تنهدت حياة بوله وهى تتطلع لملامحه المسترخيه وهو يتمدد جوارها بهدوء، حكت انفها بذراعه ثم أخفت وجهها به، ذلك العضد الذى تسند رأسها دائما عليه لتستمد منه القوة والأمان، أما أصابعها فقد تسللت ببطء شديد تتلمس ذقنه المشذبة بعناية وهى تهتف اسمه بدلال شديد جعلته يلتفت بكليته لها جاذباً جسدها اكثر نحوه ومحاصراً خصرها بذراعه: -فريد .. أجابها وهو يتنهد بحرارة ويمسح بأصبعه فوق جبهتها بعشق: -حياة روحه ..
انتشت روحها بمجرد سماع ذلك التدليل منه والتمعت عيونها بحب وهى تجيبه من بين ابتسامتها الخجلة: -فاكر واحنا صغيرين لما صممت اطلع الشجرة لوحدى وانت مكنتش موافق .. أجابها وقد بدأت الابتسامة تغزو محياه للذكرى المرحة: -اها .. أردفت تقول مبتسمة هي الأخرى بحنين: -ساعتها انت قولتلي هتقعي وأنا مسمعتش كلامك وطلعت وبعدها وقعت فعلاً، وأنت لحقتني وإيدك اتجزعت .. عبس وجهه وضاقت المسافة ما بين حاجبيه قائلاً بتذمر:
-وأنتي من امتى بتسمعي كلامي!!! أنا عارفك مش هترتاحي غير لما تكسري رقبتي .. دوت ضحكة حياة عالياً، وهى ترى ملامح وجهه المتجهمة ثم مررت إصبعها بين حاجبيه محاولة بسط ذلك التجهم ثم أردفت تقول بمرح: -نفس رد الفعل مبيتغيرش!!
فاكر برضه ساعتها قعدت قدام مش عايز تكلمني.. وماما كمان عاقبتني بسبب اللي حصلك ورفضت تكلمني يومين.. كنت بجيلك كل يوم الأوضة عشان اشتكيلك بس أنت كمان مكنتش بترضى تكلمني أو تسمعني.. حسيت إني لوحدي وفضلت حاسة بكده حتى بعد ما ماما صالحيتني.. في الآخر جيت قلتلي هسامحك بس بعد كده تسمعي كلامي .. انفرجت أساريره واتسعت ابتسامته من مغزى ذكراها ثم أجابها بمشاعر مختنقة من ذكريات طفولتهم البريئة:
-أنا نفذت اتفاقي وسامحتك بس أنتِ لحد دلوقتي مش عارفة تسمعي الكلام .. جعدت أنفها ونظرت نحوه بنصف عين ثم قالت بنبرة طفولية خالصة: -آخر مرة وبعد كده هسمعه وهتشوف .. احتضن كفها وجهه ومسحت بأصبعها وجنته وهى تحملق داخل عسليتيه بهيام ثم قالت بهمس متوسلة: -قولي إنك مش هيجي يوم وتزهق من عنادي ده وتكرهني وتسبني لوحدي وتمشي .. أدار رأسه قليلاً حتى يتسنى له تقبيل باطن كفها الذي يحاوط وجهه ثم أجابها بقلب عاشق:
-عمري.. عارفة أنا مش بعرف أزعل منك.. آه بقسى عليكي لما بتغلطي بس مش بضايق منك.. زي الأب بالضبط بيعاقب أولاده عشان يعرفوا الغلط بس عمره ما بيكرههم .. توقفت يدها عن لمس وجنته وأسدلت عينيها للأسفل بحزن ثم قالت بصوت مختنق من أثر الدموع: -معرفش.. أنا عمري ما عرفت إحساس حنان الأب ده ..
احتقنت ملامحه وشعر بالألم يعتصر قلبه من صوتها الحزين فهو يعلم جيداً رغم إخفائها للأمر أن جفاء والدها يؤلمها ويؤثر في نفسيتها كثيراً، لذلك زفر بأشفاق وحرك ذراعه ليجذبها نحوه أكثر وأردف يقول بحنو بالغ محاولاً التخفيف عنها: -يعني مش كفاية إنك تكوني بنتي أنا .. رفعت رأسها تنظر نحوه وقد بدأت ابتسامتها في الظهور مرة أخرى وقامت بطبع قبلة رقيقة فوق وجنته ثم عادت لتتندثر داخل أحضانه وأخفت وجهها بثنايا عنقه وهي تغمغم بحب:
-كفاية عليا وزيادة ربنا يخليك ليا .. صمتت قليلاً، مستمتعة بذلك السكون الذي شملها وهي داخل أحضانه وإحدى يديه تعبث بخصلات شعرها وتهدهدها ثم أردفت قائلة بحب: -أنت عارف إنك متغيرتش.. يعني اللي يشوفك من بعيد يقول واحد تاني بس مهما تحاول تداري لسه جواك فريد بتاع زمان.. اللي جواه نار وبراه تلج .. تنهدت بعشق ثم حركت يدها لتضعها حيث موضع قلبه واستطردت قائلة بهيام:
-بس اللي يعرفك زي حياة عارف إن تحت كل ده مدفون حنان الدنيا كله .. توقفت يده عن الحركة وتنحنح محاولاً إيجاد ثباته ثم بدأ ينسحب أسفل جسدها، رفعت رأسها تنظر إليه قائلة باستنكار: -رايح فين! أجابها بنبرة وملامح خالية: -ولا حاجة هروح آخد دش وأنزل ألعب بوكس شوية .. كانت تعلم جيداً أنها يهرب منها ويريد الانفراد بنفسه لذلك اندفعت تسأله بترقب: -ممكن آجي معاك؟ نظر نحوها ولم يعقب على طلبها لذلك أردفت تقول بتوسل شديد:
-بليز مش هضايقك والله وبعدين أنا نفسي أتعلمها عشان أعرف أدافع عن نفسي .. تنهد باستسلام وجذب رأسها ليطبع قبلة مطولة فوق جبهتها ثم قال بصوته العميق: -طب البسي لحد ما آخد دش وأحصلك .. صفقت بيدها وقفزت فوق الفراش بسعادة كالأطفال ثم ارتمت فوقه تعانقه بمحبة وتطبع عدة قبلات فوق وجهه تعبيراً عن فرحتها جعلته يبتسم هو الآخر بعمق قبل انسحابه من بين ذراعيها في اتجاه الحمام.
دلف فريد لغرفة الرياضة فوجدها بالفعل سبقته للأسفل وتنتظره بداخلها، مرر نظره فوق جسدها ثم سألها باستنكار بعدما أغلق الباب خلفه آلياً: -هو ده اللبس!!! نظرت إلى ملابسها أولاً ثم نحوه وهي تسأله بعدم فهم: -اها.. هو أنا لبست غلط ولا إيه؟
لوى فمه بعدم ارتياح فقد كانت ترتدي ذلك البنطال الملاصق لجسدها والذي يثير أعصابه بشكل كبير وفوقه تيشرت ذو حمالات عريضة بفتحة عنق مثلثة يكشف عن عنقها ومقدمة صدرها بشكل كبير وينتهي عند بداية معدتها، تنحنح محاولاً إخراج نبرته طبيعية ثم أجابها بنبرة جادة: -لا مفيش بس اللبس ده ميتلبسش قدام حد اتفقنا؟ أجابته مبررة وهي تقترب منه: -بس إحنا في البيت ومفيش حد غير دادا عفاف وسارة حتى الحراس مش بيدخلوا غير لما أنت تأذن لهم ..
هز رأسه بجمود موافقاً وهو يتحرك من أمامها ليلتقط القفازات الموضوعة فوق الرف وهو يفكر بعدم تصديق هل يعقل أنه يغار من عاملات المنزل فهي على حق بنسبة كبيرة وهو لا يسمح للرجال بدخول المنزل إلا بإذنه إذا لماذا انزعج من لباسها ثم إنه هو من قام باختياره لها من الأساس، هتفت اسمه بترقب وقد بدأت تشعر بحدوث خطب ما: -فريد!!! رفع رأسه نحوها وهو يهمهم بعدم تركيز، سألته بخفوت وهي تتفحص ملامح وجهه الجامدة: -أنت مضايق عشان اللبس؟
.. على فكرة أنا كنت نازلة بالجاكيت بتاعه بس قلعته لما نزلت هنا .. حسناً، إنه يعترف بفقدان عقله فلا يوجد مبرر يجعله يتسرخى لمعرفته أن لا أحد يراها هكذا غيره سوى أنه فقد عقله ولكن ماذا يفعل فتلك المخلوقة التي لا تتجاوز نصف طوله تكاد تذهب بتعقله، انفرجت أساريره وبدأ الابتسامة تظهر فوق شفتيه وهو يدنو منها ويحاصر جسدها بذراعيه قائلاً باستسلام: -خلاص بعترف إني غرت .. دوت ضحكتها عالياً، فعاد يقول مزمجراً: -شكلك مبسوط!!!
رفعت ذراعها لتحاوط عنقه بتملك وهي تجيبه بنبرة دلال هامسة محاولة امتصاص غضبه: -أصل شكلك حلو وأنت مكشر وعامل ٨٨ كده .. سألها مستفسراً بنبرته العابثة وهو يقترب بشفتيه من شفتيها: -والله!! مطت شفتيها للأمام ثم أجابته وهي تحاول جاهدة كبت ابتسامتها: -بصراحة.. أنا لازم أهاودك دلوقتي عشان هنلعب سوا وأخاف تتهور عليا وأنا مش قدك .. طبع قبلة خاطفة فوق شفتيها ثم قال بهدوء وهو يرفع القفازات أمام وجهها:
-طب متشتتيش تركيزي وخذي البسيهم .. حركت كتفيها رافضة ثم قالت بدلال فطري وهي ترفع كفيها هي الأخرى أمام وجهه: -البسهملي أنت ..
أمسك بإحدى كفيها وقام بطبع قبلة ناعمة داخلها ثم قام بإلباسها أحد القفازين وأحكم غلقه جيداً، ثم عاد نفس الفعل مع الكف الأخرى، ظلت حياة تراقب ما يقوم به بوله شديد، لو أنه رفع رأسه إليها الآن لرأى عينيها تلمع بالدموع من شدة عشقها له وتأثرها بما يقوم به، إنه حقاً دنياها بأكملها وكل ما تحتاجه من هذا العالم الكبير، أنهى مهمته وارتدى هو الآخر قفازاته ثم تحدث بصوته العميق يطمئنها: -متخافيش مش هاذيكى ..
ظلت تنظر إليه بوله ثم قالت بصوت متحشرج بعدما تنحت عدة مرات: -محدش بيخاف من أمانه .. لم يستطع فريد إبعاد عينيه عنها وكأن هناك قوة مغناطيسية تجذبه للغرق بداخل ذلك الليل بنجومه المتلألئة لذلك وجد نفسه تلقائياً يخفض رأسه نحوها ويقوم بتقبيل جفنيها واحد يلو الآخر بحذر شديد ثم غمغم يقول بنبرة خفيضة لم تصل إليها: -أنا كنت عارف إني لا هلعب ولا هتنيل النهاردة .. سألته حياة مستفسرة: -بتقول حاجة؟ هز رأسه نافياً ثم أجابها مصححاً:
-بقول يلا نبدأ .. حركت رأسها هي الأخرى موافقة وبدأت تستمع لتعليماته بتركيز شديد وبعد حوالي ربع ساعة هتفت حياة بتذمر من بين أنفاسها اللاهثة: -حرام عليك أنا تعبت.. مليش دعوة مش عايزة أكمل .. سألها فريد بحنق شديد: -حياة أنتِ بتتدلعي إحنا مكملناش ربع ساعة وأصلاً سايبك تضربي فيا من الصبح زي المراهقين .. أجابته بصوت باكٍ كالأطفال وهي تمد ذراعيها لتتعلق بعنقه ويحمل ثقل جسدها عنها:
-مليش دعوة مراهقين مراهقين اللعبة دي هتقطع نفسي أنا عايزة حاجة سهلة .. زفر باستسلام وهو يضع ذراعه أسفل خصرها ليرفعها من فوق الأرضية ويسير بها نحو الرف الجلدي المنخفض ليجلسها فوقه: -تعالي أمرى إلى الله.. وبعدين عشان أتعلم موافقكيش على حاجة تاني ..
انحنى بجذعه وهو يحملها حتى يضعها فوق المقعد ولكنها شدت من أحكام ذراعيها الملتفة حول عنقه رافضة تركه أو السماح له بالابتعاد عنها، تنهد مطولاً وهو يغمغم بعدة كلمات غير مفهومة قبل جلوسه بها فوق المقعد الجلدي، التوى فمها بنصف ابتسامة انتصار حاولت إخفاءها عنه عندما رضخ أخيراً لرغبتها وأجلسها داخل أحضانه، زفر قائلاً بامتعاض ونبرة قاطعة: -مفيش بقى أدرب معاك تاني.. اتفقنا؟
كانت تحاول جاهدة كبت ابتسامتها العابثة وهي ترى علامات الضيق تغزو ملامحه، هل ظن أنه يستطيع الهرب منها حسناً فليتحمل نتيجة هروبه، هذا ما فكرت به بخبث وهي تمط شفتيها للأمام متصنعة الحزن ثم سألته وأصابعها تمتد إلى عنقه وتتلمس تفاحة آدم خاصته: -طب أعمل إيه حاولت أشاركك حاجة بتحبها بس معرفتش .. المفروض تكون مبسوط إني عايزة أكون معاك. نظر نحوها، في البداية بتشكك، ثم لانت ملامح وجهه وهو يسألها بنبرة متحشرجة بسبب
أناملها التي تداعب عنقه: -يعني إنتِ عملتي كل ده عشان تشاركيني؟ هزت رأسها ببطء شديد موافقة. أردف يسألها باستغراب: -إنتِ مجنونة! يعني مينفعش تقوليلي خليك معايا؟ أجابته بنبرتها الرقيقة والتي كانت تتميز بها دائمًا: -مكنتش عايزة أخنقك.. وبعدين المفروض تعرف لوحدك. حرك رأسه مبتسمًا بعدم تصديق، ثم تنهد بحرارة وهو يتأمل وجهها الذي يعشق ملامحه، قائلاً بهمس: -أعمل فيكِ إيه؟ ابتسمت بخجل وأخفت وجهها داخل عظمة ترقوته، قائلة بمرح:
-ممكن تقوللي شكرًا.. إنتِ زوجة عظيمة، أنا مبسوط إن مراتي عايزة تعمل حاجة بحبها، أي حاجة من الحاجات الحلوة دي يعني. أجابها بابتسامته العابثة وهو يغمز لها بإحدى عينيه: -أنا عندي اللي أحلى من الكلام. ابتعدت بجسدها عنه بقدر ما سمحت لها ذراعه المحاصرة خصرها، وهي تقول بتحذير خجول: -فرييييييييد! ضغط بكفه فوق ظهرها ليعيد التصاقها به مرة أخرى، قائلاً بشغف: -لا صدقيني فريد بالطريقة دي مش هتفيدك خااالص.
رفعت ذراعها اليمنى تحاوط بها عنقه، وتركت أناملها تعبث بمؤخرة عنقه، قائلة بنبرة ناعمة: -إحنا تحت على فكرة. أجابها وشفتاه تتلمس وجنتها ببطء شديد جعل نبضات قلبها تتسارع: -بيتي وأنا حر فيه. أجابته بنبرة أكثر نعومة، وقد بدأ عقلها يتشوش بسبب قبلاته الناعمة التي يطبعها فوق عنقها وكتفها: -فريد ممكن حد يشوفنا. رفع رأسه إليها ليتأملها بعيون داكنة من شدة مشاعره، ثم هتف داخل أذنها بهمس مغرٍ جعل قشعريرة لذيذة تسري بداخل جسدها:
-الباب مقفول بالمفتاح.
تنهدت بحرارة، وقد بدأت مقاومتها تختفي شيئًا فشيئًا بمجرد التقاطه شفتيها بين شفتيه، وظلت تبادله قبلاته الناعمة بأخرى أكثر نعومة وتطلبًا، رغم عقلها الذي كان يطالبها ببعض التعقل. دفعته بكفها المرتعش ليبتعد عنها قليلاً حتى يتسنى لها التنفس براحة. نظر فريد نحوها بعدم فهم، وأصابعها تمتد إلى أطراف تيشرته الرياضي، قبضت بأصابعها على أطراف ردائه ثم قامت بسحبه لأعلى حتى وصلت لرأسه. رفع كلتا يديه بآلية شديدة حتى يسمح لها بخلعه. قامت بإخراجه من رأسه وألقت به فوق الأرضية بلامبالاة شديدة، قائلة بتفسير
وهي تعود للاقتراب منه: -كان مضايقني. ظل ينظر نحو الأرضية حيث موضع قميصه بذهول عدة ثوانٍ، ثم عاد بنظره نحوها قائلاً بنبرة شديدة التركيز: -استحملي بقى. ابتلع داخل فمه شهقتها التالية والتي صدرت منها تعقيبًا على ما قام به تاليًا. ***
في الصباح، فتحت حياة عينيها وهي تبتسم بخجل من ذكرى البارحة، فهي لم تكن تتخيل أن يأتي يوم وتتودد لأحد ما مثلما فعلت معه البارحة. فتح فريد عينيه بكسل شديد عندما تململت بين ذراعيه، وابتسم لها بحنان، ثم سألها ممازحًا بصوت متحشرج من أثر النعاس بعدما طبع قبلة خاطفة فوق أرنبة أنفها: -حياة إنتِ لسه وشك أحمر من بليل! عضت على شفتيها بخجل وقامت بلكمه بكفها المتكوّر بنعومة فوق كتفه، مغمغمة بنبرة خافتة بالكاد وصلت لمسامعه:
-فريد بطل. دوت ضحكته عالياً، وعاد برأسه للخلف حتى يتسنى لها رؤية وجهها كاملاً، ثم عاد يسألها بنبرة ذات مغزى: -طب بقولك إيه.. ما تيجي ننزل الجيم تاني عشان بصراحة الموضوع عجبني. شهقت بخجل وأخفت وجهها الذي ازداد احمراراً بصدره، مغمغمة بإحراج: -فرييييييييد! تنهد بسعادة، ثم أجابها بهيام: -عيون فريد وقلب فريد وحياة فريد كلها.
رفعت رأسها ببطء لتنظر داخل عينيه بعشق لم تكن تحتاج للإفصاح عنه، ولم يكن هو بحاجة لسماعه. ظلت تحدق داخل عسليته الصافيتين بوله شديد، رافضة تحريك جفنيها أو رموشها حتى لا يغيب عن نظرها للحظة واحدة. قطع هو الصمت قائلاً بعشق واضح: -صباح الحياة. أجابته بصوت مختنق من شدة مشاعرها التي تحبسها بداخل قلبها: -يدوم صباحك ليا وجنبي. تنهد بحرارة، ثم أخفى رأسه بداخل عنقها قائلاً بصوت مكتوم: -بحبك يا حياة الروح.
رفعت كلتا ذراعيها تحاوط بقوة جسده الملقى فوقها، كأنها تريد إخفاءه داخل قلبها. بدأ فريد بتقبيل عنقها بنعومة، فاستقبلت قبلاته بترحاب شديد. كان الوقت بالفعل قد تجاوز موعد نزولهم اليومي للإفطار، ولكن من يهتم، فهو حبيبها وزوجها، ويبدو أنها هي الأخرى لم تشبع من قربه، لذلك عندما رفع رأسه ليلتهم شفتيها، تجاوبت معه على الفور، تاركة له المجال لسحبها داخل دوامة مشاعرهم المتأججة. ***
على مائدة الإفطار، ظل فريد يحدق بها بنظرات ذات مغزى أربكتها. أخفضت رأسها لأسفل ورفعت كفها لتعيد إحدى خصلات شعرها للخلف، محاولة إخفاء خجلها الذي يزداد من قوة نظراته. هتفت به معترضة بعد خروج سارة من الغرفة لإحضار ما تبقى من الطعام: -بطل بقى. سألها مدعيًا عدم الفهم وهو لازال يحدق بوجهها ومقدمة عنقها الذي حاولت جاهدة إخفاء ما به عن الجميع: -ما عملتش حاجة.
أنهى جملته، ومد يده من أسفل الطاولة يتلمس بأصابعه ساقها حتى وصل إلى ذراعها الموضوعة فوقها، والتقط كفها وبدأ يمسد داخله ببطء شديد أثار أعصابها. هتفت به مرة أخرى متوسلة وقد بدأ احمرار وجنتيها في الازدياد: -فريبيييييد. مال بجذعه نحوها وأسند مرفقه الخالي فوق الطاولة، قائلاً بنبرة خفيضة ناعمة: -طب بطلي تقولي فريد. ضغطت على شفتيها في إشارة منها للموافقة وعدم الكلام. أضاف وهو يزيد من نعومة لمساته داخل باطن كفها:
-وبطلي تدوسي على شفايفك. أفلتت شفتيها على الفور، ونظرت نحوه بتوسل شديد. كتم ابتسامته واستطرد يقول بنبرة مرحة عابثة: -ومتبصليش كده. زفرت بقله حيلة وهي تعود لترتمي بجسدها فوق المقعد، قائلة بضعف: -إنت مبسوط بكده صح! أجابها هامساً وهو يميل بجذعه أكثر نحوها وعيناه مسلطتان فوق شفتيها: -جداً.
سحب يدها من داخل يده بحدة وتنحنحت عدة مرات محاولة السيطرة على حرارة جسدها المرتفعة والتي بدأت تظهر جلياً فوق ملامحها بمجرد سماعها لوقع خطوات سارة عائدة مرة أخرى بمشروب القهوة خاصتها. وضعته أمامها بحرفية ثم توجهت بنظرها لفريد الذي كان يجلس فوق المقعد باسترخاء شديد، لتسأله باحترام: -فريد بيه تحب أحضر لحضرتك القهوة دلوقتي؟ عاد بنظره إلى حياة قائلاً بنبرة خالية ونظراته لازالت مسلطة عليها بعدما قام باحتضان كفها مرة أخرى:
-لا هشرب النسكافيه من حياة. شهقت حياة بخجل وسرعان ما تحولت شهقتها لسعال متختنق، فأردف فريد يقول مصححًا وعيناه تلمع ببريق تسلية وهو يرى خجلها وارتباكها واضحاً أمامه: -قصدى هشرب النسكافيه بتاع حياة. أومأت سارة برأسها لها موافقة، ثم وجهت حديثها لحياة التي لازالت تسعل بصوت مكتوم: -حياة هانم تحبي أعملك بداله؟
حركت حياة رأسها بسرعة شديدة نافية دون حديث، فانسحبت سارة من الغرفة تاركة لهم المجال لتناول فطورهم بحرية كعادتها منذ قدومها للمنزل. رفعت حياة رأسها نحوه بحدة متسائلة بامتعاض: -عجبك كده! سألها فريد بابتسامة مستفزة ونبرة باردة: -حبيبي أي حاجة منك تعجبني، بس حددي أكتر. لانت ملامحها واتسعت ابتسامتها رغماً عنها بعد سماعها تدليله لها، ثم قالت بنبرة ناعمة معاتبة: -طب افرض سارة أخدت بالها بقى دلوقتي هتقول إيه؟
أجابها وهو يجذبها من يدها نحوه، ثم قام بإجلوسها فوق ركبتيه قائلاً وهو يحاوط خصرها بذراعه ويشدد من احتضانه لها: -هتقول حاجات كتير، ميهمنيش منهم ولا حاجة طول ما إنتي في حضني كده. اتسعت ابتسامتها وهي تتطلع نحوه بحنان، ثم قامت بارتشاف رشفة صغيرة من مشروبها سريع التحضير، فطبع رغوته فوق فمها وشفتيها. تساءل فريد بهدوء وهو يتطلع إليها بشغف: -إنتِ طمعتي في النسكافيه بتاعي ولا إيه؟ هزت رأسها نافيه، ثم غمغمت بأسف
وهي تقرب الفنجان من شفتيه: -أنا آسفة والله، بحسبك بتهزر. خد اشربه كله بالهنا والشفا. بادلها ابتسامتها بأخرى ماكرة، ثم أجابها وهو يسحب الفنجان من بين يديها ويعيده فوق الطاولة: -هشربه بس أدوق اللي هنا الأول. قطبت جبينها بعدم فهم، فعاد يقترب منها قائلاً باستمتاع وهو يقوم بتحسس فوق شفتيها بلسانه: -مش عارف، بس بيتهيألي هنا أحلى. هتفت به معترضة: -فريد حد يشوفنا. أجابها بانشغال وهو يعاود علق شفتيها بلسانه:
-لو حد شافنا هقوله بشرب النسكافيه عشان أركز في الشغل باقي اليوم. دوت ضحكتها عالياً، ثم بدأت تبادله قبلاته على الفور. قطع اتصالهما هاتفها والذي صدع رنينه واهتزازه فوق طاولة الطعام. ابتعدت عنه حياة على مضض، ثم قامت بالتقاط هاتفها تنظر به أولاً، ثم قالت باستغراب: -ده رقم بابا. قطب فريد جبينه هو الآخر، ثم سألها باستنكار: -بيكلمك إنتِ ليه؟ مع إن تليفوني معايا! أجابته وهي تحرك كتفيها: -مش عارفة، هرد وأعرف.
أنهت جملتها وقامت باستقبال المكالمة على الفور. عقدت ما بين حاجبيها أولاً، ثم عادت بنظرها لفريد الذي كان ينظر هو الآخر إليها بترقب، مرددة بتعجب وهي تزم شفتيها نحوه: -نرمين! أها الحمد لله. قالت نرمين على الفور مبررة: -أنا آسفة إني بكلمك من تليفون بابا، بس مش معايا رقمك وخفت مترديش على أرقام غريبة. أجابتها حياة بجفاء وهي لازالت تنظر إلى فريد: -لا عادي، مفيش مشكلة. أردفت نرمين تسألها على الفور:
-مش عايزة أعطلك، بس لو مش هتضايقي، ممكن نتقابل؟ تعلقت أنظار حياة بفريد الذي كان يستمع إلى حوارها بتركيز تام، وقد فاجأها طلب أخته واتصالها، فعادت تردد طلبها على مسامعه باستغراب: -تقابليني!!! هز فريد رأسه رافضًا بحزم، ففأمت حياة برأسها له موافقة، ثم أجابتها باقتضاب شديد: -بصراحة معتقدش إن في حاجة بيني وبينك ممكن تخلي بينا كلام أو مقابلة. اندفعت نيرمين تقاطعها بلهفة: -لا طبعًا في بينا أهم حاجة وهي فريد.
استرعت نيرمين انتباه حياة بالكامل بمجرد لفظها اسم فريد، فأردفت نيرمين تقول بتوسل: -حياة لو سمحتي متتسرعيش. صدقيني أنا عايزاكي في حاجة مهمة، وعشان تطمني أنا هاجي الشركة مع بابا، وأنا عارفة إنك بتشتغلي معاهم. اسمعيني الأول ولو معجبكيش كلامي كأنك مشفتنيش. لوت حياة شفتيها بحيرة، ثم أجابتها على مضض قائلة بتوجس: -تمام. مفيش مشكلة. أنهت المكالمة وعادت تضع هاتفها فوق الطاولة بشرود. سألها فريد بترقب شديد مستفسرًا بضيق:
-كانت عايزة إيه؟ أجابته حياة بنعومة وهي ترفع كفيها وتحتضن وجهه بحب بعدما لاحظت تبدل مزاجه: -ولا حاجة زي ما سمعت. طالبة تقابلني، ولما رفضت قالت إنها هتيجي الشركة النهاردة مع باباك، ولو سمحتلها هتقابلني. قال فريد بنبرته القاطعة: -حياة مفيش مقابلة ومفيش تعامل معاها. فاهمة؟ زفرت بحيرة، فقد أخفت عليه أنه محور الزيارة، وإذا كان هو محورها ستقابلها ولو كان الثمن حياتها. لذلك سألته بنعومة وهي تتلمس بأصابعها وجنته:
-ممكن تفهمني أنت قلقان كده ليه؟ دي جاية شركتكم وهتكون مع باباك. ولو عايز قابلها أنت. أجابها فريد بضيق محذرًا: -عشان لا نيرمين ولا جيهان حد ممكن يتسمعلهم أو تتعاملي معاهم. وأظن مش محتاج أحذرك منهم. أحنت رأسها فوقه وطبعت قبلة مطولة فوق جبهته، ثم أردفت تقول بحنان: -عدوك عدوي من غير ما تفكر. وأوعى في يوم تفكر غير كده. بس وحياة أغلى حاجة عندك. ورحمة ماما رحاب ممكن تسمحيلي أتكلم معاها؟ حتى لو قدامك.
نظر نحوها مطولًا، ثم هم بالحديث، فأردفت تقول بلهفة متوسلة: -عشان خاطري مكالمتها قلقتني. متسبنيش بفضولي. ووعد هاخد بالي. ولو قالت أي حاجة تضايقني هطردها. ولو عايز تخلي حراس قدام الباب اعملها. ولو عايز تحضر بنفسك احضر. ولو عايزني أسجلك كمان وهقولك كل حاجة قالتها بالحرف. بس بليز متقولش لأ. زفر بقله حيلة، ثم أجابها على مضض بجمود شديد للغاية: -في مكتبك. عادت جملته من وراءه موافقة بسعادة: -في مكتبي طبعًا. أردف يقول بتحذير:
-وهكون شايفك في الكاميرا. وهتقوليلى كل حاجة قالتها بالحرف الواحد. أجابته بابتسامة وهي تطبع قبلة خاطفة فوق وجنته: -هحكيلك حرف حرف. بس وهاكل ودانك بس يكون عندك وقت. رمقها بنظرة تحذير، ثم أردف يقول بنبرته القاطعة: -وهسيب حارس قدام الباب. أجابته وهي تقلد نبرته وملامحه المتجهمة: -وهيكون في حارس قدام الباب. هتف بها محذرًا بصوته العميق: -حيااااااه. أجابته بدلال وابتسامة واسعة وهي تستند برأسها فوق كتفه: -فريدى.
تنهد باستسلام، ثم قام بطبع قبلة مطولة ومتقطعة فوق شفتيها. بادلته إياها على الفور، ثم قال بصوته الأجش: -أنا بقول نقوم أحسن لأنني اتأخرت النهارده بما فيه الكفاية. ولو فضلت كده مفيش شغل النهارده. حركت رأسها التي لا تزال مستندة فوق كتفه ببطء موافقة على طلبه، ثم خرجت من داخل أحضانه على مضض قبل تحركهما معًا للخارج جنبًا إلى جنب. ***
في منتصف اليوم، طرق باب غرفة حياة المغلق، ولم تكن تحتاج لكثير من الذكاء لمعرفة الطارق. فهي كانت تنتظر قدومها منذ زمن، وخصوصًا عندما رأتها تدلف الشركة بجوار والدها السيد غريب. دلفت نيرمين بتعجرفها المعهود بعدما سمعت إذن حياة، ووقفت تتأمل الغرفة بتمعن شديد قبل جلوسها قبالة حياة في أحد المقاعد الوثيرة، قائلة بدون مقدمات وبنبرة جدية ذكرت حياة بفريد خاصة، وهي تمتلك نفس لون عينيه:
-أنا عارفة إن العلاقة بينا أنا وإنتي، حتى أنا وفريد مش كويسة. وده اللي خلاني أجي النهارده بعد ما اتكلمت مع بابي واستأذنته. ضيقت حياة عينيها فوقها تتفحص ملامحها بترقب. فرغم ثباتها وقوتها، هناك شيء غريب بها شعرت به حياة ولم تعرف سببه. أردفت نيرمين تقول باسترسال: -أنتِ عارفة إن أنا مليش أخوات. قصدي غير فريد طبعًا. ومعرفش لو فريد صدف وقال لك، بس أنا كنت متجوزة قبل كده من زمان وانفصلنا بسبب الأولاد لأنني مبخلفش.
صمتت قليلاً لتبتلع غصة أصابت قلبها جعلت حياة تشعر بالشفقة نحوها. استطردت نيرمين حديثها وقد بدأ صوتها يختنق قليلاً: -يعني باختصار كده أنا مليش حد بعد مامى وبابى. عشان كده ومتستغربيش من اللي هقوله. أنا مش عايزة علاقتي مع فريد تفضل وحشة. نفسي نتصالح ونتعامل زي أي أخ وأخت بيحبوا بعض. أنا عارفة إن مامى وأنا كمان ضايقناه كتير، بس صدقيني أنا ندمت على كل ده ونفسي أصلح علاقتي بيه ونبدأ صفحة جديدة. سألتها حياة بتوجس مستفسرة:
-طيب أنتِ بتقولِ لي أنا الكلام ده ليه؟ عندك فريد "أخوكي" هو أولى بالكلام ده. أجابتها نيرمين محاولة استمالة حياة لصالحها: -فريد شايل مني أنا ومامي كتير، وعارفة إنه استحالة يقبل يشوفني أو يسمعني. وأنتِ شفتي بنفسك عاملني إزاي لما زرتكم في البيت. عضت نيرمين فوق شفتيها ولعنت غباءها بصمت، وقد أدركت خطأها، فأسرعت تقول مصححة:
-أنا كمان بتأسفلك على الكلام اللي قلته اليوم ده، وبتمنى تسامحيني وتتوسطيلي عند فريد على الأقل يسمعني ويديني فرصة. وعشان تكوني مطمنة مش أنتِ بس اللي هتحاولي معاه، ده بابي كمان هيحاول. بس أنا عارفة إنه بيحبك وهيسمعلك، فبليز متحرمنيش من إن يكون عندي أخ وسند ليا أقدر أعتمد عليه وألجأ له. تنهدت حياة مطولاً، ثم أجابتها على مضض قائلة بحيرة: -مقدرش أوعدك بحاجة لأنني مش ضامنة رد فعل فريد. بس على الأقل هحاول معاه.
ابتسمت نيرمين بانتصار واندفعت تحتضن حياة قائلة بامتنان: -وأنا مش محتاجة منك أكتر من المحاولة، وإنك تسمحيلي أطمن عليه من خلالك لحد ما يقبل يتعامل معايا. حركت حياة رأسها موافقة بتفكير، فداخلها يتمنى رغم كل شيء إصلاح علاقة فريد بوالده وأخته، حتى يرتاح قلبه ويهنأ. ودعتها نيرمين وركضت نحو الخارج وهي تبتسم بخبث، ثم هاتفت نجوى قائلة بانتصار: -أيوه يا بيبى. كله تمام وشكلها الغبية دي شربتها وكله هيبقى تمام. متقلقيش. ***
بالطبع كان فريد يراقب لقائهم منذ بدايته بترقب شديد، مستعدًا للهجوم في أي لحظة. وقد تفاجأ كثيرًا عندما انتهى لقائهم بذلك العناق الودي. استدعى حياة على الفور بعد انتهاء زيارة أخته ليسألها مستفسرًا بفضول: -كانت عايزة إيه؟ أجابته حياة وهي تتجه نحوه وتحتضن جسده بذراعيها: -حاجة ملهاش علاقة بالشغل. ممكن نتكلم في بيتنا؟
رفعت رأسها تنظر إليه لتتبين رد فعله، فهي تعلم أن تلك المواجهة أبدًا لن تكون سهلة، ولكن من أجل سعادته وراحته ستتحمل كل الصعاب. احتنقت ملامحه وهو يسألها بضيق: -حيااااة!! أنتِ وعدتيني!! كل حرف! أجابته وهي تمسح بأصبعها فوق جبينه بحنان: -والله كل حرف. بس عايزة أتكلم معاك وأنا في حضنك. ممكن متحرمنيش من ده؟ زفر باستسلام، ثم أجابها بنبرة خالية: -طيب تمام. اعملي حسابك هنروح بدري النهارده عشان عندي شغل بليل. سألته بقلق
وهي تنظر نحوه بارتياب: -شغل إيه ده؟ أجابها بجمود: -شغل يا حياة. شغل. أكيد مش هبررلك كل حاجة. أطرقت برأسها للأسفل وهي تجيبه بخفوت: -مش قصدي. أنا بس كنت عايزة أطمن. زفر مطولاً، ثم قام بجذبها لاحتضانه مرة أخرى بحنان وهو يقول مدافعًا عن نفسه: -مش قصدي. أنا بس عندي ضغط شغل كتير، ولما شفتها اتضايقت أكتر.
أغمضت حياة جفنيها بألم، فهي تعلم جيدًا رغم إخفائه أن أسفل حنقه ذلك هناك حزن شديد، يمكن بداخله حزنًا على علاقته السيئة بأخته غير الشقيقة. *** في المساء، وبعد انتهاء وجبة العشاء التي قدمت باكرًا بسبب عمل فريد المتأخر، عادت حياة إلى غرفتهم وظلت تجوبها بقلق. دلف فريد خلفها، ثم بدأ في تبديل ملابسه على الفور. سألته حياة مستنكرة: -أنت نازل دلوقتي؟ نظر في ساعة يده أولاً، ثم أجابها بعبوس: -أها يادوب الحق.
زفرت بقله حيلة، فهي تشعر بالقلق ولا تدري السبب، هي فقط تشعر به بداخلها. سألته بإحباط: -طيب. برضه مش عايز تقول لي شغل إيه ده؟ رمقها بنظرة خالية ولم يعقب. لوت فمها بضيق، وقد علمت أنها لن تحصل على أي إجابة، خاصة وهو ينتظر إجابة أسئلته. لذلك ازدرت لعابها بتوتر، ثم تنحنحت بقوة محاولة تقية حلقها، ثم قالت بهدوء شديد: -طب هتتأخر؟ لم يعقب أيضًا، لذلك أردفت تقول مفسرة: -عشان نتكلم سوا عن النهارده.
بدأت ترى بعض الانبساط لملامحه المتجهمة بعدما استمع إلى ما يريده، فابتسمت بخفوت عندما اقترب منها وجذبها بين ذراعيه قائلاً بنبرة حنونة مطمئنة: -مش عارف. بس أتمنى متأخرش. ادعي لي بس. عبس وجهها وتأهبت ملامحها، وقد أصابتها الريبة والشك، لذلك هتفت متسائلة بقلق متزايد: -يعني إيه؟ فريد أنت رايح فين؟ فك حصار ذراعيها المحاوط جسده وابتعد عنها ليكمل ارتداء ملابسه وهو يقول بنبرة هادئة: -ولا حاجة يا حياة. متقلقيش.
تبعته حتى خزانة ملابسه والتفت بجسدها حتى تصبح في مقابلته، وتعلقت عيناها بعينه ناظرة نحوه بحنان كبير يشوبه بعض القلق والحزن. مد يده يحتضن كفها وبدأ يداعبها بلمسات رقيقة مطمئنًا لها بحب: -مش هتأخر بس خليني أنزل دلوقتي عشان مستعجل، ولما أرجع هحكيلك كل حاجة. أومأت له برأسها موافقة على حديثه دون تعقيب خلاف نظرتها الحزينة. أردف يقول وهو يلصقها بصدره القوي: -حياة. أنا محتاج أتحرك دلوقتي، فلو سمحتي اضحكي. زفرت بحيرة وتمتمت
وهي تخفي وجهها بصدره: -طب أنا ليه قلقانة؟ أجابها بمرح وهو يرفع رأسها إليه ليتأمل سواد عينيها اللامعة: -عشان شكلك اتعودتي إني أفضل جنبك وأنا لازم أشوف حل للدلع ده. قطبت جبينها وسألته باعتراض: -والله!!! أجابها مبتسماً وهو يطبع قبلة فوق وجنتها: -اهاا.. ارجع بس وأشوف حل طويل للموضوع ده، أهم حاجة متناميش. غمز لها بمكر، فردت وهي تبتسم بخجل وتطبع هي الأخرى قبلة مودعة فوق وجنته مغمغمة برقة: -هستناك.
بادلها ابتسامتها بأخرى عاشقة وهو يتحرك نحو الخارج بخطوات واسعة. هتفت حياة باسمه تستوقفه، فألتفت نحوها على الفور بعدما توقفت خطواته، ينظر إليها باستفسار. أردفت حياة تقول بنعومة وخجل: -لا إله إلا الله. فتح فمه لوهلة مندهشاً من جملتها، ثم أجابها بانبهار: -محمد رسول الله.
ظلت حياة تتجول داخل المنزل بقلق وهي تنظر في ساعة يدها كل عشرة دقائق تقريباً. زفرت بضيق وهي تجوب غرفتها. لقد مر أكثر من ثلاث ساعات منذ خروجه وحتى الآن لم يعد. نهرت نفسها على سذاجة تفكيرها. بالطبع أعماله تتطلب أكثر من هذا الوقت بكثير، وربما لديه واحد من تلك الاجتماعات التي تدوم بالساعات. إذاً لماذا لم تخبره بتفاصيله؟ ولماذا انقبض صدرها بمجرد سماعها عنه؟ هذا ما فكرت بقلق، وقد عاد إليها توترها مرة أخرى.
وبعد ساعة أخرى من القلق المتواصل وتعلق نظراتها بحديقة المنزل منتظرة عودته، لمحت ضوء سيارته يأتي من بعيد. تنفست الصعداء ورتبت من مظهرها قليلاً، ثم ركضت نحو الأسفل تستقبله. دلف فريد المنزل وهو يبتسم بانتصار من أجل نجاح خطته. تفاجأ وهو يتسلق الدرج بحياة تقفز بقوة داخل أحضانه، مما جعله يترنح قليلاً. مد يده ليتمسك بدرابزين الدرج ليحافظ على ثباته. أخفت حياة رأسها في طيات عنقه قائلة بصوت مكتوم: -أنت اتأخرت أوي.
اتسعت ابتسامته وتحركت يده ترفع قدمها من فوق الدرج ليحملها بخفة ويتوجه بها نحو غرفتهم قائلاً بمرح: -أنا لو أعرف إن كل مرة هتتأخر هتستقبليني كده، كنت اتأخرت من زمان. انزلقت بجسدها من بين قبضته وعادت قدمها تستند على الأرضية بمجرد وصوله غرفتهم قائلاً باعتراض: -والله! لا حضرتك ده النهاردة بس عشان كنت قلقانة مش أكتر. مال بجذعه نحوها وطبع قبلة خاطفة فوق وجنتها، ثم توجه مباشرة نحو خزانة ملابسه ليستبدل ثيابه قائلاً بثقة:
-كام مرة قلتلك وأنا معاكي متخافيش. وبعدين متفتكريش هتعرفي تهربي مني. احكيلي كانت عايزة إيه النهاردة. تنفست حياة مطولاً، سامحة لأكبر قدر من الهواء بالوصول لرئتيها، ثم قالت مباشرة ودون مقدمات بنبرة متوجسة: -نيرمين عايزة تصالحك، أو بالمعنى الأصح عايزة تتعامل كأنكم أخوات وطلبت مني أتوسط عشان تعرف تقابلك. توقفت يده عن العمل للحظات وتجمدت ملامحه، ثم استدار ليواجهها بكليته قائلاً بملامح محتقنة: -بنت جيهان!!! وأنا؟
أردفت حياة تقول باسترسال رغم رؤيتها جموده: -ليه لأ!!! اكتشفت إنها محتاجاك ومش عايزة العلاقة تفضل بينكم كده، خصوصاً إنك أخوها الوحيد. أكمل فريد ارتداء ملابسه بآلية شديدة غير مبالٍ بحياة التي كانت تقف أمامه مترقبة إجابته. رفع رأسه بعد انتهائه من ارتداء التيشيرت، ثم أجابها بنبرة قاطعة: -لأ. اندفعت حياة تسأله مستفسرة: -ليه لأ؟ رمقها بعدة نظرات حانقة، ثم أجابها بنبرة باردة مقتضبة: -من غير ليه. هتفت حياة تسأله باعتراض:
-يعني إيه من غير ليه. فريد أنت مش شايف إن من حقي تشاركني قراراتك، خصوصاً لو أنا طرف فيها. رفع إحدى حاجبيه مستنكراً، ثم هتف مستفسراً بتهكم مستفز: -أشاركك؟ طرف إزاي مفهمتش. استفزها تهكمه، فأردفت تجيبه بنبرة شبه محتده: -طرف لإني مراتك ودي أختك، يعني يهمني إن أولادي في المستقبل تكون عندهم عيلة كاملة وقبل كده عمة بيحبوها. برغم سعادته من سماعها تنطق بتلك الفكرة التي داعبت قلبه، إلا أنه أجابها بغلظة لم تعهدها منه:
-لما يبقى عندك ولاد ويشتكوا نبقى نتكلم. هتفت حياة اسمه بعدم تصديق: -فريد!!! أجابها من بين أسنانه بنبرة قاطعة وهو يتحرك نحو الفراش ليتمدد فوقه: -حياة أنا حذرتك من الأول ورفضت تقابليها وأنتي صممتي. إنها شافتِك عبيطة بقى وضحكت عليكي بكلمتين هبل دي مشكلتك مش مشكلتي ومش عايز كلام تاني في شئ ميخصكيش. نكست رأسها للأسفل واختنق صوتها نسيباً، وهي تجيبه بخفوت: -شكراً على إني عبيطة.
أنهت جملتها وتحركت تجلس على الطرف الآخر من الفراش متجنبة النظر نحوه. زفر فريد بضيق وأردف يسألها بنبرة مازالت محتده: -أنتي عايزة تتخانقي يعني؟ التفت برأسها تنظر نحوه بحدة وهي تجيبه بنزق: -أنا مش عايزة أتخانق طبعاً، أنت اللي اتعصبت عليا. ارتخت ملامحه قليلاً، ثم قال متشدقاً بجملته: -كويس عشان نيرمين متستاهلش إننا نتخانق عشانها.
برغم غضبها منه، إلا أنها ضغطت فوق شفتيها تحاول كبت ابتسامة هددت بالظهور فوق شفتيها، وتعمدت عدم النظر إليه أو الرد عليه برغم تحديقه المستمر لها. اقترب هو منها متودداً، وقائلاً بنعومة: -طب بصيلي. أجابته بخفوت ورقة دون النظر نحوه: -نعم! فرك ذقنه عدة مرات بقوة، ثم أردف يقول وهو يزيد من اقترابه منها: -مش هقول غير لما تبصيلي. رفعت رأسها نحوه ليرى عينيها تلمع ببعض الدموع، فاستأنف حديثه الهادئ وهو يرمقها بنظرات حنونة:
-مش أنا حذرتك من نيرمين! مش عايزها تأثر عليكي. أنا أكتر واحد عارفهم هي وجيهان وعارف ممكن يعملوا إيه عشان مصلحتهم، اسأليني أنا. مدت أناملها لتداعب مقدمة عنقه وهي تتسائل بخفوت: -طب ممكن تحكيلي؟ تصلبت ملامحه وأظلمت نظراته وهو يجيبها بضيق: -مش عايز افتكر. توسلته باستعطاف رقيق وهي تحاوط وجهه بكفيها:
-طب عشان خاطري اديها فرصة واسمعها، يمكن فعلاً تكون اتغيرت. دي قالتلي إنها انفصلت عشان مش بتجيب أولاد، يعني أكيد محتاجاك ولولادنا في المستقبل في حياتها. زفر فريد بنفاذ صبر وأغمض عينيه لوهلة، فقد أرهقه هذا الجدال السخيف: -حياة كلامي نهائي، لأ. علمت أنها لن تستطيع حسم ذاك النقاش الليلة، لذلك لوت فمها باستسلام وقد قررت تأجيله لوقت آخر. عادت تسأله برقة مستفسرة: -طب ممكن أعرف كنت فين؟
مد يده ليحتضن كفها وبدأ يداعبه بنعومة قائلاً بصوته الأجش: -مش عايز أتكلم دلوقتي. تعمقت نظرتها بعينيه العاشقتين وقد بدأت ترتجف من لمسته الحانية فوق بشرتها وشعرت بكل غضبها منه يتلاشى، ولكنها تمالكت نفسها حتى لا تستسلم له من أول جولة قائلة بعتاب: -أنت مش بتفهمني أي حاجة ودايماً سايبني قلقانة. أجابها متجاهلاً عتابها وهو يخفض رأسه نحوها ويقوم بتوزيع قبلاته فوق وجهها: -وحشتني. تنهدت قائلة باعتراض ضعيف: -فريد!
أجابها بابتسامة عابثة: -أنتي قولتي كام فريد النهاردة؟ أجابته بسذاجتها المعهودة: -كتير. أردف يقول بجدية تتناقض مع موضعهم وأنفاسه التي تلفح بشرتها الساخنة: -يبقى سيبيني قبل ما يتكوموا عليا. رمشت بعينيها عدة مرات ثم سألته بخبث وهي تقترب أكثر من شفتيه: -هما إيه دول؟ أجابها قبل التهامه شفتيها بتملك: -هعرفك. اختفت مقاومتها وغضبها وأرادت أن تخطف معه من الزمن لحظات خاصة بهم لم يتمناها إلا معها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!