نظرت حياة يميناً ويساراً بصدمة قبل أن تعود بنظرها لفريد، هل حقاً تحرك لسانها وأفصح عما يدور في عقلها أم أن هذا الاستهجان الذي كان بداخل عقلها ظل بداخله؟ "اللعنة على لساني الذي أصبح يثرثر كثيراً وينطق دون تفكير! لا اللعنة على تلك الوقحة المتصنعة التي تحاول إغراء زوجها وتحسسه أمامي! زوجها، هل قالت للتو زوجها؟ ما هذا الهراء الذي يسيطر على تفكيرها هذه الأيام!
لقد فقدت توازني تماماً لأتقبله كزوجي، ولكن لم لا، فتلك هي الحقيقة! نفضت رأسها بحدة وهي تفكر بضيق، فسيكون لديها الكثير من الوقت للتفكير في وضعها، أما الآن فستعود إلى تلك الوقحة التي اندفعت لتزيحها من طريقها وتأخذ مكانها. وقفت قبالته بملابس كاشفة وتلمست ذراعه بطريقة فاضحة.
زجرها فريد بقوة وهو يحاول نفض يدها من فوق ذراعيه، وينظر في اتجاه حياة التي كانت في تلك اللحظة في عالم آخر تفكر، هل تقوم بنتف شعر تلك المتطفلة أم إلقائها من نافذة المكتب؟ أعادها من أفكارها العدائية صوت نجوى قائلة لفريد بدلال: -سوري يا فريد.. أنت عارف إني متعودة على كده وماخدتش بالي إن مراتك يعني من ثقافة تانية وممكن تضايق. في تلك اللحظة، وعندما هم فريد بطرد نجوى، أوقفه اندفاع حياة نحوه تتأبط ذراعه قائلة
بتهكم شديد ونبرة ذات مغزى: -عندك حق.. بس مش في ثقافتنا إحنا بس، هو معروف في العالم كله إن اللي بتتعامل كده مع راجل متجوز ليها مسمى وتوصيف واحد. لمعت عينا فريد بإعجاب واضح وهو يفكر بسعادة بقطته المشاكسة التي لا تحتاج لمن يدافع عنها. ابتسم لها بحب وهو يتحرك نحو مكتبه، مستديراً بجسده عنها، سائلاً نجوى بنفاذ صبر ومستفسراً بجمود: -نجوى إيه اللي جابك وعايزة إيه؟ ركضت نجوى بلهفة واضحة تجلس في المقعد المقابل
له وهي تجيبه بدلال مصطنع: -ولا حاجة يا حبيبي.. قصدي يا فريد.. أنا زهقت من القاعدة وطلبت من بابي يخليني أنزل اشتغل وهو وافق على طول وطلب مني أجيلك أمسك مكانه مادام هو مسافر. زفر فريد بضيق وهو يتململ داخل مقعده الوثير مفكراً في طلب نجوى في ذلك التوقيت تحديداً، فهو يعلم طباعها جيداً، على أن يكون كل ذلك مصادفة.
أما عن حياة، فقد تحركت نحو المقعد الوحيد الشاغر قبالته، تجلس هي الأخرى تضع ساقاً فوق الأخرى وتنظر نحو نجوى بترقب كأنها تنتظر اللحظة المناسبة للهجوم عليها. سألها فريد بصوته العميق مستفسراً بعدما وجه نظراته لها: -حياة! مش هتروحي على مكتبك؟ التفتت تنظر له بحدة ثم سألته ببطء شديد رافعة إحدى حاجبيها باستنكار: -أنت عايزني أمشي؟ أجابها فريد وهو يحاول كبت ابتسامته مفسراً:
-لا بس كان فيه الملف اللي طلبته منك محتاج تخلصيه عشان محتاجاه بكرة في الاجتماع. أجابته بحدة: -تمام مادام مستعجل عليه، هقعد أخلصه هنا زي اليومين اللي فاتوا.. ولا فيه مشكلة؟
نطقت جملتها الأخيرة بنبرة ذات مغزى وهي ترمقه بنظرة محذرة مفادها ألا يجرؤ على طردها أمامها. أما عن نجوى، فقد كانت غافلة عن حرب النظرات الواقعة أمامها، وكل ما يشغل تفكيرها هو كيفية التخطيط واستغلال ذلك الملف وتلك المعلومة لصالحها، فيبدو أنها وصلت في الوقت المناسب تماماً.
بعد فترة من الصمت المطبق والترقب، بدأت نجوى تتحدث مع فريد وتسأله عن سير الأعمال، وبدأ هو بالإجابة عن أسئلتها والاندماج معها في الحديث لا إرادياً. راقبت حياة حديثهم الودي بقلب حزين. فما هذا الشعور المؤلم الذي يتملك منها!
إنها تشعر كما لو أن أحداً ما قام بعصر قلبها بين كفيه دون رحمة بعدما أضرم النيران به، حتى أن رئتيها لا تستقبلان الهواء بشكل سليم. وكل ما تريده في تلك اللحظة هو إخفائه بداخلها أو التحرك والوقوف أمامه حتى لا تراه عيون تلك المتطفلة ولا يرى هو سواها.
حاولت أخذ نفس عميق وإبقائه بداخل رئتيها قليلاً قبل إخراجه ببطء، لعل ذلك يهدئ تلك النار التي تستعر بداخلها من رؤيته يتحدث مع غيرها. زفرت بإحباط وبدأت تهز ساقها بعصبية لم تخف عن فريد، أو الأهم نجوى، التي تحركت من مقعدها باتجاه فريد متظاهرة بتوضيح شيء ما له على هاتفها الخلوي، وهي تراقب رد فعل حياة من طرف عينيها.
أسقطت نجوى الهاتف متعمّدة بين ساقي فريد، ثم مدت يدها تلتقطه وهي تتصنع الترنح قبل أن تسقط بتمثيل داخل أحضانه وهي تبتسم بخبث. هدر بها فريد بعصبية وهو يدفع يدها وجسدها بعيداً عنه. شهقت حياة بصدمة ثم اندفعت من مقعدها باتجاه نجوى وهي تغمغم بعصبية: -لا كده كتير! في اللحظة التالية، كانت تقف أمامها قابضة على ذراعها بقوة، ثم جرتها نحو الخارج وقد فقدت السيطرة على أعصابها تماماً. تذمرت نجوى بتمثيل مدعية الألم من
قبضة حياة وهي تتمتم بتصنع: -آه إيدي.. سيبيني إيدي طيب.. توقفت حياة عن السير ورفعت قبضتها من فوق ذراعها قائلة بحدة: -اطلعِ بره! هتفت نجوى بتذمر مستنجدة: -فريد! تحركت حياة بجسد متصلب نحو باب المكتب لتفتحه عن آخره وهي تشير لها بعينيها قائلة بتهديد: -اطلعِ بره المكتب أحسن لك. نظرت نجوى مرة أخيرة لفريد الذي كانت عيناه تلمعان بإستمتاع من رد فعل حياة غير المتوقع، قبل أن ترفع رأسها وتسير بكبرياء نحو الخارج
وهي تبتسم تتمتم بداخلها: -سهل أوي أخليها تطلع عن شعورها.. حلوووووو.. أغلقت حياة الباب خلفها بعنف، ثم رفعت إصبعها في وجه فريد الذي تحرك يقف قبالتها بعدما استدارت لتواجهه، هادرة بعصبية شديدة وصدرها يعلو ويهبط من شدة الانفعال قائلة بتحذير: -أوعى تفكر إني هسمح في يوم إن حاجة زي دي تحصل قدامي تاني وأنا هقف أتفرج، ماشي! حدثها فريد ببرود مستفز متجاهلاً جملتها: -حياة، وطّي صوتك الموظفين هيسمعونا.
حدقته بعيون ترمي بشرر من شدة غيظها قبل أن تصرخ به قائلة: -متستفزنيش ومتغيرش الموضوع. ابتسم فريد ببرود ثم سألها فريد بإستمتاع شديد وهو يدفع كلتا يديه داخل جيوب بنطاله: -طب وإنتي مضايقة ليه دلوقتي؟ هي معملتش حاجة! اقتربت منه حياة حتى وقفت أمامه، ثم لكزته بقوة وهي تتمتم بغضب: -متدافعش عنها قدامي! لكزته مرة أخرى بقوة أكبر حتى ترنح بجسده غير المتزن قليلاً للخلف، مضيفة بحنق: -ومتقولش عملت إيه عشان أنت عارف!
ومتقولش عملت إيه عشان انت عارف!!! -ومتستناش مني أسيب واحدة تانية تلمسك وأنت جوزي، أنا فاهم. هدرت بكلمتها الأخيرة بعصبية وهي تلكمه بكلتا يديها، ثم اندفعت مسرعة نحو المرحاض صافقة الباب خلفها بعنف شديد، تاركة فريد ينظر في أثرها بعيون تلمع بسعادة وابتسامة رضا تملأ وجهه.
استندت حياة بكلتا يديها على الحامل الرخامي لحوض الغسيل، محاولة السيطرة على غضبها، وقد بدأت تشعر بوخز الدموع الذي قاومته في الخارج يزداد داخل مقلتيها. رفعت يدها حيث موضع قلبها تضغط بقوة على موضع الألم وهي ترفع نظرها لتتأمل انعكاس صورتها داخل المرآة بضياع. أهكذا هو الشعور بالغيرة! أن تشعر بقلبها يتمزق بداخل صدرها لمجرد دفاعه عن امرأة أخرى أمامها!
أن تشعر بالنار تستعر بكامل جسدها لمجرد سماع كلمة "حبيبي" تقال له من فم غريبة! هزت رأسها بعنف رافضة، فهي لا تشعر بالغيرة عليه. كاذبة!
هذا ما واجهت به نفسها بقوة وهي تنظر في المرآة. مدت يدها المرتعشة من فرط انفعالها تفتح صنبور الماء وتلقي بالماء البارد فوق وجهها وعنقها. امتدت أناملها ببطء نحو ياقة قميصها الأبيض لتزيحها وتتلمس بأصبعها تلك العلامات التي تركها في الصباح كدليل على تقاربهم. أغمضت عينيها بتعب محاولة التخلص من ذلك الشعور الذي ينتابها. شعور الضياع. أن تكون ممزقة نصفين. نصف يريده ونصف يكرهه. نصف يطلب قربه ونصف يريد الابتعاد عنه. جزء يحترق
شوقاً لصوته ولمسته وجزء آخر يريد الفرار من أمامه. جزء يتحكم به قلبها والجزء الآخر يتلقى يومياً اللوم من قلبها. حتى عقلها بدأ يفقد قدرته على المقاومة أو التفكير بشكل سليم، سواء في حضوره أو في غيابه. أما عن إرادتها، فهي الأخرى أصبحت لا تكفي لمقاومة جنون قلبها بجواره.
بعد فترة ليست بالقليلة، جففت وجهها ومسحت على شعرها وعدلت من وضع ملابسها، ثم خرجت من المرحاض بوجه متجهم فوجدته ينتظرها أمام الباب. تجاهلت وجوده وتقدمت نحو مكتبه تسحب حقيبة يدها من فوق المقعد متوجهة نحو باب الخروج. ركض فريد خلفها يمسك ذراعها برفق ليستوقفها وهو يهمس اسمها بهدوء: -حياة!
حاولت سحب ذراعها من بين قبضته وهي تستدير بجسدها في الجهة الأخرى بعيداً عنه. تحرك بجسده في اتجاهها حتى وقف قبالتها، ثم أخفض ذراعه يحتضن خصرها وهو يغمغم اسمها، ولكن هذه المرة بنعومة واضحة: -حياة.. مش عايزة تبصي لجوزك؟ هل يستغل كلمتها ضدها الآن! لا، لن تسمح له بذلك. رفعت رأسها تنظر نحوه بغضب وهي تدفعه بجسدها وذراعها ليبتعد عنها، ولكن الفارق الجسدي غير القابل للمقارنة بينهم حسم النتيجة لصالحه من قبل أن تبدأ حتى. هتف
باسمها مرة أخيرة بتحذير: -حيااااة.. اندفعت تجيبه بحدة وهي تحاول دفعه بكل ما أوتيت من قوة، وقد عاد كل غضبها وإحباطها وتخبطها ليطفو على السطح مرة أخرى دون سابق إنذار: -أوعى.. سيبني.. مش عايزة تمسني ولا تكلمني ولا تقرب مني.. اتفضل روح اطمن على الهانم بتاعتك.
أحكم فريد حصار ذراعيه لخصرها حتى يمنعها من الإفلات منه ويضمها إلى صدره أكثر. دفنت رأسها بداخل صدره وقد هدأت مقاومتها تماماً، وعم الصمت. انتظر فريد قليلاً قبل أن ينطق اسمها للمرة الأخيرة بنبرة حانية: -حياة.. شعر بجسدها يهتز بين ذراعيه، فهتف باسمها بقلق وهو يبعد جسدها عن جسده قائلاً بتوسل: -حياة؟ حبيبي؟
بدأت شهقاتها تعلو، خصوصاً بعدما سمعته وهو ينطق اسمها بكل ذلك الحنان، فلم تشعر بنفسها إلا وهي ترفع ذراعيها وتشبك كفيها خلف رقبته، ثم دفنت رأسها داخل عنقه وبدأت تشهق بقوة من كل تلك المشاعر التي تحاصرها ولا تقوى على وضع مسمى لها أو الاعتراف بها. ظل فريد يمسح فوق شعرها بحنان وهو يهمس داخل أذنها بحب حتى هدأت تماماً، وابتعدت عنه وهي تمسح دموعها ووجهها بظهر كفها، ثم تمتمت بصوت باكٍ: -ممكن أروح الأوضة بتاعتي؟
ظل فريد ينظر إليها لفترة كأنه يحاول التوصل لقرار، قبل أن يفتح فمه ويجيبها بإصرار وهو يمد يده ليحتضن كفها داخل كفه: -لا مش ممكن! مش هتتحركي من جنبي النهاردة. زفرت حياة بأرق ثم أجابته بنبرة هادئة وكأن دموعها قد عادت إليها هدوئها وتعقلها: -فريد. قاطعها فريد قبل إكمال جملتها قائلاً بحسم وهو يعاود احتضانها بين ذراعيه: -مفيش فريد. هتقعدي هنا جنبي وتكملي شغلك هنا، واعملي حسابك تخلصي بسرعة عشان نروح بدري.
هزت رأسها باستسلام، وقد جاء طلبه على هوى قلبها حتى تظل بجواره في حال عودة تلك الشمطاء مرة أخرى. ***
ركضت نجوى نحو الخارج تبحث عن مدير الحسابات لتسأله عن ذلك الملف المهم الذي طلبه فريد منذ قليل، حتى يتسنى لها التخطيط بتروي. أعطاها مدير الحسابات المعلومات كاملة بعدما صار اتفاق سري بينهم على زيادة راتبه مع شيك فوري يحتوي على مبلغ ضخم من المال، ووعود بالتخلص من حياة الدخيلة على منصبه وتأمين مستقبله داخل شركة أخرى في حال انكشاف مخططتهم مقابل مساعدتها في ذلك.
وفي نهاية اليوم، كانت حياة قد انتهت من تدقيق ثلاثة أرباع ذلك الملف، وتبقى لها الجزء الأخير ثم طباعته ورقياً وإنزاله للأرشيف في حال موافقة فريد عليه.
في الصباح التالي، استيقظت حياة بحماس بين ذراعي فريد، ثم دفعته بإصرار للذهاب باكراً لمقر الشركة حتى يتسنى لها إنهاء ذلك الملف المهم وإعطائه له في أسرع وقت ممكن. طاوعها فريد بحب وهي تتقافز أمامه كالأطفال من شدة الحماس، وبعد حوالي ساعة وصلت حياة إلى مكتبها بعدما قامت بتوديع فريد، وقد آثرت الذهاب إلى مكتبها حتى تستطيع التفكير بشكل سليم، فهي بجواره يتعطل عقلها عن العمل بنسبة كبيرة.
أما عن فريد، فقد كان لديه الكثير من الأعمال المتراكمة والتي يجب عليه الانتهاء منها قبل ذلك الاجتماع الهام، لذلك دلف إلى غرفته وأغلق الباب خلفه بعدما أعطى أمراً قاطعاً لسكرتيرته بعدم الإزعاج لأي سبب كان.
بعد حوالي ساعة، أنهت حياة تدقيق الملف بالكامل، ثم قامت بحفظه داخل الحاسب الآلي بعدما احتفظت بنسخة منه على ذاكرة خارجية كعادتها، ثم تحركت للخارج لتشرف على طباعة الملف بنفسها قبل أن تعود مرة أخرى لمكتبها وتراجعه للمرة الأخيرة، فهذا الملف إلى جانب أهميته يعتبر أول اختبار حقيقي لها داخل المؤسسة، ويجب عليها إثبات كفاءتها لموظفي الشركة قبل مدير الشركة نفسه، حتى لا يظن الجميع أنها عُينت هنا فقط من أجل زواجها به. ***
جلس فريد بداخل غرفة مكتبه يتحدث عبر الهاتف إلى مساعده الشخصي ويسأله مستفسراً: -عملت كل اللي قلتلك عليه؟ أجابه مساعده بثقة: -أيوه يا فندم، الفيديو والصور كلها جاهزة. سأله فريد مرة أخرى منبهاً: -ووش البنت مظهرش زي ما طلبت؟ طمأنه الطرف الآخر بثقة شديدة: -أيوه يا فندم، أنا فضلت جنبه لحد ما ظبط كل حاجة على إيدي. ابتسم فريد بشراسة وهو يحك إصبعه بذقنه قائلاً بانتصار: -عارف هتعمل إيه بعد كده؟ أجابه مساعده بخضوع:
-أيوه يا فندم. هيطلع نسخة من الفيلم على عنوان منصور، والصور هتتسرب كلها للإعلام ومواقع الإنترنت. أردف فريد قائلاً بنبرة رضا: -اتحرك فوراً وبلغيني بالجديد، ومتنساش محدش يقدر يتتبع المصدر الأساسي للصور. تمتم مساعده له مطمئناً بثقة قبل أن يغلق فريد هاتفه، وهو يتمتم بتوعد وعيونه تلمع بقسوة واضحة: -أول ضربة ليك يا منصور الكلب عشان تعرف حجمك، تتعلم إن فريد مبيهددش وبس. ***
في منتصف النهار، انتهت حياة من مراجعة الملف للمرة العشرين والأخيرة، وكانت على وشك التحرك للخارج عندما انقطع التيار الكهربائي. زفرت بضيق، فقد كانت غرفتها من الداخل ولا تطل على أي نوافذ، وبالتالي فقد أظلمت بالكامل، وذلك الظلام يعني شيئاً واحداً، هو ذكرياتها مع ذلك العجوز البائس. لذلك خرجت مسرعة في اتجاه غرفة فريد. حاولت إيمان إيقافها وإخبارها أن السيد فريد قد طلب من الجميع عدم إزعاجه، ولكن يد حياة قد سبقتها واطرقت باب مكتبه وهي تهتف اسمه بارتباك. تحرك فريد نحو باب غرفته مسرعاً ريثما استمع إلى صوتها القلق. اندفعت حياة لداخل غرفته تبرر
بمجرد رؤيتها له بتوتر: -فريد النور قطع وأنا... زمان... قاطع فريد حديثها المضطرب قائلاً بحنو: -ششششش... تعال. أنهى جملته ومد ذراعه ليجذبها نحوه ويحتضن خصرها برفق، ثم رفع رأسه موجهاً حديثه لسكرتيرته بتلك النبرة الآمرة الجامدة: -متدخليش حد تاني... فاهمة؟
لم ينتظر إجابتها، بل أغلق الباب في وجهها بعد انتهاءه من إكمال جملته، ثم تحرك بحياة نحو الأريكة الوثيرة الموضوعة بداخل الغرفة، جالساً فوقها وساحباً حياة هي الأخرى نحوه. تحركت هي لتجلس بجواره، ولكنه أوقفها طالباً منها بابتسامة عابثة: -لا مش هنا... تعالي اقعدي هنا.
أشار لها بالجلوس فوق ساقيه الممدودة بكسل فوق الأرضية. اخفضت حياة رأسها بخجل وهي تتحرك لتجلس داخل أحضانه، متذكرة البارحة عندما سقطت تلك الحرباء بين ذراعيه بكل تبجح، وتذكرت أيضاً كيف راودها ذلك التفكير برغبتها في التسلل بين ذراعيه حتى تمحو ذكرى جلوس أخرى بأحضانه، حتى لو كان حادثاً كما ادعت. قاطع تفكيرها صوت فريد يسألها بترقب: -حياة... أنتي مش بتحبي الضلمة؟ أجابته بتردد وهي تعض على شفتيها:
-لو لوحدي بس، لما بيكون حد معايا عادي. صمتت قليلاً لتبلع ريقها بتوتر، ثم أردفت تقول وهي تشعر لأول مرة برغبتها في إخباره ومشاركته ذكرياتها: -لما أجبروني... أنت عارف يعني... كنت بطلب منه يطفي النور عشان مشوفش ملامحه ولا وشه، رغم إن ده مكنش بيفرق في حاجة، بس على الأقل مكنتش ببقى مجبرة أشوفه. وبعدها فضلت فترة بضايق أول ما النور بيطفي، لأني كنت بفتكر الأوضة بكل تفاصيلها. صمتت قليلاً تراقب تعبيراته المتجهمة
قبل أن تضيف بارتياح: -بس مبحسش بكده وأنت موجود، حتى لو في ضلمة. لم يعقب، ولكن بدلاً عن ذلك رفع إصبعه يتلمس جبهتها برفق وهو ينظر داخل عينيها، في حديث صامت مفاده اعتذار يشوبه الغيرة، مع نظرة أخيرة محملة بوعده بالأمان. ظلت تنظر إليه بهيام وهي تفكر باستغراب، فكيف ومتى استطاعت قراءة نظرته بكل تلك السهولة؟ جاءتها الإجابة من داخل قلبها ليقول دائماً: نعم، دائماً كانت تفهمه دون حاجته للحديث، حتى وهي تعاند وتدعي غير ذلك.
قطع نظراتهم جرس هاتفه الذي دوى بداخل الغرفة، فتحرك فريد ليتلقطه مسرعاً من فوق مكتبه، ثم عاد في اللحظة التالية إلى جلسته السابقة وهو يجذبها لتجلس مرة أخرى بين أحضانه. ظلت تراقبه بإعجاب وهو يتحدث إلى شخص ما بجدية شديدة بالفرنسية مكتملة، ويده الخالية تعبث بخصلات شعرها. وبعد انتهاء مكالمته، سألته بتذمر: -على فكرة أنت عمرك ما كلمتني عن دراستك ولا حكيتلي عنها. رفع إحدى حاجبيه مستنكراً وهو ينظر إلى تحولها الشديد، ثم
أجابها بنبرة شديدة الثبات: -يمكن عشان عمرك ما سألتي؟ ابتسمت له برقة وهي تحرك رأسها مستسلمة، فقد التقطت عتابه، ثم أردفت قائلة بمرح: -واديني سألت، اتفضل بقى احكيلي. تنهد مطولاً قبل أن يحاول إخراج نبرة عادية قدر الإمكان رغم الضيق الذي ارتسم بوضوح فوق ملامحه: -بصي يا ستي...
غريب بيه عشان يريح دماغه ويرضي جيهان هانم مراته، قرر يبعدني عنها، وساعتها مقررش يبعدني بس، لا ده قرر ينفيني بره البلد كلها، وشاف إن أفضل مكان لكده هي فرنسا، على اعتبار إن شركته كلها معاهم، ولما أعيش وسطهم وأتقن لغتهم هيكون التعامل سهل. وفعلاً سفرني وأنا عمري 12 سنة، دخلت هناك مدرسة داخلية، وعلى غير المتوقع مني، كانت درجاتي كلها عالية أهلتني إنه أدرس الهندسة الملاحية، يعني أساس شغلنا، تقدري تقولي من الآخر كده كنت صفقة رابحة لغريب بيه.
برغم نظراته الثابتة فوقها ونبرته العادية، إلا أنها شعرت بالمرارة تغلف كلماته، لذلك ودون شعور منها مدت إصبعها تتلمس وجنته وخطوط جبهته العابسة بحب وهي تسأله بحنان: -ومافكرتش تكمل دراسة بعدها بما إنك كنت مجتهد كده؟ أجابها هامساً وهو يقترب برأسه منها: -لا، مصدقت خلصت الجامعة ورجعت على طول. مقدرتش أفضل بعيد عن حياتي أكتر من كده. ابتسمت بخجل من جملته المعبرة وهي تحاوط وجهه بكفيها وتتمتم بمرح محاولة تغيير مجرى الحديث:
-آه وحضرتك بقى بقيت بتتكلم فرنسوي زي البلب، وأنا اللي أضحك عليا في الآخر. سألها مستفسراً وهو يضيق عينيه فوقها: -مش فاهم؟ أجابته باستطراد قائلة: -مش أنت كنت بتكره اللغة ورافض تتعلمها؟ أنا كمان لما دخلت المدرسة كانت مادة أساسية عندنا، وكنت بحضر الحصص بالعافية، ومكنتش بقبل أعمل الديفوار بتاعه. ولما كانت المدرسة بتعاقبني كنت بقولها إنه فريد قالي إنها لغة وحشة وأنا كمان مش هعملها. صمتت قليلاً، ثم أردفت
من بين ابتسامتها قائلة: -أنا كنت على طول بقول فريد، لما كان حد بيضايقني كنت بقول فريد، ولما كان حد بيسألني كنت بقولهم فريد، ولما كان بيقرب مني كنت بقول فريد. فضلت أقول فريد فريد لحد ما في يوم المدرسة بتاعتي قالتلي: أنا لازم أشوف فريد اللي مش بتتكلمي غير عنه ده. ازدرد هو لعابه بقوة، ثم غمغم آمراً بعيون تلمع بشغف: -قربي. ضيقت عينيها تنظر نحوه غير مستوعبة، فأردف يقول مفسراً:
-عارفة في كل مرة بسمع اسمي من بين شفايفك ببقى عايز أعمل إيه؟ هزت رأسها نافية في علامة على عدم علمها، فأردف هو هامساً أمام شفتيها: -ببقى عايز أعمل كده. أنهى جملته وقام بلثم شفتيها بنعومة، قبل أن تزداد عمق قبلته أمام تجاوبها معه. ابتعد عنها بعد قليل مستنداً بجبهته فوق جبهتها ومتمتماً بشغف: -هيجي يوم وهاخد ديني منك كامل عن كل مرة نطقتي اسمي فيها وكنت بعيد عنك. ابتسمت بخجل وهي تبتعد عنه قائلة بدهشة وهي تنظر حولها:
-فريد النور رجع. أجابها وهو يرفع شفتيه مقبلاً جبينها مطولاً: -النور رجع من بدري، بس أنا اللي مكنتش عايزك تتحركي من جوه حضني. ابتسمت قائلة بمرح: -طب دلوقتي ممكن أتحرك عشان أسلمك الملف اللي كنت مستعجل عليه؟ أجابها باندهاش: -أنتي فعلاً خلصتيه؟ أجابته بفخر: -أيوه طبعًا، أمال انت فاكرني هاوية ولا إيه؟ الملف بتاعك خلص من قبل ما النور يقطع، بس أنا اتوترت ونسيت أجيبه وأنا جايه. طبع قبله خاطفة فوق وجنتها
وهو يهمس بداخل أذنها بثقة: -أنا عارف إن حبيبتي أشطر حد في الدنيا كلها. كم أسعدها ثقته فيها وتشجيعه لها، وكم أسعدها أكثر أنه لا يُظهر هذا الجانب الرائع منه إلا لها فقط! لذلك، وقفت على أطراف أصابعها تطبع قبله خاطفة فوق وجنته، ثم ركضت للخارج دون النظر وراءها.
عادت حياة إلى غرفة مكتبها لتأخذ الملف وتعود به مرة أخرى إلى مكتب فريد لتسليمه له. استلمه فريد منها على عجالة وبدأ في مراجعته على الفور تمهيدًا لبدء اجتماعه. أما عن حياة، فقد عادت إلى غرفة مكتبها لمتابعة ما تبقى من مهامها اليومية. وبعد حوالي ساعة، رن هاتف مكتبها الداخلي لتجد إيمان تطلب منها الحضور إلى غرفة السيد فريد على الفور. توجهت نحو مكتبه بابتسامة ثقة، فهي على يقين أنها أدت مهمتها على أكمل وجه. طرقت غرفة مكتبه مستأذنة للدخول، ثم دلفت إلى الداخل بعد سماعها إذنه، لتجده جالسًا بعبوس فوق مقعده وهو يقلب أوراق الملف بحيرة بين أصابعه. نهض من مقعده بمجرد رؤيتها، ثم تمتم بجمود قائلًا:
-حياة، الملف ده فيه غلط 500 ألف جنيه زيادة عن الميزانية اللي طلبتها!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!