الفصل 27 | من 34 فصل

رواية متى تخضعين لقلبي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم شيماء يوسف

المشاهدات
22
كلمة
4,734
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 79%
حجم الخط: 18

أخذت حياة نفسًا عميقًا تستجمع به إرادتها، وقد قررت التحدث معه مرة أخرى، لعل مساعيها هذه المرة تتكلل بالنجاح. ضغطت فوق شفتيها وأغمضت عينيها لوهلة تتضرع إلى الله في صمت أن يتجاوب معها ولا يصدها كعادته. فتحت عينيها بأمل وهتفت اسمه وهي داخل أحضانه بدلال يشوبه الكثير من التوتر الخفي لجذب انتباهه: "فريدي.. ممكن أطلب منك حاجة؟ وعشان خاطري متتعصبش." لوى فريد فمه بنصف ابتسامة جانبية من سذاجتها المعهودة، ثم أجابها بخفة مازحًا

وهو يربت فوق شعرها: "فريدك عارف كويس إنتِ عايزة تطلبي إيه، وبرضه لسه إجابتي لأ." رفعت جسدها واستندت على مرفقها حتى يتسنى لها رؤيته بوضوح، ثم سألته بإحباط ووجهها قبالته: "طيب على الأقل فهمني. ماشي تمام، أنا عارفة إنك مضايق منها وعارفة كمان إنك من زمان مش بتحب تحكي حاجة لحد." صمت قليلاً لتستبين رد فعله وتنظر داخل عينيه، ثم أردفت بنبرة خفيضة وهي تحتضن كفه بتوسل: "بس لو محكتليش أنا هحكي لمين؟!

لمعت عيناها برجاء وهي تحدق داخل عسليتيه منتظرة جوابه. طال أسر عينيها لعينيه بصمت مترقب شعرت خلاله أن أملها يتضاءل شيئًا فشيئًا. حسنًا، إن كان يظن أنها ستستسلم فهو لم يختبر قوة عنادها حتى الآن. هذا ما فكرت بإصرار منتظرة صدور أي رد فعل منه. زفر بعد لحظات باستسلام قائلاً بنبرة ثقيلة مختنقة وعيناه تتنظر للفراغ: "ماما مماتتش بسبب سكتة قلبية.. أو يعني ماتت بيها، بس بابا كان السبب هو اللي قتلها."

ارتمت حياة بجسدها فوق الفراش بجواره تستند بظهرها فوق الوسادة وهي تتنفس الصعداء. أخيرًا!! بدون مقدمات استدار بجسده نحوها وقام بسحبها من خصرها للأسفل حتى تتمدد فوق الفراش، ثم أسند رأسه فوق كتفها خافيًا وجهه عنها، ثم أردف يقول بنبرة جامدة وجسد متصلب للغاية:

"جيهان هي السبب.. هي ومنصور. أنا كل اللي كنت أعرفه إنه كان شاكك إنها على علاقة بواحد قريبها، وعشان كده ضربها زي المجنون ومنع عنها الدوا لحد ما جاتلها أزمة قلبية. قلبها مستحملش ومقدرتش تكمل. بس بعدين لما رجعت، منصور جه حكالي وطلب مني أسامحه. حكالي إنه وقع ضحية للعبة جيهان ومنصور. جيهان تتخلص منها ومني، ومنصور يتجوزها بعد ما هو يطلقها لأنه كان بيحبها!!

ارتجف جسده من الذكرى وأفزعت هي معه. رغم علمها المسبق بالخطوط العريضة لتلك القصة، إلا أن سماعها من فمه بذلك الألم الواضح في نبرته جعل بدنها يرتجف لا إراديًا. كانت كلماته متقطعة ثقيلة وغير مكتملة، ولكنها علمت أن ذلك كل ما ستحصل عليه الآن، لذلك استمعت له بكل حواسها دون مقاطعة، يكفيها أنه أخيرًا قرر التحدث وأخبارها. أردف فريد حديثه محاولاً إخراج نبرته ثابتة قدر الإمكان:

"بعد ما ماما ماتت، كان لازم أروح أعيش معاه ومع جيهان، رغم إني كنت عارف إنها مش بتحبني، بس مكنش قدامي اختيار." صمت قليلاً ليضيف بتهكم مرير: "تخيلي جبروت بابا قصاد تيتا سعاد.. طبعًا النتيجة محسومة." تنهد بوجع ثم أردف يقول:

"بس مكنتش متوقع إنها تعمل كل ده. مكنتش بتقبل تخليني آكل معاهم إلا في وجوده عشان أنا ابن الخدامة. كانت بترميلي الأكل في أوضتي لوحدي. طبعًا بعدين عرفت إن فيه سبب تاني. حتى نيرمين مكنتش بتندهلي غير كده. كانت بتتعمد تستفزني وتضربني، ولما كنت بدافع عن نفسي كانت جيهان بتيجي تجرني وترميني في أوضة المخزن، أوضة ضلمة مفيهاش نور ولا أي حاجة أقعد عليها، مع كلام من نوعية إني جيت غلط وإني لازم ألحقها وأموت زيها، وإنها مش هتسمح لي

آخد كل حاجة وأسيب لبنتها الملاليم. كنت بفضل قاعد على الأرض لحد ما تقرر تفرج عني، وده طبعًا كان قبل ميعاد رجوعه عشان ما ياخدش باله من حاجة. في الأول كنت بخاف من الضلمة لوحدي، بس بعد كده حبيتها، لأن الحبس كان أرحم كتير من إني أقعد معاهم. بس وبعدها قررت إني مش هسمح لنيرمين تأذيني أو تضربني تاني وإني لازم أدافع عن نفسي، وطلبت إني أتعلم كل أنواع الرياضة، وفعلاً وافق على طول. طبعًا أنا ولي العهد."

لاحظت حياة خلال حديثه أنه يتحدث عن والده بصيغة الغائب. بالطبع تعذره، لقد تخلى والده عنه وعن حمايته في أسوأ أيامه ولم يهتم بطفله الوحيد ولا بواجباته كأي أب!! تنهدت بحزن ودموعها تنهمر فوق وجنتيها بصمت. عادت تستمع بحواسها إلى كلماته التي تدمي قلبها دون تعقيب:

"وفي يوم مدرب المصارعة طلب مني تحاليل كإجراء روتيني عشان التغذية لأن حجمي كان صغير وجسمي ضعيف، وبعدها اكتشفوا إن فيه مادة في دمي بتسبب ضمور في عضلة القلب على المدى البعيد، بس لحسن حظي إنهم اكتشفوها بدري. طبعًا غريب بيه مستحملش يشوف استثماره اللي استناه سنين بيتأذى، وفضل يدور لحد ما اكتشف إن مراته المصونة هي اللي عملت كده. ولما واجهها، انهارت فيه واعترفت قدامه إنها بتكرهني وأكتر حاجة بتتمناها إني ألحق "الخدامة" عشان

تبقى صلحت الغلط اللي سمحت بيه من الأول. متستغربيش من غريب بيه، رغم قوته وهيلمانه ده، إلا إن نقطة ضعفه هي جيهان. عشان كده شاف إن أحسن قرار يرميني بره في مدرسة داخلية أرجعله بعدها رجل أعمال أشيل مسؤولياتي زي ما كان طول عمره بيتمنى. بس جيهان معملتش حسابها إني هرجع كده وإني هقدر أحمي نفسي من شرها هي وبنتها. وعارف إنهم لحد دلوقتي لسه بيحاولوا يأذوني وهيأذوكي، بس فريد بتاع زمان راح وراح معاه ضعفه، وعمري ما هسمح لحد يقرب

مني أو من عيلتي أو أي حاجة تخصني."

اهتز جسدها أسفله وبدأت شهقاتها تعلو رغم محاولتها المستميتة لكبتها، ولكن أنى لها ذلك وهي تستمع لمعاناته؟ حتى لو أخفت دموعها، كيف تخفي عنه ارتجاف ذلك القلب الذي يئن من أجل صاحبه؟

رفع فريد رأسه لينظر نحوها فوجد الدموع تملأ الوسادة أسفلها. ورغم رؤيتها المشوشة استطاعت رؤية احمرار عينيه وتلك الدمعة الوحيدة التي فرت هاربة منه. رفعت إصبعها لتمسحها بحنان. رفع هو كفه يمسد وجنتها وشعرها. من الذي يواسي الآخر لم تدرِ. كل ما تعرفه جيدًا أنهما كيان واحد حتى لو اختلفت الأسماء والأجساد. ما يؤلمه يؤلمها وما يسعده يسعدها. فتحت ذراعيها على مصراعيها تدعوه إليها، فاستجاب لها على الفور وارتمى داخل أحضانها ودفن رأسه داخل عنقها، وبدأت تشعر بدموعه الساخنة تنساب فوق عنقها وكتفها. وللمرة الثانية امتزجت دموعهما معًا، حتى استكان جسده وروحه بين ذراعيها التي شددت من احتضانه كأنها تريد إخفاءه بداخلها وحمايته من أي أذى أصابه أو قد يصيبه.

بعد فترة قليلة شعرت بانتظام أنفاسه الواقعه عليها، لذلك سمحت لنفسها هي الأخرى بإغماض عينيها وإنهاء تلك الليلة الحزينة.

في الصباح استيقظت حياة بجسد متخشّب من ثقل جسده الملقى عليها. حركت إحدى ذراعيها ببطء شديد عدة مرات لفك تيبسه، ثم بدأت تداعب به خصلات شعره بحنان. تململ فريد في نومته وحرك رأسه للأعلى قليلاً علامة على بدء استيقاظه. ابتسمت حياة بحب من مظهره العفوي، فهي تعشق مظهره عند الاستيقاظ وخصوصًا بعبوس وجنتيه التي سرعان ما تتحول لابتسامة كسولة بمجرد رؤيتها. أحنت رأسها قليلاً حتى تصل إليه، ثم بدأت تطبع عدة قبلات رقيقة فوق جبهته. حك أنفه داخل عنقها وقد بدأت ابتسامته في الظهور، ثم غمغم وهو لا يزال مغمض العينين بصوته الناعس الذي خرج مكتومًا

بسبب فمه الملتصق بعنقها: "خلي بالك هتعود أصحى كده كل يوم." اتسعت ابتسامتها وأجابت بدلال وهي تعبث بمنابت شعره: "اتعود.. وأنا هضطر أتعامل." فتح عينيه ورفع جسده لينظر نحوها، ثم أردف يقول بمرح ينافي ما مرا به ليلة البارحة: "اممممم.. قولتيلي مضطرة." أنهى جملته وبدأ يحرك ذراعيه أسفل خصرها ليجذبها نحوه. هتفت حياة باسمه بنبرة عالية معترضة وهي تحاول كبت ضحكتها: "لا فريد.. هتتأخر. والله الموظفين هيقولوا أنا السبب."

توقف عن جذبها وعبس جبينه متصنعًا الجدية، ثم سألها بتركيز مستفسرًا: "على أساس مش إنتي اللي بتأخريني؟! جعدت أنفها ولكمته بحدة في كتفه قائلة بحنق وهي تحاول الابتعاد عنه: "والله!!! طب أوعى بقى يا أستاذ فريد عشان متتأخرش." ضغطت على حروف كلمتها الأخيرة بتهكم غاضب جعل ضحكته تدوي عاليًا من تقلب مزاجها الناري. جذبها نحوه أكثر مضيقًا المسافة بينهم، ثم قال بابتسامته العابثة:

"الموظفين ومدير الموظفين ومدير مدير الموظفين تحت أمر حياتي." تبدل مزاجها في الحال وعادت ابتسامتها الخجلة في الظهور من تودده المحبب لها. ثم انتهزت الفرصة لتسأله وهو يقترب من فمه لشفتيها: "طب مش هتقولي كنت فين بالليل؟ إنت قلتلي هحكيلك وأنا مستنية." ابتعد عنها قليلاً وأغمض إحدى عينيه قائلاً بحاجب مرفوع: "مش وقته خالص على فكرة." عاد ليقترب منها، فأسرت تقول مقاطعة له بنبرة حادة نوعًا ما:

"لا وقته. فريد بجد أنت وعدتني هتحكيلي!! زفر مطولاً ثم أجابها وهو يطبع قبلة خفيفة جانب فمها: "هحكيلك بليل." دفعته برقة حتى يبتعد عنها قليلاً، ثم نظرت نحوه مرددة باستنكار: "لسه هستنى لبليل؟! أجابها بغموض: "آها.. دلوقتي مش فاضي." أجابته باختصار وقد أغضبها تسويفه: "امممم عندك حق.. إحنا دلوقتي مش فاضيين." حركت جسدها مبتعدة عنه استعدادًا للخروج من الفراش، فأردف يقول وهو يوقف تحركها: "طب مفيش صباح الخير الأول؟!

رمقته بعدة نظرات محتدة، ثم أجابه باقتضاب من جانب فمها: "صباح الخير." هتف معترضًا بضيق: "لا مش هي دي صباح الخير بتاعتي اللي أنا عايزها." أجابته ببرود وهي تبتسم له بسماجة: "هي دي صباح الخير اللي عندي لحد بليل." هتف بضيق عندما نجحت في التسلل من بين يديه خارج الفراش قائلاً باعتراض طفولي: "حيااااة.." لم تعره أي انتباه بل واصلت سيرها نحو الحمام وهي تبتسم بخبث. لحق بها وهو يعاود سؤالها بضيق شديد: "إنتي بتهزري صح؟!

التفت تنظر نحوه ببراءة شديدة، ثم سألته بنبرة باردة مدعية عدم الفهم: "بهزر ليه؟! هتف مرة أخرى زافرًا بقوة وهو يحك مؤخرة رأسه بيده متسائلاً باعتراض: "إنتي عارفة ليه." أجابته بخفوت وهي تعاود الاقتراب منه بشكل حميمي: "لا مش عارفة فهمني." قبض على خصرها بذراعيه والصق جسدها بصدره القوى قائلاً من بين شفتيه وهو يخفض رأسه نحوها: -انتِ بتعاقبيني يعني؟ سألته هامسة وقد أصبحت شفتيه الآن أمام فمها بعدما أخفض رأسه نحوها:

-وانت بتعاقبني؟ هز رأسه نافيًا ببطء ثم أجابها بصوته الأجش وهو يتلمس بشفتيه شفتيها استعدادًا لتقبيلها: -أبدًا.. بس عندي حاجات أهم دلوقتي. ضيقت عينيها فوقه ثم بدأت تحرك كفيها بنعومة شديدة فوق ذراعيه العارضين حتى ارتخت قبضته فوقها ثم قامت بالانفلات منه قائلة من بين أسنانها باستفزاز: -وأنا كمان عندي حاجات أهم دلوقتي.

أنهت جملتها وركضت إلى الحمام، غالقة الباب خلفها جيدًا، تاركة فريد خلفها يهتف اسمها بحنق شديد عدة مرات، متوعدًا لها عما فعلته به. *** في فيلا غريب رسلان وتحديدًا داخل غرفة طعامه، ارتفع رنين هاتفه الموضوع أمامه فوق مائدة الإفطار. أخذه غريب باهتمام شديد خصوصًا بعد رؤية هوية المتصل، ثم سأل الطرف الآخر بترقب: -ها.. أكيد عندك حاجة جديدة؟

استمع لجاسوسه المجهول باهتمام شديد وبدأ بؤبؤ عينيه يتسع بتركيز شيئًا فشئ، سأله غريب مستفسرًا باندهاش: -بليل؟ وأتحرك لوحده؟ استمع إلى إجابة الطرف الآخر ثم ردف يقول باعتراض: -حتى لو معاكم الأمن! إزاي يتحرك خطوة زي دي من غير ما تبلغني؟ استمع إلى تبرير الرجل الآخر يليه عدة جمل مطولة، ثم بدأت ملامح وجهه في الابتسام بسعادة، مستفسرًا بعدم تصديق: -يعني نجح! اتقبض عليه فعلًا؟

استمع إلى إجابة سؤاله ثم أغلق الهاتف، وضحكته تدوي بانتصار عجيب. انتبهت جيهان الجالسة بجواره بجميع حواسها إلى مزاج زوجها الذي تبدل في لحظة، لتسأله باستفسار: -مالك يا غريب؟ إيه المكالمة اللي بسطتك أوي كده ومين ده اللي اتقبض عليه؟ أجابها غريب بشماتة وأسنانه تبرز من خلف ابتسامته: -منصور اتقبض عليه بليل بتهمة تهريب أسلحة ومعاها الشروع في قتل فريد، بعد ما اعترف عليه القاتل اللي كان مأجره.

ارتجفت يد جيهان وارتجف معها فنجان القهوة الذي كانت تحمله، وتمتمت تسأله بخفوت شديد ونبرة مهتزة: -انت متأكد من كلامك ده؟ أجابها غريب بفخر وثقة وقد انتفخت أوداجه غرورًا: -متأكد.. فريد بنفسه هو اللي كان هناك بعد ما اتفق مع البوليس وقبضوا عليه متلبس بالأسلحة.. ابني الأسد.. راجل بصحيح. ابتعلت جيهان ريقها بصعوبة بالغة، وقد حاولت رسم ابتسامة باهتة وهي تقول من بين أسنانها بشرود: -مبروك.

أجابها غريب بسعادة حقيقية وهو يتحرك من مقعده استعدادًا للخروج: -الله يبارك فيكي.. لازم أتحرك دلوقتي وأشوف هنعمل إيه. عند مدخل المنزل، أوقفه صوت نيرمين التي ركضت خلفه تستوقفه، بعدما رمقت والدتها بنظرة ذات مغزى، قائلة باستفسار: -بابي عملت إيه في اللي اتكلمنا فيه؟ ربت غريب فوق كتفها مطمئنًا وهو يقول بثقة:

-متقلقيش يا حبيبتي، النهارده هحاول أتكلم مع حياة وأنا واثق من تأثيرها عليه.. بيني وبينك أنا كنت معترض عليها في الأول، بس بعد ما شفت السعادة في عيونه اتأكدت إنه بيحبها جدًا، ولو في حد هيقدر يأثر عليه هتكون هي. ابتسمت له ابنته باقتضاب تعقيبًا على حديثه، ثم أردفت تقول متصنعة اللهفة: -آه يا بابي بليز، أنا عايزك تخلص الموضوع ده في أسرع وقت. أومأ له والدها برأسه موافقًا، ثم قال بتصميم:

-متقلقيش، كل حاجة هتتحل مادام عندك النية.. مش متخيلة أنا مبسوط قد إيه بقرارك ده يا نيرو. حركت رأسها هي الأخرى موافقة على حديثه ولم تعقب. نظر غريب إلى وجهها متفحصًا، ثم سألها بقلق: -نيرو! انتِ كويسة؟ شكلك مش طبيعي! سألته نيرمين بتوتر ملحوظ: -قصدك إيه يا بابي؟ أجابها غريب بحيرة وهو يعاود تأملها:

-مش عارف، بس عينيكي مرهقة أوي وشك كله مش مظبوط.. حتى مامتك بتشتكي إنك بقيتي بتقضي طول اليوم في أوضتك وبالليل للخروج ومش بتقعدي معاها زي الأول.. مالك يا حبيبة بابي؟ تنحنحت نيرمين بارتباك ثم أجابته كاذبة: -ولا حاجة يا بابي، أنا بس زهقانة عشان مفيش حاجة في حياتي جديدة.. انت بس نفذ اللي طلبته منك وأنا هرجع مبسوطة تاني.. صدقني.

ابتسم غريب باستحسان وهو يرى جدية ابنته في إصلاح الأحوال بينها وبين ابنه الوحيد، ذلك الشيء الذي طالما سعى إليه وتمناه منذ صغرهم، وحالت بينه وبين حدوثه جيهان.. هذا من وجهة نظره بالطبع. ***

راقبت حياة خلال الفطور وما تلاه من روتينهم اليومي رد فعل فريد ووجهه المتجهم بسبب صدها له وابتعادها عنه. لم تكن هي الأخرى سعيدة أو فخورة كثيرًا بما فعلته، ولكنه لم يترك لها وسيلة أخرى حتى يتحدث معها ويشاركها تفاصيل يومه. كانت علاقتهما رائعة فيما عدا ذلك، سواء في المنزل أو العمل، أما علاقتهما الخاصة فكانت سحرًا من نوع آخر لم ولن تختبره إلا معه. ولكن رغم ذلك، كان يؤلمها كثيرًا إغلاقه على نفسه. حسنًا، هي تعلم طبعه منذ

الصغر وتعلم أنه لم يكن كثير الحديث أو البوح بما يدور بداخله، ولكن هذا يضره ولا ينفعه. لقد كان وحيدًا بما يكفي ولن تسمح له بالانغلاق على نفسه أكثر من ذلك. هي زوجته وقبلها حبيبته، ومن واجبها مشاركته همومه ومشاكله حتى إن اضطرت إلى استخدام كل الطرق غير المحببة له ولها.

***

أما عنه، فقد جلس خلف مكتبه بعد وصوله لمقر شركته يتصفح الجرائد اليومية وعينيه تلمع برضا بعد حرصه الشديد على تصدر ذلك الخبر العاجل لكل الإعلام المصري، سواء المكتوب أو الإلكتروني. عاد بجسده للوراء مستندًا على ظهر مقعده، واضعًا ساقه فوق الأخرى بفخر وعينيه تشع ببريق الانتصار. لقد انتظر سنوات وسنوات لرؤية انكساره أمامه، وها هو الآن يجلس فوق مقعده بعدما حقق مراده ورأى منصور يسير مكبلًا بقيود الخزي والخيبة، مع الصدمة تكسو ملامحه وتغلف خطواته.

لقد كلفه ذلك الكثير من الجهد والمال، ولكن يهون.. كل ذلك يهون من أجل التخلص منه والانتقام لذكرى والدته. فقط تبقى حساب شريكته جيهان. قاطع تفكيره رنين هاتف مكتبه الداخلي، تبلغه سكرتيرته من خلاله بوصول ضيفه المرتقب. طلب منها فريد إدخاله على الفور، ثم اعتدل في جلسته استعدادًا لاستقباله. دلف وائل الجنيدي لداخل الغرفة بسعادة هو الآخر. تحرك فريد يستقبله باهتمام رغم الحذر، والذي لا يزال بادياً في جميع تصرفاته معه. صافح كفه باستحسان عندما هنأه وائل قائلاً

بارتياح: -مبروك. أجابه فريد باقتضاب وهو يشير له باتجاه أحد المقاعد للجلوس: -مبروك علينا. قال وائل بثقة: -ما كانش عندي شك للحظة واحدة إنك ممكن تفشل أو عمي يعرف ينجح في تهريب الصفقة دي.. واسمح لي أقولك إني معجب بذكائك وقبله تصميمك. أومأ فريد له رأسه بهدوء ثم أجابه بغموضه المعتاد: -وأنا معجب بحسن تصريفك للأمور.. وقبلها اختيارك الصح. ابتسم وائل من مغزى جملة فريد الذي وصله بوضوح، ثم أردف يقول بنبرة ذات مغزى:

-الحياة ساعات كتير بتحطنا قدام اختيارات وبتجبرنا نتعامل بأساليب ما كناش نتوقع نستخدمها في يوم.. عمتا خلينا في المهم.. اللي كنا عايزينه حصل ودلوقتي مستني اللحظة الأهم. أجابه فريد بغرور: -وفريد رسلان عمره ما يخلف وعده.. الشراكة مع الألمان من النهارده بينا إحنا الـ 3. ظهرت ابتسامة وائل الودودة والتي كان يتسم بها دائمًا، عكس فريد دائم التجهم.

في الخارج، لمح السيد غريب خيال حياة عائدة من الممر إلى غرفتها. انتهز الفرصة وتحرك خلفها هاتفا باسمها ليستوقفها. التفت حياة بكليتها تنظر نحوه بفضول. فرغم كل شيء، لم تكن العلاقة بينهم ودية ولن تكون. حتى رؤيتها له الآن أثارت حنقها، فبعد حديث البارحة مع فريد، عاد غضبها الدائم منه ليطفو إلى السطح من جديد، لذلك تحدثت إليه بجمود متسائلة: -في حاجة؟ أجابها غريب بوداعة لم تعهدها منه: -مبروك. قطبت حياة جبينها

بعدم فهم ثم سألته مستفسرة: -مبروك على إيه مش فاهمة؟ سألها غريب باستنكار: -لا متقوليش إنك مش عارفة، والأهم متقوليش إن فريد مبلغكيش بحاجة؟ سألته حياة بترقب والفضول يزداد بداخلها: -لا، حضرتك عارف فريد مش بيتكلم كتير.

هز غريب رأسه موافقًا على حديثها، ثم بدأ يسرد لها تفاصيل ليلة البارحة وما علمه من جاسوسه الخاص من مشاركة فريد في القبض على منصور. فتحت حياة فمها باندهاش واتسعت عينيها بذهول وهي تستمع إلى التفاصيل القليلة التي بحوزة غريب، والتي تكفيها لتشعر بالسعادة تغمرها. هل فريد فعل ذلك حقًا؟

لم ينتقم منه شخصيًا، وبدلًا عن ذلك سلمه للأمن. تحتاج الآن لمن يصفعها على وجهها للتأكد من عدم هذيانها. بدأت ساقيها تتحرك تلقائيًا في اتجاه غرفته للتأكد من صحة تلك المعلومات، ولكن صوت غريب أوقفها مرة أخرى ليسألها على استحياء قائلاً: -حياة.. نيرمين كلمتك صح؟ بمجرد سماعها لذلك الاسم، تلاشت سعادتها وعاد الغضب يكسو ملامحها. تلك الأفعى الصغرى ووالدتها. ماذا تريد منه الآن بعد ما فعلته به وهو طفل لم يتجاوز الثانية عشر؟ لذلك

اندفعت تجيبه بنبرة عدائية: -غريب بيه، لو سمحت أنا بره الموضوع ده.. نيرمين لو نيتها صادقة تفضل تحاول مع فريد لحد ما يسامحها.. غير كده أنا مش هقدر أساعدها. سارع غريب يقاطعها برجاء: -حياة لو سمحتي.. صدقيني نيرمين صادقة في كل كلمة قالتها، وصدقيني أكتر أنا بتمنى فريد يسامحنا كلنا ونبقى عيلة كاملة من غير مشاكل ولا أحقاد.. من فضلك ساعدينا في ده.

لانت قسمات وجهها قليلاً، وكيف لا وقد عزف على وترها الحساس وهو العائلة. لذلك هزت رأسها بجمود، ثم تركته وانصرفت متجهة نحو غرفة زوجها، وعيونها تلمع بالحب لمجرد التفكير به. *** اندفعت حياة داخل غرفة مكتبه دون استئذان وهي تهتف اسمه بسعادة: -فريددي! توقفت عن الحركة واحمرت وجنتاها حرجًا عندما رأته يجلس مع شخص ما بالغرفة، لذلك هتفت مسرعة بخجل: -أنا آسفة.. آسفة جدًا والله.. بحسبك لوحدك وايمان مكنتش بره

اسألها .. انا اسفه وكملوا اجتماعكم .. انهت جملتها وبدأت تنسحب بجسدها للخلف استعداداً للخروج. تحرك فريد في اتجاهها، وعلى عكس عادته لم يكن منزعجاً من دخولها العاصف، خاصة وهي تنطق اسمه بذلك الحب. أما من تحرك قبله يسبقه كالمسحور، فهو وائل الجنيدي الذي هتف بعدم تصديق: -انتي! تراجعت حياة خطوة للخلف ونظرت نحو فريد بعدم فهم وترقب. ثم عادت بنظرها لذلك الرجل المجهول أمامها تسأله بتوجس: -مش فاهمه!

تقدم وائل نحوها حتى توقف أمامها. ثم عاد يقول بأندهاش: -ايوه فعلاً ده انتي.. لم تكن تنظر إليه، بل كانت نظراتها معلقة بوجه آخر كانت تعرفه جيداً وتعرف تلك النظرة بالتحديد. هزت رأسها لفريد الذي قطع المسافة بينهم في ثلاث خطوات. ثم قبض على كفها بقسوة جاذباً جسدها نحوه حتى التصقت به. أردف وائل يقول شارحاً: -انتي مش فكراني صح!! .. انا قابلتك في المستشفى.. حركت حياة رأسها نافية بآلية شديدة.

ثم رفعت رأسها نحو فريد ترمقه بنظرات متوسلة. والذي بدأت عروقه في النفور من شدة الضغط فوق أسنانه. تنحنت حياة قائلة بخفوت، محاولة إنهاء ذلك الموقف: -انا اسفه بس انا مش فاكرة بصراحة.. فتح وائل فمه ليجيبها. وعند تلك اللحظة تدخل فريد مقاطعاً إياه بنبرة جامدة: -وائل بيه.. اقدملك حياة هانم.. مراتي.. ضغط فريد على كلمته الأخيرة مؤكداً على ملكيته لها. فاستطرد وائل يقول بخيبة أمل واضحة:

-احم.. اه اسف.. اهلاً وسهلاً.. انا بس صادفت الهانم يوم ما كنت بزورك في المستشفى بس يمكن هي مش فكراني.. في الحقيقة كان محقاً في ظنه، وحياة لم تتذكر لقائهم ذلك أبداً. وبدا ذلك واضحاً على ملامح وجهها التي كانت قلقة أكثر من رد فعل فريد على جملته. أما عن وائل، فقد تراجع بإحباط واضح بعدما تأكد أن ذلك الغزال الشارد الذي شغل تفكيره لأيام وأيام لم يكن شارداً، بل هو ملك لشريكه.

هتفت حياة لفريد بنبرة خفيضة بعدما تراجع ضيفه تاركاً لهم المجال لبعض الخصوصية: -فريد انا اسفه انا كنت بحسبك لوحدك.. سألها بغضب لم يخفَ عليها: -في حاجة؟ حركت رأسها نافية ثم أجابته بإحباط: -لا ابداً.. كنت هقولك حاجة بس مش مهم لما نروح البيت.. أنهت جملتها ورمقته بابتسامة مسرعة وعينيها تلمع بعشق عندما تذكرت ما قام به مرة أخرى. ثم هرولت للخارج، فهي لن تجازف بمكوثها جواره أكثر من ذلك، خصوصاً والغضب لا يزال يكسو ملامحه.

داخل غرفتها اندفع فريد يقتحمها دون استئذان. والغضب يتأكله من غيرته المنطقية بعدما لاحظ طريقة تعامل ذلك المدعو وائل معها ونظراته لها. اندفعت حياة بمجرد رؤيتها له تقفز فوقه وتعانقه بحب وهي تغمغم بجوار أذنه بإعجاب: -انت احلى فريد في الدنيا كلها.. حسناً، لقد تلاشى الآن جزء من غضبه. أنهت هي جملتها وبدأت تطبع عدة قبلات خاطفة فوق وجنته. ليكن صادقاً، لقد تلاشى جميع غضبه وليس جزءاً منه.

هذا ما فكر به بسذاجة وهو يشدد من احتضان ذراعيه لها. ثم سألها بإستفهام وجسدها ينزلق من بين يديه ليلامس الأرضية مرة أخرى: -ممكن اعرف الدلع ده كله ليه.. أجابته هامسة بخجل وأصابعها تعبث بمقدمة ذقنه: -انت عارف.. سألها مستفسراً بعدم فهم ونبرة ناعمة: -لا مش عارف.. رفعت جسدها ووقفت على أطراف أصابعها حتى تصل إليه. ثم أجابته هامسة بوله: -بابا قال لي انت عملت ايه امبارح.. قطب جبينه بمرح ثم سألها بصراحة وهو يقبل

أصابعها التي تداعب وجهه: -يعني كل الرضا ده عشان منصور اتقبض عليه.. أجابته بحب وهي تحدق داخل عينيه بعيونها اللامعة بفخر: -عشان حاجات كتير أولها اني فخورة بيك.. وعشان انت اجمل حاجة في الدنيا دي.. تسائل بتأنيب أمام شفتيها هامساً بحرارة: -طب المفروض اعمل ايه انا دلوقتي بعد اللي عملتيه الصبح.. أجابته هامسة وهي تطبع قبلة فوق ذقنه: -اسفه.. طبعت قبلة أخرى بجانب شفتيه. ثم أردفت تعيدها ثانية: -اسفه..

طبعت أخرى ثالثة مطولة فوق شفتيه بعدما أعادتها للمرة الثالثة. تنهد هو باستسلام وقد بدأت قبلاتها تأتي بثمارها. ثم انحنى نحوها يقبلها بجنون تعويضاً عما فاته في الصباح. ابتعد عنها بعد قليل وهو يلهث قائلاً بنبرة أصبحت تحفظها جيداً: -مش هينفع هنا.. انا لازم أمشي قبل ما اتهور في مكتبك.. ابتعد عنها خطوتين للخلف ثم غمغم بتحذير: -و خليكي بعيدة عني لاخر اليوم عشان اركز في شغلي.. ماشي.. دوت ضحكتها عالياً من مظهره الحانق.

فأردف يقول بغيظ: -ومتضحكيش!! أخفت فمها بكفها وهي تحرك رأسها موافقة بمرح. أما عن عينيها، فكانت تلمع بعبث ورغبة. حرك هو رأسه قائلاً بقلة حيلة: -المشكلة كلها هنا اصلا.. متبصليش بقى لاخر اليوم ولحد ما اخلص عشاء الزفت اللي عندي بليل.. اتسعت ابتسامتها العاشقة له ثم أرسلت له قبلة في الهواء. استقبلها بسعادة قبل خروجه من الغرفة. في المساء عاد فريد للمنزل بعد انتهاء عشاء العمل الذي اضطر لحضوره.

وهو يتنهد بإرهاق، فأخيراً انتهى ذلك اليوم المشحون، والآن يستطيع الانفراد بزوجته. بحث عنها بعينيه قبل رؤيته لشعاع الضوء المتسلل من غرفة المعيشة. توجهه إليها على الفور فوجدها غافية فوق الأريكة الوثيرة، ملتفة بذلك الوشاح الصوفي الناعم ومحتضنة أحد الكتب الروائية بين ذراعيها بنعومة. علت الابتسامة وجهه وهو يجلس أمامها فوق الطاولة الخشبية المقابلة للأريكة متأملاً بعشق ملامح وجهها المسترخي بارتياح. تأمل بحب أهدابها الطويلة.

تلك الرموش التي تحتضن داخلها ليلة خاصة بنجومه التي لا تضوي إلا من أجله. سحره الفاتن الذي وقع في أسره منذ أول تحديقة بريئة به. مرآته التي يرى بها "نفسه" كما هو دون إضافات. لم يكن يوماً يسعى إلى كسبها. وقع نظره فوق ذلك الكتاب الذي تحتضنه كعادتها. مد يده بحذر يسحبه من داخل ملكيته الخاصة. نعم، لقد أصبح ذلك الحضن ملكيته وملاذه، موقع رأسه وراحته. وهو فقط من يحق له استخدامه دون غيره، حتى لو كان غيره ذلك مجرد جماد.

تسللت يده إلى الأسفل يتلمس برفق شديد بطنها. وهو يتذكر بسعادة جملتها عن أطفالهم، أن ما يعيشه معها الآن أجمل حتى من كل الأحلام. تنهد بارتياح وهو يرفع رأسه للأعلى بامتنان. "رحيم" هذا ما رَدده قلبه بصمت. لقد مَنَّ عليه كما تمنى وأكثر. وها هو يحاول بكل طاقته حفظ عهده معه.

فمنذ ليلة مرضها عندما وقف يشاهد ذهابها من بين يديه دون حيلة، وبعدما فعل المستحيل لتصبح له، عاهد الله أن أكرمه بشفائها ليبتعد عن تلك المعاصي التي أهلكت قلبه. وها هو حتى الآن لم ينقض ذلك الوعد إلا عندما سولت له نفسه بالانتقام. وهَمَّ بقتل نفس، كانت هي من تقف أمامه لتمنعه. وكأن الله قد بعثها هي خصيصاً ليذكره بذلك العهد الذي قطعه لها ومن أجلها.

هذا هو سره الصغير الذي أخفاه عن الجميع والذي سيبقى دائماً سر بينه وبين خالقه الرحيم. هتف اسمها بحنان وهو يعيد بأنامله خصلات شعرها الشاردة خلف أذنها ليوقظها. فتحت حياة عينيها ببطء ورأسها لا تزال مستندة فوق ذراع الأريكة. ثم ابتسمت له بإشراق قائلة بنبرة ناعسة: -حمدلله على السلامة.. بادلها ابتسامتها بأخرى شغوفة وأصابعه لا تزال تتلمس وجنتها بحنان. فأردفت تقول وكفها يتحرك نحو يده التي تعبث بخصلاتها لتحتضنها: -وحشتني..

تنهد بحرارة وهو يقترب بجسده منها قائلاً ببوله: -انتي اللي وحشتيني.. سألته باهتمام وهي تشبك كفها بكفه: -الاجتماع كان حلو؟ أجابها وهو يطبع قبلة فوق جبهتها: -اكيد مش أحلى منك بس اطمني مضيت العقد زي ما كنت عايز.. اتسعت ابتسامتها ولمعت عيونها بفرحة وهي تمد ذراعها نحوه لينضم لها. احتضن هو ذراعها وتحرك يتمدد جوارها ويلتصق جسدها بها. وهو يسألها بهدوء: -انتي نايمة هنا ليه؟ حركت كتفيها بعدم معرفة وأسندت رأسها فوق صدره تتوسده.

ثم أجابته برقة: -محبتش أطلع الأوضة من غيرك.. وبصراحة خفت أنام قبل ما ترجع وأنا هموت وأعرف انت عملت كل ده امتى وازاي.. أجابها بنبرة مرحة وأصابعه تتحرك فوق ذراعها ذهاباً وإياباً: -اممممم.. يعني مفيش فرصة أفلت من التحقيق ده.. حركت رأسها فوق صدره دون رفعها وأصدرت صوت من حنجرتها يدل على الرفض قبل قولها باعتراض: -لا انسى لازم أعرف وبالتفصيل الممل كمان.. ابتسم من إصرارها الطفولي وأردف قائلاً باستسلام مرح:

-امري إلى الله.. بصي يا ستي.. طبعاً حضرتك عارفه ان وائل الجنيدي زارني في المستشفى.. تجاهلت حياة نبرة التأنيب الواضحة في صوته ولم تعقب. فأردف هو يقول مسترسلاً:

-باختصار.. هو بلغني انه رافض سياسة عمه ومش موافق على أي حاجة من اللي بيعملها وطريقته في الإدارة سواء مع منافسيه أو جوه شركته وانه عايز يخلص من تحكماته دي لسببين.. اولهم انه اكتشف ان ليه يد في موت والده ومقالش تفاصيل وأنا مهتمتش أسأله.. والسبب التاني انه خايف على مستقبل الشركة وعايز يحافظ على اسمها اللي جده وأبوه تعبوا فيه خصوصاً بعد ما عرف ان منصور بيدخل أعمال مشبوهة في الشركة ولما واجهته بده مأنكرش بالعكس ده صمم على

موقفه وده خوف وائل أكتر.. المهم.. وضح لي وجهة نظره وانه محتاج مساعدتي ونحط إيدينا سوا عشان نخلص منه في مقابل واحد اني أنقذ الشركة من الإفلاس والتوكيل اللي سحبته منهم يرجع لشركتهم تاني أو على الأقل أنا محتكرش السوق وأقبل أورده له.. طبعاً في الأول شكيت في كلامه بس هو أثبت لي حسن نيته بحاجتين.. الأولى انه بلغني بسفر الكلب اللي ضرب عليا النار وفعلاً عرفت ألحقه قبل ما يسافر وانتِ عارفة باقي الحكاية دي.. بس اللي انتي

متعرفيهوش ان بعد ما انتي اتدخلتي اتفقت مع القاتل يعترف على منصور مقابل حياته وحياة عيلته فوافق..

سألته حياة مقاطعة بحماس: -طب والتاني؟ أجابها فريد مستطرداً حكايته: -والتاني يا ستي انه بلغني ان منصور داخل في صفقة أسلحة تقيلة مع حد من المافيا في ايطاليا والوسيط بينهم راجل عايش في انجلترا..

أنا انتهزت الفرصة وسافرت بسرعة، وأقنعت الوسيط يبلغني بميعاد التسليم مقابل إنه ياخد نص العمولة مع باقي دفعات الأسلحة اللي منصور دفعها كلها من جيبه قبل الاستلام. طبعًا كانت صفقة مغرية، فمقدرش يرفضها لأن منصور كان غشيم في الاتفاق ووافق إن التسليم يكون على دفعات بعد ما دفع كل الفلوس، فكده هياخد العمولة والأسلحة. والباقي بقى مش محتاج أشرحله. الوسيط بلغني بميعاد التسليم ومكانه، وعليه بلغت البوليس ورحنا سوا. اتقبض على منصور متلبس بتهمة الأسلحة الأولى وبتهمة الشروع في قتلي التانية.

رفعت حياة رأسها تنظر نحوه بذهول وفم مفتوح بمجرد سماعها كلمة إنجلترا. إذا لقد اضطر للسفر من أجل ذلك. كان فريد يعلم جيدًا ما يجول بخاطرها، فأبتسم لها مؤكدًا فكرتها دون تعقيب عليها، ثم أردف يقول بتشفٍ وسعادة متجاهلاً دخولها منه: -يعني مؤبد يوم ما المحكمة تترأف بيه. تحولت نظرة حياة نحوه للضيق، ثم سألته معترضة بقلق وقد انتبهت لباقي حديثه: -فريد، إنت إزاي تروح معاهم كده؟

افرض كانوا مسلحين أو حصلك أي حاجة، وانت عارف إنه بيكرهك. أجابها فريد بعدم اهتمام وهو يبتسم من خوفها عليه: -افرض! ماهما فعلًا كانوا مسلحين. شهقت حياة بفزع وبدأت عيونها تلمع بالدموع في لحظة. فأردف فريد يقول مطمئنًا لها بخفة: -يا روح قلبي، مانا قدامك أهو. إنتِ خايفة من حاجة عدت وخلصت. أجابته حياة باعتراض: -آه هي عدت وخلصت، بس ده مش معناه إنك تكون مهمل في حياتك كده. وبعدين أنا مضمنش ممكن يعمل إيه بعد كده يعرضك للخطر.

اتسعت ابتسامة فريد وهو يرى كل هذا القلق منها عليه، لذلك أردف يقول بحنو مراعيًا لقلقها: -متخافيش. أنا كنت مرتب مع الأمن ولبسوني واقي للرصاص خصوصًا، وهما عارفين إن منصور كان السبب في إصابتي الأولى. تنهدت حياة بارتياح ولانت قسمات وجهها، ثم عادت تستلقي برأسها فوق صدره. تحدث فريد متسائلًا بامتعاض وهو ينظر حوله: -هو احنا هنقضي الليلة النهارده على الكنبة دي؟ أجابته حياة معتذرة:

-لا طبعًا. أنا غبية، أكيد إنت تعبان وعايز ترتاح. أنهت جملتها وهي تعتدل في جلستها استعدادًا للنزول من فوقه. أمسك فريد بذراعها يمنعها من الابتعاد عنه وهو يقول باعتراض: -لا يا شيخة! يعني أنا خلصت العشا بسرعة وجيت جري عشان تقوليلي تعبان وعايز ترتاح! وبعدين أنا لسه يومي مخلصش عشان أرتاح. سألته حياة باستنكار: -مخلصش! إنت لسه عندك شغل تاني؟ أجابها من بين قُبلاته والتي بدأ ينثرها فوق وجهها وعنقها:

-آه، لسه عندي صباح الخير بتاعة الصبح اللي ضحكتي عليا فيها، وبعدها عندنا تمرين البوكس اللي إنتي ورطتي نفسك فيه، وبعدها مكافأتي على النهاردة، بس دي ممكن أعملك فيها استثناء. شهقت حياة بفزع وهي تقول باعتراض: -فريد، إنت بتهزر صح؟ هز رأسه نافيًا دون حديث، ثم أردف يقول بجدية شديدة وهو يقترب من شفتيها: -في حاجة قبلهم الأول. سألته حياة بارتياب وهي تضيق عينيها فوقه: -قصدك إيه؟ أجابها بمكر وهو يضع ذراعه أسفل خصرها استعدادًا

لحملها: -في ضريبة كلمة "فريد" اللي بتطلع منك كل شوية دي. فتحت فمها للاعتراض الذي لم يكتمل بسبب التهامه لشفتيها وهو يتحرك بها نحو غرفتهم تطبيقًا لخطته.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...