميرا سجلت وهو بيفتح الخزنة وبياخدها، مش إنتي.

صرخت به مرة أخرى: -هتصرف وأدفع المبلغ. هز رأسه لها رافضاً، قبل أن يفتح فمه ويقول: -ومين قال إننا عايزين المبلغ؟ هو عرض واحد: جوازنا قدام سجنه. شعرت حياة باللعبة تضيق عليها، وها هي على وشك الخسارة. التفتت حولها تبحث عن شيء ما تجلس عليه. اتجهت إلى الأريكة الموضوعة بعناية، وجلست عليها، ثم انحنت ووضعت كلتا كفيها فوق رأسها وهي مغمضة العينين، تحاول التفكير بهدوء أو إيجاد مخرج ما. فكرت بيأس: -اللعنة! إلى من ألتجئ؟

ليس لدي أحد ما يحميني منه، فوالدي يلومني على ما أفعله وما لا أفعله، وبالطبع ينتظر اليوم الذي يتخلص به مني. فما بالك بشخص غني كفريد؟ والدتي أيضاً لن تسعفني، فهي لا حول لها ولا قوة. أأترك أخي للسجن وهي تعلم أنه مظلوم؟ هل سيتعفن داخل جدرانه وينتهي مستقبله من أجل حربها مع فريد؟ لا، لن أكون بتلك الأنانية. ثم إنها لا تفرط به.

شعرت بوخز الدموع يزداد داخل مقلتيها وهي تفكر بحزن لو أن لها قوة. حاولت السيطرة على دموعها، فالقرار واضح. ستحمي أخاها حتى لو على حساب ربط ما تبقى من حياتها باسم رجل تبغضه. فكرت بأمل وهي تحرك رأسها يميناً ويساراً:

-سأسايره في خطته حتى أهرب أخي خارج البلاد وأحمي والدتي، ثم أتركه وأهرب. هذا هو الحل الوحيد. لن أستسلم له، ولكن سأنحني للعاصفة. نعم. طمأنت نفسها داخلياً. هذا كل ما سأقوم به. لن أُهزم، فقط سأنحني حتى أتفادى تلك العاصفة غير المتوقعة. جاءه صوته قريباً منها يحدثها: -قدامك نص ساعة، وإلا البوليس هيكون جوه الشركة. انتفضت من مقعدها تصرخ به: -خلاااااص موافقة، بس بشروط. عقد حاجبيه معاً، وهو يكتف كلتا ذراعيه

فوق صدره ويسألها بتركيز: -إيه هي شروطك؟ أجابته بثقة مزيفة، وهي تحاول رفع رأسها بكبرياء: -وصلات الأمانة اللي مضى بابا عليهم وسامح ماما بيهم، يتقطعوا قبل كتب الكتاب. وطبعاً مش محتاجة أقول إن من بكرة ماما توقف شغل عندك. راقبت رد فعله بهدوء بسيط اكتسبته من نظرته الحانية. حسناً، إن كان يريد المساومة، فهي أيضاً ستساوم وتبدأ في تنفيذ خطتها منذ الآن. أومأ رأسه لها موافقاً، وهو يتمتم: -اللي إنتي عايزاه. أكملت حياة بثقة أكبر:

-الشرط التاني، تكون ليا أوضة لوحدي خاصة بيا، ومحدش معاه مفتاحها غيري، وده من أول يوم جواز. إنت في مكان وأنا في مكان. نظر لها مطولاً، يتفحصها، قبل أن تضيق عينيه عليها ويسألها: -يعني إيه؟ أجابته مفسرة: -يعني اللي فهمته. مفيش حد عنده كرامة ممكن يقرب من واحدة مش طايقاه. دوت ضحكته عالياً بشراسة داخل أنحاء الغرفة، قبل أن يقول: -لا، إنتي بتهزري!! أنا استنيت كل ده عشان اتجوزك وملمسكيش؟

لا، ومتوقعة مني إني أقبل كمان. طبعاً شرطك مرفوض. صرخت به حياة وهي تنظر في اتجاه المكتب الواقف أمامه: -وأنا قلتلك الموت أهون عليا من إني اتجوز واحد زيك. ثم تحركت مسرعة تلتقط آلة فتح المظروفات الحادة من فوق المكتب وتضعها فوق شريان رقبتها وتضيف: -أقسم بالله يا فريد، هموت نفسي قدامك وأريحهم وأرتاح، ومش هتقدر تهددهم بعد موتي.

شعرت في اللحظة التي نطق بها برفضه بأنها فقدت السيطرة على أعصابها تماماً. حتى جسدها خرج عن نطاق سيطرتها، فلم تستطع إيقاف ارتجافه. حاولت التوقف عن الصراخ، ولكن دوى، فكل ما شعرت به في تلك اللحظة أنها تريد الصراخ بكل قوتها حتى تنفس عن كل ما شعرت به منذ البارحة: -إنت إيه!! إنسان مش بيرحم!! مش كفاية اللي عملته في محمود امبارح، ومش كفاية اللي عملته قبله في أمي!!

إنت عمال بتدمر حياة أي حد قريب مني لمجرد إنه يعرفني. أنا بكرهك وبكره اليوم اللي شفتك فيه والساعة اللي قَدَري وقعني فيها في طريقك. أنا عايزة أموت عشان أرتاح من إنك دايماً واقف في طريقي. ظل فريد يراقبها، وضغط يدها يزداد تدريجياً فوق عنقها دون وعي منها. تقدم خطوة للاقتراب منها، ولكن صراخها الذي ازداد أوقفه: -اوعى تقرب، لو فكرت في يوم تقرب مني أو تجبرني، هموت نفسي.

كان يرتعد داخلياً، خوفاً عليها. اللعنة عليه، ماذا فعل بصغيرته وحياته؟ إنها على وشك فقدان الوعي من شدة رعبها وتلف أعصابها. هل هذا ما يريده لها؟ ولكن تلك فرصته الأخيرة حتى تصبح زوجته، فمنذ سنوات وهو ينتظر موافقتها، ولكن دون جدوى. حسناً، سيكفيه أن تعيش تحت سقف بيته ويراها يومياً. نظر إليها فوجد يدها تضغط بقوة أكثر على الآلة الحادة حتى بدأت بعض الدماء تزحف نحو عنقها ببطء، فصرخ بفزع:

-تماااام.. خلاص موافق، بس اهدى وسيبلي اللي في إيديك دي. نظرت إليه بعدم تصديق، بينما يحاول هو الاقتراب منها، ولكنها صرخت به بقوة: -قلتلك متقربش مني. توقف فريد عن السير وتراجع خطوة للوراء، وهو يرفع كلتا يديه أمامه في استسلام ويتمتم بحزن: -مش هقرب، بس إنتي اهدى وسيبلي اللي في إيديك. تمتمت حياة: -مش مصدقاك. أجابها فريد والألم يعتصر قلبه: -والله ما هقرب منك. سألته حياة مستنكرة: -احلف بأغلى حاجة عندك. احلف برحمة ماما رحاب.

ازدرد فريد ريقه بصعوبة، قبل أن يتمتم بحزن وصدق حقيقي: -ورحمة أمي ما هقرب منك. وحياتك عندي ما هقرب منك غصب عنك أبداً.

أفلتت حياة الآلة من بين يديها، فسقطت على الأرض الخشبية تدوي بقوة، وسقطت حياة بجوارها تشهق وتبكي بكل ما أوتيت من قوة. تحرك فريد يجلس جوارها بصمت، دون محاولة لمسها. ظل يجلس جوارها حتى هدأت تماماً من نوبتها، ثم وقفت فجأة وتحركت في اتجاه المرحاض لتنظيف وجهها وعنقها. خرجت منه إنسانة أخرى بملامح هادئة وقوية، وبمجرد رؤيته يتحرك في اتجاهها، رفعت رأسها بكبرياء، موجهة له نظرات نارية. ابتسم داخلياً لعودة متمردته مرة أخرى.

سألها باهتمام: -محتاجة حاجة؟ هزت رأسها نافية، وهي تنظر إليه بازدراء. لوى فمه بنصف ابتسامة جانبية التقطتها عيناها، فسارعت تقول: -أنا بكرهك على فكرة. تمتم فريد بمرح: -مش مشكلة. تكرهيني وأنتي في بيتي وتحت عيني أحسن من إنك تكرهيني وأنتي بعيد عني. صمت لبرهة، ثم أضاف: -شفتي أنا قنوع إزاي؟

لم تعقب حياة على سخريته، فقد كانت تفكر بخبث أن انتصاره ذلك مؤقت، لذلك فلماذا لا تتركه يستمتع به قليلاً. تحركت في اتجاه الباب، تهم بالخروج، عندما أوقفها صوته العميق يضيف: -الفرح الخميس الجاي. ده المهم إنك تعرفيه، غير كده أنا هتولى باقي الأمور.

كانت على وشك الاعتراض، ولكنها تراجعت، فكلما أسرعت في الزواج منه وبدء خطتها مبكراً، كلما تخلصت منه بشكل أسرع. لاحظ هو الصراع الداخلي الذي تمر به، والبادئ بوضوح على قسمات وجهها، فأبتسم تلقائياً عند تراجعها. فكر بفخر أنه يحفظ تعابير صغيرته عن ظهر قلب. في الخارج، نظرت حياة إلى والدتها التي استمعت إلى كل ما حدث مع ابنتها بالداخل، ولكنها لم تستطع التدخل، فهذا هو التصرف الصحيح من أجل الجميع. تمتمت حياة بنبرة

خالية لجميع من بالغرفة: -الفرح آخر الأسبوع. ثم التفتت تلقي نظرة أخيرة تطمئن بها على أخيها، قبل أن تنصرف دون حديث.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...