-يعني إيه!!! مش هنعرف نوصل معاها لحاجة؟ انتي بقالك أكتر من أسبوع يا نيرمين بتحاولي معاها كل يوم ومفيش فايدة! هذا ما هتفت به نجوى بعصبيتها التي أصبحت معتادة في الآونة الأخيرة وهي تجلس في ذلك النادي الرياضي المشهور أمام كل من نيرمين وجيهان. زفرت نيرمين مطولًا وقد أصبح التوتر هو سمتها الدائمة هي أيضًا، مبررة لصديقتها المقربة: -طب خلاص أعمل إيه يا نجوى!
ما كل خطوة بعملها على إيديك.. بس هي رافضة تتعامل معايا بأي شكل خصوصًا وهي عارفة إنك صاحبتي الوحيدة تقريبًا. تنفخت نجوى بغضب شديد وهي تعود وترتمي بجسدها فوق المقعد الخشبي متسائلة بإحباط: -يعني إيه خلاص كده! خطتنا كلها فشلت؟ صمتت لوهلة وسلطت نظرتها فوق جيهان التي كانت في وادٍ آخر بسبب ذلك الطلب المفاجئ والذي تلقته البارحة من محامي منصور يطلب فيه رؤيتها بأسرع وقت. هتفت نجوى بسخط موجهة حديثها لها:
-ما تقولي حاجة يا طنطتي مش معقولة سكاتك ده! أكدت نيرمين طلب صديقتها المقربة قائلة باستغراب: -آه يا مامتي صحيح.. من ساعة ما قعدنا وإنتي ساكتة خالص ومش بتشتركينا.. قولي لنا حل مع بنت الخدامة دي. هنا انتبهت جيهان بحواسها لحديث ابنتها وشريكتها قائلة بتفكير: -اللي إنتوا فيه ده ملوش غير حل واحد. اتسعت حدقتا نجوى ونيرمين بانتباه شديد لها ثم هتفت نجوى بلهفة متسائلة: -إيه هو؟ أجابتها جيهان بخبث:
-مفيش غير إننا نعمل عليها لعبة عشان تثق في نيرو. هنا سألت نيرمين بعدم فهم: -قصدك إيه يا مامتي؟ استطردت جيهان جملتها مفسرة: -يعني نخطط حاجة سوا على أساس إنها خطة من نجوى عشان تأذيها.. وقبلها نيرو تحذرها بالخطة دي ولما تحصل بعدها أكيد هتثق في نيرمين وتتأكد إنها اتغيرت وساعتها بقى نوصل اللي إحنا عايزينه نوصله من خلال نيرو.. فهمتوا؟ لمعت عين نجوى برضا بعدما استمعت لذلك الاقتراح الشيطاني متمتمة بإعجاب:
-بس.. حلو أوي كده.. اديني يومين بالظبط أرتب حاجة جت في دماغي كده وأبلغك بيها. هزت نيرمين رأسها موافقة باستحسان ثم قالت بتوترها الملحوظ: -تمام.. وأنا خلال اليومين دول هفضل أحاول معاها كأن مفيش حاجة اتغيرت. *********** في المساء نظرت حياة بداخل هاتفها الذي ظل يدوي دون توقف حتى اضطرت لإغلاقه. ما الذي يجب عليها فعله في تلك الظروف؟
هذا ما فكرت به بحيرة وهي تبدل ملابسها قبل تناول وجبة العشاء. لقد مضى ما يقارب العشرة أيام منذ لقائهم الأخير ولا تنفك نرمين الاتصال بها يوميًا والاطمئنان عن أحوالها وأحوال أخيها دون كلل أو ملل. طبعًا ذلك إلى جانب توسط والد فريد هو الآخر. هل يعقل أن يجيد الإنسان التمثيل لتلك الدرجة؟ وماذا إذا كان شعورها حقيقي؟ هل تتخلى عن المحاولة وحرمان فريد من الشعور بوجود أخ بجواره بعد كل تلك السنوات من الوحدة؟
كما أن كلماتها عن استحالة وجود أطفال في حياتها لازال يدوي بداخل عقلها. ولكن من جهة أخرى هي صديقة نجوى، تلك الأفعى التي تكرهها أكثر من أي مخلوق آخر. إنها حقًا لا تعلم ما الذي يجب عليها فعله، خاصة وأن فريد لا يترك لها المجال لمناقشة ذلك الأمر معه. زفرت بقله حيلة وهي تتحرك إلى الأسفل للانضمام لفريد الذي كان يجري عدة مكالمات هامة للعمل قبل العشاء.
ضرب جرس المنزل الداخلي واستقبلت الخادمة السيد غريب في زيارة مفاجئة والتي استنكرتها حياة كثيرًا. فمنذ قدومها لذلك المنزل لم يأتِ السيد غريب لزيارتهم ولو لمرة واحدة، كما أن العلاقة بينه وبين فريد لم تكن بذلك التقارب الأسري. أخذت نفسًا عميقًا ثم توجهت نحوه تستقبله بود يشوبه الكثير من التحفظ وهي تتمنى داخلها ألا تكون شكوكها عن تلك الزيارة صحيحة. انضم فريد لهم عند مدخل الاستقبال بمجرد سماعه صوت والده في الخارج، وعلى عكس حياة كانت ملامحه مسترخية تمامًا رغم جمود استقباله المعتاد. تحدث السيد غريب بسعادة لم تعهدها منه موجهاً
حديثه لفريد: -المحامي لسه مكلمني.. منصور اتجددله ٤ أيام تاني.. وطبعًا رفضوا الإفراج عنه بكفالة.. القضية لبساه لبساه. ربت فوق ساعد ابنه باستحسان ثم أردف بفخر: -بصراحة عرفت تلعبها عليه صح.. أنا لحد دلوقتي مش مصدق إنك عملت كده من غير ما تورط نفسك. عقب فريد على جملته ببروده المعتاد: -أنا معملتش كده عشانك.. إنت عارف كويس أنا عملت كده عشان مين.
تشدق بالجزء الأخير من جملته وعيناه مسلطة فوق حياة الواقفة بجانبه والتي تنحنت محاولة تلطيف التوتر الملازم لمقابلاتهم قائلة بلطافة: -العشا جاهز.. اتفضل حضرتك اتعشى معانا. تلفظت بجملتها وهي تشير له بيدها ليتقدمهم نحو غرفة الطعام. هز غريب رأسه موافقًا ثم سألها ممازحًا: -بس أوعى تقولي لي إن العشا هو الأكل بتاع فريد اللي ملوش طعم ده؟ غلبتها طبيعتها المرحة والتي كانت تمتاز بها دائمًا لذلك أجابته ممازحة هي الأخرى وقد
تناست غضبها المعهود منه: -أوامر صاحب البيت بقى كله بالإجبار. حدقها فريد بنظرة غاضبة وقد أثار غيرته حديثها المرح مع والده فأردفت تقول مصححة على الفور وهي تمد كفها لتحضن كفه وتضغط فوقه مطمئنة: -بس بصراحة.. أنا كمان اتعودت عليه وبقيت بحب أشارك فريد فيه.
اللمعت عيناها بحب وهي ترفع رأسها لتنظر نحوه وابتسامتها الهادئة تملأ وجهها فبادلها ابتسامتها بأخرى راضية وهو يشبك أصابعه بداخل أصابع كفها. ظلا يحدقان ببعضهما البعض بهيام متناسية وقوف والده بجوارهما حتى قطع غريب تأملات أحدهما بالآخر قائلاً بصوته الهادئ: -الأكل هيبرد.
كانت حياة هي أول من سحب نظراتها من أمامه واخفضت عينيها بخجل. أما فريد فقد أخذ وقته كاملاً في التحديق بها حتى بعد انقطاع نظراتهم مستمتعًا بذلك الاحمرار الذي غزا وجنتيها. ثم انتظر حتى سبقه والده بعدة خطوات وقام بجذب ذراعها وطبع قبلة خاطفة فوق وجنتها جعلتها تشهق بخفوت إحراجًا من فعلته.
جلسا ثلاثتهم حول المائدة لتناول الطعام بصمت. جلست حياة في مكانها المعتاد بجوار فريد وفي مقابله والده تتأملهم بتمعن. إنهما فعلاً يبدوان كأب وابنه. أي شخص غريب سيرى ذلك التشابه الكبير بينهم، ففريد ورث من والده هيبته وقوة حضوره وصرامته إلى جانب لون عينيه وملامح وجهه كاملة، ولم يرث من والدته سوى لون شعرها وطبيعتها الهادئة. أما عن صفاته الحسنة فهو بعيد كل البعد عنه. لقد أخبرها تلك الليلة أن والده طلب منه السماح ولكن هل سامحه فعلاً؟
لم تكن بحاجة لسؤاله فالإجابة واضحة كوضوح الشمس بالنسبة لها. ولكنها بالطبع تعذره، فمأساة فريد الأولى والأخيرة وكل ما أصبح عليه من صفات سيئة كانت بفعل والده. حسنًا، لتكن صادقة مع نفسها هي لن تجرؤ على إخبار فريد بذلك ولكنها على الأقل تستطيع مصارحة نفسها. فلولا إرسال غريب فريد للخارج وإبعاده عن تلك المدعوة جيهان لكان فريد الآن شخصًا أسوأ بكثير. فطفل في سنه وبما مر به لم يكن لينجو إذا ترعرع تحت قبضة شخص كجيهان، ولم تكن
لتملك الآن أي فرصة أو أمل في تغييره. ولم يكن فريد ليحظى بفرصة التعليم تلك التي جعلته رجل أعمال محنك استطاع السيطرة على سوق الأعمال بذكاء شديد طالما أعجبت به. بالطبع هي لا تبحث عن تبريرات لمسامحة غريب ولكنها على الأقل تحاول النظر إلى النصف الممتلئ من الكوب حتى تستطيع مع فريد تخطي ذلك الماضي بكل تفاصيله وأحداثه. قطع تفكيرها صوت غريب يقول بتلك النبرة الآمرة
التي تذكرها بشخص ما: -فريد عايز أتكلم معاك في موضوع. أجابه فريد بنبرة باردة مستفزة اعتادت عليها أيضًا: -في الطبيعي كنت هقولك نتكلم بعد العشا في أوضة المكتب بس عشان أنا عارف إنت عايز إيه فجوابي هو.. لأ مش فاضي. صاح به غريب بنبرة محتده حانقة: -يعني إيه مش فاضي! وبعدين لما أطلب نتكلم تحترمني وتسمعني للآخر. ألقى فريد المنديل فوق الطاولة بعدما قام بمسح فمه بهدوء ثم قال بنبرة شبه محتده ولكن خفيضة:
-مش محتاج أسمعك ولا أضيع وقتي في حاجة ملهاش لازمة.. أنا قلت الشراكة انتهت يعني انتهت.. وهو وبنته مالهمش مكان في شغلي.. وأحسنه يروح يربيها بدل ما يضيع وقته في المحايلة عليك. كانت حياة تراقب الحوار بتوجس رغم عدم فهمها لما يدور حولها أو من محور الحديث. انتفض غريب من مقعده واقفًا ثم أردف يقول بعصبية وتحذير: -فريد متنساش نفسك.. الفلوس دي كلها فلوسي والشركات بتاعتي.. أنا لسه مموتش عشان تتحكم!
تحرك فريد هو الآخر من مقعده ووقف قبالته ثم قال بتحدي وهو يضع كلتا يديه بداخل جيوب بنطاله القماشي: -عايز ترجع الشراكة مع سعيد يبقى ارجع أمسك شركاتك وفلوسك تاني.. قدامك القرار واختار وعلى الأقل تريح دماغي وإيدي من أمضة كل شهر اللي بحول ليها أرباحكم وإنتوا زي البشوات.
كان الجو مشحونًا بينهم لأقصى درجة. ظلا كلاهما يحدق في الآخر بتحدي حتى تساءلت حياة بقلق متى ستنتهي حرب النظرات تلك رغم نتيجتها المحسومة. وبالفعل كان غريب هو أول من سحب نظراته من أمام ابنه واخفض رأسه للأسفل بإذعان رغم احتقان ملامحه. من يصدق أن غريب رسلان الذي كان يخشاه الجميع ينحني اليوم أمام طفله الذي كان يرتجف خوفًا من سماع صوته. هذا ما فكرت حياة بتعجب وهي تتحرك من مقعدها هي الأخرى وتقف متأهبة استعدادًا للتدخل في أي لحظة. زفر غريب
بحنق ثم قال بنفاذ صبر: -في موضوع تاني عايز أكلمك فيه. بس حياة تكون معانا.
عضت حياة على شفتيها بخوف وحبست أنفاسها بترقب، فهي أصبحت متأكدة من شكوكها وتعلم فحوى ذلك الموضوع. انتصب جسد فريد مرة أخرى بتأهب، وضاقت المسافة بين عينيه استعدادًا لجولة أخرى من الجدال، فلم يحتاج للتفكير لمعرفة عن أي موضوع يريد والده محادثته. وزعت حياة نظراتها بينهم ثم حركت رأسها رافضة بتوسل لغريب الذي كان ينظر نحوها الآن. فتدخل والده يعني القضاء على أي أمل في الاستماع لها لاحقًا. التقط غريب رجائها وحرك رأسه موافقًا عدة مرات ثم أردف وهو يلتقط
هاتفه من فوق الطاولة: -بس واضح إن مش وقته النهارده، نبقى نتكلم فيه وقت تاني. أنهى جملته وألقى تحية الوداع باقتضاب، ثم تحرك بخطواته نحو الخارج. تنفست حياة الصعداء بعد خروجه وعادت تمرر نظرها فوق فريد الذي انسحب هو الآخر نحو غرفة مكتبه دون حديث.
ظلت حياة طوال الساعة المنصرمة تجلس في غرفة المعيشة في الطابق الأرضي منتظرة خروجه، إلا أن يأست وعلمت أنه لن يخرج إلا بعد مرور الساعتين لممارسة تمارين الرياضية، وهذا يعني شيئًا واحدًا، وهو أنه غاضب. وبالفعل بعد مرور الساعتين خرج من غرفة مكتبه متوجهًا نحو غرفة نومهم لتبديل ثيابه والنزول مرة أخرى لغرفة الرياضة. زفرت حياة بضيق وإحباط، تتمنى انتهاء ذلك التوتر المستمر والذي ينتهي في كل مواجهة بينهم بغضب فريد وإغلاقه على نفسه. فكرت في اقتحام تمريناته والتحدث معه، ولكن جزء كبير بداخلها كان متأكدًا من عدم صواب فكرتها، لذلك تخلت عنها وعادت للجلوس مرة أخرى وإعطائه مساحته الشخصية، منتظرة التنفيس عن غضبه أولًا.
***
استلقت حياة فوق الفراش متكورة على نفسها ومنتظرة إنهاء اغتساله وخروجه من الحمام، وبعد عدة دقائق كان يستلقي جوارها متوجهًا بكليته لها بعدما قام بارتداء ملابس النوم. رفعت حياة كفها الأيمن تحاوط شطر وجهه الأيسر وتتلمس بحنان وجنته وهي تتأمله بعشق شديد. إنها حقًا تعشقه وتعشق كل تفصيلة صغيرة خاصة به، سواء في ملامحه أو حركاته، من أول تقطيبه جبينه تلك التي لا تنفرج إلا معها، إلى نغزته الوحيدة والتي لا تظهر إلا لها. مرورًا
بغضبه وعنفوانه وإصراره وحدته وعناده وغموضه وقسوته، إلى حنانه وتفهمه واحتوائه وحمايته لها. تنهدت بحرارة وهي تتابع ملامحه التي بدأت في الاسترخاء بفعل لمستها. تحولت نظرتها للحيرة مرة أخرى، فهي حقًا تائهة ولا تدري ما الذي يجب عليها فعله، خصوصًا وأن الشخص الوحيد الذي يمكن أن تلجأ إليه لمساعدتها هو نفسه صاحب المشكلة. سألها فريد بهدوء
وانامله تعبث بخصلات شعرها: -عايزة تقولي إيه؟ اقتربت منه حتى التصقت به وتوسدت رأسها صدره مستمدة منه الأمان والشجاعة، ثم أجابته بهدوء شديد: -مش عايزة حاجة غير إنك ما تتعصبش. طبع قبلة مطمئنة فوق شعرها ولف ذراعيه حول خصرها بتملكه المعتاد، ثم أجابها بحنان: -حتى لو اتعصبت.. انتي عارفة وجودك معايا بيهديني.
رفعت رأسها قليلًا حتى يتسنى لها الاقتراب منه وقامت بطبع قبلة ناعمة فوق حنجرته، ثم عادت لموضع رأسها القديم ثانية. تحدثت بدون مقدمات بنبرة رقيقة منخفضة: -انت عارف نجلاء أختي.. هي ما كانتش عايشة معانا هنا لأن بابا كان رافض تفضل في القصر وسابها تعيش مع عمامي في البلد، فكنت بشوفها في الإجازات بس، ومحمد أخويا اتولد بعدي بكام سنة. يعني فعليًا ما كانش ليا إخوات غيرك. قاطعها فريد معترضًا على جملتها الأخيرة قائلًا بحنق: -نعم!
إخوات غيري إزاي يعني؟ رفعت جسدها تنظر إليه فوجدت الامتعاض يكسو ملامحه. ابتسمت من طفوليته وتحدثت شارحة ومتلمسة رضاه: -الأخ يعني السند.. وأنا وقتها كنت شايفاك كده.. وعايزة أفضل شايفاك كده.
ظهر الارتباك وعدم التقبل على ملامحه، فأقتربت منه تقبله بنعومة فوق شفتيه حتى تتجاوب معها. أعطت قبلتهم وقتها الكامل وسمحت له بالتعمق فيها كيفما شاء، وبادلته إياها بشغف لتؤكد له بالفعل أنه زوجها وحبيبها ومالك قلبها، وأن ذلك لا يتعارض مع رؤيتها له كأخ ووالد وصديق أيضًا. ألا يعلم ذلك الأحمق أنها تراه ومنذ الصغر عالمها بأكمله؟
لقد اختصرت فيه كل أنواع الرجال واكتفت به، حتى لو استغرقت وقتًا طويلًا لفهم ذلك والاعتراف به. انتظرت حتى ابتعد هو عنها أولًا ورأت ذلك الوميض عاد ليلمع داخل عينيه، ثم استلقت فوق صدره كسيرتها الأولى وأردفت مستأنفة حديثها:
-أنا ونجلاء فضلنا زي الأغراب لأن مفيش حاجة تجمعنا سوا. رغم إن فرق السن بينا قد الفرق بيني وبينك. وبعدها اتجوزت وعاشت مع جوزها وبرضه مش بتتقابل غير كل سنة مرة ومفيش بينا أي اتصال غير لو احتاجت حاجة مني. عارف انت لما كنت معايا كنت كافيني. وبعدها محمد أخويا بقى قريب مني. بس لسه في جزء ولو صغير جوايا بيحن ويتمنى قربها مهما تعدي السنين. عارف ليه؟
عشان هي أختي غصب عني حتى لو مفيش أي حاجة تجمعنا سوا. وحتى لو بنتقابل كل سنة مرة، كفاية إني لما أحتاجها ألاقيها. سألها فريد مستفسرًا وقد فهم جيدًا مغزى حديثها: -طب انتي عايزة إيه دلوقتي؟ ابتعدت عنه وجلست قبالته واقتربت منه حتى أصبح وجهها ملاصقًا لوجهه، ثم أجابته بصدق شديد وهي تسبح بداخل بحور عسليتيه: -عايزك مبسوط.. وعايزة الجزء الصغير اللي جوه هنا يرتاح.
لفظت جملتها الأخيرة وهي تربت بكفها بحنان فوق موضع قلبه. تنهد بوله ثم أحاط وجهها بكفيه مجيبًا بحب شديد: -أنا مبسوط طول ما انتي جنبي. حرك ذراعه ليمسك بكفها ثم تحرك به نحو قلبه وقام بفرد أصابعها فوقه ببطء، ثم أردف يقول وهو لا يزال يحتجز كفها تحت كفه: -وده مرتاح طول ما انتي قريبة منه كده. أضاف جملته الأخيرة وهو يطبع قبلة بباطن كفها: -أنا مكتفي بيكي عن الدنيا كلها.
زفرت باستسلام ثم ألقت بجسدها فوقه تعانقه بقوة غير راغبة في الانفصال عنه، فكل ذلك التفكير أرهقها وكل ما تريده هو الاختفاء بداخله والاحتماء به كعادتها عند القلق. أخذ يمسح بحنان فوق شعرها مطمئنًا، ثم بدأت يده في التجول بحرية فوق جسدها الملقى فوقه والملتصق به. شعرت حياة بذلك الإحساس بحرارة جسدها يزداد بفعل لمساته وقبلاته التي بدأ ينثرها هي الأخرى فوق شعرها وخلف أذنها نزولًا لمقدمة عنقها. رفعت رأسها تنظر إليه بوميض لم
يختلف عن ذلك الذي يلمع داخل عينيه. ثم حركت كفها ووضعته خلف رأسه وقامت بالضغط عليه بخفة لتدنيه أكثر نحوها حتى اختلطت أنفاسهما معًا. بادلته قبلته المتقطعة والبطيئة التي كان يطبعها فوق شفتيها برغبة شديدة وأصابعه الطويلة تتحرك طولًا وعرضًا فوق ظهرها بلمسات خبيرة ناعمة. ترك فريد شفتيها وابتعد عنها مسافة شبه معدومة، ثم قال هامسًا
بنبرة مثيرة: -أخوكي؟ أجابته حياة بهمس وهي تتلمس شفتيه بشفتيها: -دنيتي. ابتسم برضا وسعادة وعاد بعدها لالتقاط شفتيها بنعومة مستمتعًا بذلك الشعور الذي حرم نفسه منه كثيرًا حتى ترضى عنه حياته. ***
في صباح اليوم التالي وتحديدًا بداخل مقر شركات آل رسلان. زفر وائل الجنيدي بضيق على تحكمات شريكه الغير مفهومة، فقد اقترب موعد توقيع عقد الشراكة بينهم، وفي كل مرة يلزمه فريد بالحضور لمكتبه لمناقشة كافة التفاصيل كأنه يتباهى بملكيته. تحرك بعدم تركيز كعادته في اتجاه المصعد في نفس الوقت الذي تحركت به نيرمين لاستدعائه والصعود للأعلى حيث مهمتها المعقدة مع زوجة أخيها. أخفضت رأسها تنظر بداخل حقيبة يدها لتطمئن على تلك الجرعة
والتي استلمتها منذ قليل من أحد الموزعين "الديلر" في منطقة مجاورة. عاد وائل للخلف عدة خطوات وشعر بجسده الطويل يصطدم بشيء ما. التفت على الفور بعجالة ليرى امرأة بشعر بني ناعم تترنح خلفه قبل سقوطها. أسرع يضع ذراعه خلف ظهرها ليدعمها ويمنع سقوطها المحتم. اعتدلت نيرمين في وقفتها بعدما حال وائل بينها وبين سقوطها، أما عن حقيبة يدها المفتوحة فلم تكن محظوظة كفاية كصاحبتها، فقد سقطت وخرجت جميع محتوياتها فوق الأرضية بما في ذلك
الإبرة الطبية والجرعة التي تناثر أغلبها فوق رخام الاستقبال. زفرت نيرمين بضيق شديد وهي تجلس على ركبتها تلملم محتويات حقيبتها حزنًا على جرعتها الغالية. انحنى وائل هو الآخر بجذعه ليساعدها
وهو يتمتم بندم شديد: -أنا آسف جدًا.. أنا بعتذرلك أنا الغلطان.. صدقيني هعوضك عن أي ضرر حصل. رفعت نيرمين رأسها تنظر نحوه بحنق شديد ثم أجابته باقتضاب وتوتر أصبح يلازمها بشكل دائم: -ولا حاجة لو سمحت اتفضل بس وسيبني لوحدي.
كان الشبه بينها وبين فريد كبيرًا لدرجة ألا يلاحظ وائل التقارب بينهم. فتح فمه ليجيبها معتذرًا مرة أخرى عندما لفت نظره تلك البودرة البيضاء المنثورة فوق الأرض والتي تحاول تلك المرأة جمعها بتلهف شديد. مد أصابعه يتلمسها وهو يغمغم بصدق: -صدقيني مش هينفع، قوليلي بس اسم الدوا وأنا هجيبه لحضرتك. دفعت نيرمين يده من فوقها وهي تجيبه بحدة غير مفهومة: -أنا هتصرف، لو سمحت ابعد بقى.
كان توترها كبيرًا على أن يتغاضى عنه وائل. أنهت نيرمين وضع حاجياتها داخل حقيبتها مرة أخرى ثم اعتدلت في وقفتها وركضت نحو الأعلى دون استخدام المصعد. استقام وائل بجذعه هو الآخر متتبعًا بنظره حركتها باستغراب شديد. على كلا، هي لا تعنيه في شيء، هذا ما قرره وهو يحرك كتفيه بعدم اهتمام ويستدعي المصعد مرة أخرى. لفت نظره وهو يلتفت بجسده منتظرًا وصول مصعده تلك الإبرة الطبية الواقعه فوق الأرضية بجوار الحادثة. أحنى جسده يلتقطها
بتوجس شديد وقام بتقليبها بين أصابعه عدة مرات بحيرة. أصابه الشك خاصة مع ارتباكها الغير مبرر، فأنحنى بجسده مرة أخرى يتلمس بأصابعه بقايا البودرة المنتشرة أرضًا، ثم قام بتذوقها بشفتيه. اتسعت حدقتاه بصدمة من مذاقها الغريب وقد أصبحت لديه فكرة واضحة عن ماهيتها.
*** أجابت نيرمين على الاتصال القادم من صديقتها المقربة متسائلة بنفاذ صبر: -في إيه يا نجوى عايزة إيه؟ أجابتها نجوى باستنكار متسائلة: -مالك يا نيرو؟ أنا بطمن عملتي إيه؟ زفرت نيرمين بتوتر ثم أجابتها بضيق: -ولا حاجة لسه مدخلتش أهو.. وكمان في واحد غبي خبطني ووقع شنطتي والضرب بتاع النهارده راح مني. ردت نجوى مطمئنة ومهاودة لصديقتها:
-ولا يهمك.. انتي بس ركزي في اللي بتعمليه ولما تخلصي هتلاقي واحدة غيرها مستنياكي.. بس أهم حاجة تظبطي معاها الأمور.. عارفة هتقولي إيه؟ تهللت أسارير نرمين وأجابتها بحماس: -متخافيش أنا حفظت اللي قولتي صم. هخلص معاها وأكلمك. بس أهم حاجة انتي متأكدة من المحاسب الزفت ده ولا كلامنا هيكون على الفاضي؟ أجابتها نجوى بثقة شديدة: -يابنتي بقولك ساعديني، أول مرة آخد كمية فلوس تخليه كلب تحت رجلينا. ردت نيرمين باعتراض مفكرة:
-بس المرة دي هيتطرد فيها. تفتكري مش هيبلغ فريد؟ وكمان لو متكلمش الشركة هتخسر كتير. أنتي متأكدة من خطتك دي؟ زفرت نجوى بضيق من قلق صديقتها غير المبرر ثم أجابتها للمرة الأخيرة باقتضاب:
-ياستي أنا متأكدة مش هيبلغه. وبعدين يطرد ولا يولع، مانا كده كده اتكشفت وفريد عرف إني ورا اللعب في ملف البرنسيس بتاعته، يعني مش فارق معايا حاجة ولا حد. ولو على الخسارة آه هنخسر شوية، بس المهم إن بعدها هنرتاح من الخادمة دي وكل حاجة هتبقى ليكم تاني. وفريد هيقدر يعوض، متقلقيش من النقطة دي. المهم انتي بس تمثلي عليها صح عشان تصدق.
وافقتها نيرمين بعد اقتناع وانهت المكالمة وأغلقت هاتفها وطرقت باب غرفة حياة. ودلفت الغرفة بعدما سمعت الإذن بالدخول. ضغطت حياة فوق شفتيها بضيق بمجرد رؤيتها لنيرمين واستقبلتها داخل مكتبها بفتور شديد لم يخف عن نيرمين التي كانت تحدقها بنظرات عدائية للغاية. رغم ذلك، دعتها حياة للجلوس بأدب. فابتسمت نيرمين لها باقتضاب وهي تجلس قبالتها فوق أحد مقاعد الغرفة قائلة بنبرة مهتزة:
-طبعًا أنا آسفة إني جيت من غير ميعاد، بس في حاجة مهمة أوي هي اللي خلتني أجيلك النهاردة. سألتها حياة باهتمام وقد أثارت فضولها بجملتها الأخيرة: -خير يا نيرمين؟ أجابتها نيرمين وعيناها تتحرك في كل اتجاه: -مش خير. نجوى. اتقبض صدر حياة بمجرد سماعها لاسم تبغضه وأصبحت تخشاه كثيراً. فأردفت نيرمين تقول بحنكة: -نيرمين حاطة فريد في دماغها جداً ومصممة تأذيه. وأنا بصراحة مقدرتش أسمع اللي هي قالتهولي ده ومابلغكيش بيه. استمعت حياة
لحديثها ثم سألتها بتوجس: -مش فاهمة. هزت نيرمين رأسها موافقة ثم قالت بهدوء شارحة: -نجوى من زمان حاطة عينيها على فريد وعايزة فلوسه وقوة منصبه. ومش قادرة تتقبل إنه اتجوز حد غيرها أو إن في واحدة تانية ممكن تبقى مراته وتشاركه في رئاسة مجلس الإدارة. ودلوقتي قررت تنتقم منه بأنها تحاول تفلس الشركة بأي شكل. وخصوصاً لما فريد طردها من الشركة.
فاتفاق مع مدير حسابات الشركة يسلمها ملف المناقصة الجديدة واللي هتتقدم كمان كام يوم، بعد ما عرفت تفاصيلها من أونكل سعيد لأنه كان السبب في معرفة الشركة بيها وكمان عارف كل حاجة عنها وتقدمها لشركة منافسة. والمناقصة دي لو اتسحبت من الشركة هتخسر كتير. طال صمت حياة وهي تتفحص ارتباكها الظاهر. ورغم علمها التام بالمناقصة، إلا أنها سألتها بارتياب مستفسرة: -إيه اللي يخليني أصدق كلامك وأنتي صاحبة نجوى ومبتحبيش فريد؟
أجابها نيرمين بيأس: -أنتي ليه مش عايزة تصدقي إني اتغيرت وعايزة فعلاً أفتح صفحة جديدة مع أخويا؟ لوت حياة فمها بحيرة ولم تجد ما تجيبها به. ثم اردفت تسألها مرة أخرى بتشكك: -طب ليه بتبلغيني أنا؟ ليه مقلتيش لفريد أو حتى غريب بيه؟ أسرعت نيرمين تجيبها مفسرة: -فريد استحالة يسمعني، وأنتي همزة الوصل الوحيدة بينا. أما عن بابا، فأنا حذرته وقالي إن سعيد صاحب عمره واستحالة يطلع أسرار شغلنا بره حتى لو لبنته.
ظلت حياة تنظر نحوها بتوجس وارتياب، خصوصاً وهي تتحدث بكل هذا التوتر. ثم قالت بهدوء وعملية حاسمة: -ما دام غريب بيه مصدقكيش، مفيش قدامي أي حاجة أعملها. تهدلت أكتاف نيرمين بإحباط ثم تحركت من مقعدها للخارج مستئذنة في الخروج. تحركت حياة خلفها بجسد متصلب وذهن شارد، محاولة التوصل لقرار فيما يخص ما سمعته منها للتو. ***
أنهى وائل ترتيباته مع فريد وتوجهه هو الآخر نحو الخارج. صادف للمرة الثانية تلك المرأة والتي شغلت أفكاره بمحتوى حقيبتها منذ وصوله لمكتب فريد، حتى إنه فكر عدة مرات في سؤال شريكه عنها ولكنه تراجع في اللحظة الأخيرة. اختفت داخل الممر المؤدي إلى المصعد وظهرت خلفها حياة. ابتسم للمصادفة وتحرك في اتجاهها يلقي التحية.
ابتسمت له حياة بود شديد بمجرد رؤيته، فهي ممتنة له كثيراً بسبب ما فعله مع فريد ومساعدته على التخلص من عدوه والخطر الذي كان يحاوطه. كما أن قلبها يحدثها باحتمالية نشوب صداقة قوية في المستقبل بينه وبين زوجها. فقد أجبرتها ظروف العمل على التعامل معه مرتين خلال الأسبوع المنصرم وأعجبت كثيراً بتهذيبه وتعقله إلى جانب ذكائه ووسامته. انتهز وائل الفرصة ليسألها بعدما ألقى عليها التحية بتهذيب:
-مدام حياة، كان في واحدة خارجة قبلك دلوقتي لابسة بلوفر زيتي وبنطلون جينز وشعرها بني طويل. تعرفيها؟ قطبت حياة جبينها باستغراب ثم أجابتها بترقب متسائلة: -آه. دي نيرمين أخت فريد وبنت غريب بيه. في حاجة؟ اتسعت حدقتا وائل بدهشة. وحدق إلى الفراغ بشرود دون إجابة. عادت حياة لتسأله مجدداً بقلق: -باشمهندس وائل؟ بتسأل في حاجة؟ لن يستطيع التحدث بأي شيء دون التأكد منه، لذلك أجابها وائل بعدم تركيز:
-ها. لا مفيش حاجة. عن إذنك أنا لازم أستأذن. مطت حياة شفتيها باستغراب ثم استأنفت طريقها في اتجاه غرفة فريد، لعلها تتلمس منه العون. *** طرقت باب مكتبه ثم دلفت للداخل بعد سماع صوته الذي تعشقه. كانت تلك استراحة الغذاء، لذلك وجدته يستند بجسده الطويل على حافة مكتبه ويتابع بهدوء أمواج البحر الهائجة أمامه.
وقفت هي حيث أمام مدخل الغرفة تتأمله من الخلف بطوله وهيبته. حتى إن لم تره، وجودها في محيطه يكفيها لتشعر بالطمأنينة والاستقرار. لذا ستشاركه شكوكها وخطتها حتى وإن كانت خاطئة، فقط من أجل الأمان.
التفت هو برأسه ينظر إليها من فوق كتفه ليتفقدها ثم مد لها ذراعه لتتقدم إليه مشجعاً. سارت نحوه بابتسامة خافتة حتى وقفت جواره، ثم وضعت كلتا ذراعيها خلف خصره لتعانقه وتستند برأسها فوق صدره العريض. احتضنها هو الآخر وشدد من التفاف ذراعيه حولها ثم سألها بهدوء بعد فترة من الصمت: -مالك؟ أغمضت عينيها لوهلة وأخذت نفساً عميقاً ثم أجابته برقة وتوجس: -عايزة أقولك حاجة بس ممكن تسمعني للآخر وعشان خاطري تتناقش معايا.
شعرت عضلات جسده تتصلب تحت جسدها، لذلك رفعت رأسها تنظر إلى ملامحه، فكانت هي الأخرى في حالة تأهب واضحة. رمقته بنظرة رجاء ثم اردفت بنبرة شبه متوسلة: -طيب أنا دلوقتي قلقانة ومش عايزة أشارك حد غيرك قلقي ده، ممكن تسمعني للآخر وتعرف هقول إيه؟ لانت ملامح وجهه قليلاً، فعلمت باستعداده لسماعها، خصوصاً عندما طبع قبلة مطمئنة فوق شعرها. عادت لتستند برأسها فوق صدره مرة أخرى ثم قالت بحذر شديد: -نيرمين كانت هنا وزاراتني في مكتبي.
أجابها بنبرة جامدة مقتضبة: -عارف. سألته باندهاش: -عرفت منين؟ أجابها بنبرة باردة لا تتناسب مع حرارة جسده التي تتسلل إليها ولا ذراعيه التي تشملها بحمايته: -مش لازم أكون معاكي عشان أعرف مين زارك. لم تكن تريد التطرق لمواضيع جانبية، لذلك اردفت تقول بترقب شديد: -طيب هي قالتلي حاجة. أنا مش عارفة هي صح ولا غلط بس هقولهالك عشان أرتاح. لم يعقب على حديثها، لذلك اردفت تقول على مضض:
-نيرمين بلغتني إن نجوى اتفقت مع مدير الحسابات يديها نسخة من المناقصة الجديدة بتاعتنا عشان تسلمها للشركة اللي بتنافسنا عليها. عشان تنتقم منك طبعاً وتضربنا في السوق. حبست أنفاسها منتظرة تعقيبه. وعندما تأخر، ابتعدت عنه قليلاً حتى يتسنى لها رؤيته بوضوح وتستنبط أي شيء من ملامح وجهه. ورغم جمود نظراته، علمت أنه يفكر ملياً في حديثها. لذلك اردفت تضيف لإقناعه:
-تمام. أنا متأكدة إنك مش بتثق في نيرمين، ومفيش أي سبب يخليك تثق فيها. وأنا كمان مش واثقة في أي كلام قالته، عشان كده جيت بلغتگه بيه. بس بصرف النظر كلامها صح ولا غلط، إحنا لازم ناخد احتياطنا. كانت كمن يتحدث إلى جدار صلب. لذلك أخذت نفساً عميقاً آخر ثم استطردت تقول: -فريد، الله يخليك بلاش عناد في الشغل. أنا هنا مش بكلمك في أي حاجة خاصة ولا عايزك تتعامل معاها. بس ناخد احتياطنا. تحدث بعد فترة بكلمتين مقتضبتين: -أنا هتصرف.
هتفت به معارضة ومصححة: -لا، أنت مش هتتصرف. إحنا هنتصرف سوا. رمقها بنظرة محذرة وهو يهم في التحرك من أمامها. فأسرعت تقول وهي تحاول إيقافه من ذراعيه: -أنا عندي حل. إلا لو مش بتثق فيا. حدقها بنظرة معاتبة وهو يعود ليستقيم في وقفته. فأردفت حياة تقول مازحة لحثه على التحدث: -تمام. عارفة إنك مش بتحب تتكلم كتير، بس ده ميمنعش إني بحب أسمع صوتك. لمعت عيناه ببريق التسلية ثم قال بتهكم: -مانتي بتتكلمي عننا إحنا الاتنين.
شهقت حياة متصنعة الضيق وردت عليه بمرح: -أنا مش هرد عشان أنا فاهمة بتعمل إيه ومش هتعرف تشتت تفكيري. وعلى فكرة بقى، انت الوحيد اللي هتساعدني إني أعمل عرض أسعار جديد، عشان نلحق نقدمه. سألها مستفسراً بتقطيب تركيز: -هو ده الحل بتاعك؟ سألته بقله ثقة: -إيه، مش عاجبك؟ عاد ليحتضنها ويضمها إليه قائلاً بفخر واهتمام: -مش عاجبني إزاي وأنا كنت هعمل كده؟ بس ده هيكون ضغط عليكي. حاوطت وجهه بكفيها قائلة بحماس:
-مش هثق في حد يعملك كده غيري. وبعدين طول ما أنت معايا وبتساعدني مش هحس بتعب. عانقها بحب وطبع قبلة مطولة فوق جبهتها ثم قال بهدوء: -طب استعدي عشان نروح، مش هينفع نشتغل في الشركة هنا. هزت له رأسها موافقة، وقفزت بحماس تطبع قبلة فوق إحدى وجنتيه قبل خروجها ركضًا من المكتب.
مر اليومان التاليان على حياة وفريد كالجنون، فقد واصلا الليل والنهار من أجل العمل على إنجاز عرض الأسعار الجديد ومقارنته بما في حوزه مدير حساباته، للتأكد من تقديم عرض أسعار منخفض والفوز بتلك المناقصة الهامة. تمطت حياة بإرهاق شديد وفخر أيضًا بعدما قامت بمراجعة عرض أسعارها للمرة الأخيرة، واطلعت فريد عليه لأخذ موافقته كعادتها، ثم قامت بأخذ نسخة احتياطية على ذاكرتها المتحركة "فلاشة"، وقامت بطبعه ورقياً، استعداداً لتسليمه غداً.
سألها فريد باهتمام وهو يقترب منها بعدما نظر في ساعة يده: -حبيبتي خلصتي؟ الوقت اتأخر، لازم ترتاحي شوية. أجابته وهى تتحرك من مقعدها لتقف قبالته: -ما انت كمان سهران معايا ومش بتلحق ترتاح، بس عمتاً أنا خلصت خلاص. شعرت بالدوار يجتاحها من حركتها المفاجئة، فترنحت للخلف قليلاً وهي تمد يدها في اتجاهه لتستند عليه. تمسك بها فريد بقوة وهو يسألها بلهفة: -حياة مالك، انتي كويسة؟ حركت رأسها بإيماءة خفيفة للغاية ثم
أجابته بنبرة هادئة رقيقة: -متخافيش، تلاقيني بس عشان قاعدة من بدري واتحركت فجأة. زفر بضيق وهو يضغط فوق شفتيه قائلاً بحنق: -أنا مش عارف ليه بسمع كلامك، طبيعي تتتعبي وانتي يومين مش بتنامي كويس ومش بتاكلي كمان كويس. ابتسمت بسعادة من قلقه عليها رغم تأنيبه لها واحتقان ملامحه، فتحركت تحتضنه بحب وهي تغمغم بإرهاق: -خلاص والله خلصت، ممكن بقى نطلع عشان عايزة أنام.
أنهت جملتها وشبكت ذراعيها فوق عنقه تتمسك به بدلال في إشارة منها ليحملها. ابتسم هو الآخر من فعلتها ووضع كفيه فوق خصرها ليرفع قدميها من فوق الأرضية قائلاً بمرح وهو يسير بها نحو الدرج: -أنا هعمل التمارين دي كل يوم ولا إيه. أجابته ممازحة وهو تريح رأسها فوق كتفه فلازالت تشعر بذلك الدوار يجتاحها: -بعوضك عن تمارينك الأساسية اليومين دول. أجابها بنبرته العابثة وهو يقرب رأسها منها: -بس أنا البوكس وحشني قوي.
هتفت به محذرة بدلال: -فرررريد، أنا تعبانة وعايزة أنام. أجابها بحنق شديد وهو يدفع باب غرفتهم بقدمه: -عارف، ما المناقصة الزفت دي جت على دماغي. دوت ضحكتها عالياً من تذمره الطفولي والذي كانت تعشقه خصوصاً بتقطيبه جبينه تلك والتي تصيبها بالجنون. في الصباح استيقظ فريد على صوت اهتزاز هاتفه الموضوع فوق الكومود بجواره. ابتعد عنها قليلاً ورفع ذراعه من فوقها ليلتقط به هاتفه ويجيب مساعده. سأله فريد بصوته الناعس: -إيه الجديد؟
أجابه مؤمن بتفاخر: -زي ما حضرتك توقعت، قدموا عرض أسعارنا القديم اللي إحنا مقدمينوش. بس طبعاً المناقصة رست علينا بالعرض الجديد. أغلق فريد هاتفه وهو يبتسم بانتصار ويعود لاحتضانها مرة أخرى. سألته حياة التي استيقظت قلقة بمجرد سماع صوته: -فريد طمني؟ أجابها بارتياح وهو يطبع قبلة فوق وجنتها: -المناقصة رست علينا. ابتسمت حياة بسعادة ولمعت عينيها بفرح وهي تغمغم له بصوتها الناعس: -مبروك. سألها فريد بابتسامة عابثة:
-مبروك كده حاف؟ سألته بدلال وهي تحرك أصابعها فوق عنقه: -أمال انت عايزها بإيه؟ أجابها بخبث وهو يقترب منها مقبلاً: -هوريكي دلوقتي أنا عاوزها بإيه. شعرت بذلك الدوار السخيف يعود إليها مرة أخرى وهمت بإبعاده عنها ولكن مع اقترابه منها بذلك الشكل لم تجد حتى صوتها لتعترض.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!