الفصل 22 | من 34 فصل

رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم شيماء يوسف

المشاهدات
20
كلمة
4,170
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 65%
حجم الخط: 18

ظل فريد يتأمل تلك الغافية بين ذراعيه والابتسامة البلهاء لا تفارق وجهه، خاصة وهو يتذكر عندما توقف في منتصف ما يفعله ليسألها بذهول: -حياة!!! انتي؟ كانت تعلم جيدًا سبب ذهوله وتترقب تلك اللحظة، لذلك هزت رأسها بإيجاب وهي تكاد تذوب خجلًا من نظرته ولمسته المراعيه، خاصة بعد هذا الاكتشاف.

رفرفت حياة بعينيها قليلًا، ثم فتحتهما بخجل شديد. ظل فريد على تأمله لها بصمت جعل وجنتيها يستحيلان للأحمر من شدة توترها وخجلها. تنهد هو بحرارة مقرراً قطع الصمت بينهما بسؤال، رغم سعادته الشديدة يتأكله فضوله لتلقي إجابته، لذلك هتف مستفسرًا: -حياة.. انتي إزاي لسه بنت لدلوقتي، والأهم ليه خبيتي عليا حاجة زي دي؟

ضغطت على شفتيها بإحراج شديد، وقد سلطت نظرها فوق صدره العاري متجنبة تلك المواجهة. فرغم ما حدث بينهما منذ قليل، إلا أنها لا تستوعب بعد مناقشة هذا الأمر معه. هتف فريد باسمها مرة أخرى ليحثها على الحديث، فهو ينتظر إجابتها على أحَر من الجمر. رفعت نظرها لمواجهته بمجرد سماعه ينطق اسمها بتلك النبرة المطمئنة، فتحدثت تقول بارتباك: -مش عارفة.. قصدي يعني إنه مكنش.. يعني مش بيقدر..

تركت جملتها غير مرتبة، فدقات قلبها المضطربة تمنعها من صياغة الجملة بشكل كامل صحيح. راقب فريد ارتباكها وترددها بتفهم شديد، وقد قرر إعطائها وقتها كاملًا حتى تستطرد هي حديثها من تلقاء نفسها دون ضغط منه. أخذت نفسًا عميقًا تهدئ به توترها، ثم حاولت النظر داخل عينيه بثبات، فهي أيضًا ينتابها الفضول لمعرفة رد فعله، ثم أردفت قائلة بهدوء نسبي:

-أنا فعلًا معرفش السبب، أنا كنت صغيرة وقتها ومكنتش فاهمة حاجة.. بس الأكيد إنه كان بياخد الحبوب دي عشان تساعده ومكنتش بتنفع. أخذت نفسًا عميقًا مرة أخرى، وقد بدأت ملامح وجهها تتمعض من هذه الذكرى، لذلك أثرت إنهاء الحديث قائلة بنبرة شبه حاسمة: -مش عايزة أفكر ولا أشغل دماغي.. بس كل اللي أقدر أقولهولك إن ربنا كان رحيم بيا أوي.

مد ذراعه واضعًا كفه فوق مؤخرة عنقها، ثم ضغط برفق شديد حتى يدنيها منه، طابعًا قبلة حنون مطمئنة فوق جبهتها، ثم أردف قائلًا بامتنان شديد: -ده ربنا كان رحيم بيا أنا. ازدرد لعابه ببطء قبل إعادة الجزء الأخير من سؤاله مرة أخرى بترقب: -طب ليه خبيتي عليا حاجة زي دي؟ عضت على شفتيها بإحراج لم يخفِ عليه، ثم أجابته مفسرة بنبرة شبه نادمة:

-بصراحة.. في الأول كنت عايزة أضايقك عشان انت أجبرتني أحكي مقابل تنفيذ رغبتي.. وبعد كده اتحرجت إني أحكيلك حاجة زي دي خصوصًا إن مكنتش مناسبة. ضيقت عينيها عليه تتبين رد فعله لحديثها بترقب شديد، ثم استطردت في تبريرها قائلة بنبرة صادقة: -والسبب الأخير.. كان في جزء جوايا صغير عايز يطمن إنك بتحبني بكل مشاكلي واللي حصلي، وإني دايما هفضل حياة القديمة بالنسبالك مهما حصلتلي من ظروف ضدي.

لمحت شبه صدمة تلوح من داخل عينيها قبل تحولها لنظرة فهم واضحة. تنهد براحة، ثم سألها بصوته الأجش وهو يجذبها بذراعه لتتوسد صدره: -أعمل فيكي إيه دلوقتي؟ لاحت على شفتيها ابتسامة لم يراها، ولكنها ظهرت جلية في نبرتها وهي تجيبه قائلة بحب: -اممم ممكن مثلاً تخليني هنا على طول.

هز رأسه موافقًا بشدة، قبل إدراكه أنها لا تراه، فعاد موافقته من خلال قبلتين قام بطبعهما فوق منابت شعرها. أغمضت عينيها تستمع بذلك الأمان الذي يجتاح روحها بمجرد اندساسها بين ذراعيه، فقد شاءت أقدارها ألا تتلقى ذلك الأمان والاحتواء إلا على يده. بعد فترة من الهدوء، كانت هي من قرر قطع الصمت هذه المرة، عندما رفعت جسدها لتنظر إليه داعمة ثقلها بمرفقها لتسأله بتوسل: -فريد.. ممكن أطلب منك طلب؟ أجابها مشجعًا ويده

تعبث بخصلات شعرها الثائرة: -حياة فريد تتآمر وهو ينفذ. ظهرت ابتسامتها ولمعت عيناها بعشق وهي تجيبه بنبرة رقيقة للغاية: -ممكن مهما حصل بينا.. ميعديش علينا يوم وانت مديني ضهرك أبدًا. انزلقت أصابعه حيث وجنتها يتلمسها برفق شديد بلمسات حانية، ثم أجابها هامسًا أمام شفتيها: -مع إنك مش محتاجة تطلبي.. بس أوعدك عمري ما هخليكي تنامي غير في حضني.

اتسعت ابتسامتها بسعادة شديدة وهي تعود لتندس داخل أحضانه، ويحيطها هو بذراعيه وقد أخذت مطلبها. حركت رأسها للأعلى قليلًا حتى يتسنى لها الاختباء بداخل عنقه، وهي تفكر بسذاجة طفلة صغيرة، ماذا سيحدث لو تحولت لعصفور صغير واتخذت من المسافة بين عنقه وكتفه ملاذًا دائمًا لها؟ أغمضت عينيها بسلام وتلك الفكرة تداعب قلبها العاشق.

فتحت حياة عينيها في الصباح فوجدت فريد يتأملها بصمت بمظهرها الفوضوي وشعرها المشعث بخصلاته الثائرة إلى جانب شفتيها المتورمة من أثر قبلاته وعلامات الحب التي تملأ عنقها وتمتد حتى كتفيها. إن مظهرها هذا يقوده للجنون، خاصة وهو يتذكر ما مرا به البارحة وذلك الاكتشاف المذهل الذي أعاد الحياة لروحه. تنحنح محاولًا تثبيت حلقه، قبل أن يحدثها مشاكساً: -شعرك منكوش على فكرة. جعدت أنفها ورمقته بنظرات شبه حانقة، وهي تلكزه بخفة فوق

كتفه وتغمغم متصنعة الضيق: -بطل تتريق عليا عشان ربنا هيرزقك ببنت شعرها شبهي وساعتها مش هيهون عليك تتريق عليها. ده غير إنه كده بسببك لو كنت سبته في حاله بليل مكنش بقى كده. تنهد بانتشاء وهو يمد إصبعه متلمسًا وجنتها، وقد بدأت عيناه تضوي بسعادة من مجرد التفكير بطفلة منه تنمو داخل أحشائها وتحمل ملامحها. أردفت حياة حديثها وهي تبادله ابتسامته بابتسامة ونظرة ناعمة، وهي تسأله بصوت أجش متحشرج من أثر النعاس:

-وبعدين ممكن أعرف بقى انت بتنام إمتى؟ أجابها وهو يبادلها ابتسامتها بأخرى واسعة: -أقولك سر. أخرجت صوتًا من حنجرتها ينم عن الموافقة، قبل أن تقول بمرح: -ااامممم قوليلي على سر. استطرد يسألها بخبث: -طب ولو قلتلك على سر هاخد إيه المقابل؟ ابتسمت بخجل وهي تمد إصبعها وتتلمس ذقنه ببطء قائلة بنبرة خفيضة مرتبكة: -اللي انت عايزه. أجابها بمكر وهو يقترب منها: -أنا عارف هاخد إيه، بس خلينا في السر الأول. ضغطت فوق

شفتيها وهي تسأله بحماس: -طب بقى قولي السر عندي فضول. دوت ضحكته وهو يمد ذراعه ليدنيها منه، قبل أن يقول بنبرة شبه مرحة: -أنا نومي خفيف جدًا، وأول ما بتتحركي من جنبي بصحى، بس كنت بعمل نفسي نايم عشان أسيبك براحتك. شهقت بمرح وهي تجيبه متصنعة الضيق: -يعني انت كل ده كنت بتضحك عليا!! حرك عينيه يمينًا ويسارًا، مدعيًا التفكير، قبل أن يقول بنزق: -أنا غلطان إني كنت بسيبك تتحركي براحتك.

أنهى جملته وهو يمد كلتا ذراعيه ليحيط خصرها ويرفعها قليلًا من فوق الفراش، وهو يسألها بصوت خفيض: -تعبانة؟ هزت رأسها نافية وهي تبتسم بخجل، فأردف مغمغمًا وهو يلتقط شفتيها بين شفتيه: -طب كويس. نطقت هي اسمه معترضة بدلال: -فرييييد هتتأخر. همس فريد أمام شفتيها بنبرة ناعمة مثيرة: -لما آخد مقابل السر الأول. حاولت مشاكسته والابتعاد عنه، ولكنه كان أسرع منها في أخذها بين يديه ويغيب بها داخل عالمهما الخاص والمليء بمشاعرهم المحبة.

بعد فترة لا بأس بها، كان فريد يرتمي بجسده فوق جسدها يحاوطها ويحتضنها، وبرغم ثقل وزنه فوقها، إلا أنها كانت سعيدة للغاية وهي تشعر بدقات قلبه قريبة من قلبها، وأنفاسه غير المنتظمة تلحف عنقها. غمغمت قائلة اسمه بنعومة شديدة، وهي تحرك كفها فوق ظهره بلمسات مداعبة: -فريد! أصدر صوتًا مكتومًا من حنجرته يحثها على الاستمرار، فأردفت تحادثه وهي تبتسم بهيام: -الوقت أتأخر على فكرة وانت اتأخرت أوي على الشغل.

رفع رأسه على مضض ينظر نحوها متفحصًا ملامحها بعشق شديد، وهو يجيبها بهمس ناعم: -إيه رأيك نلعب لعبة. هزت رأسها موافقة، وهي تضغط على شفتيها وتسأله بحماس شديد: -لعبة إيه؟ أجابها وهو يقوم بلثم شفتيها: -هقترح عليكي اقتراح، ولو موافقة قولي آه، ولو مش موافقة قولي لا. ابتسمت بحبور وهي تهز رأسها موافقة وعيناها تلمع بسعادة، فأردف يقول بنفس نبرته الهامسة: -إيه رأيك نقضي اليوم أنا وانتي النهارده سوا بعيد عن الشغل ودوشته.

كان يسألها وأصابعه تتحرك بلمسات خفيفة كالفراشة فوق عنقها، مما أفقدها القدرة على النطق، لذلك أصدرت صوتًا ضعيفًا من حنجرتها ينم عن الموافقة. ابتسم هو برضا مضيفًا، وهو لا يزال محافظًا على نبرته المثيرة: -وندي عفاف إجازة وتطبخيلي بإيدك، وأنا هحاول أساعدك.

أسدلت عيناها وهي تحرك رأسها موافقة، غير قادرة على إيجاد صوتها بسبب أصابعه التي انزلقت للأسفل لتتحرك فوق جسدها بلمسات مثيرة، ويتحدث وكأنه لا يفعل شيئًا. حرك رأسه هو الآخر موافقًا، قبل أن يضيف بمكر غامزًا لها بعينه: -وعايز تعمليلي كيكة شوكولاتة وأكلها زي ما أحب. ظلت تحدق به بهيام غير قادرة على إيجاد صوتها للإجابة، فأخفض رأسه مقتربًا بشفتيه من شفتيها، محركًا رأسه ومتعمدًا الاحتكاك بهما، وهو يسألها هامسًا:

-مسمعتش إجابتك على فكرة. كانت همهمة ضعيفة متقطعة هي كل ما صدر عنها كعلامة موافقة على اقتراحه الماكر. أردف هو قائلاً بخبث: -مادام اتفقنا يبقى فاضل آخر حاجة. رفعت رأسها تسأله بعينيها مستفسرة، فأستطردت يقول وهو يقترب منها: -توافقي على اللي هعمله فيكي دلوقتي. صرخت اسمه بمرح معترضة قبل أن تخمد مقاومتها ويختفي صوتها بين يديه، حيث لا طاقة لها على معارضته وهو يبث لها ذلك الكم من المشاعر الرائعة. ***

خرجت حياة من المرحاض وهي تحيط جسدها بمنشفة سوداء كبيرة، تاركة شعرها المبلل يقطر ماءه فوق كتفها وعنقها، مما أعطاها مظهراً مثيراً للغاية. ازدرد فريد لعابه بصعوبة وهو واقفاً أمامها يتأملها، وقد بدأت حرارة جسده في الارتفاع من مظهرها العفوي. مد ذراعه يجذبها نحوه ليحاصرها بين ذراعيه، ثم أخفض رأسه نحو شفتيها ليبدأ في تقبيلها.

ولكن حياة عادت برأسها للخلف متجنبة قبلته، وقد قررت أنه الوقت المناسب لبدء مصالحة فريد على نفسه، وأول خطوة لفعل ذلك هو إعادة العلاقة بينه وبين خالقه. لذلك قالت بتحفظ شديد مبررة ابتعادها عنه: -فريد.. هروح أصلي الأول. هز رأسه متفهماً، وقد بدأت يده تلقائياً ترتخي حول جسدها تاركة لها المجال للتحرك بحرية. ازدردت حياة لعابها بتوتر ثم أردفت بذلك السؤال الذي طالما راودها منذ حادثة الحفلة: -فريد ممكن أسألك سؤال؟

التقط توترها بسهولة بالغة، فضيق نظراته حولها يتفحصها بارتياب وهو يومئ لها برأسه كعلامة موافقة. أردفت هي تسأله بترقب شديد وبنبرة قلقة: -ممكن أعرف يعني آخر مرة.. يعني شربت كانت إمتى؟ أنهت سؤالها وكتمت أنفاسها في انتظار إجابته بترقب شديد للغاية، فهي تتذكر وعده لها تلك الليلة، ولكن جزءاً ما بداخلها يريد التأكد من إيفائه به. صمت قليلاً ثم أجابها بتعابير وجهه ونبرة جامدة للغاية: -يوم الحفلة.

تنهدت بارتياح، وارتخت ملامحها المترقبة، وبدأت رئتاها تعود للعمل بشكل سليم مرة أخرى، وظهرت الابتسامة جلية فوق شفتيها. ثم حركت كفيها تحتضن وجهه بينهما، وقد تعمدت النظر بداخل عينيه وهي تنطق بجملتها: -فريد عارف.. أنا نفسي أوي أنا وأنت نصلي سوا.

لم تنتظر إجابته، ولن تنتظرها الآن، فقد نطقت بأمنيتها وتركت له المجال ليتسوعبها. ثم طبعت قبلة مطمئنة فوق جبهته وتوجهت لخزانة ملابسه بعدما قامت بتجفيف شعرها استعداداً لبدء صلاتها، وقد تعمدت فعل ذلك أمامه.

كان فريد يعلم أنها تؤدي فرائضها كاملة، فحتى في منتصف الليل ومنذ انتقالها لغرفته كانت تنسحب من داخل أحضانه ثم تعود بعد قليل فيدرك أنها فعلت ذلك من أجل الصلاة. ولكن رؤيتها وهي تتلو آيات الذكر الحكيم أمامه بخشوع تام شيء آخر جعل قلبه يرتجف، وهو يعود للذاكرة حيث عمر السابعة عندما قامت والدته بتعليمه كيفية اسباغ وضوئه وإقامة صلاته، وكانت تحرص على تأديتها معه. بالطبع انتهى ذلك بموت والدته وسفره بمفرده للخارج حيث ثقافة جديدة مختلفة كلياً لم يقو على مقاومتها، وبدأ بعدها بالابتعاد شيئاً فشئ عن كل ما يخص دينه. ولكن تلك اللحظة بالذات أعادت إليه جزءاً من الحنين ظن أنه افتقده للأبد.

*** في الأسفل، شهقت حياة بسعادة وهي في طريقها للمطبخ، وقد تسللت لأنفها رائحة المخبوزات الفرنسية الشهية، والذي يرفض فريد رفضاً تاماً تناولها مدعياً الحفاظ على صحته. صفقت بيدها وهي تركض في اتجاه الطاولة وتهتف بنبرة طفولية سعيدة: -الله.. دادا عفاف متوصية بيا أوي النهارده. رفعت رأسها تنظر نحو فريد الذي جلس بالفعل أمام طاولة المطبخ يتناول إفطاره الصحي بجانب قهوته السوداء، وأردفت تقول لإثارة غيظه:

-والأهم إن كل ده ليا لوحدي. الحمد لله مش هاكل النهارده الأكل الغريب بتاعك ده. ضيق نظراته فوقها وهو يجيبها بحنق واضح: -أنا نفسي أعرف الأكل اللي بتاكليه كل ده بيروح فين؟ رمقته بنظرة حانقة قبل أن تجيبه بتذمر: -أولاً يعني دي طبيعة جسم على فكرة. ثانياً بقى أنا بدخل أوضة الجيم من وراك. رفع إحدى حاجبيه مستنكراً قبل أن يجيبها مقلداً نبرتها وساخراً منها: -عارف على فكرة. فرغ فاها وشهقت بصدمة قبل سؤال بعدم تصديق: -بجد!!!

أكيد دادا عفاف هي اللي قالتلك صح؟ هز رأسه نافياً، وهو يوشك على إنهاء طعامه قائلاً بلامبالاة: -معرفتش من حد.. إنتي اللي بتسيبي آثار وراكي. مسح فمه بمحرمة الطعام قبل أن يردف قائلاً بنبرته الآمرة: -ممكن بقى تبدئي تأكلي بدل ما عمالة تلفي كده؟ جلست على الفور بمجرد انتهاء جملته وشرعت في تناول فطورها، ولكن ببطء شديد مما أثار أعصابه، فقد كان يعلم جيداً أنها تماطله. هتف فريد بها بعد مدة من الوقت قائلاً بضيق:

-حياة ممكن تنجزي شوية بقالك ساعة بتاكلي!! مطت شفتيها بحزن قبل أن تجيبه متصنعة البراءة: -الله جعانة طيب أعمل إيه. أسدلت بعينيها للأسفل حتى لا يكتشف تمثيلها قبل أن تضيف متصنعة الحزن: -خلاص مش هكمل.. شوف إنت عايز إيه. زفر مطولاً قبل تحركه بالمقعد نحوها ثم مد ذراعه يحتضن خصرها ويقول باستسلام: -حبيبتي كلي براحتك بس إنتي بقالك أكتر من نص ساعة بتاكلي. عضت على شفتيها وقد بدأت ابتسامتها تلوح فوق شفتيها قائلة بمرح:

-على فكرة الكرواسون حلو أوي.. بجد دادا عفاف موهوبة.. بس إنت طبعاً مش بتاكل الحاجات دي. كانت تحاول إثارة حنقه بكل السبل والطرق الممكنة وتستفزه حتى يتناوله، ففي كل مرة تصنعه عفاف من أجلها يسخر منها ومن عاداتها غير الصحية، لذلك أقسمت تلك المرة على جعله يتناوله حتى يتوقف عن سخريته. قطمت قطعة أخرى منه وظلت تمضغها ببطء شديد وهي تراقب رد فعله، ثم مدت كفها في اتجاه فمه تسأله بنبرة هامسة: -دووق.. هتعجبك أوي على فكرة.

نظر لها مطولاً قبل أن يسألها بنبرة مرحة قائلاً بتهديد لذيذ: -إنتي قد اللي بتعمليه ده؟ سألته ببراءة مدعية عدم الفهم: -بعمل إيه مش فاهمه؟ ابتسم لها ببطء وهو يهز رأسه بتوعد قائلاً وهو يجذبها نحوه: -أنا ممكن أكله على فكرة بس مش هنا. ضيقت عينيها وعبس جبينها بعدم فهم حقيقي قبل أن تشهق بدهشة وهو يلتقط شفتيها بين شفتيه متمتماً بنبرة ناعمة كالحرير: -أكيد طعمه هنا أحلى بكتييييير.

في البدء، ظلت جامدة وهي تلوم نفسها على تهورها أمامه، قبل أن يتعمق هو في قبلته متذوقاً ما بداخل فمها، فلم تشعر إلا وهي تبادله إياها بنفس الشغف والتطلب. أخفض جزعه حتى يتسنى له وضع يده أسفل ركبتها وحملها وهو لازال يقبلها، ثم ابتعد عنها قليلاً قائلاً من بين أنفاسه اللاهثة وهو يتحرك بها نحو الدرج: -كفاية عليكي فطار لحد كده. ***

لم يسمح لها فريد بالعودة للأسفل مرة أخرى لأي سبب كان. وفي المساء، كانت حياة تحاول جاهدة فتح جفنيها من شدة الإرهاق والنعاس. غمغم فريد وهو يحرك يده على طول ظهرها: -حياة.. أنا جعان. أجابته حياة بنبرة ناعسة مرهقة وهي تحرك رأسها داخل تجويف عنقه: -فريد اتلم.. أنا تعبت وعايزة أنام. دوت ضحكته عالياً وهو يجيبها بصوت مختنق من شدة الابتسام: -مكنتش أعرف إن دماغك منحرفة كده.. أنا جعان بجد والله. رفعت رأسها تنظر نحوه متصنعة الغضب

وهي تجيبه بنبرة مؤنبة: -ما عشان حضرتك مفطرتش كويس وقضيتها تريقة عليا.. ده غير إنك اتهورت وعطيت لدادا عفاف إجازة من قبل ما تعملنا الغدا.. ثالثاً بقى ودي أهم نقطة إنك لهتني لدلوقتي ومخلتنيش أنزل أعمل أي حاجة. أنهت جملتها ثم عادت تندس مرة أخرى بين ذراعيه وتتوسد رأسها صدره. تجعدت ملامح فريد كطفل يتلقى التعنيف من والدته، ثم أجابها بضيق: -مش مهم.. هروح أطلب أكل من بره. انتفض جسدها من بين يديه وتحركت ترفع جسدها مستندة على

مرفقها قائلة بذعر شديد: -لا طبعاً.. إلا الأكل من بره ده. سألها فريد بعدم فهم: -مالك خفتي كده ليه؟ أجابته وقد بدأ صوتها يختنق وعيونها تلمع بالدموع من أثر الفكرة: -إنت ناسي إن في حد حاول يأذيك.. يعني ممكن ينتهز الفرصة دي ويعمل فيك حاجة زي ما عملوا قبل كده معايا. مسح فريد على وجنتها برقة بالغة ثم أجابها بنبرة أكثر رقة محاولاً تهدئة نظرة الرعب التي تطل من داخل جفونها:

-حبيبتي متخافيش.. عايزك طول ما إنتي معايا متخافيش من حاجة. تنهدت بعدم ارتياح وهي تعود وتدفن رأسها بتجويف عنقه حيث ملجأها المفضل وهي تغمغم برعب: -فريد مش عايزة أجرب إحساس الكام يوم اللي فاتوا ده تاني أبداً. -ششششش.. متخافيش أنا معاكي أهو. تفوه بجملته تلك بعدما طبع قبلة مطمئنة فوق شعرها وهو يحرك كفه فوق ذراعها العاري مهدئاً لها. بعد فترة من الصمت بينهما، تحدث هو قائلاً بمرح محاولاً تلطيف الأجواء: -حياة.. أنا لسه جعان.

لم يأتيه إجابة منها، فعاود قول اسمها ولكن هذه المرة بنبرة خفيضة للغاية، فلم يصدر منها سوى همهمة خفيفة علم من خلالها مع أنفاسها المنتظمة أنها ذهبت في نوم عميق. اتسعت ابتسامته وهو يتحرك ليلتصق بها أكثر متنازلاً عن فكرة الطعام ويستعد وهو داخل أحضانها لنوم عميق ظل يحلم بأن يزوره منذ سنوات طويلة، ويبدو أنه أخيراً قرر التعطف عليه.

في الصباح استيقظت حياة شاعرة بثقل ما يجثم فوق قفصها الصدري. فتحت جفنيها بتثاقل لترى فريد، ولأول مرة، رأسه تتوسط صدرها وذراعيه تلتف حول خصرها بقوة كأنه طفل صغير متشبت بها. قاومت إغراءً شديدًا في رفع ذراعها ودس كفها داخل خصلات شعره الناعمة، وبدلًا عن ذلك، آثرت عدم التحرك حتى لا تزعجه في غفوته.

وبعد ساعة من الجمود التام، بدأت تشعر به يتململ بهدوء داخل أحضانها. حركت كلتا يدها على الفور، واحدة تعبث بخصلات شعره والأخرى أحاطت جسده. لم يتحرك من موضعه ولم يصدر أي صوت يدل على استيقاظه، ولكنها علمت أنه استاق من أنفاسه التي أصبحت غير منتظمة وكفه التي تحركت تتشابك مع يدها. قطعت حياة الصمت قائلة بصوت رقيق للغاية: -على فكرة، أنا صحيت النهاردة قبلك وأنت محسيتش زي كل يوم، شفت إزاي؟

تحرك بجسده قليلًا حتى وصل إلى عنقها وقام بطبع قبلة ناعمة فوقه، ثم دفن رأسه بداخلها وهو يتمتم بنبرة ناعسة: -أنا فعلًا أول مرة أنام كتير كده. امتلأ وجهها بابتسامة رضا واسعة، ثم رفعت كفها لتستأنف تمسيد خصلات شعره برفق شديد وهي تقول بترقب: -فريد.. أنت عمرك ما حكيتلي حاجة من ساعة ما سبنا بعض، رغم إنك عرفت تقريبًا كل حاجة عملتها من يوم ما بابا قرر نتنقل لحد ما رجعت تاني. رفع جسده قليلًا، متخذًا من مرفقه حاملًا له،

قبل أن يجيبها بنبرة جامدة: -عايزة تعرفي إيه بالظبط؟ رفعت رأسها هي الأخرى، تطبع قبلة خاطفة فوق شفتيه، ثم أحاطت وجهه بكفيها وهي تجيبه بحماس: -عايزة أعرف كل حاجة. لمحت سحابة حزن خاطفة مرت بعينيه قبل أن يبتسم لها بمكر وهو يمد ذراعيه أسفل جسدها استعدادًا لحملها، قائلًا بمرح شديد: -اممم.. بليل هقولك كل حاجة، بس دلوقتي مش هينفع. سألته باستنكار: -ليه بقى؟ أجابها وهو يتحرك بها من فوق الفراش، قائلًا بنبرة هامسة مثيرة:

-عشان عندنا شغل، وقبل الشغل لازم ناخد دش. شهقت حياة بخجل وهي تضرب بقدميها في الهواء محاولة الإفلات منه، ولكنه تأكد من إحكام لف ذراعيه حولها قبل اختفائه بها داخل الحمام. ***

في الخارج، وقفت حياة بجسد جامد أمام المقر الرئيسي للشركة، وتحديدًا أمام مدخلها الذي شهد إصابته. أغمضت عينيها بقوة محاولة طرد تلك الذكرى الأليمة التي ومضت أمام عينيها عن يوم إصابته. شعر فريد بكفها يضغط فوق كفه كأنها تستمد منه قوتها. تحركت نظراته هو الآخر حيث موقع نظراتها قبل أن يفهم سبب توجسها. مال برأسه ليهمس داخل أذنها بنبرة مطمئنة: -أنا معاكي على فكرة.

حركت رأسها ببطء، رافعة نظرها نحوه وهي ترمقه بابتسامة باهتة، استقبلها هو وبادلها إياها بأخرى مشجعة، قبل أن يتحركا معًا يدًا بيد نحو الداخل. بمجرد خروجهم من المصعد ووصولهم نحو الممر المؤدي لغرفته، لمحت حياة نجوى تهرول في اتجاههم، ثم توقفت بأنفاس لاهثة أمامهم، قائلة بحماس شديد:

-فريد، أنت اتأخرت أوي النهاردة وأمبارح كمان مكنتش موجود، وأنا كنت عايزة أبلغك إن الشركة الجديدة اللي اتكلمت معاها بخصوص الماركتينج عايزة تاخد ميعاد معاك بكرة. حاولت حياة إثارة غيظها لذلك، وبمجرد رؤيتها، مالت برأسها تستند على كتف فريد ورفعت كفها لتحاوط ذراعه بتملك واضح، أما كفها الآخر فظل يتشابك معه بحب. هز هو رأسه موافقًا بعدم اهتمام، ثم أجابها على عجالة:

-تمام.. هات لي ملف العرض بتاعهم أراجعه قبل ما أكد لكِ الميعاد بكرة. أنهى جملته وجذب حياة خلفه متجهًا بها نحو غرفته دون انتظار إجابة نجوى. حدقتهم نجوى بنظرات غل صريحة وهي تتابع سيرهم جنبًا لجنب ونظرات عشقهم الواضحة للعيان، وهي تقول بتوعد صريح: -ماشي يا بنت ****.. مبقاش نجوى إن ما قلبت الدنيا عليكِ، بس ألاقي فرصتي. في الداخل، وقف فريد قبالتها بعدما تأكد من إحكام غلق الباب خلفهم، ثم جذبها نحوه مشبكًا يده خلف ظهرها

وهو يسألها بنبرته العابثة: -مينفعش تشتغلي هنا النهاردة. أجابته بابتسامة واسعة وهي ترفع كفيها وتتلمس صدره القوي: -أنت عارف كويس إن لو قعدت هنا مش هتشتغل. اخفض رأسه حتى تلامست شفاهم سوياً، ثم غمغم أمامهما بصوته الأجش، فشعرت به ينطق الكلمات من خلال فمها: -اقعدي وجربي. نطقت اسمه بدلال ناعم: -فريييييد.. طبع قبلة خاطفة فوق شفتيها وهو يجيبها باستسلام: -خلاص.. اتفضلي روحي، بس خليكي عارفة إن أنا بجمع لحد بليل.

رمقته بنظرة عاشقة وهي ترفع جسدها على أطراف أصابع قدميها لكي تطبع قبلة ناعمة فوق وجنته، ثم تركته وانصرفت مسرعة حتى لا تستسلم لرغبة قلبها في البقاء بجواره.

في منتصف اليوم، جاءها اتصال هاتفي من سكرتيرته تطلب منها التوجه إلى غرفته على وجه السرعة. ركضت حياة مسرعة نحو غرفته وهي تشعر بالقلق من طلبه المفاجئ، فالملفات التي بين يديها لا تستدعي طلبها بهذا الشكل العاجل. طرقت الباب ولم تنتظر الإجابة، بل دلفت للداخل على الفور. وبمجرد دخولها، تفاجأت بيده تجذبها حتى اصطدم جسدها بصدره القوي، ثم احتجزها بينه وبين الحائط وهو يتمتم أمام شفتيها قائلًا بنبرة مثيرة للغاية: -وحشتيني.

زفرت حياة بارتياح قبل أن تقول وهي تبادله قبلاته المتطلبة بأخرى مشتاقة: -فريد، إحنا في المكتب.

لم يعرها اهتمامًا، ولم يجد الوقت ليجيبها، بل ظل يعمق من قبلاته حتى تناست جميع ما حولهم، ورفعت كفها تضعه فوق عنقه وتضغط عليه حتى يدني منها أكثر. بعد فترة من الوقت، أبعده عنها ذلك الهاتف الذي ظل جرسه يدوي بلا توقف. تحرك فريد ليلتقطه من فوق مكتبه، ثم أجاب بهدوء شديد وهو يعود لنشر قبلاته فوق وجهها مرة أخرى، كأن الأمرين لا يتعارضان مع بعضهما البعض على الإطلاق. تساءلت حياة وهي تبادله قبلاته كيف يستطيع التركيز في كلا الفعلين معًا؟

أنهى مكالمته دون الرد بكلمة واحدة، فقط استمع إلى الطرف الآخر، والذي علمت حياة أنه رجل من صوته الذي كان يصل إليها بوضوح بسبب اقتراب فريد والهاتف من وجهها.

أغلق فريد الهاتف ودسه في جيب بنطاله دون حتى كلمة وداع، ثم عاد ليلتهم شفتيها مرة أخرى. غمغمت حياة باعتراض ضعيف، محاولة إيجاد إرادتها في الابتعاد عنه، فقد بدأ جسدها بأكمله يستجيب له، وهي تعلم تمام المعرفة أن ما يقومان به هو قمة التهور. استجاب فريد لاعتراضها وبدأ يحرر شفتيه من بين شفتيها وهو يلهث من فرط مشاعره، قبل أن يبلغها بصوت أجش: -حياة.. أنا لازم أسافر بكرة الصبح. عقدت حاجبيها معًا وهي تسأله بقلق شديد:

-في حاجة حصلت؟ هز رأسه نافيًا، وهو يعاود تقبيل شفتيها بقبل متفرقة، شارحًا لها من بين قبلاته: -مفيش حاجة مهمة.. بس حاجة لازم أخلصها بنفسي. هما يومين ومش هتأخر عليكي. هزت رأسها بإيجاب، وقد بدأت تشعر بالإحباط يتملك منها من فكرة بعده عنها، ولكنها حاولت إخفاء ذلك بمهارة لم تخفَ عليه. أعطته ابتسامة واسعة وهي تستدير نحو الباب لتتركه يرتب أمور سفره. ***

دلفت نجوى غرفته بعد خروج حياة بفترة لا بأس بها، وفي يدها ملف تلك الشركة التي وكلت إليها مهمة التنسيق معها. تحدثت معه بعملية شديدة كانت تتميز بها وهي تضع الملف أمامه: -فريد، ده الملف اللي طلبته مني عشان تراجعه قبل الاجتماع مع الشركة. ياريت تقولي رأيك الأخير فيه قبل ما أكد لهم الميعاد بكرة. أجابها فريد بجمود دون رفع نظره نحوها، فقد كان غارقًا في الملفات التي أمامه والتي تحتاج مراجعة وتدقيق قبل سفره:

-مش هينفع بكرة يا نجوى خالص.. أنا مسافر يومين ولما أرجع نبقى نحدد لهم ميعاد تاني. لمعت عيني نجوى بمكر واتسعت ابتسامتها، فيبدو أن الحظ وضع الفرصة التي تبحث عنها أمام عينيها من جديد. لذلك اندفعت تقول بلهفة شديدة مدعية الارتياح: -كويس أوي.. أنا كمان مكنش يناسبني بكرة لأن بابي طلب أسافر له ضروري وأنا كنت هأجل عشان الاجتماع ده، دلوقتي أقدر أسافر وأنا مطمنة. بس مقلتليش طيارتك الساعة كام؟ أجابها فريد بعدم اهتمام وهو لا

يزال ينظر بداخل الأوراق: -الصبح بدري. هزت رأسها بسعادة، ثم استأذنته في الخروج قبل ركضها نحو إيمان تطلب منها حجز تذكرة ذهاب لإيطاليا غدًا صباحًا مهما كلفها الأمر. بعد فترة ليست بطويلة، وبسبب ازدواج جنسيتها، استطاعت إيمان إتمام الأمر بمنتهى السهولة، حتى أنها قامت بطبع تذكرة السفر وسلمتها لها. استلمتها نجوى منها بسعادة غامرة وأخفتها جيدًا بداخل حقيبة يدها، ثم تحركت للتنفيذ خطوتها التالية.

ظلت نجوى تراقب الممر منتظرة خروج حياة من غرفتها لأي سبب كان حتى يتسنى لها إبلاغها بالأمر. وبالفعل، بعد حوالي ساعة، خرجت حياة من غرفتها متجهة نحو مكتب إيمان، حيث أصبحت عادتها في الأيام الأخيرة قضاء وقت راحتها معها. بمجرد رؤية نجوى لحياة، وقفت تعطيها ظهرها وقد تظاهرت بالحديث داخل هاتفها المحمول، قائلة بخبث شديد وبصوت مرتفع نسبيًا حتى تتأكد من وصول حديثها لمسامع حياة:

-أيوه يا بنتي، زي ما بقولك كده.. اتفقنا نسافر سوا بكرة وهو ضحك عليها وقالها إنه شغل. تسمرت حياة في مكانها، وأبلعت لعابها بصعوبة، وقد بدأت تشعر بدقات قلبها تتعالى توترًا، ولكنها قررت تجاهل كل ذلك الأمر والمضي قدمًا. أسرعت نجوى تضيف بعدما رمقت حياة بنظرة جانبية ورأتها على وشك التحرك:

-يا بنتي، بقولك اتفقنا وحجزنا سوا خلاص وهنتقابل بكرة في المطار، بس هو طلب مني كل واحد يحجز لنفسه أحسن عشان منجازفش يعني، وخصوصًا إن مراته معانا في الشركة. شعرت حياة بانقباضة قوية داخل قلبها وبدأت الدموع تغزو مقلتيها وهي تفكر بحزن: أيعقل أن يفعل بها فريد ذلك، خاصة بعد ما حدث بينهم؟ نفضت رأسها من تلك الأفكار وهي تستأنف طريقها نحو الخارج، فهي تثق بزوجها ولن تسمح لتلك الحرباء بإفساد صفو حياتها.

ظلت حياة شارده خلال ما تبقى من يومها. فكلما نفضت تلك الأفكار المسمومة من داخل رأسها، عادت إليها مرة أخرى. وبعد طول تفكير منها، قررت مواجهة فريد والاستفسار منه. نعم، بمجرد وصولهم للمنزل ستسأله، وإذا تطلب الأمر ستطلب الذهاب معه بدلاً من جلوسها هنا بداخل مكتبها يتأكلها التفكير والقلق.

انتهى اليوم، وكعادة فريد اليومية، توجه نحو غرفة حياة لاصطحابها من داخلها والتحرك معًا يدًا بيد نحو الخارج. بالطبع، كانت تلك الفرصة التي تعول عليها نجوى لتنفيذ آخر خطوة من مكيدتها. فظلت واقفة قرب غرفة حياة منتظرة وصول فريد اليومي في نفس الميعاد تقريبًا. وبالفعل، انزوت بعيدًا بمجرد رؤيته يتحرك داخل الممر. وبمجرد وصوله أمام غرفة حياة، سارعت نجوى توقفه بيدها وتقول له بصوت مسموع حتى تتأكد من استماع حياة لها:

"فرييييد.. أنا حجزت التذكرة على فكرة زي ما اتفقنا، وكده بكرة هنتقابل في المطار الصبح." عقد فريد حاجبيه معًا بعدم فهم، قبل أن يفتح فمه ليستفسر منها. ولكن نجوى قاطعته قائلة بخبث: "إن شاء الله تبقى رحلة سعيدة وننبسط بيها." أنهت جملتها وهرولت نحو الخارج لتقطع عليه أي طريق للاستفسار أو التصحيح، تاركة فريد ينظر في أثرها بعدم فهم، قبل دخوله لغرفة حياة، والتي بالطبع استمعت لما تفوهت به نجوى، وأصبح وجهها شاحبًا يحاكي الأموات.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...