مرت الأيام التالية على فريد كالجحيم، فترتيبات عمله من جهة، وكلمات حياة التي كانت تطن داخل أذنه دون توقف من جهة أخرى. أما أسوأهم فهو اضطراره إلى التعامل مع نوبات غضب حياة المتواصلة، التي لم تدخر جهدًا لإثارة غضبه بكل الطرق الممكنة، الأمر الذي تطلب منه أقصى درجات ضبط النفس حتى لا يصب جام غضبه عليها. فهي كانت تتعمد استفزازه ومعاندته في أبسط المواقف والأمور. لذلك قرر أن أفضل حل هو تجاهلها وعدم الاحتكاك بها حتى يتخلص من
أعباء عمله وعقوده التي تتطلب التجديد، قبل أن يتفرغ لها. فهو عاقد النية بقوة على اكتشاف ما أشارت إليه من كلمات خلال حديثهم الأخير. أما غضبه ويأسه المتزايد، فكان يتخلص منه من خلال موظفيه المساكين، أو داخل صالته الرياضية، أو الأسوأ من خلال ذلك المشروب الذي أصبح يلازمه بكثرة خلال لياليه.
استيقظ في صباح اليوم السابق لحفلة التجديد بإرهاق. فرك وجهه بقوة، فلديه يوم عمل مملوء وشاق. اتجه أولًا نحو المرحاض ليأخذ دشًا سريعًا يعيد إليه نشاطه، ثم هبط فورًا إلى غرفة مكتبه، مقرراً على غير العادة ترتيب أوراق اجتماعه والذهاب إلى مقر الشركة قبل موعد الاجتماع مباشرة.
أما عن حياة، فقد ندمت على ما تفوهت به تلك الليلة. فهي تعلم فريد، وتعلم أنه لن يمر ما تفوهت به مرور الكرام، لذلك آثرت الهرب. إما عن طريق المكوث داخل غرفتها والخروج بعد التأكد من خروجه للعمل، أو بمهاجمته وإثارة حنقه إذا حدث بالخطأ وصادفته.
بعد منتصف الظهيرة، انتهى فريد من تدقيق أوراق اليوم، ثم تمطى بإرهاق قبل أن يقرر جمع أوراقه والتحرك. في تلك الأثناء، نظرت حياة في ساعة يدها فوجدتها تجاوزت الثانية عشر ظهرًا، والهدوء يعم المكان، وعلى ذلك تستطيع التحرك بحرية في غيابه. ارتدت لباسًا رياضيًا ثم توجهت مباشرة نحو الدرج. صادفت فريد عند مدخل الخروج، الذي تسمرت نظراته ما إن رآها. فقد كانت ترتدي لباسًا رياضيًا رائعًا، مزيجًا من اللونين الأبيض والأسود، يحتضن خصرها
ويتناسب تمامًا مع انحناءات جسدها، وترفع شعرها الناعم لأعلى على هيئة ذيل حصان، ثم تتركه ينساب بنعومة فوق كتفيها. شعر بحرارة جسده تزداد من ذلك المظهر العفوي والمثير للغاية. توقفت هي في منتصف الدرج بارتباك، لا تعلم ما الذي يجب عليها فعله، فقد رآها وقضى الأمر، وليس هناك أي سبيل للهروب أو الركض لأعلى مرة أخرى. لذلك قررت استئناف طريقها كأنها لا تراه. رفعت رأسها بكبرياء وهي تمر من جواره دون حديث. زفر مطولًا عدة مرات للتخلص
من كم المشاعر الذي اجتاحه دفعة واحدة، فهو مزيج غريب ما بين الغضب والإرهاق والإثارة. أوقفها صوته يسألها بنبرة منخفضة قائلًا
بجدية بعدما تجاوزته: -حياة، انتي رايحة فين؟ توقفت عن سيرها بعنفوان، ثم عادت خطوتين للخلف حتى تقف أمامه قائلة بتحدٍ وهي ترفع إحدى حاجبيها: -رايحة أتمشى شوية، في مانع؟ ضغط على شفتيه بقوة وأغمض عينيه للحظة قبل أن يفتحها ويجيبها محاولًا الحفاظ على هدوئه النسبي: -لا مفيش.. بس خدي حد من الحرس معاكي وانتي خارجة. أنهى جملته وهم بالخروج وهو ينظر في ساعة يده، فلديه يوم مشحون، عندما أوقفه صوتها معترضة:
-أنا مطلبتش حد يجي معايا، أنا عايزة أتمشى لوحدي، مش حاجة عويصة والله! توقف عن سيره وأطرق رأسه للأسفل قبل أن يهزها عدة مرات بشراسة ويمرر كفه داخل خصلات شعره، ثم استدار لها بجسد متصلب قائلًا بنبرة لا تحمل أي معنى للمزاح: -حياة، صدقيني الجدال النهاردة بالذات مش في مصلحتك خالص. يا تاخدي حرس معاكي وانتي بره، يا تستخدمي أوضة الجيم جوه! انتهى. ثم أنهى جملته وتركها تحدق بغضب في أثره. تحرك هو نحو الحديقة، ثم استدعى رئيس
الحرس ينبهه بنبرته الآمرة: -حياة متطلعش من الفيلا لوحدها، سامع! لو عرفت إنها خطت خطوة واحدة بره الفيلا لوحدها، هيكون آخر يوم ليك بكل اللي معاك. أنهى تهديده ثم تركه واتجه نحو سيارته ليصعد بها ويصفق الباب خلفه بقوة وغضب. بالطبع انتهزت حياة فرصة خروجه من المنزل قبل أن تقرر الاستمرار في عنادها. كانت على وشك الاقتراب من الباب الخارجي للفيلا عندما أوقفها أحد الحراس بجسده الضخم يسألها مستفسرًا باحترام:
-حياة هانم، حضرتك رايحة فين؟ رمقته حياة بنظرة متشككة قبل أن تجيبه على مهل قائلة: -رايحة أتمشى! أومأ الحارس لها بخنوع قبل أن يجيبها قائلاً: -تمام يا فندم، اتفضلي حضرتك قدامي. سألته حياة وهي ترفز بنفاذ صبر: -يلا فين! أنا بقولك عايزه أتمشى.. لوحددددي! هز الحارس رأسه لها ثانيًا قبل أن يعقب على حديثها قائلاً: -معلش يا فندم، معندناش أوامر إنك تخرجي لوحدك. زفرت حياة مرة أخرى مطولًا وهي تضع يديها في منتصف خصرها وتنظر حولها
متأملة قبل أن تمتم بتفكير: -خلاص خلاص، مش عايزة حاجة. هقعد في الجنينة شوية. اخفض الحارس رأسه للمرة الثالثة لتحيتها بصمت قبل أن يعاود أدراجه إلى موقعه دون أن يستدير بظهره لها. سارت حياة قليلًا متظاهرة بتأمل الحديقة بأزهارها عندما لمحت سلمًا خشبيًا طويلًا ملقى بإهمال في أحد أركان الحديقة الجانبية. لمعت فكرة ما داخل رأسها وابتسمت بخبث وهي تحدث نفسها داخليًا بتحدٍ قائلة: -ابقى وريني هتمنعني إزاي.
ثم صفقت يديها معًا بسعادة قبل أن تحاول تحريك ذلك السلم لترفعه نحو السور. أتمت مهمتها ونفضت يديها بزهو قبل أن تبدأ في تسلقه عندما شعرت بيد ما تقبض على قدميها من الأسفل. في مقر شركته، كان فريد يجلس في مقعده الوثير خلف مكتبه العريض يراجع بتركيز التعديلات الأخيرة قبل توقيع الغد، عندما صدع رنين هاتفه ليملأ الغرفة. التقطه بهدوء ينظر في شاشته قبل أن يعقد حاجبيه معًا ويجيب بجمود قائلاً:
-أتمنى تكون حاجة مهمة عشان تشغلني بيها. صمت قليلًا يستمع بتركيز إلى الطرف الآخر ووجه يزداد عبوسًا، ثم أردف قائلاً بنبرة آمرة: -خليها عندك، أوعى تخليها تطلع لحد ما أجلك. رفع كفه ليفرك جبهته بأصبعه بإرهاق قبل أن يضيف بنبرة تحذير خطيرة: -امنعها من غير ما حد يلمسها، فاهم! لو عرفت إن حد لمسها، أقسم بالله هيكون آخر يوم في عمره، سامعني!
ثم أنهى مكالمته وانتفض من مقعده ملتقطًا مفاتيح سيارته وهو ينفخ بضيق، وقد بدأ غضبه يتصاعد من أعمالها الطفولية، ثم خطى بخطوات واسعة نحو الخارج وهو يتمتم بعصبية وحنق قائلاً: -آه يا حياة! هشتغل ناظر مدرسة على آخر الزمن!
وصل فريد بعد دقائق، فمقر عمله لا يبعد كثيرًا عن منزله، وهذا أهم ما يميزه. ثم اندفع بسيارته مسرعًا عبر بوابة الفيلا الرئيسية بعد أن قام بفتحها له متعجلاً الحارس الأمني الخاص بها. ولج إلى الداخل بغضب ساحقًا الممر الحجري تحت إطارات سيارته، ثم أوقفها فجأة فأصدرت فراملها صريرًا قويًا جعل حياة، التي كانت تقف على مقربة من المدخل تحاول الخروج، تنتبه بكامل حواسها لقدومه.
ترجل فريد من سيارته برشاقة وسرعة الفهد، قبل أن يصفق باب السيارة الأمامي خلفه بهدوء، تاركًا محركها لا يزال هادرًا. توجهه نحوها على الفور والغضب يعلو قسمات وجهه وجسده المنتصب. قبض بكفه على مرفقها يجرها نحو الداخل دون أن ينظر في وجهها قائلاً بنبرة عصبية وصوت مكتوم وهو يضغط على شفتيه بقوة: -تعالي. تلوت حياة بجسدها بين يديه تحاول الإفلات منه وتحريره وهي تقول بحنق: -سيب.. ااااه.. بقولك سيب!
استمر في طريقه جاذبًا لها وهو لا يزال يجرها خلفه دون الاهتمام باعتراضها، فـأضافت وهي تزفر بضيق قائلة بعصبية: -آه فريد، بقولك سيب بتوجعني. توقف عن السير بمجرد سماعه لجملتها، ثم أبعد قبضته عن ذراعها دون أن تلين ملامحه أو تحيد نظرته عن الطريق أو حتى يحاول النظر إليها. انتهزت هي فرصة تركه لها وركضت من خلفه نحو الخارج مرة أخرى. صدح صوت فريد بحنق وهو يهتف قائلاً بحنق: -برافو حياة... حقيقي برافو! هجرى وراكي كمان في سننا ده!
وخلال خطوتين له، استطاع القبض عليها، ثم مال بجذعه للأمام نحوها، وحاوط ركبتها بذراعه قبل أن يحملها فوق كتفه بغضب ويتحرك بها نحو الباب الداخلي للمنزل، ثم قام بقرع جرس الباب الداخلي وهو يركله بقدمه بقوة. ركضت مدبرة منزله بخوف تسرع في فتح الباب لمخدومها. اتسعت عينيها بصدمة وهي تراه يحمل زوجته على ذلك النحو دون الاكتراث بوجود أشخاص حولهم. تجاوزها فريد نحو الداخل مباشرة، ومنها إلى الدرج ليتسلقه.
أما عن حياة، فكانت تركل بقدميها في الهواء في محاولة بائسة منها للتخلص منه، ثم صاحت معترضة بحنق وذهول قائلة: -نزلني.. فرريييييييد بقولك نزلنننى! صدح صوته الجهوري داخل أرجاء المنزل بنبرة تهديد عالية: -حياااااااااااة! أخذ نفسًا عميقًا لم يهدئ من غضبه، ثم أردف بنبرة تهديد منخفضة: -بلاش النهاردة أحسنلك.. بلاش النهاردة عشان إحنا الاتنين مندامش!
توقفت عن الحركة واستكانت فوق كتفه بهدوء، فنبرة التهديد بصوته لا تحمل أي معنى للمزاح أبدًا. لوى فمه بابتسامة رضا رغماً عنه عندما توقفت عن محاولاتها في مقاومته. كانت عزة تراقب ما يحدث بينهم بوجه عابس، والغيرة تتأكلها داخليًا. فكرت بحقد، ما الذي ينقصها عنها حتى يكن لها كل ذلك الحب!
فعلى العكس، حياة ليست بنصف مقدار جمالها، كما أنها تطيعها منذ قدومها للمنزل وتسعى دائمًا لراحته. وضعت يدها داخل جيب ردائها لتخرج منه هاتفها المحمول بعدما اتخذت قرارها النهائي. طلبت رقمًا ما، ثم تحدثت بمجرد سماعها الطرف الآخر يجيب قائله بتصميم: -أيوه يا بيه.. أنا موافقة أعمل اللي قلت عليه خلاص. ثم أغلقت هاتفها وهي توعد لحياة.
وصل فريد إلى الطابق العلوي وتحديدًا أمام غرفتها، ثم دلف لداخلها وهو لا يزال يحمل حياة حتى وصل إلى الفراش، ثم ألقاها فوقه بلا مبالاة، قبل أن يعيد ترتيب ملابسه ويمرر يده داخل خصلات شعره قائلاً لها بتهديد وهو يشير إليها بأصبعه: -متتحركيش من هنا لحد ما أرجعلك، فاهمة! انتفضت هي من الفراش بعصبية، ثم تحركت حتى وقفت أمامه قائلة بتحدٍ: -لا مش فاهمة، أنا من حقي... حرك كلتا كفيه ليحاصر وجهها ويمنعها من الحركة.
قطع جملتها بطبع قبلة قوية فوق شفتيها، ثم تركها وانصرف على الفور بعد أن أوصد الباب خلفه بالمفتاح من الخارج. تسمرت حياة في مكانها من رد فعله غير المتوقع. لم يعدها للواقع سوى صوت تكات المفتاح من الخارج. ركضت في اتجاهه في محاولة بائسة لفتحه، رغم أنها تعلم جيدًا عدم جدوى محاولتها. قبل أن تطرق عليه بعنف، هاتفته باسم فريد بغضب: -فريد افتح الباب ده! انت بتهزررررر! انت بجد هتحبسني! فريييييد!!!!! لم تتلق أي رد فعل منه.
توقفت قليلًا تلتقط أنفاسها المتلاحقة قبل أن تركض نحو الباب المشترك بينهم، ومنه إلى باب غرفته لفتحه والخروج منه. ولكن هيهات، فقد سبقها بتفكيره وأغلقه هو الآخر. وقف فريد يبتسم بانتصار، ثم ركض إلى الأسفل مرة أخرى مصادفًا عفاف في طريقه للخارج. توقف ليقول لها بنبرته الآمرة المعتادة: -محدش يفتح لحياة لحد ما أرجع، فاهمين! أومأت له برأسها موافقة على مضض قبل أن يختفي هو من أمامها مستأنفًا طريقه نحو الخارج.
في المساء، عاد فريد إلى المنزل وهو يتنفس الصعداء بعد انتهاء جميع أعماله المتراكمة. تحرك فورًا نحو غرفته لتبديل ملابسه وأخذ دش سريع قبل أن يتوجه نحو غرفة حياة. طرق باب الغرفة المشترك بينهم، وكان هو الوحيد الذي يستخدمه، لذلك كانت تعلم حياة هوية الطارق. تحركت نحو الباب لتفتحه على مصرعيه، تاركة له المجال للدخول. قبل أن تستدير بجسدها عائدة لتقف بحوار قائم الفراش بغضب. ظل فريد ينظر إليها متأملًا دون حديث، مما أثار حفيظتها.
فتحدثت قائلة وقد عاهدت نفسها في الصباح على تجاهله تمامًا: -مفيش حاجة مهمة هنا عشان تفضل واقف باصلها كده! التوت شفتيه بنصف ابتسامة، ثم تحرك نحو خزانة الأدراج يتكأ بجسده عليها قائلًا بتسلية: -يمكن بالنسبالك مفيش.. بس بالنسبالي أنا حياتي كلها واقفة قدامي. لوت فمها باستهزاء قبل أن تأخذ نفسًا عميقًا وتعقد ذراعيها أمام صدرها في تأهب، قائلة بنبرة عتاب حزينة: -فعلاً حياتك!
وعشان كده حبستني زي القطط من غير ما تفكر مرة واحدة إن ممكن أحتاج أخرج طول الساعات دي! أو الأسوأ إن ممكن يحصلي حاجة جوه ومحدش يعرف عني حاجة أو حتى يوصلي! طبيعي ما هو ده فريد.. حاجة استعصت عليه فحارب لحد ما ضمها لمجموعته وبقت بتاعته! حب امتلاك مش أكتر. توترت عضلات جسده وارتبكت ملامحه. استقام في وقفته وأخرج يده من جيوب بنطاله وبدأ يتقدم نحوها في خطوات بطيئة واثقة. تراجعت هي على أثرها حتى وجدت جسدها يرتطم بالحائط.
اقترب فريد منها ليحاصرها وانحنى برأسه نحوها، فحال دون فرارها. ثم أردف قائلًا بحنان: -عارفة المشكلة فين؟ المشكلة هنا. أنهى جملته ثم مد إحدى يديه ليحتضن كفها بنعومة. نظرت إليه حياة بتوجس ونظرات حائرة وهو يحتضن يدها ويرفعها بهدوء حيث موضع قلبه. مستطردًا حديثه بنبرة حانية وهو لا يزال محتفظًا بوضع كفه فوق كفها:
-ده اختارك من ساعة ما وصف حالته وإنتي جنبه باسمك. حياة كاملة بيعيشها بنظرة أو كلمة واحدة تقوليها. عايزة تشوفي ده تملك شوفيه.. بس أنا متأكد إنه حب وحب خالص. وبالنسبالي كل حاجة متاحة في الحب والحرب حتى لو إنتي رفضتي ده. أنهى جملته وهو يرفع كفها نحو فمه ويقبل باطن يدها عدة قبلات رقيقة ناعمة. ازدردت حياة لعابها بصعوبة بالغة وفتحت فمها عدة مرات في محاولة للرد عليه، ولكن في كل مرة كانت تهرب منها كلماتها.
فلم تجد الجواب المناسب سوى أنها أخفضت رأسها وضغطت على عينيها بقوة محاولة نفض كلماته من رأسها. ثم سحبت يدها من يده بهدوء. أنقذها بضع طرقات فوق الباب. فتساءل فريد بصوت مكتوم وهو يضغط على شفتيه: -أيوه. أجابته مدبرة منزله بهدوء قائلة: -فريد بيه العشا جاهز. أجابها وهو يرفع إصبعه ليضعه فوق ذقن حياة رافعًا رأسها إليه حتى يستطيع النظر داخل عينيها مباشرة، قائلًا بصوت أجش: -تمام، إحنا نازلين.
أوشكت حياة على الاعتراض ولكنها تراجعت، فهي كانت تريد التخلص من وجوده بداخل حجرتها بأسرع وقت ممكن. تحرك هو أولًا يفتح الباب قبل أن يتكأ بجسده عليه، تاركًا لها حيز صغير للخروج منه. توقفت هي أمام الباب تسأله بهدوء: -ممكن تعدي عشان أنزل؟ رفع إحدى حاجبيه مستنكرًا قبل أن يجيبها بمرح قائلًا: -ما تعدي وأنا مانعك؟ زفرت مطولًا ثم أجابته بنفاذ صبر قائلة: -هعدي إزاي وأنت واقف كده مافيش مساحة أعدي منها. التوت فمه بنصف
ابتسامة ثم أضاف يمازحها: -والله المكان واسع وتقدرى تعدي إلا لو إنتي محرجة تقولي إنك طخينة والمكان مش مكفيكي! نظرت له شرزًا قبل أن ترفع رأسها بتحدٍ وتمر من خلال الباب. حاولت حياة بكل طاقتها ألا تحتك به أثناء خروجها لتثبت له عدم صحة حديثه. وقعت في فخه. انتهز فريد الفرصة وضيق الفراغ أكثر بينهم فأحتك كامل جسدها بجسده. شهقت بصدمة من تصرفه ورفعت رأسها تنظر إليه شرزًا.
فتفاجئت بابتسامته العريضة العابسة التي استفزتها تملأ وجهه. تمتمت بحنق واضح قائلة: -أنت قليل الأدب على فكرة عشان أنت متعمد. دوت ضحكته حولها بقوة قبل أن يضيف بسعادة قائلاً: -امممممم في تقدم. على الأقل مسمعتش بكرهك من كام يوم. ضربت حياة الأرض بقدميها من شدة الغيظ ثم ركضت نحو الدرج للأسفل وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة. لم تلتقط أذنه منها سوى كلمة مغرور مما جعل ابتسامته تزداد سطوعًا وهو يتحرك في أثرها.
في الصباح التالي، استيقظت حياة وهي تبتسم بانتصار من امتثال فريد لرغبتها. فاليوم هو ميعاد تلك الحفلة المزعومة ولم يأت على ذكراها مرة أخرى أو يقم بأي تحضيرات استثنائية، لذلك هي بأمان. تمطت بكسل ثم قفزت من فوق الفراش بسعادة واغتسلت جيدًا بالماء الدافئ لبدء يومها بنشاط قبل أن تهبط إلى الأسفل. كانت على وشك الخروج عندما سمعت طرقات خفيفة فوق باب غرفتها الخارجي. أجابت حياة الطارق بنبرة ناعمة قائلة: -اتفضل، الباب مفتوح.
تفاجأت حياة بعزة تدلف إلى داخل الغرفة بملامح جامدة وهي تحمل بكلتا يديها صندوق كبير مغلف بطريقة رائعة يتوسطه صندوق أصغر منه من نفس التغليف. توجهت نحو الفراش مباشرة لتضع ما تحمله يدها فوقه بحرص. ثم تحدثت إلى حياة بنبرة رسمية جافة: -فريد بيه بعت دول عشان حضرتك وبيفكرك إنه هيتحرك الساعة ٧ فتكوني جاهزة قبلها. هزت حياة رأسها عدة مرات في تصميم. فهي لا تكشف لموظفته عن نيتها في عدم الذهاب.
خرجت عزة وظلت حياة داخل غرفتها تجلس بهدوء فوق أحد المقاعد. مر الوقت سريعًا وحياة لازالت جالسة داخل غرفتها تضع ساق فوق الأخرى بكبرياء وتعبث بخصلات شعرها وهي عاقدة النية تمامًا على مخالفة أمره. وفي تمام الخامسة سمعت طرق آخر فوق الباب. فظنت أنها عزة مرة أخرى. أجابتها بهدوء: -ادخلي يا عزة. فتح الباب وتفاجئت بفريد يطل من خلفه ينظر إليها مطولًا. ثم يقول بفم متقوس: -اممم.. كنت متوقع.
انتقضت حياة من مجلسها بارتباك ولكن سرعان ما تمالكت نفسها ورفعت رأسها بتحدٍ منتظرة رد فعله التالي. تقدم فريد نحوها ببطء وهو يبتسم ابتسامة عابثة حتى توقف أمامها. ثم انحنى بجزعه فجأة أمامها ووضع ذراعه فوق ركبتها والأخرى خلف خصرها ليحملها في أقل من ثانية. لم تعِ حياة ما قام به إلا بعد أن وجدت نفسها داخل أحضانه. شهقت مصدومة وهي تحاول التخلص منه وتعترض عن فعلته بذهول قائلة: -فريد! أنت بتعمل إيه نزلني. أجابها بمرح
وهو يتحرك بها نحو غرفته: -ولا حاجة، مش أنا قلتلك فرصة ألبسك بإيدي وأنا راجل مبعرفش أفوت فرصة تيجي قدامي وخصوصًا لو زي ده. ركلت حياة بقدميها في الهواء محاولة التخلص منه. فحدثها فريد: -لو فضلتِ تتحركي كده هسيبك تقعي على فكرة. لم تهتم بتهديده بل ظلت تركل بقدمها. فأرخى فريد قبضته من حولها فبدأ جسدها ينزلق للأسفل. شهقت حياة برعب وهي تلف كلتا ذراعيها حول عنقه لتتشبث به وتدفن رأسها داخل تجويف عنقه متمتمة برعب:
-فريد الحقيني هقع. دوت ضحكته عاليًا ثم أنزلها على قدميها وهي لا تزال متشبثة به. تنهد بحرارة وهو ينظر إليها مطولًا وقد تبدلت ملامحه كليًا. ثم أجابها بصوت أجش وعيون داكنة: -عمري.. طول ما أنا جنبك عمري ما أسيبك تقعي. شعرت بحرارة جسدها تزداد من شدة توترها. فهي لا تصدق أنها هي من تمسكت به. فابتعدت عنه على الفور قائلة بخنوع للهروب من ذلك الموقف المحرج: -ممكن تسيبني بقى عشان أروح ألبس.
هز رأسه لها موافقًا وهو لا يزال يبتسم لها بعمق. فمنذ أعوام طويلة يشعر أن هناك أمل. عادت حياة إلى غرفتها مرة أخرى وقامت بفتح ذلك المغلف الموضوع فوق فراشها بعناية. ثم شهقت بإعجاب وهي تقوم بإخراج ذلك الفستان الرائع بقماشه المخملي الناعم من اللون الأحمر. رفعته ووضعته فوق جسدها وظلت تدور به عدة مرات برشاقة وانبهار تام. ثم سارعت في ارتدائه.
انتهى فريد من ارتداء ملابسه ونزل إلى الأسفل ليقوم بإجراء عدة مكالمات هاتفية أخيرة قبل انطلاقه. أنهى حديثه وظل ينظر نحو الدرج بتأفف منتظرًا قدومها. فالساعة أوشكت على السابعة. بعد قليل شعر برائحتها الخلاّبة تغزو المكان من حوله. رفع رأسه لأعلى وقد تسمرت نظرته واتسعت عينيه بانبهار وتسارعت أنفاسه بسبب الشعور الذي اجتاحه من رؤيتها.
كانت تهبط الدرج بكل ثقة وهي ترتدي ذلك الفستان الحريري الذي يتلائم تمامًا وبشدة مع تقاسيم جسدها المغرية. ثم ينساب من فوق خصرها بنعومة واتساع إلى الأسفل وحذاء قطيفي أسود اللون يماثله في النعومة والجمال. كان كل ذلك من اختيار فريد، ولكنه لم يتوقع أن تهرب منه كلماته عند رؤيتها بتلك الصورة المدمرة أمامه. إنها تبدو كالفاكهة المحرمة بالنسبة إليه، فقط لا يستطيع سوى النظر إليها ولكن دون لمسها. تحركت هي حتى وقفت
أمامه وتمتمت برقة قائلة: -أنا جاهزة لو خلاص ممكن نتحرك. لم يكن ينقصه سوى هذا التحول الكامل في صوتها وسلوكها أيضًا حتى تنهار دفاعاته. رفع رأسه للأعلى حتى برزت تفاحة آدم خاصته بشكل قوي. ثم تنهد بحرارة بعد أن ازدرد ريقه بصعوبة بالغة قائلًا بصوت مكتوم من شدة الإثارة: -طب أعمل إيه دلوقتي؟ ياريتني ما كنت صممت عليه. سألته حياة مستفسرة: -فريد في حاجة؟ تنحنح عدة مرات محاولا السيطرة على مشاعره قبل أن يجيبها قائلاً:
-لا مفيش.. يلا نتحرك عشان منتأخرش. حرك يده ليحتضن كفها ولكنها تراجعت للخلف قليلاً بارتباك، فراجع هو عن حركته وأشار لها بيده لتتقدمه في الخروج، ثم سار بجوارها، كلاهما غارقًا في تفكير مختلف عن الآخر.
بعد قليل كانت السيارة تتوقف أمام فيلا غريب رسلان. ترجلت حياة من السيارة أولاً بعدما قام أحد حراس فريد الخاص بفتح الباب لها. تنفست بضيق، فهي لم تحب فكرة وجودها في ذلك المكان، وخصوصاً بعد المقابلة الوحيدة والأخيرة مع أخت فريد غير الشقيقة. أفاقت من شرود أفكارها على يد فريد التي تسللت نحو ذراعه، ليتأبطه بتملك واضح. ثم أحنى رأسه في اتجاه أذنها قائلاً بنبرة منخفضة:
-حياة، كل ده عشان مظهر الشركة، فياريت على قد ما نقدر نحافظ عليه. أومأت برأسها موافقة دون حديث، فهي كانت في مجال الأعمال أيضاً وتعلم أهمية تلك اللحظات لنجاح الشركات الكبرى مثل شركته. أخذت نفساً عميقاً ثم زفرته ببطء للخارج، قبل أن ترفع رأسها للأعلى بكبرياء وهي تتحرك بجواره نحو الداخل.
تحركت كل العيون تنظر في اتجاههم بمجرد وصولهم إلى الحديقة. لوت حياة فمها بسخرية، فبالطبع السيد فريد هو نجم تلك الأمسية وكل الأمسيات إن صح التعبير. تحرك والده نحوهم فور رؤيته لهم لاستقبالهم، وتحركت بجواره امرأة في الخمسينات من العمر رائعة الجمال، علمت حياة بمجرد رؤيتها أنها زوجة والده جيهان، أو رأس الأفعى كما تلقبها والدتها.
استقبله والدهم بحبور، أما عن زوجة أبيه فقد اكتفت بإيماءة خفيفة برأسها لفريد، ونظرة احتقار جلية لحياة. أصطحبهما والده على الفور نحو شركائهم الفرنسيين للتعريف بحياة. انتهى التعريف سريعاً بعد العديد من المجاملات التي قيلت بالعبارات الفرنسية في جمال حياة الشرقي الخالص والتغزل قليلاً في عيونها ونظرتها. فهمت حياة ما يقال بينهم، ولكنها أثرت الصمت.
زفر فريد بنفاذ صبر وشتم عدة مرات بخفوت عندما أمسك رجل ما بكف حياة ثم قام بتقبيلها على حين غرة منها. سحبت هي يدها على الفور، ولكن الأوان قد فات، فقد بدأ الغضب يظهر على فريد. تدارك والده الأمر سريعاً، فأضاف موضحاً للجميع أن زوجة ابنه من طبقة محافظة لا تحبذ تلك الأفعال، وبناءً عليه لم يتجرأ أحد على لمس يدها مرة أخرى.
مرت الساعات الأولى على حياة وهي تتحرك برشاقة وتبتسم بمجاملة وترحاب لكل من صادفته، حتى شعرت عضلات وجهها بدأت تتيبس من كثرة الابتسام. الأمر الذي فاجأ فريد كثيراً، فقد كان يتوقع بركاناً ثائراً يمشي على قدمين، وليست زوجة رجل أعمال محنكة تتعامل مع الجميع بفن وذكاء، ولكن في نفس الوقت كان يشعر بالسعادة والفخر نحوها.
خلال الأمسية، كانت كل من زوجة والده وابنتها نيرمين ونجوى يتابعن بحقد تحركات حياة وفريد سوياً، وهمهمات الرضا عن ذلك الكوبل الرائع والسعيد. فتباينت المشاعر بينهم ما بين من يشعر بالرعب على مكانته التي بدأت تتضاءل، ومن يشعر بالحقد لعدم حصوله على فرصة مماثلة، وكلاهما ينتوي التحرك قبل ضياع كل شيء.
في منتصف الحفل، بدأ جميع المدعوين من تلك الطبقة الراقية في التهافت على طاولات المشروب التي كانت تحوي جميع أنواع الخمور الغالية والعتيقة. شعرت حياة بانقباضة قوية داخل صدرها من ذلك المشهد غير المحبب لنفسها. تنفست عدة مرات في محاولة منها لتهدئة ذلك التوتر الذي بدأ يزحف بداخلها من تلك الأجواء.
أطرقت رأسها للأسفل، فالحل الأسلم لتجاوز تلك الأمسية ومواجهة مخاوفها هو عدم التركيز معهم والتفكير بأي شيء سعيد يشتت انتباهها، لذلك أثرت الانسحاب في أحد الأركان حتى تصبح بعيدة عن الأنظار. في تلك الأثناء، التفت فريد الذي كان يقف بالقرب من طاولة الشراب على يد ما تمسك به من الخلف. لوى فمه باحتقار ثم تشدق بجملته قائلاً: -أنتِ أبوكي إزاي سايبك كده، وإيه القرف اللي أنتِ لبساه ده؟
روحي شوفي لك كوباية قهوة اشربيها بدل ما أنتِ سكرانة طينة كده! ترنحت نجوى من شدة ثمالتها ثم أجابته بكلمات متعثرة: -لابسة كده عشانك.. وشربت كده عشانك برضه! مانا مش قادرة أستحمل أشوفك معاها وأنا لأ. زفر فريد بضيق جلي قبل أن يجيبها بنبرة حادة وقد بدأت علامات الغضب تغزو ملامحه: -قلت لك كام مرة متجيبيش سيرتها على لسانك ده! صرخت نجوى بحقد تسأله: -تفرق عني في إيه؟ تفضلها عليا ليه؟
تقوس فم فريد بوضوح ثم اقترب منها وهو يرد عليها بتجهم، مشيراً بأصبعه نحو حياة التي تقف مذعورة قائلاً: -بصي كده عليها.. شايفة هي نضيفة إزاي؟ صمت قليلاً ثم أضاف بنفس نبرته بعد أن حول نظره نحو نجوى يتفحصها بضيق: -وبصي على نفسك كده.. على قد ما هي نضيفة، على قد ما أنتِ و***. أنهى جملته ثم تركها وانصرف مبتعداً نحو طاولة حياة. صرخت بـه نجوى مهددة بحقد قبل أن يبتلع صوتها تلك الموسيقى الصاخبة فلم تصل إلى مسامع فريد:
-أنا هوريها.. وحياة أبويا لأريحك منها عشان تعرف تحب فيها كويس.
أما عن حياة، فقد بدأت الزعر يدب داخل أوصالها بقوة. أغمضت عينيها بيأس وضغطت عليهما بشدة محاولة طرد تلك الصورة التي بدأت تتجمع داخل عقلها بوضوح. بدأت تشعر بوخز الدموع داخل مقلتيها مع ازدياد حاد في ضربات قلبها. فتحت عينيها مسرعة حتى لا تسمح لتلك الصورة في الظهور أمامها. أرمشت بعينيها عدة مرات في محاولة جادة منها لصرف تلك الدموع التي أوشكت بالإفصاح عن نفسها، ثم حدثت نفسها داخلياً:
-متخافيش.. انتِ كبيرة وقوية.. انتِ غير حياة زمان. جالت بنظرها نحو الخارج في محاولة أخيرة لصرف تفكيرها عن أي شيء مخيف، عندما استحوذ على انتباهها رجل ما في منتصف السبعينات يغزو الشيب ملامحه. كان يترنح بشدة وهو في طريقه نحو حياة. في تلك اللحظة، كان فريد يتقدم نحوها وهو ممسكاً في يده إحدى كاسات المشروب. سألها فريد بنبرة قلقة وقد لاحظ شحوب وجهها ونظرتها نحو الفراغ: -حياة.. انتِ كويسة؟
شحب وجهها أكثر وعيناها تتابع ذلك العجوز الذي كان يقترب من طاولتها ببطء. انتفضت حياة من سؤال فريد ومن ذلك العجوز الذي تجاوزها للتو متوجهاً نحو طاولته خلفها. وضعت يدها فوق قلبها برعب ثم تراجعت خطوة للخلف تنظر بخوف نحو فريد، قبل أن تلتقط عينيها ذلك الكأس البغيض داخل كفه. أجابته بنبرة حادة: -أنا عايزة أمشي.. أنا مش عايزة أقعد هنا.
أنهت جملتها وانحنت للأمام تمسك طرفي ردائها بيدها لترفعه ويحول دون تعثرها، قبل أن تركض نحو الخارج دون انتظار إجابته. ركض فريد خلفها مستنكراً من تلك الحالة الغريبة التي أصابتها، فهي كانت على ما يرام عند بداية الحفل. لحق بها على الفور ثم أشار لأحد حراسه بالتحرك. بعد عدة ثوان، كانت حياة تستقل السيارة وفريد يجلس بجوارها، قبل أن تشق طريقها نحو الخارج.
جلست حياة في مقعدها بانكماش وزعر وهي تحتضن جسدها بذراعيها، ورائحة الكحول المنبعثة من فريد تغزو أنفها بقوة فتصيبها بالغثيان. أغمضت عينيها مرة أخرى في محاولة منها للبحث عن جزء بسيط من شجاعتها الزائفة. ومضت صورة أخرى بوضوح عن تلك الغرفة الكريهة التي ظلت حبيستها لأيام دون الخروج منها. بدأ جسدها في الارتجاف وهي تتذكر مشهده وهو يحمل تلك الزجاجة اللعينة في يده ويرتشف منها بشراهة، تاركاً ذلك المشروب الرديء ينسكب فوق ردائه وفمه وهو يتقدم باتجاهها. إنها تكرهه وتكره والدها، وأبداً لن تسامحه على ما فعله بها.
كان فريد يراقب كل ردود فعلها عن كثب بعدم استيعاب. سألها بهدوء: -حياة.. انتِ كويسة؟ لم تجبه، فيبدو جلياً لمن يراها أنها في عالم آخر. عالم لا ينتمي للأحياء. كرر سؤاله مرة أخرى وهو يمد إصبعه ليلتمس بشرتها العارية. انتفض جسدها من أثر لمسته وانكمشت أكثر على نفسها قبل أن تقول له بنبرة حادة: -متلمسنيش.. متلمسنيش.. مش عايزة حد يلمسني.
شعر أنها على وشك الإغماء، لذلك لم يستطع الضغط عليها أكثر، فتركها وشأنها، رغم أنه كان داخلياً يحترق لمعرفة ما الذي حدث معها. سيطر الصمت على رحلتهم حتى دلفت السيارة من البوابة الخارجية للفيلا.
صرخت حياة في السائق بحدة طالبة منه أن يتوقف. توقفت السيارة على الفور وخرجت هي منها بعد أن قامت بخلع حذائها لتركض نحو الداخل. لم يستطع فريد السيطرة على أعصابه لأكثر من ذلك، فهو لن يتركها قبل أن يعلم ما الذي حدث لها وما هذا الشيء اللعين الذي تمر به. ركض خلفها وأمسك بذراعها بقوة صارخاً بها بعصبية: -حياااااااة.. اقفي كلميني.. فهيميني بتعملي كده ليه!!!
حاولت التخلص من قبضته وهي تنظر إليه برعب، وبعد مجهود منها أرخى قبضته عنها تاركاً لها المجال بالعودة إلى داخل المنزل. ألمه مظهرها فقرر اللحاق بها إلى الداخل أيضاً. هتف باسمها مرة أخرى وهو يمسك بخصرها من الخلف ليوقفها ويمنعها من التقدم أكثر. صرخت بـه بقوة وقد بدأت الارتجاف يسيطر على جسدها بالكامل قائلة: -سيبني.. أنا بكرهك.. سيبني متقربليش.. مش عايزة حد يقربلي.. أنا بكرهك وبكرهه وبكرهكم كلكم.. أنت زيه!!
أنت كمان بتغصبني على كل حاجة.. أنت زي بابا و زي غريب.. كلكم عينكم واحدة.. أنت شبهه في كل حاجة!! أنا مش عايزة حد منكم في حياتي.. أنت فاهم.. أنت زي أبوك وأبويا وعشان كده أنا بكرهك. أنهت صراخها ثم ركضت بكل قوتها نحو الدرج ومنه إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها جيداً من الداخل بالمفتاح. ظل فريد مكانه يحاول استيعاب ما تفوهت هي به للتو!! لقد قارنته بقاتل والدته!!!
كل محاولاته خلال تلك السنوات في أن لا يصبح مثل والده ذهبت هباءً منثورًا عندما حكمت حياة عليه بجملة واحدة أنه يشبهه. تحرك نحو الخارج وذلك العرق بجانب صدغه ينتفض بشدة من قوة غضبه. استقل سيارته واتجه نحو مكانه المعتاد. جلس في مقعده خلف طاولة البار وطلب من النادل أقوى شراب لديهم. ظل يرتشف بشراهة وكلماتها تطن داخل أذنه حتى شعر بقدميه لا تقدران على حمله. أنهى حسابه وترجل نحو الخارج بجسد مثقل ولكن بعقل يقظ يتذكر كلماتها واشمئزازها منه بوضوح.
دلف إلى المنزل والغضب يتصاعد بداخله من أثر تشبيهها وكرهها له. صعد إلى غرفته بشعر مشعث وعيون مكفهره وتوجه مباشرة نحو خزانته. أخرج منها ذلك المفتاح الاحتياطي لبابهم المشترك الذي كان يخفيه للطوارئ ثم أدار المقبض وفتح الباب على مصراعيه واقتحم غرفتها وهو لا يزال يترنح. كانت حياة تجلس على حافة الفراش ولا تزال ترتدي ذلك الفستان وتستند بمرفقيها على ركبتيها وتضع كفيها فوق أذنها محاولة طرد تلك الذكريات المؤلمة من رأسها. انتفضت على حركة الباب ثم اقتحامه للغرفة التي تأكدت بنفسها من أوصاده بإحكام. نظرت إليه برعب وهي تسأله وحالة
السكر تبدو جلية على حركته: -أنت دخلت هنا إزاي؟ جحظت عينيها للخارج ثم أضافت بتوجس قائلة: -أنت عامل مفتاح تاني تدخل بيه صح؟ حتى في دي طلعت كداب!! أنت إيه.. عايز مني إيه؟ اقترب منها ثم جذب ذراعها بعنف قائلاً بتهديد وهو يضغط على أسنانه بشراسة: -هقولك أنا عايز منك إيه.. مش أنا شبهه غريب؟ هوريكي غريب كان بيعمل مع مراته إيه..
أنهى جملته ثم قام بدفعها بقوة نحو الفراش قبل أن يقفز فوقه هو الآخر بعد أن خلع معطفه وبدأ في فك أزرار قميصه. صرخت حياة بقوة وهي تراه يتقدم منها وعيونه تومض بالرغبة والعنف. استعانت بمرفقها وقامت بالزحف إلى آخر الفراش قبل أن يمد يده ليسحبها من قدمها ويعيدها إليه مرة أخرى. صرخت حياة ثانية وهي تركله بقدمها الحرة في محاولة لإصابته والتخلص منه ولكن دون جدوى فقد قبض بكلتا يديه على قدميها ليكبلها ويمنعها تمامًا من الحركة ثم ثبتهما بيد واحدة واستعان بالأخرى في خلع قميصه ثم قفز فوقها بادئًا في تقبيلها بقوة.
صرخت حياة بكل ما أوتيت من قوة وهي تقاومه وتدفع وجهه عنها بكفها ولكن الفارق البدني بينهم جعل التفوق من نصيبه. مد يده وقام بشق ردائها بحيوانية قبل أن يبدأ في تقبيل جسدها برغبة وعنف. بدأت حياة تتوسله بصوت باكي بعدما شعرت بقوتها تنهار تحت ضغط جسده الثقيل قائلة: -فريد متعملش فينا كده.. فريد أنا حياة.. أنت وعدتني مش هتأذيني وأنا صدقتك.. فوق يا فريد عشان خاطري.. سيبني متعملش فيا كده.
لم يعير لتوسلاتها أي انتباه أو أهمية بل واصل ما كان يقوم به من تقبيل جسدها بعنف. بدأت تشهق بقوة أكثر وهي تضربه بكف مرتعش فوق كتفه وتقول بتوسل من بين شهقاتها: -فريد فوق.. فريد متموتش كل حاجة باللي بتعمله ده.. أنا عمري ما هسامحك أبداً.
رفع رأسه ينظر إلى دموعها الباكية قبل أن يخفضها مرة أخرى ويبدأ في تقبيل وجنتها وعنقها. شعرت بالأدرينالين يتدفق داخل جسدها بقوة من أثر قبلته وتذكرت ذلك العجوز القذر بلمسته فشعرت بقوتها تعود إليها مرة أخرى. فبدأت تصرخ وتلكمه بكل ما أوتيت من قوة وتركل بقدمها أي الهواء وهي تقول: -يا ماما الحقيني.. يا ماما تعالي خديني من هنا.. خديني من عند الراجل ده.
بدأ فريد يستوعب حالتها. رفع رأسه لينظر إليها فوجدها تنظر إلى الفراغ بعيون جاحظة وهي لا تزال على صراخها قائلة بتوسل: -يا ماما إنتي فين.. فريد أنت فين الحقني.. فريد تعالي خدني من هنا.. فرييييد متسبنيش.. فريد انقذني من الراجل ده. تسمرت حركته وازددرد ريقه بصعوبة وهو يراها تصرخ وتلكم بكل ما أوتيت من قوة ووجهها شاحب كالأموات. بدأ عقله يستوعب أنها ليست بوعيها وأنها بعالم آخر تمامًا. هتفت باسمها متوسلاً:
-حياة أنا هنا.. حبيبتي متخافيش أنا معاكي.. محدش هيقدر يأذيكي أنا آسف. ظلت تلكمه وهي تضغط على عينيها بشدة رافضة أن تعود للواقع وهي تصرخ حتى بح صوتها: -فريد تعالي طلعتي من هنا أنا مش عايزااااه. شعر بالألم ينتزع قلبه من كلماتها فأضاف هو بنبرة باكية وهو لا يزال يتوسلها: -حياة فوقي انتي هنا.. حبيبتي انتي معايا متخافيش.. مفيش حد معانا افتحي عينيك مش هعملك حاجة صدقيني.. افتحي عينيك وبصيلي أنا هنا.
بدأت شهقاتها في الانخفاض وتوقفت عن لكمه ومقاومته فقد خارت قواها تماماً. ثم فتحت عينيها الحمراء ببطء وهي تنظر إليه برعب جلي. نظر إليها ملياً قبل أن يرتمي بجسده مرة أخرى فوق جسدها ويدفن رأسه في تجويف عنقها. رفعت كفيها المرتجفتين لتدفعه عندما شعرت بجسده يهتز فوق جسدها بقوة ثم بدأت تشعر بدموعه الساخنة تجري فوق عنقها بشدة. تمتم من بين شهقاته وصوته المكتوم قائلاً بندم: -أنا آسف.. أنا آسف.
سقط كفيها المرفوعين لدفعه فوق ظهره بوهن ثم تحركا بتلقائية نحو عنقه وكتفه تتلمسه برقة وبعد عدة دقائق شعرت بارتخاء جسده فوق جسدها وانتظام أنفاسه التي تقع فوق عنقها. أرادت دفعه من فوق جسدها والهروب من الغرفة بأكملها لكنها خشيت إذا أصدرت أي حركة أن يستيقظ مرة أخرى وهو لا يزال مخموراً. لذلك آثرت الهدوء تاركة لدموعها العنان ولجسده يسحق جسدها. وعلى عكس ما توقعت فقد تسللت حرارة جسده إلى جسدها وسرعان ما ذهبت في نوم عميق ودموعها لا تزال فوق وجهها. مثل حالته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!