مضت الأيام التالية على كلا من حياة وفريد على نفس المنوال، تجنبت هي لقاءه وتعمد هو الخروج باكراً والعودة بعد منتصف الليل. وبالتالى كانت تتناول هي وجباتها الثلاث يومياً بمفردها وتقضي ما تبقى من يومها بين البحث عن فرصة سفر مناسبة لأخيها لإخراجه من البلاد وما بين اكتشاف شيء جديد في المنزل.
وفي إحدى الأيام عندما لاحظت عفاف حالة الملل التي أصابت حياة نصحتها بالتوجه إلى مكتب السيد فريد إذا كانت من محبي القراءة، فغرفة مكتبه تحتوي على كم هائل من الكتب. أبدت حياة ترحاباً شديداً بتلك الفكرة وقررت اكتشافها على الفور.
دخلت الغرفة بتوجس، فمجرد تفكيرها أنها ملكية خاصة لفريد لا يستخدمها أحد غيره أربكها، ولكن عفاف شجعتها، أنه أبداً لن يعارض على استخدامها لها. ورغم ذلك قررت الدخول فقط للبحث عن شيء ما تقرأه ثم الخروج فوراً.
كانت رائحته المميزة تملأ المكان، هذا أول شيء خطر ببال حياة بمجرد دخولها قبل أن تقع عينيها على محتويات الغرفة. فتحت عينيها بانبهار، فالغرفة تجسيد حي للكمال والدفء بخشبها باهظ الثمن مع مكتب عصري ومقعد جلدي مريح وثير مع الكثير من التحف العتيقة والإكسسوارات الثمينة. أما ما جعل حياة تشهق بإعجاب هي تلك المكتبة التي كانت تحتل أركان الغرفة وتحاوط المكتب بنافذته وتمتد حتى السقف وتحتوي على مئات بل آلاف من الكتب المنظمة على حسب حقبتها الزمنية ونوعها وتراثها.
تحركت حياة أول شيء نحو رف الأدب العالمي فوجدته يحتوي على كثير من الكتب الفرنسية. زمّت شفتيها معاً للأمام بتفكير وهي تلتقط إحدى الكتب بتغليفها الجلدي العتيق بين يديها وتتأمله. إذاً، لقد أتقن الفرنسية فعلاً!
لقد كانت تتذكر كم تذمر فريد من كرهه لتلك اللغة وعدم قدرته على استيعابها وكم من خلافات نشبت بينه وبين والده بسبب ذلك الأمر، ولكن غريب كان دائماً يجبره على تلقي الدروس بحجة أن جميع تعاملاتهم مع شركات فرنسية وعلى ولي عهده أن يتقنها تمام الإتقان حتى يستطيع التعامل معهم في المستقبل عند توليه إدارة الشركات. هل يعلم أنها كرهت اللغة والبلد بأكملها من أجله!!
فكم ألمها أن يكون صديقها المفضل مجبراً على فعل شيء ما بالإكراه وبناءً عليه رفضت هي الأخرى تلك اللغة رغم أنها أيضاً اضطرت آسفة بحكم دراستها أن تتعلمها، ولكنها أبداً لم تستغلها في طفولتها من أجله. تنهدت بعمق من أثر تلك الذكرى وأعادت الكتاب القيم إلى موضعه فوق الرف قبل أن يرن هاتفها داخل جيب ردائها. التقطته تنظر به أولاً قبل أن تبتسم بفرح، فيبدو أن مساعيها خلال الأيام الفائتة قد أتت بثماره أخيراً. أجابت بحماس على الطرف الآخر ثم استمعت له قليلاً
قبل أن تجيبه بسعادة قائلة: "أيوه يا فندم تمام.. بالظبط زي ما بعت لحضرتك كده وإن شاء الله الورق هيكون جاهز في أقرب وقت." صمتت قليلاً ثم أجابته بحرص: "طبعاً طبعاً.. إن شاء هيسافر لحضرتك قريب." أنهت المكالمة وأغلقت هاتفها ثم قفزت عدة مرات بسعادة وفرح. فاخيراً استطاعت التحصل على فرصة خارج البلاد لأخيها بمعاونة صديقتها في الخارج التي ما إن علمت بالتحول الذي حدث في حياتها وزواجها من شخص ثري حتى أسرعت في مساعدتها على الفور.
في تلك الأثناء كان فريد يجلس في مكتبه بمقر عمله وشيء وحيد يستحوذ على تفكيره، حياة خاصته. لقد اشتاق إليها كثيراً، فمنذ حديثهم الأخير سوياً وهو يتعمد عدم مواجهتها أو الاحتكاك بها حتى يعيد ترتيب أموره ويمهلها بعض الوقت للاعتياد على فكرة زواجهم ووجوده بجانبها. فقد كان يقضي يومه كاملاً في العمل ويذهب للمنزل فقط في المساء عندما يتأكد من خلودها للنوم وبعد فترة يتسلل إلى غرفتها بهدوء دون علمها ليتأملها قليلاً قبل أن يخلد هو الآخر إلى نوم متقطع يظهر في غالبيته مقتطفات من الماضي الحزين.
قاطع تفكيره دخول والده العاصف لغرفته. لوى فريد فمه متشدقاً قبل أن يقول بسخرية واضحة: "مادام دخلت عليا دخلة المخبرين دي يبقى في مصيبة. قول اللي عندك." حدقه والده بنظرة غيظ قبل أن يقول بحنق واضح: "نفسي تبطل قلة أدب وتحترمني شوية!!! لوى فريد فمه متأففاً قبل أن يجيبه بتهكم مرير: "معلش أصل محدش رباني وانت عارف.. أمي ماتت وأنا صغير ومرات أبويا كان كل همها إزاي أحصلها."
ارتبكت ملامح غريب من تلميحات فريد قبل أن يجيبه بنفاذ صبر هارباً من الصدام مع ابنه الوحيد: "خلاص خلاص.. مش هي دي مشكلتنا دلوقتي.. إنت إيه اللي عملته ده مع عيلة الجنيدي؟ أجابه فريد بغرور وهو يعود بجسده إلى ظهر مقعده ليجلس في تعالى واضح ويضع ساقاً فوق الأخرى: "عملت اللي المفروض يتعمل معاهم من زمان." هز غريب رأسه عدة مرات بأسف قبل أن يقول بغضب جلي: "إنت بتستعبط!!! مش هيسبوك بعد اللي عملته فيهم!! إنت مش خايف على نفسك."
أجابه فريد وهو مازال محافظاً على نبرته الواثقة وهدوئه: "أعلى ما في خيلهم يركبوه.. يبقوا يوروني يقدروا على إيه وروحي في إيدي دلوقتي." أجابه غريب متوسلاً: "يا ابني لو إنت مش خايف على نفسك أنا خايف عليك.. بلاش عند مع ناس زي دي!! قفز فريد من مقعده بغضب ثم توجّه نحو والده يقف أمامه بشموخ وهو يضع يديه في جيوب بنطاله قائلاً بشراسة:
"خلي خوفك لنفسك. وبعدين أنا حلفت برحمة أغلى حاجة عندي إني أدفعه تمن اللي عمله قديم وجديد.. كفاية إن حسابه اتأخر لدلوقتي بسببك." أنهى جملته ثم التفت بجسده يتجه نحو النافذة لينظر منها بجسد متصلب. سمع صوت والده يتنهد بيأس قبل أن يقول منتهياً ذلك الحديث:
"خلاص اللي إنت تشوفه اعمله.. بس ع الأقل زود عدد الحراسة معاك شوية.. آه واعمل حسابك الأسبوع الجاي حفلة التجديد السنوي مع الشركة الفرنسية.. والحفلة هتكون على شرفك إنت ومراتك عشان يتعرفوا عليها." أدار فريد جسده نحو والده بهدوء ثم رفع إحدى حاجبيه مستنكراً قبل أن يجيبه ببرود: "لا مش عايز." صاح به غريب وقد سأم من تصرفات ابنه تجاهه المبالية: "إيه اللي مش عايز!!!! ده شغل ومستقبل شركات إنت المسؤول عنها!!
الخميس الجاي الحفلة في الفيلا تكون موجود إنت ومراتك ومش عايز اعتراض." أنهى جملته ثم تركه وانصرف صافقاً الباب خلفه بقوة.
انتظرت حياة حتى المساء وعودة أخيها للمنزل حتى يكون بكامل تركيزه قبل أن تقرر الاتصال به. جلست في غرفتها وعلى حافة فراشها ثم أمسكت هاتفها وانتظرت أن يأتيها الرد من الطرف الآخر. كانت على وشك خوض كافة التفاصيل معه عندما سمعت وقع خطوات كثيرة في الخارج فلم تود المجازفة بأي حديث قد يفسد مخططها لذلك آثرت الحرص على حماسها فقالت لأخيها بنبرة منخفضة:
"بص الكلام مش هينفع في التليفون أنا لازم أشوفك بكرة.. فضي نفسك وقابلني في البيت." في تلك اللحظة فتح باب غرفتها بقوة ورأته يقف أمامها يسألها بوجه عابس وعيون مكفهره: "إنت بتكلمي مين؟! انتفضت هي على صوت اقتحامه لغرفتها ثم وضعت يدها فوق قلبها برعب قبل أن تمد يدها الممسكة بالهاتف نحوه وهي تقول برعب: "محمد أخويا.. خد اتأكد بنفسك."
ارتبكت نظرته قليلاً وظهر التوتر على قسمات جسده قبل أن تلين نظرته ويدير جسده المتصلب لها خارجاً من غرفتها.
تنفست الصعداء بعد خروجه وأغلقت الهاتف مع أخيها بتعجل ثم أخذت تذرع الغرفة ذهاباً وإياباً بتوتر. هزت رأسها عدة مرات بتصميم لتشجع نفسها داخلياً. ستذهب لتخبره ولن تتهاون في حريتها، فعهد تحكم والدها انتهى وأبداً لن تعيد تلك التجربة معه. فوالدها كان يمنعها من الخروج بمفردها إلا من أجل الدراسة والعمل بالطبع بسبب العائد المادي للأخير حتى يرتاح من طلباتها. أما عن خروجها مثل مثيلاتها من الفتيات كان ممنوعاً عليها منعاً باتاً، ففي منطقة أن البنت ذات الدين والخلق الجيد مكانها فقط في المنزل!!!
على كلاً، إنها شاكرة لسماحه لها بإكمال دراستها دون تعنتات، ولكن كل ذلك انتهى الآن ولن تسمح لأحد آخر التحكم في حياتها. بعد قليل هبطت إلى الطابق الأرضي بعدما استجمعت شجاعتها واستعدت لمواجهته تبحث بعينيها عنه. في الأسفل لمحت بعينيها مدبرة منزله تخرج من غرفة مكتبه ممسكة بفنجان قهوة فارغ فعلمت أنه بداخلها لذلك توجهت على الفور تجاه الغرفة ثم توقفت أمامها تسألها بهدوء قائلة: "فريد جوه؟! أجابتها عزة بجفاء قائلة:
"آه فريد بيه في المكتب." هزت حياة رأسها عدة مرات وتركيزها منصب على مواجهتهم وهي ترفع رأسها بتحدي ممسكة بقبضة الباب وتهم برفع يدها الأخرى لتطرقه. أوقفها صوت عزة مرة أخرى قائلة بنبرة خالية: "فريد بيه طلب محدش يزعجه! نظرت إليها حياة من فوق كتفها وهي لازالت ممسكة بقبضة الباب ثم رفعت إحدى حاجبيها لها بتحدي قبل أن تدير مقبض الباب وتدخل الغرفة دون استئذان وهي توجه إليها ابتسامة مغيظة قبل أن تصفق الباب في وجهها.
كان فريد يجلس خلف مكتبه عاقداً حاجبيه معاً بشدة وهو ينظر بتركيز في شاشة كمبيوتره المحمول عندما سمع باب غرفته يفتح ويغلق دون استئذان انتفض من مقعده وهو يصيح قائلاً: "مين اللي بي... أنهى جملته بمجرد وقوع نظره على الباب ورؤيته لها تدخل الغرفة بتوجس. لانت ملامحه المتجهمة قبل أن يتحرك في اتجاهها يسألها بقلق: "حياة!! في حاجة حصلت؟ أخذت نفساً عميقاً قبل أن تبرر دخولها الهمجي ذلك قائلة:
"مفيش وأنا عارفة إني دخلت من غير ما أخبط ع الباب.. بس هما قالولي بره إنك مش عايز حد يزعجك.. وأنا كنت هقولك حاجة وأطلع على طول." تبدلت ملامحه على الفور ثم أضاف بنبرة حانية وهو يتأمل نظرتها المرتبكة رغم حركات جسدها المتصلبة: "حياة.. أنا قصدي محدش يزعجني منهم."
أطرقت برأسها للأسفل في محاولة منها لكتم ابتسامة خفيفة كانت تهدد بالظهور على شفتيها من أثر ذلك الانتصار الصغير ولكنها سيطرت عليها بالاخير ثم تنحنحت عدة مرات قبل أن تقول بنبرة هجومية استعداداً لما هو آت: "أنا عايزة أروح لماما بكرة أزورها.. وعلى فكرة ده مش.... قاطعها فريد قبل أن تكمل جملتها بنبرة هادئة: "مفيش مشكلة شوفي عايزة تنزلي الساعة كام وبلغي السواق قبلها." فتحت فمها باندهاش فقد كانت تعد نفسها
لرفضه فسألته باستنكار: "إيه ده يعني إنت موافق إني أروح بسهولة كده؟! ابتسم لها بإعجاب من سؤالها الطفولي ثم أجابها قائلاً: -مفيش مشكلة، زي ما قلتلك السواق هيوصلك وقت ما تحبي، وأنا بليل بنفسي هاجي أوصلك. عقدت حاجبيها معاً ثم أجابته معترضة: -بس أنا مش عايزة حد يوصلني! أنا بعرف أمشي على فكرة، ولوحدي! وضع فريد يديه في جيوب بنطاله قائلاً بلا مبالاته المعتادة وهو يرمقها بنظرة محذرة: -حياة!
مش عايز مناقشة كتير، ده آخر كلام عندي! والقرار قرارك، يا حد يكون معاكي يا لأ! اختاري! التفت بجسدها واتجهت نحو الباب وهي تضرب الأرض بقدمها من شدة الغيظ وتتمتم بكلمات حانقة لم تلتقط أذنه منها شيئ، ولكنه ابتسم لاإرادياً من مظهرها الطفولي الغاضب. تنحنح محاولاً تنقية حلقه والسيطرة على رغبته في احتضانها. ثم تحدث بنبرة آمرة وهي على أعتاب الخروج قائلاً: -اعملي حسابك الخميس الجاي في حفلة للشركة على شرفنا، حضري نفسك.
التفت تنظر له بعيون غاضبة قبل أن ترفع رأسها بتحدٍ قائلة: -مش هروح، اتفضل احضرها مع نفسك! رأت التسلية واضحة في بريق عينيه قبل أن يجيبها بنبرة تهديد منخفضة: -تمام براحتك! أهي فرصة برضه ألبسك بإيدي وأشيلك لحد هناك. شهقت بفزع وفتحت فمها مندهشة من وقاحته معها ثم أضافت بنبرة حادة مرتبكة: -أنت... أنت إنسان مغرور ووقليل ذوق وأناااااا...
قاطعها بمرح مقلداً نبرتها وهو يلوي فمه بنصف ابتسامة ويتقدم منها حتى أصبح على خطوة واحدة منها قائلاً: -بتكرهيني، عارف. تشدقت بحنق قائلة باشمئزاز: -كويس إنك عارف إني بكرهك وجداً كمان. ومضت عينيه ببريق غريب وهو ينظر لداخل عينيها مباشرة. ثم أجابها وهو يمد كلتا ذراعيه يستند بهما فوق الجدار ليحكم حصارها ويمنع يدها من الامتداد لفتح الباب والخروج قائلاً بصوت أجش وعينيه تضيق فوق وجهها:
-عارفة يا حياة إيه اللي مصبرني على كل اللي بتعمليه ده؟ لم تجبه، بل أغمضت عينيها بقوة تضغط عليهما محاولة تجاوز الشعور الذي بدأ يتسلل إليها من أنفاسه الحارة التي تقع عليها، وهي تحرك رأسها نافية ببطء وتبتلع ريقها بصعوبة بالغة. فأضاف وهو يقترب بوجهه أكثر من وجهها: -عشان العيون دي اللي في كل مرة بتشوفني فيها بتقول لي حاجة واحدة بس... "محتاجالك يا فريد"... وأنا وعدتهم من زمان إني ما عمري ما هتخلى عنهم.
فتحت عينيها بصدمة قبل أن تشرد بنظرها نحو الفراغ ويشحب وجهها. انتهز هو فرصة صمتها واقترب منها يطبع قبلة حانية فوق وجنتها. انتفضت بفزع من أثر قبلته وقد أعادتها لمسته للحياة، ثم دفعته بكلتا يديها وهي تصرخ به بقوة قائلة: -متلمسنييييييش! أنت فاهم؟ أوعى تقرب مني أو تلمسني تاني! ثم استدارت برعب لتفتح الباب بيد مرتعشة وركضت إلى الخارج بجسد منتفض، تاركة فريد يشعر بالصدمة من رد فعلها غير المفهوم. ***
في صباح اليوم التالي، كانت آمنة تجلس فوق الطاولة الصغيرة تقوم بتحضير أشهى المأكولات وهي تدندن أغنية قديمة بسعادة. خرج عبد السلام من غرفته ينظر نحوها شزراً قبل أن يتشدق جملته بغيظ: -أيوه يا أختي، حضري ما هي ست الحسن بتاعتك جاية النهاردة. حركت آمنة رأسها يميناً ويساراً في حنق ثم استغفرت ربها وآثرت الصمت، ولكنه تعمد استفزازها مضيفاً: -إيه؟ مش اللي عاجبك الكلام ولا بتكلم غلط؟
ولا يمكن كلامي دلوقتي مبقاش جاي على هواكي بعد ما ناسبتي الباشا؟ زفرت آمنة بضيق وهي تلوي فمها قبل أن تجيبه قائلة: -يا حول الله يارب! أنا عايزة أعرف أنت إيه؟ عايز تجر الشكل وخلاص؟ ماسيب البت في حالها، مش كفاية من ساعة ما اتجوزت محدش عبرها ولا سأل عليها؟ قاطعها وقد بدأت نوبة صياحه المعتادة قائلاً بصوت يصم الآذان: -مالها يا أختي؟ ما هي قاعدة في فيلا والخدم تحت رجليها، هتعوز إيه تاني؟
أنا بقول بس بدل ما أنتي مهتمة بيها والأكل الحلو مظهرش غير بقدومها، كنتي تعملي حاجة لابني الغلبان الشقيان ده، هو أولى! قاطعته آمنة بنفاذ صبر معترضة: -وهي مش بنتك يا راجل؟ وكمان لو كنت نسيت أفكرك مين اللي أنقذ ابنك الغلبان ده؟ قاطعها بصوته الجهوري قائلاً: -وهو مين اللي كان هيضيع ابني غير الست بنتك وعمايلها؟ أجابته آمنة بحنق: -طب والوصلات اللي كانت عليك مين أنقذك منها يا عبد السلام؟ يا أخي اتقي الله بقى وكفاية كده.
مر كفه داخل شعره يحك قرعته بتفكير ثم تمتم بخفوت: -عندك حق، بس المرة دي البت وقعت واقفة بجد. شكلنا اتسرعنا المرة اللي فاتت، بس الحمد لله إنها باظت. صاحت به آمنة وهي ترميه بنظرات اشمئزاز واضحة قائلة: -عبد السلاااااام! اقفل ع السيرة الهباب دي لمصلحتك، وأتوكل على الله شوفلك حاجة تعملها خليني أكمل شغلي. رمقها بنظرات حانقة قبل أن يقول بغيظ: -أديني سايبالك وماشي وهروح أقعد ع القهوة. تمتمت آمنة بخفوت قائلة: -في ستين...
ثم عادت للتركيز على ما كانت تقوم به قبل مناقشتها معه. *** انقضى يوم حياة سريعاً مع والدتها التي اهتمت بسؤالها عن أدق تفاصيل حياتها، فحاولت حياة قدر المستطاع إعطائها إجابات منطقية مختصرة دون التطرق لأي مواضيع جانبية. فظنت آمنة أن ابنتها تتجنب الحديث معها في أي شيء يخص زواجها خجلاً منها. أما عن حياة، فقد تنهدت براحة عندما توقفت والدتها عن سيل الأسئلة التي غدقتها بها منذ وصولها. صمتت قليلاً ثم سألتها باستفسار وهي تلزك
ابنتها من مرفقها بمرح: -صحيح، قوليلي؟ عجبتك الهدوم اللي اخترنهالك؟ قطبت حياة حاجبيها معاً بتركيز قبل أن تسألها مستفسرة: -هدوم إيه؟ أجابتها آمنة بحماس والابتسامة تعلو ثغرها فخراً: -الهدوم بتاعتك اللي هناك في الفيلا. ازدردت ريقها بعجالة ثم أضافت قائلة:
-فريد حب يعملها لك مفاجأة. كلمني وقالي أقابله وأختار معاه كل اللي بتحبيه عشان أنا أدرى بذوقك يعني. حتى فستان الفرح سألني لو بتحبي حاجة معينة وافتكرت ساعتها الفستان اللي كنتي كل شوية تدوشيني بشكله وتوريني صور شبهه، وخلاني أقابل واحدة مصممة كده، اسمها... ووصفتهالها على قد ما أقدر. بس الحق يا حياة إن الفستان طلع أحلى من اللي كنتي بتوصفيه. أنا مرضتش أحرقلك المفاجأة ساعتها، بس دلوقتي أقدر أتكلم براحتي بقى.
هزت حياة رأسها ببطء فقد حلت لغز تلك الملابس الرائعة القابعة داخل خزانتها وحتى الآن ترفض ارتدائها بسببه. أعادها من شرود تفكيرها صوت أخيها يدلف إلى المنزل، فقفزت على الفور تستقبله بسعادة وحماس، ثم تمتمت لوالدتها بعجالة: -أنا هنا إحنا في الأوضة جوه، متخليش حد يدخل علينا.
ثم جذبت أخيها من مرفقه تدفعه نحو الغرفة بحماس. في الداخل قصت على أخيها الذي كان يستمع إليها بتركيز وحماس كافة تفاصيل تلك السفرية المنتظرة، ثم أطرق برأسه في حزن متسائلاً: -ماشي يا حياة، بس أنا هجيب مصاريف السفر دي منين؟ أنتي عارفة إن الشغل يا دوب... ربتت على كفه بحنو قبل أن تجيبه بنبرة مطمئنة: -متشغلش بالك بكل ده، أنت عارف إني كنت محوشة شوية فلوس من شغلي وأنا هتكل بكل حاجة.
ثم مدت يدها داخل إحدى جيوب بنطالها وأخرجت بطاقة إلكترونية وضعتها في كفه قبل أن تضيف: -دي الفيزا بتاعتي، إن شاء فيها اللي يكفي كل المصاريف. خدها استخدمها وأتوكل على الله. بس بالله عليك يا محمد في أسرع وقت، أنا ما صدقت الفرصة دي تجيلي. هز رأسه لها متفهماً قبل أن يحتضنها ويطبع قبلة حانية على جبهتها ويقول: -مش عارف أقولك إيه ع اللي بتعمليه معايا، بس إن شاء الله هردلك كل فلوسك دي وزيادة. لكزته فوق وجنته برفق
قبل أن تجيبه بمرح قائلة: -يا واد أنت هتكبر عليا، يلا قوم شوف وراك إيه تعمله، معندناش وقت. قفز أخيها على الفور في حماس وهو يتمتم بسعادة: -حاضر يا أجدع أخت في الدنيا. ابتسمت حياة بسعادة لرؤيتها سعادته واضحة فوق ملامحه، ثم أوقفها بصوتها الناعم ترجوه قائلة: -محمد، متنساش أنت وعدتني. محدش يعرف حاجة لحد ما تسافر. هز رأسه لها متفهماً قبل أن يخرج من غرفتها ويتركها تزفر براحة وسعادة من تحقيقها أول خطوة في سبيل حريتها. ***
في المساء، هاتف فريد حياة يطلب منها الاستعداد للخروج فهو على وشك الوصول إليها. ودعت والدتها التي اقتربت منها بحزن قائلة: -ملحقتش أشبع منك يا حياة، كنتي خليكي شوية كمان معانا. أجابتها حياة وهي تربت على كتف والدتها بحنان مبررة: -معلش يا ماما، فريد كلمني وقال لي إنه خلاص في الطريق، وإن شاء الله هبقى أجيلك تاني. وأنتي كمان ابقي تعالي زوريني، بلاش تسبيني لوحدي هناك.
كانت آمنة على وشك إجابتها عندما قطع حديثهم صوت والدها الذي كان يقف على عتبة المنزل يستمع لحديثهم قائلاً بسخرية: -سبيها تروح لجوزها! دلوقتي بقى فريد اللي كانت عاملة دوشة 10 سنين وهي تقول مش عايزاه، مش عايزاه، دلوقتي مش قادرة على بعده. التفت حياة بحدة تنظر إليه وعلامات الحنق تبدو ظاهرة على ملامحها، قبل أن تقرر إثارة غيظه قائلة بسخرية وهي تتحرك في اتجاهه وتقف على مقربة منه: -طب وأنت زعلان ليه كده يا بابا؟
يمكن عشان المرة دي معرفتش تطلع غير بوصلات الأمانة، فالموضوع بالنسبة لك خسران؟ صُدم عبد السلام من ردها، فتلك كانت أول مرة تقف حياة في وجه والدها. صدح صوته بقوة يرج أركان المنزل صارخاً فيها بعنف: -أنتي قليلة أدب بنت... وشكلك افتكرتي إنك اتجوزتي ومحدش هيقدر عليكي. ثم رفع كفه لأعلى في محاولة لصفعها، ولكن أوقفه صوت فريد الهاادر ممسكاً بيده المرفوعة قائلاً وعلامات الغضب تبدو ظاهرة على وجهه وعينيه: -عبد السلام بيه!
أنا مراتي متربية أحسن تربية. ثم قام بالضغط بقوة على كف والدها المرفوع حتى شعر بالاحمرار قد بدأ يغزو وجه غريمه من شدة الألم، وأضاف بنبرة غاضبة منخفضة وهو يضغط على شفتيه بقوة: -ثم إنها مش مرات فريد بيه رسلان اللي حد يفكر يمد إيده عليها، حتى لو كان أبوها، فاهم؟
نفض يده بقوة شعر معها عبد السلام بذراعه على وشك الخروج من مفصله. تحرك فريد من أمام الباب يحتضن يد حياة التي وقفت خلف والدتها متسمّرة مما كان والدها على وشك فعله معها ومن رد فعل فريد. ثم سحبها نحو الخارج وهو يقول بنبرته الآمرة: -دادا آمنة.. لو عايزة تشوفي حياة هتلاقيها في بيتي. ثم سحبها للخارج نحو السيارة دون النظر خلفهم.
دَلَفَت حياة داخل السيارة بهدوء دون إبداء أي رد فعل. صفق فريد الباب خلفها بقوة ثم استدار ليحتل المقعد المجاور لها ويأمر سائقه بالتحرك. ولازال ذلك العرق بجانب صدغه ينبض بقوة من شدة الغضب. زفر بقوة عدة مرات في محاولة منه لاستعادة جزء من هدوئه قبل أن يتحدث مع حياة التي لم تبدِ أي رد فعل حتى الآن. هتف باسمها بنبرة حاول قدر الإمكان إخراجها طبيعية وهو يمد يده ليحتضن كفها في توجس متأهبًا لرفضها، ولكنها فاجأته بتقبل يده بهدوء غير معتاد. هتف باسمها مرة أخرى بنفاذ صبر، ولكن أيضًا لم يصدر منها أي رد فعل. فقط ضغطة خفيفة على يده المحتضنة يدها. ثم استندت برأسها على النافذة وسمحت لنفسها بالعودة إلى سن السادسة.
تذكرت ذلك اليوم في قصر غريب عندما كانت تتلوى تحت قبضة والدتها وهي تمشط لها شعرها قائلة بطفولية: -يا ماما يلا بسرعة عشان ألحق أروح لفريد قبل الدرس ما يبدأ. ضحكت آمنة بمرح وهي تحاول جاهدة إتمام مهمتها مع قلة صبر طفلتها قائلة بمرح: -أيوه يا ست حياة.. كأن الدنيا دي مافيهاش غير فريد ليل ونهار عايزة تجري عليه. اتفضلي يا ستي روحيله أديني خلصت.
ركضت حياة على الفور في اتجاه الباب المؤدي إلى الحديقة عندما أوقفتها يد والدها الغليظة تسحبها للداخل مرة أخرى ويجرها خلفه بقسوة قائلاً: -مفيش حاجة اسمها فريد تاني. ثم توجه بحديثه لوالدتها: -إنتي يا ست آمنة معندكيش نخوة ولا إحساس بتشجعي البت على قلة أدب!! عايزها تحط راسنا في الطين!! سألته آمنة مستنكرة عاقدة حاجبيها معاً: -قلة أدب إيه دي يا عبد السلام اللي بتتكلم عليها؟
أجابها بصراخ وهو مازال ممسكاً بذراع حياة التي كانت تحاول جاهدة الإفلات من قبضته المؤلمة: -أيوه قلة أدب.. ليل ونهار سايباها قاعدة لوحدها مع ابن الباشا ومحدش عارف بيعملوا إيه. بت دي مش هترتاح غير لما تجيبلي العار وتخلي ناسى في البلد يعايروني بيها! شهقت آمنة بفزع وهي تضع يديها فوق فمها تحاول استيعاب حديث زوجها غير المتزن. ثم أجابته باستنكار ممزوج بإشمئزاز قائلة: -عار إيه يا راجل!!! دول عيال!!!
إنت بتتكلم على بنتك اللي مكملتش ٦ سنين!!!! إنت بتقول إيه. صاح بها بصوت جهوري أفزع كلاً من حياة التي بدأت تبكي من شدة الألم ووالدتها: -أيوه هو ده اللي عندي واعملي حسابك تلمي هدومك أنا خلاص جبت شقة إيجار ومن بكرة هنتنقل ليها.. وأقسم بالله لو بوقك اتفتح أو اعترضتي لأرمي عليكِ اليمين دلوقتي وأرميكي في الشارع إنتي وعيالك!! ازدرد ريقه بقوة قبل أن يضيف بتوعد:
-ومن بكرة الحال المايل ده هيتعدل وهشوف البت دي اللي عايشة عيشة البشوات هتتربى إزاي. ثم نفض ذراع حياة من قبضته وخرج صافقاً باب الملحق خلفه بقوة. انتظرت حياة خروجه ثم ركضت نحو الحديقة وهي لازالت تبكي حتى وجدت فريد يجلس بهدوء تحت شجرته المفضلة. هتفت باسمه بصوت باكي تشتكي له من والدها قائلة من بين شهقاتها المتلاحقة:
-فريد.. بابا زعقلي.. وقالي.. قالي إني هجيبله العار.. وإنه هيخليني أمشي وكمان بكرة.. هنروح.. هنروح بيت جديد. قاطعها صوت فريد الطفولي يهدئها وهو يمسح فوق شعرها بحنان قائلاً بإصرار: -متخافيش يا حياة.. أنا هحميكي منه ومش هخليه يعملك حاجة. وبعدين أنا دلوقتي هكبر وهتجوزك وأخليكي تعيشي معايا أنا وإنتي وماما بس بعيد عنه وعن بابا.
هزت رأسها له بحماس موافقة وهي تمسح بكف يدها دموعها المنسابة. فهي تثق به وتعلم أنه بطلها وحاميها الأول. تنهدت بعمق وهي تفكر، فيبدو أن قوة ذلك الصغير لم تكف لردع والدها عما انتوى القيام به. وبالفعل في اليوم التالي انفصلت حياة عن فريد دون حتى وداع.
أفاقت من شرودها على توقف هدير السيارة وصوت فريد العميق يحثها على النزول. دَلَفَت إلى الداخل فوجدت الهدوء يعم أرجاء المنزل فاستنتجت أن ساعات العمل قد انتهت وذهب كل موظفيه إلى مخدعهم. راقب فريد ردود أفعالها الهادئة بقلق فهو يفضل حياة الثائرة عن تلك التي لا يصدر منها أي رد فعل. رفع رأسه للأعلى ثم تنهد بتعب وهو يمرر يده داخل خصلات شعره ويضغط على شفتيه قبل أن يقول آمراً بنبرة خرجت حادة دون وعي منه:
-حياة.. مفيش روح لهناك تاني.. فاهمة!! التفت تنظر إليه وعيونها تنطق بالشرر قبل أن تنفجر وتصرخ به بقوة وهي تدفعه بكلتا يديه للخلف قائلة: -ملكش دعوووووووه.. إنت بالذات ملكش دعوه... مش عايزة منك حاجة.. فاهم يعني إيه مش عايزة منك حاجة.. متجيش دلوقتي تديني أوامر.. روح واختفي زي ما اختفيت زمان.. حياة كبرت ومش محتاجالك فاهم!!! أنا قادرة ادافع عن نفسي لوحدي.. متعملش فيها بطل ليا.. كنت فين زمان.. كنت فين وأنا عندي ١٤ سنة!!!!
كنت فين وهو... ابتعلت ما تبقى من الكلمات بداخلها وهي تشهق بقوة وجسدها يرتجف من شدة الغضب. ظل فريد ينظر إليها بصدمة يحاول استيعاب حديثها وسبب ذلك الانهيار الغير مبرر. تقدم خطوة منها يمد كلتا يديه ويحاول احتضانها ولكنه تفاجأ بها تُلَكِمُهُ فوق صدره بقوة وهي تصرخ باستياء:
-متقربش مننننني.. قلتلك مية مرة متقربش مني.. فاهم.. ابعد عني ومتقربش مني.. مش عايزة حد يقرب مني فيكم.. سيبوني في حالي.. وإنت ارجع مكان ما كنت مختفي مش عايزاك في حياتي.. قاوم فريد لكماتها المتتالية وانهيارها وهو يشدد من احتضانه لها حتى استكانت وهدئت بين ذراعيه. ثم قامت بمسح عبراتها المنهمرة بكثرة قبل أن تدفعه برفق وهي تمتم بنبرة منهكة: -أنا كويسة لو سمحت سيبني.
فك حصارها من بين ذراعيه وتركها لتتجه نحو الدرج وملامح وجهه يكسوها الصدمة يحاول عقله استيعاب كلماتها وما تفوهت به للتو.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!