استيقظ فريد من غفوته بجوارها على صوت أزيز هاتفه الموضوع فوق الكومود بجواره. التقطه ينظر بشاشته قبل أن يجيب وهو يتأفف بملل، فالمتصل لم يكن سوى والده وهو يعلم جيدًا فحوى ذلك الاتصال، لذلك أجابه بضيق ساخرًا: -مش محتاج أسأل عن سبب اتصالك ده. أجابه غريب من الطرف الآخر متشدقًا بحنق: -مش عايزني أطمن عليك كمان!!! أجابه فريد وهو يعود لاحتضان حياة التي بدأت تستفيق على أثر مكالمته قائلاً:
-لا اتفضل اطمن براحتك ومتفكرش إني مش عارف مين اللي بينقل لك كل حاجة.. أنا بس سايبه بمزاجي. صدح به غريب بقوة حتى وصل صوته من الهاتف إلى مسامع حياة قائلاً بعصبية: -يابني انت عايز تجنني!! إيه البرود اللي عندك ده!! اضرب نار على بيتك وأنت بتكلمني في مين اللي وصلي الخبر!! عمتا أنا بعتلك شوية حرس زيادة يفضلوا معاك الفترة دي لحد ما نشوف آخرتها مع الزفت منصور ده، أكيد هو السبب.
تشنجت ملامح وجه فريد وأبعد الهاتف عن أذنه قليلًا حتى انتهى والده من صياحه، ثم أجابه ببرود مستفز: -متشغلش بالك بمين ضرب نار على مين، وبعدين أنا مش عايز حاجة من حد.. أموري وأنا هظبطها بمعرفتي.. المهم أنت متدخلش. أجابه غريب باستسلام: -أنا عارف إن مفيش فايدة فيك وكلامي كله ع الفاضي معاك.. عمتا نكمل كلامنا بكرة في الشركة.
أراد فريد إنهاء المكالمة بأسرع ما يمكن، لذلك لم يجادل والده أكثر وأنهى المكالمة دون تعليق. ظلت حياة تراقبه حتى انتهاء مكالمته، ثم بدأت تحدثه بهدوء قائلة: -فريد.. بباك عنده حق.. أنت لازم تزود عدد الحراسة معاك لحد ما تعرف مين اللي عمل كده. تأملها مطولًا بعشق، ثم تنهد بحرارة وهو يدني بجسده من جسدها، ثم أحنى رأسه يطبع قبلة فوق جبهتها قائلاً بحنان: -تعالي.
احتضنها جيدًا وحاصر جسدها بذراعه، ثم أردف حديثه بنفس نبرته الحانية قائلاً: -متخافيش ومتقلقيش، أنا عارف مين عمل كده والموضوع ده هيخلص قريب. تنهدت حياة باستسلام ورأسها يتوسد صدره، ثم أردفت قائلة بتردد: -فريد.. ينفع أسألك سؤال. أجابها وهو يعبث بخصلات شعرها مجيبًا بحب: -اسألي يا قلب فريد. رفعت حياة جسدها مستندة على مرفقها لتنظر إليه متسائلة بترقب: -أنت عارف مين اللي عمل كده صح؟
أومأ برأسه موافقًا دون حديث. ازدرت حياة ريقها بقوة، ثم استطردت سؤالها باستنكار: -طب ليه كل ده؟ ليه يعمل كده؟ أغمض عينيه لبرهة يتذكر حديث والده عن اكتشاف حب منصور لوالدته وكرهه الواضح لفريد دون مبرر، ثم فتحهما مرة أخرى قائلاً لها وهو لازال يعبث بمقدمة شعرها: -واحد من منافسين السوق.. مش قابل إننا نتفوق عليه. زفرت حياة بحزن، ثم استطردت قائلة بضيق: -هو في حد يعمل كده عشان الرزق ده كله بتاع ربنا!!!
طب وبعدين هتعمل إيه دلوقتي؟ اعتدل فريد بجسده حتى أصبح أمامها، ثم أضاف وهو يحتضن كفها بكلتا يديه قائلاً بحنو: -متشغليش بالك أنتِ، زي ما قلتلك الموضوع هيتحل قريب.. بس دلوقتي أنا لازم أتحرك ورايا كام مشوار. تبدلت نظرتها للقلق وتمسكت بيده بقوة متمتمة برعب: -لا متمشيش. أجابها فريد وهو يحتضنها بين ذراعيه قائلاً تبريرًا:
-حبيبي أنا مش هغيب، بس في حارس اتصاب ولازم أروح أطمن عليه، مش هينفع أسيبه كده، وكمان لازم أفهم إزاي كل ده حصل. شدت من احتضان ذراعيها حول جسده متمتمة بتوسل: -لا متسبنيش.. لو مصمم تنزل خدني معاك. أجابها فريد بحزم حانٍ: -حياة مش هينفع.. أنا هروح المستشفى، وبعدين متخافيش هسيب ناس معاكم هنا جوه الفيلا كمان للاحتياط. هزت رأسها بقوة وهى لازالت تحتضنه قائلة بإصرار: -لا مش عايزة حد.. يا أجي معاك يا تفضل هنا.
أنهت جملتها ورفعت رأسها تنظر إليه بعيون لامعة من أثر تجمع بعض الدموع بداخلها. تنهد باستسلام بمجرد رؤيته لدموعها، ثم قال على مضض: -ماشي خلاص.. قومي حضري نفسك واعملي حسابك ننتعشى بره. قفزت من الفراش بحماس كالطفلة وهي تركض نحو غرفتها متمتعة بنبرة تملؤها الحماس: -حاضر.. ربع ساعة وهكون جاهزة. كانت جيهان جالسة بجوار غريب تستمع إلى مكالمته وعيونها ممتلئة بالتشفي. سألت غريب بعد انتهاء مكالمته متلهفة: -غريب هو حصل إيه؟
زفر غريب بضيق وهو يعود بجسده للوراء ليستند على ظهر مقعده قائلاً بحزن: -في حد ضرب نار على البيت عند فريد. سألته جيهان بخبث مستفسرة: -نار مرة واحدة!!! وفي بيته كمان!!! طب حد حصله حاجة؟ أجابها غريب بعدما تنهد براحة: -لا الحمد لله جت سليمة.. واضح إن اللي عمل كده كان قاصد يهوش بس.. كل الضرب كان على الشبابيك والمداخل. أردفت جيهان تسأله بتفكر: -طب ويا ترى عرفتوا مين اللي عمل كده؟ أجابها غريب مسرعًا:
-مش محتاجين نعرف.. هو منصور زفت مفيش غيره. هزت جيهان رأسه ببطء ونظراتها شاردة في مكان آخر. نظر لها غريب مطولًا باستنكار يتأمل سكوتها، ثم سألها متوجسًا: -جيهان أوعي تكوني!!!! صاحت به جيهان بعصبية قائلة بحنق: -جيهان جيهان!!! جيهان زهقت منك أنت وابنك.. كل ما تحصل مصيبة تجيبوها فيا!! روح شوف ابنك اللي مش مخلي حد في السوق مش عامل معاه عداوة.
لم يجد غريب ما يجيبها به، فقط اكتفى بالانسحاب من تلك الجلسة غير المجدية. أما عن جيهان فقد غمغمت بسعادة قائلة بعيون تلمع من شدة الحماس: -والله زمان يا منصور.. شكلنا هنعيد القديم تاني.. كويس إنك ظهرت لي قبل ما أتورط لوحدي.
انتهى كلا من فريد وحياة من زيارة الحارس الخاص بالفيلا، وتفاجئت حياة أن المصاب ليس إلا ذلك الحارس الذي ساعدها في أول يوم لها بالمنزل، لذلك حزنت من أجله كثيرًا وتمنت له الشفاء العاجل من كل قلبها، الأمر الذي أسعد الحارس كثيرًا.
وبعد انتهاء زيارتهم، اصطحبها فريد إلى أحد أفخم مطاعم الإسكندرية والمطل مباشرة على البحر. ومنذ وصولهم وأثناء فترة العشاء، كان فريد مراعيًا إلى أقصى درجة ممكنة حتى يستطيع إذابة ذلك الارتباك الذي تحمله نظراتها طوال الأمسية. وبعد انتهاء وجبة العشاء، تنهد فريد مستعدًا قبل أن يحدثها بلهجته الحازمة التي لا تحمل مجالًا للتراجع: -حياة.. من أول الليلة دي هتنامي معايا في أوضتي.. أنا عطيت أمر لدادا عفاف تنقل حاجتك كلها معايا.
استحوذ على انتباهها بالكامل بمجرد نطقه لتلك الكلمات، فازدردت لعابها بقوة وقد بهتت ملامحها وظهر التوتر جليًا عليها قبل أن تسأله بنبرة منخفضة مترقبة: -يعني إيه؟ أخذ نفسًا عميقًا ليستطرد قائلاً بنبرة عملية جادة: -يعني أنا أوضتي آمن من أوضتك، غير إني مش هطمن بعد كده وأنا في مكان وأنتِ في مكان حتى لو كان الفاصل باب.. عشان كده هتنتقلي معايا لحد ما أحل المشكلة دي.
ظلت تنظر إليه ولم تعقب، ولكن من قال إنه يحتاج صوتًا ليفهمها، فقد التقطت عينيه حيرتها بسهولة، فأضاف بنفاذ صبر قائلاً بنبرة خالية: -متتبصليش كده.. أنا مش عضك.. ومفيش أي حاجة هتحصل بينا غير بموافقتك.. وبعدين قرري يا أنا أنام عندك يا العكس.
لوت فمها بضيق، فهي من جهة تعلم أن كلامه منطقي وهي نفسها تخشى الابتعاد عنه خاصة بعد ما حدث اليوم، ومن جهة أخرى يراودها إحساس قوي أن ذلك القرار لن يسير في صالحها أبدًا. أما قلبها فكان له رأي ثالث لن تجرؤ حتى على الاستماع إليه. أما عن فريد فكان يجلس مترقبًا ينتظر قرارها، والذي بناءً عليه سيقرر إذا كان سيستمر فيما انتوى فعله معها لبدء حياة طبيعية بينهم، أم أنه سينتظر قليلًا بعد. زفرت بتوتر ثم أجابته مسرعة كأنها
تخشى التراجع في قرارها: -أوك. امتلأ وجه فريد بابتسامة واسعة، فبرغم وضعه لخطه بديلة في حالة رفضها أو عنادها، إلا أنه أسعده كثيرًا أن توافق بملء إرادتها، فهذا معناه أنها أصبحت مستعدة ولو بنسبة بسيطة لمشاركته حياته. تنحنح محاولًا السيطرة على مشاعره ونبرة صوته قبل أن يستطرد حديثه قائلاً بجدية شديدة: -تمام.. دي أول نقطة.. تاني نقطة إن من أول بكرة هتنزلي معايا الشركة.
نظرت إليه مطولًا وهي تعض على شفتيها لمنع لسانها من الاندفاع، فهي تعلم جيدًا أنه لن يحتاج التفوه بأكثر من ذلك لتهتف بحماس بموافقتها، فهي تكاد تموت مللًا من الجلوس بالمنزل طوال النهار بمفردها، ولم تعِ مدى اشتياقها للعمل إلا بعدما رمى إليها كل تلك الملفات التي راجعتها كالنهمة، ولكن لا ضير من إثارة حنقه قليلًا. لذا سألته مستفسرة باستفزاز: -هعمل إيه في الشركة؟
رفع إحدى حاجبيه ينظر إليها متأملًا، قبل أن يتشدق بجملته ساخرًا: -في تمثال ناقص من الشركة ومحتاجين حد بداله؟ نظرت إليه في بادئ الأمر مستنكرة، قبل أن ترتخي نظراتها وتسأله بتهكم قائلة: -وعلى كده بتدفعوا حلو للتماثيل بتاعتكم؟ التوى جانب فمه بنصف ابتسامة قبل أن يجيبها قائلاً بسخرية: -مكنتش أعرف إنك مادية كده!!! اتسعت ابتسامتها وبدأت عيونها تلمع ببريق تسلية أعجبه بشدة، قبل أن تضيف مشاكسة:
-وأنا مكنتش أعرف إنك شايفني تمثال!! فتح فمه ليجيبها، ولكن في تلك الأثناء مرت من خلف حياة امرأة كانت تبتسم لفريد بإغراء وهي تلوح له بيدها بدلال واضح. في بادئ الأمر عقد حاجبيه محاولًا التذكر إذا كانت من معارفه أم لا، قبل أن يشيح بنظره بعيدًا عنها بعدم اهتمام. التقطت حياة نظراته المتفحصة، فالتفت برأسها للخلف تنظر حيث تركيز نظراته، فتفاجئت بتلك المرأة تشيح بنظرها بارتباك بعيدًا عنه. استدارت برأسها بحدة تنظر
إليه بغضب وتمتم بحنق واضح: -عيب كده على فكرة!!! سألها فريد بعدم اهتمام واضح: -هو إيه اللي عيب بالظبط؟ ازداد حنقها من إنكاره، فأجابته بنبرة حادة: -أنت عارف كويس أنا بتكلم على إيه.. متلفش وتدور! ضيق نظراته عليها قبل أن يسألها مستفسرًا وهو يضغط على حروف كلماته: -أولًا، مش فريد رسلان اللي يلف ويدور، فلو عندك حاجة عايزة تقوليها، وضحّي!
ثانيًا، دي واحدة ***** شافت نفسها حلوة شوية فقالت أجرب يمكن أطلع منه بحاجة، وثالثًا ودي أهم نقطة... حياة، انتي غيرانة؟ ارتبكت نظرتها قليلًا أمام نظراته المتفحصة، ولكنها سرعان ما تمالكت نفسها لتقول بتعلثم واضح: -لأ، أنا مش غيرانة... بس مش عايزة الناس تتكلم عليا وتقول "يا عيني قاعد مع مراته ويبص لغيرها". مال بجسده حتى أصبح وجهه على بعد خطوة واحدة منها، ثم قال بنبرة ناعمة صادقة:
-انتي معايا ولا مش معايا، ولا مليون واحدة غيرك تملي عيني. وبعدين هتفرق إيه لو انتي مش قدامي؟ وانتي دايماً هنا. أنهى جملته والتقط بيده كفها الموضوع فوق الطاولة ورفعه حتى موضع قلبه، ثم قام بفرد أصابعها فوقه وهو لا يزال محتضنًا كفها بكفه. لمعت عيناها بسعادة واتسعت ابتسامتها رغمًا عنها وهي تنظر مباشرة في عسليتيه. أردف هو حديثه قائلًا بهمس ناعم وهو يقترب بشفتيه من شفتيها:
-وبعدين ممكن نثبت للناس دلوقتي إنه جوزك بيحبك انتي. شهقت بخجل وعادت برأسها للخلف مبتعدة عنه، وهمهمت بكلمات غير مفهومة مما جعله يقهقه عاليًا. تسمرت نظرتها فوقه وهي تتأمل ضحكته بتلك الغمزة الوحيدة التي حفرت بداخل خده من أثر ابتسامته الحقيقية، قائلة بأعجاب واضح: -ضحكتك حلوة قوي! المفروض اللي زيك ميطلبش يضحك أبدًا.
كانت تريد الآن العض على لسانها، ذلك الذي تفوه الليلة بالكثير من الحماقات. أما هو، فقد لمعت عيونه بسعادة واضحة، ثم تمتم لها وهو يتأمل عينيها قائلاً بعشق: -واللي زيك المفروض يخبوا عيونهم عن الناس، لأن عيونك دي فتنة وأنا اتفتنت بيها من أول فتحتيهم في وشي. شعرت بحرارة جسدها تزداد من أثر كلماته ونبرته الهامسة ويده التي لا تزال تحتضن يدها بتملك ونعومة. لذلك أثرت الهرب من ذلك الموقف، فسألته بأرتباك واضح: -فريد، ممكن نروح؟
كان يعلم جيدًا أنها تراوغ، ولكن يكفيه ما حصل عليه منها الليلة. لذلك أومأ لها برأسه موافقًا، قبل أن يطلب من حارسه إنهاء الحساب والتوجه بها نحو الخارج وهو لا يزال يحتضن يديها بين يديه. ***
في الصباح، استيقظت حياة بحماسة لتجد نفسها نائمة بين ذراعيه ورأسها يتوسد صدره. عقدت حاجبيها بتركيز، فهي تتذكر جيدًا أن البارحة حاولت الحفاظ على مسافة بينهم حتى لا يظن أنها ترتمي داخل أحضانه كلما أتاحت لها الفرصة. أما عن فريد، فقد استيقظ بالطبع كعادته بمجرد تململها بين ذراعيه. فتح عينيه ينظر لها بابتسامة عابثة دون حديث. سألته هي بتقطيبه واضحة مستفسرة: -بتضحك على إيه؟
هز رأسه نافيًا في حركة تنم عن عدم نيته في الإجابة عن سؤالها، لذلك انسحبت من الفراش وتحركت قبله لتستعد وترتدي ملابس العمل. أما هو، فقد ظل ينظر في أثرها بابتسامة واسعة وهو يتذكر في منتصف الليل، وبعدما أصرت على وضع وسادة فاصلة بينهم حتى يلتزم كلٌ منهم بموضعه، تفاجأ بها تقوم برميها بعيدًا، قبل أن تقترب منه طالبة النوم بين ذراعيه. تنهد بحرارة قبل أن يقرر وهو الآخر التحرك والاستعداد لبدء يومه المشحون.
بعد قليل، كانت حياة تقف أمام الجزء الخاص بملابسها أمام خزانه فريد العريضة تحاول اختيار رداء اليوم. لوت فمها بسخرية وهي تفكر بيأس أن خزانه ملابسه تعادل حجم غرفتها بمنزل والدها، بعدما احتلت هي نصفها تقريبًا. فقد قامت السيدة عفاف بنقل جميع ملابسها الذي انتقاها لها فريد منذ زواجهم، والتي لم تمس أي منهم حتى الآن. حانت منها التفاتة جانبية لذلك الكم من البدل النسائية بألوانها المتنوعة وأقمشتها الناعمة. إنها تحتاج الآن إلى
إرادة فولاذية حتى لا تمتد يدها وتنتقي أحدهم من أجل إيبوم. كانت غارقة في تأملاتها ولم تشعر بحركته إلا وهو يقف خلفها ليحتضن خصرها بكلتا يديه ويحني رأسه ليستند بذقنه فوق كتفها ويهمس بجوار أذنها قائلاً، ويده تمتد إلى بدلة ذات سترة طويلة من اللون الأسود مع بنطال من الجينز الفاتح، قائلاً
بصوت أجش: -البسي دي، هتبقى تحفة عليكي. حركت رأسها قليلًا حتى تستطيع رؤيته، فأردف يجيب على سؤالها الذي لم تنطق به، قائلاً بحرارة: -الأسود بيليق قوي مع لون عينيكِ وشعرك، وما فيش لون ممكن يعبر عن طبيعتك المتمردة غيره. أنهى جملته وفك حصار ذراعيه من فوق خصرها، قائلاً بلطف وهو يضع قبلة ناعمة فوق وجنتها: -هسيبك وأروح ألبس في الحمام، وانتي البسي براحتك.
ظلت تنظر في أثره حتى اختفى من أمامها، قبل أن تتحرك لتنفيذ مطلبه دون وعي أو حتى اعتراض واحد.
بعد فترة لا بأس بها، كانت حياة تقف أمام مبنى الشركة والمكون من عدة طوابق، نوافذها جميعها من الزجاج العاكس، وفريد يقف بجوارها يضغط بيده على يدها ليحثها على التقدم والدخول. حركت رأسها تنظر إليه محاولة استمداد شجاعتها منه، ولكنه كان ينظر إلى الأمام بجبين عابس وملامح شديدة الجدية، كأنه يستعد لدخول معركة ما. ابتعلت ريقها بصعوبة وهي تتأمل تبدل ملامحه. فكرت بيأس أن تعود بأدراجها حيث المنزل، فقد تخلت عن الفكرة بأكملها، كما أن فريد بهيئته تلك يبدو من نوعية المديرين التي لا تفضل أبدًا التعامل معهم أو العمل تحت إمرتهم بأي شكل كان. كما أنها تفضل فريد الذي بالمنزل عن ذلك الذي يتحرك بجوارها ويرمي الجميع بنظرات نارية دون سبب مقنع.
استأنفت طريقها بجواره بصمت، شاعرة بالتوتر من كم النظرات المسلطة عليها، ما بين معجب وحاسد ومستنكر ومترقب، حتى وصلا إلى الطابق الثالث حيث غرفة مكتبه. توقف عن السير أمام مكتب سكرتيرته الخاصة، يأمرها بجمود دون أن يتكلف حتى عناء النظر نحوها، قائلاً بحدة: -اطلبي مدير الحسابات وقولي له يحصلني ع المكتب بعد عشر دقايق. عشر دقايق بالضبط ومش قبل كده.
شعرت حياة بالشفقة كثيرًا على تلك الموظفة، والتي يبدو الارتباك جليًا على مظهرها وملامحها وهي تستمع إلى تعليماته الصارمة. وفكرت بيأس، إذا لم تكن هي "حياة خاصة فريد" كما يلقبها، كيف كان سيتعامل معها وهو مديرها الخاص؟ إنها لا تريد حتى التفكير في ذلك الأمر. تنحنحت محاولة تلطيف الجو من حولها قليلًا، لذلك وجهت حديثها للسكرتيرة قائلة بود شديد: -صباح الخير. بادلتها السكرتيرة ابتسامتها بأخرى مرتبكة وهي تهمهم بحذر قائلة:
-صباح النور يا فندم. سحبت حياة يدها من داخل يد فريد ووجهتها نحو السكرتيرة، مبادرة بتحيتها وهي تسألها بوجه بشوش: -أنا اسمي حياة، انتي اسمك إيه؟ مدت السكرتيرة كفها مسرعة تحتضن يد حياة وتحركها بترحاب شديد وهي تتمتم باحترام: -أيوه طبعًا يا فندم، أنا شفت حضرتك في حفلة التوقيع. أنا اسمي إيمان. هزت حياة رأسها باستحسان وهي تجيبها بمرح: -اسمك جميل يا إيمان.
قاطع حديثهم صوت فريد الذي هتف باسم حياة بنفاذ صبر وهو يتململ بجوارها، مما جعلها تلتفت برأسها تنظر داخل عينيه لتستبين حالته. اتسعت ابتسامتها وهي تنظر إليه، فبرغم نبرته الحادة، إلا أنه ما زال محافظًا على صفاء عينيه، إذا فهي لا تزال في مرحلة الأمان. أثرت التحرك قبل إثارته غضبه بحق، ولكنها أثناء تحركها معه داخل مكتبه، استدارت بجسدها تلوح لإيمان بمرح وهي تتمتم مسرعة: -هاجيلك تاني. في الداخل، سألها فريد بنبرة خالية:
-خلصتي تعارف ولا تحبي أجبهالك تكملي هنا؟ مدت حياة شفتيها للأمام في حركة طفولية منها لتعبر له عن حزنها دون حديث. استطرد هو حديثه الجامد محذرًا بضيق: -كام مرة قلتلك متعمليش الحركة دي. اندفعت تجيبه بتذمر واضح: -أنت بتتعصب عليا ليه دلوقتي؟ أنا أصلًا متوترة وخايفة من غير حاجة. تنهد باستسلام ثم تحدث وهو يتحرك بها نحو مكتبه ليستند بجسده على حافته، وتقف هي مقابلة له، محتضنة كلتا كفيها بين يديه، ومتسائلاً بهدوء:
-ها يا ستي، متوترة ليه بقى؟ أجابته بضيق وهي تضغط بيدها على يده: -أنت مش شايف كلهم بيبصولي إزاي؟ تلاقيهم فاكريني جاية أفسح بما إني مرات المدير. أجابها فريد مازحًا: -لازم يبصولك، مانتي مرات فريد رسلان... المدير. تشدقت حياة بجملتها بحنق قائلة: -مغرور قوي على فكرة. رفع فريد إحدى حاجبيه ينظر إليها محاولًا تصنع الغضب، وقائلاً بجدية: -انتي عارفة إن ما فيش حد غيرك بيقدر يقولي كده؟ أجابته ساخرة: -تلاقيهم بيقولوا من وراك عادي.
سألها بتهكم: -وانتي بقى الشجاعة اللي فيهم؟ أجابته بفخر وهي ترفع رأسها للأعلى: -أها، عشان أنا الوحيدة اللي عارفة فريد زمان، يعني أنا صاحبة عمره وأقدر أقول أي حاجة براحتي. نظر لها مطولًا دون حديث. كانت تعلم جيدًا ما يريد قوله لها دون الحاجة لنطقه للكلمات. قاطع حديث عيونهم طرق خفيف فوق الباب. سمح فريد للطارق بالدخول، وقد كان مدير الحسابات. أومأ له فريد رأسه في تحية شديدة الجفاف قبل أن يقول بعملية شديدة:
-إبراهيم، دي الأستاذة حياة "مراتي". هتبدأ معاك من النهارده في مراجعة الحسابات، وهيكون في إيديها كل الصلاحيات، يعني تتعاون معاها على قد ما تقدر ومش عايز مشاكل. فاهمني؟ أومأ المدير رأسه لفريد بخضوع تام موافقًا على حديثه، قبل أن يرفع رأسه لتحية حياة بأدب: -أهلًا وسهلًا يا حياة هانم، شرفتينا. اندفعت حياة تجيبه بمرح وهي تمد يدها لتحييته وهي تبتسم لها ابتسامتها الواسعة: -لأ هانم إيه، حياة بس طبعًا. امتلأ وجه الرجل بابتسامة
عريضة وهو يردد من ورائها: -حياة. انتفض فريد في وقفته وهدر بالمدير بعصبية واضحة لم يحاول إخفائها: -تقولها حياة هانم، وبعدين اتفضل أنت دلوقتي، ولو احتاجتك هندهلك. فتح الرجل فمه ليعترض، ولكن نظرة فريد جعلته يتراجع على الفور ويهرول نحو الخارج في عجلة. استدار فريد يهتف بها بعصبية: -أنا جايبك هنا تهزري ولا تشتغلي؟ فتحت فمها لتجيبه وقد أرعبتها نظرته، ولكنه رفع يده يوقفها مستطردًا بغضب شديد:
-رجعت في كلامي. مفيش شغل، وما فيش شركة، والنهارده هتقضي طول اليوم جنبي في المكتب من غير صوت ولا حركة ولا نفس لحد ما أخلص بليل. فاهمه؟ صمت قليلاً محاولاً تهدئة غضبه، ثم أردف رافعاً إصبعه في وجهها محذراً: -اقسم بالله لو اتعاملتي معاه أو مع أي راجل كده تاني هتشوفي مني وش تاني مش هيعجبك أبداً يا حياة. ومتضحكيش لأي حد مهما كان السبب! فاهمة!
هدر بقوة في كلمته الأخيرة مما جعلها تنتفض رعباً، وبدأت الدموع تتجمع داخل مقلتيها، ثم انسحبت بهدوء تجلس فوق أحد المقاعد حتى تتجنب المزيد من غضبه، فحركة جسده ونظرته تخبرها أنها تخطت خطوطها الحمراء. في منتصف الظهيرة، وأثناء عودة نيرمين من النادي الرياضي، صادفت والدتها خارجة من المنزل على عجالة. استوقفتها نيرمين تسألها باستنكار: -مامي! انتي رايحة فين؟
تفاجأت جيهان بعودة ابنتها باكراً، فهي قد تعمدت اختيار ذلك التوقيت بالتحديد لثقتها بعدم وجود أحد بالمنزل في ذلك الوقت. أجابتها جيهان على مهل حتى تبدو منطقية في حديثها قائلة باستفهام: -نيرو! انتي إيه رجعك بدري كده من النادي؟ انتي ملحقتيش تقعدي؟ أجابتها نيرمين بضيق واضح: -ولا حاجة يا مامي بس نجوى مجتش النهارده وملقتش حد أقعد معاه. ولما كلمتها قالتلي تعبانة وهنتقابل بليل. فزهقت من القعدة لوحدي ورجعت.
حركت جيهان رأسها متفهمة، ثم أردفت تقول في عجالة وهي تتحرك نحو سيارتها لتستقلها: -تمام. ادخلي انتي يا حبيبتي وأنا شوية وهرجع مش هتأخر. مدت نيرمين ذراعها تستوقف والدتها وهي تسألها بفضول قائلة: -انتي برضه مقلتيليش رايحة فين؟ أجابتها جيهان بارتباك: -زهقت وقلت أروح النادي أقابل طنط صفية. أجابتها نيرمين بتذمرها المعتاد: -يا مامي مش كنتي قلتيلي طيب كنت استنيتك هناك. طب استنى أجي معاكي. قاطعتها جيهان بحزم واضح:
-لأ انتي تدخلي ترتاحي مش هتقضي اليوم كله بره. ويلا عشان انتي معطلاني. لم تنتظر لسماع المزيد من الحديث، فقد تحركت على الفور تستقل سيارتها لتقودها بنفسها على غير عادتها، تاركة ابنتها تشعر بالاستنكار من تصرفات والدتها الغير منطقية. في إحدى الكافيهات المعزولة، كانت جيهان تجلس أمام منصور الجنيدي بكل ثقة وهي تضع ساقاً فوق الأخرى وتجيبه عن سؤاله المتشكك قائلة بإقناع:
-انت عارف أنا طلبت أشوفك ليه يا منصور، فبلاش نلف وندور على بعض. أنا عرفت انت عملت إيه في بيت فريد عشان التوكيل اللي أخدته منك. يعني من الآخر كده مصلحتنا رجعت مشتركة تاني. ضرب منصور الطاولة أمامه بقبضته غاضباً وهو يجيبها بحنق: -محدش استفاد غيرك المرة اللي فاتت يا جيهان وأنا طلعت من المولد بلا حمص. أجابته جيهان باندفاع ونبرة حادة وهي تقترب تتحرك بجسدها متخذة وضع الاستعداد للهجوم: -وأنا كنت أعرف منين إن غريب هيعمل كده؟
أنا قلت هيطلقها بعد ما يشك فيها وخلاص. بس عمتا المرة دي اطمن انت فعلاً هنستفاد. نظر لها منصور بتشكك قبل أن يسألها بحرص: -قصدك؟ أجابته جيهان بعيون تقطر حقداً وصوت يشبه فحيح الأفاعي: -يعني المرة دي تعمل اللي أنا مقدرتش أعمله زمان. تخلصني منه ومش هو لوحده، هو ومراته كمان. سألها منصور باستهزاء واضح: -ولما أنا أعملك كل ده أنا هستفاد إيه؟ أجابته جيهان بنبرة جادة مقنعة:
-أنا مش هاممني التوكيل ولا إن الشركة تتوسع. انت عارف إن شراكتنا مع الفرنسيين مكفية الشركة وزيادة. كل اللي عايزاه إني أخلص منه وكرسي رئيس مجلس الإدارة يكون لبنتي. والباقي حلال عليك كل حاجة هترجع زي الأول. وأوعدك إني هكون متحكمة في كل حاجة لما نيرمين تمسك بداله وأخلص لك كل الصفقات اللي انت مش قادر عليها. حك منصور ذقنه بيده وعيونه شاردة في تفكير عميق استمر لعدة دقائق قبل أن يجيبها بهدوء:
-موافق. أنا كده كده عايز أخلص منه من زمان ومستني الفرصة. أجابته جيهان بسعادة واضحة وهي تمد كفها تحتضن كفه: -اتفقنا بس زي ما قلت لك هو ومراته وتقتل مراته قبله. مش عايزة يطلع لي ديل يا منصور وتطلع حامل ولا حاجة ساعتها أنا وانت هنخسر كل حاجة. أومأ منصور برأسه موافقاً وهو يجيبها بثقة: -منصور مبيفشلش. ومع إنها متخصنيش بس عندك حق. لازم المرة دي نخلص خالص.
في المساء، كانت نيرمين تجلس مع نجوى في أحد بارات الإسكندرية الشهيرة. مالت نيرمين حول نجوى تصرخ في أذنها قائلة بشماتة: -عارفة مين كان في الشركة النهارده؟ سألتها نجوى بقلق وصوتها يماثلها في الصراخ حتى تستطيع سماعها من بين تلك الموسيقى الصاخبة: -بنت الخدامة. فريد أخدها معاه تشتغل في الشركة. صرخت نجوى بصوت أعلى ولكن هذه المرة من أثر الحنق قائلة بغيظ: -مين قال لك الأخبار الزفت دي؟ أجابتها نيرمين وهي تحتسي مشروبها المسكر:
-بابي. ولما ماما عرفت كان حالها زيك بالظبط وأكتر منك. صرخت نجوى بعصبية قائلة: -البنت دي هتكوش على كل حاجة ولا أنا هطلع بفريد ولا أنتوا هتطلعوا بالشركة. نظرت نيرمين نحو نجوى بتفحص شديد قبل أن تسألها بشك: -نجوى.. انتي فعلاً مش همك الفلوس وبتعملي كل ده عشان خاطر فريد؟ أجابتها نجوى بنبرة لا تحمل أي دليل على الكذب: -آه طبعاً. أنا ميهمنيش غير فريد وحب فريد. هو انتي لسه هتعرفيني دلوقتي يا نيرو؟
ده احنا حتى صحاب من أيام الطفولة. هزت نيرمين رأسها لها بسعادة قائلة بحبور وقد اطمأنت على نوايا صديقتها: -طبعاً يا روحي ده انتي صاحبة عمري. ربتت نجوى على كتفها متصنعة الحب قبل أن تنظر نحو كأس نيرمين الذي أوشك على الانتهاء لتقول لها بخبث: -نيرو يا قلبي. الدرينك بتاعك خلص. خليكي متتعبيش نفسك أنا هروح أجيب لك واحد جديد معايا.
أومأت نيرمين رأسها موافقة وهي تتمايل على نغمات الموسيقى الصاخبة. تحركت نجوى نحو بار المشروبات ثم مالت برأسها نحو شاب ما يقف بجوارها وسألته بنبرة خفيضة: -ها اللي طلبته جاهز؟ هز الشاب رأسه لها بثقة قائلاً بفخر: -عيب عليكي يا حب العمر. جاهز وزي ما طلبتي. أنهى جملته وأخرج من جيب ردائه الخلفي مجموعة من الحبوب. التقطتها نجوى بتوجس وهي تنظر حولها أولاً لتتأكد من عدم رؤية أحد ما لها، ثم أخذت تنظر بها بتفحص
شديد وهي تسأله بتركيز: -الزفت ده هيجيب معاها من الآخر صح؟ أجابها الشاب بثقة: -زي ما اتفقنا. أسبوع واحد كل يوم حبايتين في أي درينك وبعدها هتجيلك زاحفة تقولك الحقيني بالجرعة. ساعتها أتعامل معاها أنا بقى في البودرة وأطلع لي بسبوبة حلوة. ربتت نجوى على كتفه بتشجيع قائلة بغل: -يدخل بس في دمها وأشتغل معاها زي ما تحب. أردفت تكمل حديثها بخفوت قائلة بتوعد وهي تفرغ حبتين من المخدر داخل شراب نيرمين:
-وكده يبقى خلصنا من نيرمين وكل الهيصة دي تروح لفريد. ومن فريد لإيدي بعد ما أخلص من بنت الخدامة ست الحسن بتاعته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!