وانا افتش في هاتف زوجي المتوفى من أربعة أشهر في حادث سير، أطلت صورة لأختي نيرة في شقتها برداء المنزل. نيرة مبتسمة في الصورة بارتياحية مستفزة. عاصم، زوجي، كانت تجمعه علاقة متوترة بنيرة، والتي كانت لا تطيق سماع صوته أو حتى رؤية شكله. وكان عاصم يكرهها لأنها الوحيدة التي اعترضت على زواجنا علانية ولم تحضر حفل زفافنا. مسحت دموعي بكم قميصي. الصورة نقية، نيرة تبتسم للشخص الذي صورها، تشعر أنهم مقربون.
أعرف أن زوج نيرة خارج البلاد منذ أكثر من عام. روحت أفكر كيف وصلت هذه الصورة لهاتف زوجي؟ لماذا كان يحتفظ بها؟ أخرجت هاتفي وتفحصت الصور في الاستديو. فكرة ربما عاصم نقلها بالخطأ من هاتفي. لم أجد ولا صورة لنيرة داخل هاتفي. هاتفت نيرة وكنت منقطعة منذ مدة طويلة عنها. سألتها عن حالها وتدحرجت بالكلام عن عاصم زوجي المتوفى.
لم تتريث نيرة، هاجمت عاصم مثل كل مرة وأكدت لي خطئي بالزواج منه وأن علي حياتي أن تمضي وأجد شخصًا آخر غيره ولا أسمح للماضي أن يقتلني ويتلف حياتي. قلت بخجل: "وجدت صورة لك في هاتف عاصم! لم تندهش نيرة، قالت بثبات: "ماذا تنتظرين من شخص فاسق كان يسير على حل شعره ويفعل ما يرغب به." قلت: "الصورة بملابس البيت وتظهر خلالها أنوثتك الطاغية؟
تنهدت نيرة: "حاولت أن أخبرك يا سارة أن خطيبك كان يلتهمك بعينيه ولم تستمعي لي، أظن تتذكرين ذلك؟ كنت أتذكر فعلاً ذلك عندما اشتكت نيرة من نظرات خطيبي. الغريب أنني لم ألاحظ عاصم ينظر لنيرة مثلما ادعت في تلك الفترة، ولا حتى مرة واحدة. وعندما تكون حاضرة كان يرحل فورًا ولا يتحدث إليها. أنهيت المكالمة وعقلي يعم بجد، عاصم كان يذهب للعمل ويعود فورًا للشقة. لم يكن يمتلك أصدقاء يسهر معهم حتى أنصاف الليالي.
كان في رفقتي دوماً ولم ألاحظ تلكؤه ولا مرة. نظرت للصورة مرة أخرى قبل أن أحذفها. في يدي نيرة طبق تغسله بداخله بقايا طعام ملتصق، الماء يسيل من الحنفية، رأسها تجاه المصور بابتسامة عريضة. شعرها منسدل بلا ترتيب فوق كتفها وظهرها. على الحامل طبق آخر ينتظر دوره في الغسل وبقايا قطع فاكهة متروكة على الجانب. بقع ماء على أرضية المطبخ أسفل قدمي نيرة. ضغطت على علامة الحذف وثبتت يدي لحظة.
إذا كانت نيرة تعيش بمفردها، فمن الذي قام بالتقاط الصورة؟ نيرة لا تمتلك أطفال، والأطفال لا يلتقطون هذه الصور النقية. فكرة مرة أخرى أن أهاتف نيرة وأسألها، لكنني أدركت أن هذا الأمر سيزعجها ويوضح لها أنني ربما أحمل شكًا تجاهها. ومن الوارد أن تكون أختي الأخرى أو والدتي أو حتى أخي كان في شقتها والتقط الصورة. سأمسح الصورة، قررت أخيرًا أن أحفظ ذكرى زوجي ولا أسمح للشك بعد وفاته أن يوسخها. بعد ثلاثة أيام.
أعددت كوب شاي خفيف، سكر زيادة. الساعة كانت تقترب من العاشرة ليلاً. أشاهد فيلمًا أجنبيًا وأنا متكومة تحت بطانية خفيفة. الطقس بارد، لا تكاد تشعر بأطرافك. هاتفي بين يدي، أتصفح جروبات أدبية. أقرأ قصصًا كثيرة لا معنى لها تنقذني من الملل. تبدأ بيوم الدخلة، مزق ملابسها، اغتصبني فلان وعلان، قصص رخيصة لكنها مسلية حتى نهاية الفصل الأول ثم يفشل الكاتب أو الكاتبة في إيجاد الكلمات. أقلب في صفحات الفيس. تمر قصة خلف قصة خلف قصة.
مر مشهد في التلفاز أشعرني بالرعب جعلني أحتضن ركبتي بخوف. لا أقرأ كتبًا ورقية مطبوعة، لا أستطيع شراءها ولا حتى إكمالها. مرت قصة أخرى بلا عنوان، عبرتها دون قراءة. لم يجذبني أول سطر فيها، لكن آثار انتباهي تعليق ملفت. كتب أحد المتابعين للقصه: "رائع رائع رائع رائع" بصورة مستمرة منفّرة. عدد لايكات القصة قليل مقارنة بالقصص الأخرى. "ما هو الرائع الرائع؟ " تساءلت بسخرية وأنا أجبر نفسي على القراءة.
"مطلوب فتاة حزينة"، كان اسم القصة مكتوبًا بلا عناية في آخر سطر مع صورة لرجل غامض يرتدي قناعًا في فمه لفافة تبغ تشعرك أنه مهرج. كنت أول مرة أرى فيها اسم ذلك الكاتب وكانت القصة تتحدث عن جريمة قتل. قرأت الفصل الأول بعناية وأنا أهمهم: "لا بأس به." عدد لايكات القصة ٢٨. الكاتب لم يرد على أي تعليق. اسم الكاتب مونت كارلو. أكره الحسابات المزيفة لذا نحيت الهاتف جانبًا ونمت على الكنبة في مكاني. داخل الشقة.
سمعت طرقات الباب المزعجة. جسدي مكسر من نومة الكنبة وأنا ملتحفة بالبطانية. نهضت افتح الباب. "نيرة؟ " تساءلت وأنا أضم شفتي. أختي لا تضع قدمها في شقتي منذ زواجي وحتى الآن. "تفضلي،" قلت مستدركة دهشتي وغبائي. هبت رائحة عطر نيرة في أنفي. بقوامها الممشوق، قميص أحمر ضيق وتنورة مجسمة. عيونها الخضر حقل داخل وجهها الأبيض المستدير. حذاء أسود بياقة عنق طويلة، حقيبة كتف صغيرة مميزة ماركة جيوفاني.
لطالما كانت نيرة كتلة جاذبية مدمرة مستفزة من الجمال. وكنا نعرف أنا وأختي أن ولا واحدة منا ستتزوج قبل أن تخرج نيرة من شقتنا رغم أنها أصغرنا سنًا. "أنت تعيشين في مزبلة!؟ " قالت نيرة وهي تمسح الشقة بعيونها. "أكاد أشم رائحة عفونة الأطباق." "أنا هشرب قهوة،" أردفت نيرة دون أن أسألها. أعددت القهوة وأنا أفكر. لما تذكرتني نيرة الآن؟ لدي نيرة اهتماماتها الخاصة بالموضة وتمتلك شلة فتيات تشبهها. "فين الصورة يا سارة؟
دخلت نيرة في الموضوع، تكفلت عني بعدم إضاعة الوقت. "في تليفون عاصم، لحظة واحدة وهخليكي تشوفيه." "أنا مندهشة كيف وصلت الصورة لهاتف زوجك؟ "أنا كمان! " صرخت كي أسمعها. احتست نيرة القهوة وهي تعاين الصورة وتغرقني بأسئلة تافهة قبل أن تقوم بحذفها بنفسها وتودعني في عجالة وترحل. جلست مع نفسي، كنت أعرف أن نيرة لا يهمها غير نفسها. أخطأت حينما فكرت أنها من الممكن أن تكون مهتمة بي كأخت حزينة وحيدة.
فنيرة لا يهمها سوى نفسها وتضع مصلحتها قبل أي شخص. بعد ساعات عندما هبط الليل وراحت الوحدة تلقي بغطائها من حولي. فتحت الفيس. ظهر أمامي "مطلوب فتاة حزينة"، نفس القصة مرة أخرى كأنها تتعاندني. كان هناك أكثر من جزء على ما يبدو وكنت أقرأ الفصل الثالث وبدأت أستمتع بالقصة البوليسية التي تحل ألغاز قضية غامضة. كلمات الكاتب كانت مستفزة لحد بعيد، يكاد يشعرك أنه يعرف كل شيء. وأولئك الذين يدعون معرفة كل شيء يفتقدون الحكمة.
فتحت صفحة الكاتب الذي يضع صورة طفل بريء كواجهة لمتصفحه الكاذب. استغرقت وقت طويل حتى أعرف أن لا أحد يعرفه حق المعرفة وأنه شخص غامض ومريب. لكن أفكاره أعجبتني. كانت المرة الأولى التي أرسل فيها رسالة لأي شخص غير زوجي. كتبتها وأنا أشعر باليأس: "أريد مساعدتك". ثم أغلقت هاتفي ونمت. عندما فتحت عيني توقعت أن أجد سيلًا من الرسائل تغرق الماسنجر. لكني رأيت رسالتي تجلس وحيدة داخل الصندوق مع "seen" وعدم رد.
أطلقت لعنة ومسحت الرسالة، ولومت نفسي لطلب المساعدة من شخص مزيف لا أعرفه. بعد أسبوع كامل وكنت أتصفح الفيس كالعادة. وصلتني رسالة مقتضبة: "كيف أخدمك؟ كانت من هذا الشخص وتعجبت كيف قرأ رسالتي الممسوحة. تباطأت دقيقة أفكر، وكنت غيرت رأيي بالفعل. ثم كتبت: "لا شيء، الرسالة وصلت بالخطأ." كتب: "لا مشكلة." وصلتني الرسالة دون أي تعقيب. لا أعرف لماذا، لكن شعرت أن هذا الشخص من الممكن أن يساعدني فعلاً. كتبت بخجل: "أحتاج رأيك."
وكنت أظن أنه لن يرد. "تفضلي." وصلتني هذه الكلمة بمفردها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!