شرعت أكتب له قصتي وكنت أكتب ببطء. كتب لي: "إذا كنت لا تمانعين، ابعثي لي رسالة مسجلة". لم يطلب مني الحديث في الهاتف. أخذ مني ذلك أكثر من ساعة. أرسلت الفويس وانتظرت رده. كتب: "سأسمع الفويس وأخبرك برأيي". كان جادًا جدًا لدرجة تشعرك أنه غير مهتم، أو أبعد من ذلك، يشعر بالضيق. جلست في الصالة وكنت لم أغسل وجهي بعد. الساعة الحادية عشرة ظهرًا. أعددت فنجان قهوة والتهمت قطعة كيك.
حاولت أن أمنع عقلي عن التفكير وظللت ساكنة أكثر من نصف ساعة. حتى وصلتني رسالة منه: "صوتك جميل". زممت شفتي وأطلقت لعنة. الرجال كلهم واحد. وأنا التي كنت أظن أنني عثرت على المساعدة، وجدت رجلًا يتغزل بصوتي؟ انتظرت لعله يكتب أي شيء آخر. ولم يحدث ذلك طوال فترة الظهيرة، مما أصابني بالقلق والضيق. اقتحمت متصفحه مرة أخرى أفتش عن شخص يعرفه في تعليق أو رسالة. لا أحد يعرفه، والبعض يطلب رؤيته. زادني ذلك شكًا وريبة.
مر النهار وحل ليل كئيب آخر. وأنا أرمق هاتفي بفضول حتى ظننت أن ذلك الوغد نسى مشكلتي وكل شيء يخصني. ومضى معظم الليل ولم يصلني أي شيء. قررت النوم وتمددت على سريري. سأتناسى كل ذلك وأريح دماغي. في الصباح عندما فتحت هاتفي، كانت هناك رسالة مطولة في صندوق الماسنجر. أنهها برغبته في محادثتي عندما أكون خالية من المشاغل. فكرت أن أمسح المحادثة وأنهي كل تلك المهاترات. لكن فضولي منعني. "هناك أمر هام علي مناقشته معك". كتبت: "تفضل".
"لديك الصورة؟ قلت: "لا، الصورة تم حذفها". (إيموشن غاضب) متبوعًا: "أتمنى أن تكون ذاكرتك حاضرة حتى لا نفسد الأمر برمته". شعرت بالغضب وكتبت: "إيه؟ "اشرحي لي الصورة بالتفصيل؟ كتبت كل شيء أتذكره، وأنا أعرف عدم جدوى كل ذلك. "الأطباق؟؟؟؟؟؟ (علامة استفهام) مكتوبة. كتبت: "مالها؟ "وضحي لي نوع الطعام في الأطباق؟ كتبت: "أحكي لك عن مشكلة وكل ما يهمك نوع الطعام".
"اسمعي، إن كنتِ تظنين أنها مزحة، أغلقي هاتفك ولا ترسلي لي مرة أخرى. لا أحتاج أن أبرر نفسي لك. طلبتِ مساعدتي. ماذا تنتظرين مني؟ أن أغني لك أغنية؟ افتحي فمك من فضلك، أجيب على الأسئلة". ورغم أن نبرته كانت عنيفة تشعرك بالغيظ، إلا أنها جعلتني أضحك. يعتقد نفسه محقق شرطة. المهم كتبت نوع الطعام. "تتذكرين أن كان نوع الطعام هو نفسه في الطبقين؟ كتبت: "نعم".
"جيد، هذا يعني أنهم كانوا شخصين وليس شخص واحد. لو كان شخص واحد لاكتفى بطبق واحد من نفس النوع". كتبت: "أخبرتك أنه من الممكن أن تكون أختي، أخي، والدتي! كتب: "اللعنة! بربك أرحميني من تعليقاتك. هل تعتقدين أن أختك نيرة المتكبرة المغرورة التي ترتدي ساعتها ماركة أنالوج في المطبخ ستمنح تلك الابتسامة الرائعة لأي شخص؟ لم تكن والدتك ولا أختك ولا أي شخص من عائلتك، أنا متأكد". لم يقنعني استنتاجه. كتبت: "إنني غير مقتنعة".
كتب: "أراهنك أن تكشفي كل أسرارك أمامي إذا كان تحليلي صحيح. في المقابل، لن أرسل لك حرفًا آخر إذا كنت خاطئًا". وقبل أن أكتب الرد، رحل مع كلمة: "في انتظارك! قصدت منزل والدتي. كانت المرة الأولى بعد وفاة عاصم التي أغادر فيها شقتي. سألت أختي أولًا وقالت إنها لم تذهب لشقة نيرة مطلقًا. أخي أيضًا أكد أنه لم يقم بزيارتها مؤخرًا. والدتي قالت إنها زارت نيرة. ابتسمت، كل توقعاته فشنك.
وكدت أنهي المسألة لولا أن والدتي قالت إنها لم تتناول الطعام مع نيرة وكانت متأكدة من ذلك. في طريقي نحو المنزل، أرسلت له رسالة: "توقعك في محله". وكنت أعرف أنه سيلطعني ساعة أو أكثر حتى يتفضل علي برده. لكنه أرسل رسالة سريعة: "يجب أن أراك، حددي مكان وموعد". ارتعشت يدي وأنا أفكر. ماذا يعتقدني؟ فتاة ليل؟ لا يمكنني إلا أن ألوم نفسي لطلب المساعدة من شخص غريب غامض متكبر. كتب: "انت بتقول إيه؟
ده لا يمكن يحصل، انت مجنون، انسى كل حاجة، أنا غلطانة إني كتبت لك، بعد إذنك لا ترسل ولا أي كلمة أخرى". وأغلقت هاتفي. قضيت يومًا مملًا آخر. وكانت صورة عاصم تظهر لي كلما شردت ونيرة في حضنه. أبعدت تلك التخيلات عن عقلي. إنها أختي من لحمي ودمي. لكن عقلي الشرير لم يتوقف عن الثورة والهيجان. معقول عاصم بيخونى؟ انتحبت بشدة حتى تقيأت معدتي. ما حدث قد حدث. ما الفائدة الآن إن كان عاصم خائنًا من عدمه؟
سأوسخ سمعة أختي أمام العائلة وزوجها. ربما كانت جارتها، صديقة لها من التقط الصورة وكل شكوكى لا محل لها. مضت اثنتي عشرة ساعة ورسالتي لم يتم قراءتها. حتى اعتقدت أن هذا الوغد لديه خاصية ما تسمح له قراءة الرسائل دون أن تظهر عندي. استحقرت نفسي وقررت مسح الرسائل وتبليك صفحته. لكن كرامتي منعتني. سأترك الرسالة حتى يقرأها ويعرف أنني لست فتاة سهلة أو رخيصة. بعد أربعة وعشرين ساعة، وصلتني رسالته: "لا مشكلة، مع السلامة".
كنت أتوقع قصيدة عن الشرف والأمانة. أن يدافع عن نفسه، أن يتهمني بأي شيء. لكنه كتب: "مع السلامة". جلست أفكر رغمًا عني. لو كان يعتقدني فتاة سهلة أو حتى سيئة، لحاول التقرب مني لا أن يتركني بتلك السهولة؟ ظللت أسبوعًا أكافح أن لا أكتب له. أسبوع بائس تخبطت خلاله أفكاري وذهبت نحو المجهول. أخيرًا كتبت له رسالة: "يمكنك أن تساعدني هنا، لكن انسِ موضوع المقابلة". "لماذا أنت مهتم برؤيتي؟ وظننت أنه لن يرد.
لكنه كتب: "لحظة واحدة. إن كنتِ تعتقدين أنك مهمة للحد الذي يدفعني لطلب رؤيتك، يؤسفني أن أخبرك أنك فتاة تافهة. ما يشغلني قضيتك. أحب الألغاز وأعرف أن خلف كلماتك قصة كبيرة. قصة تثير فضولي وتدفعني للتفكير بعمق". "عليك أن تعرفي أن آخر ما أفكر به رؤية امرأة. لا أحب الثرثرة. إذا لم يكن لديك رغبة في مساعدتي لكشف لغز خيانة زوجك، لا ترسلي لي مرة أخرى". أصابني رسالته بالحنق والخوف والفضول. وكتبت عشرة رسائل كنت أمسحها دون أن تصل.
"ماذا تعتقد نفسك؟ "كيف تتحدث معي بتلك الطريقة؟ "أنت شخص ساخر مغرور". "إسماعيل موسى". ووجدتني في آخر الليل أبعث له رسالة: "مستعدة لمقابلتك بالغد". لا أعرف كيف فعلت ذلك، لكن عقلي وقلبي كان يغلي من الحيرة والفضول. "بالغد لا يمكنني رؤيتك". "جاءني رده". "ولا بعد غد. مزاجيتي ضبابية ولا يمكنني مغادرة قوقعتي. اجعليها يوم الجمعة في منتزه عام. وحتى يطمئن قلبك، لا ترسلي لي اسم المكان ولا عنوانه حتى أخبرك أنني تحركت من مكاني".
جعلت أتأمل رسالته وبعض الخوف رحل عني. لو كان ينتوي الشر لانتهاز الفرصة ومرر أوامره. كتبت: "حسنًا، لا مشكلة، يوم الجمعة". يوم الجمعة الساعة الثانية ظهراً بعث لي رسالة: "تحركت من مكاني. من فضلك أرسلي اسم المكان والعنوان". أرسلت له اسم المكان والعنوان. ارتديت ملابسي وانتظرت رسالته كثيرًا من الوقت حتى أصابني القلق. أخيرًا كتب: "أنا تائه، من فضلك اشرحي لي كيف أصل إليك".
تابعته على الهاتف حتى وصل المنتزه وطلبت منه أن ينتظرني هناك. عندما وصلت كان جالسًا على أريكة شارد في هاتفه. يرتدي بنطال تريننج بني، تيشرت لبني وسويت شيرت بلون عباد الشمس، حذاء رياضي ونظارة شمس سوداء تغطي عيونه. كان يجلس وكأنه هارب من عيون الناس ولا يريد أن يلمحه أحد. جسده يميل للطول والنحافة، خمري البشرة. لحيته كثة جميلة وشعر رأسه خفيف راح الشيب يسرح خلاله والصلع بدأ ينتشر في رأسه. مشيت بخجل حتى توقفت أمامه.
لم يرفع عينه نحوي، ظل بصره مثبتًا على هاتفه. قلت: "مرحبًا، أنت مونت كارلو؟ رفع نحوي وجهه خجلًا وأطلق ابتسامة فاترة وقال بنبرة خجولة: "مرحبًا". جلست وهو يتأملني بطرف عينه. ظل الصمت بيننا زهاء دقيقة حتى قال: "تعرفي؟ قبل رؤيتك كان لدي سبب واحد لمساعدتك. الآن لدي سببين". قلت بتوتر: "ماذا تعني؟ صمت لحظة ونظر تجاه الأزهار المتمرغة في أشعة الشمس.
"في البداية دفعني فضولي لسماع قصتك ولاحظت جديتك. وأنا أحب حل الألغاز الغامضة. هذا ما دفعني لقبول مساعدتك". صمت. انتظرت أن يكمل حديثه لكنه بدا واضحًا أنه اكتفى بهذا الحد. قلت: "والسبب الآخر؟ رفع وجهه بخجل: "عليك أن لا تسخري مني عند سماعه. عديني بذلك؟ قلت: "أعدك". قال بنبرة صارمة: "حتى أعرف كيف لإنسان وغد أن يخون هذا الجمال الخالص". تورّد وجهي من الخجل. كانت أجمل كلمات غزل سمعتها في حياتي.
أشعل لفافة تبغ ووضعها في فمه، ونظر لبعيد بظهر منحني. "لم أحضر هنا لمغازلتك ولا حتى إثارة إعجابك وخلق قصة تافهة تنتهي بالفشل. لا يهمني زوجك إن كان خائنًا من عدمه وأنا غير مهتم بجمالك الخلاب الذي يجعل الحجر ينطق". "لكن من المهم أن تعرفي الحقيقة وأن الأيام والشهور والسنين التي قضيتها مع زوجك كانت مع شخص خائن لا يحبك". فكرت في كلامك لمدة أسبوع وأجد أن الحق معك.
من الممكن أن تكون جارة أو صديقة هي التي كانت حاضرة مع أختك في الشقة. ثم رفع وجهه المختفي تحت النظارة. "إحساسي يخبرني أن أختك خائنة وأنها كانت على علاقة بخطيبك". قلت مصححة: "تقصد زوجي؟ أطلق ابتسامة كبيرة. مسحها عندما لاحظ توتري واضطرابي. "أقصد خطيبك. الخيانة بدأت من زمن بعيد ما وصل لك آخر فصولها وربما لقاء وداعي بعد تأنيب طويل من الضمير". "انت عايز تقول إن عاصم كان بيخوني من أيام الخطوبة؟
قال: "الذي أرغب بقوله أن القصة ليست كما تبدو. ورغم أن مدة الخيانة نفسها غير مهمة، لأنها خيانة في الأخير، لكن من حق الإنسان أن يعرف كم من الوقت ظل مخدوع. أعرف أن هذا لا يسهل الأمور لكنه أمر جيد بالنسبة لي". "من المستحيل معرفة هوية الشخص الذي كان يرافق أختك داخل الشقة دون إحداث ضجة". "سيصل الأمر لأختك المغرورة التافهة وستعمل على قتل كل الأدلة". "يمكنني رؤية صورة المغفور له زوجك؟ قلت: "نعم".
أخرجت هاتفي وناولته ليرى الصورة. ظل يحدق في الصورة أكثر من ثلاثة دقائق. "والآن صورة أختك؟ قلت: "لا أعرف، أظن لدي صورة قديمة". فتشت داخل هاتفي حتى وجدت صورة لنيرة قبل زواجها. وضع الصورة أمام النظارة وراح يقلبها، يكبرها ويصغرها بثبات وتركيز. كانت أصابع يده شبه مرتعشة. لم يحاول إخفاء ذلك. ثبت عينيه على عيون نيرة الخضر حتى ولي. "سامحني الله". شعرت بالغيرة. اختلجت ملامح وجهه وهو يرفعه نحو شجرة جوز ناهضة قريب منا.
"شكرًا لك! همس وهو يعيد الهاتف. "يمكنني مساعدتك إذا كانت لديك رغبة عميقة بالفهم. سيستغرق الموضوع بعض الوقت ولا أعدك بحل سريع سهل. أنا لست شيرلوك هولمز". "ستكونين بجانبي، لن تبتعدي، فأنا لست خادمك الخاص ولا محقق مأجور. كما تتعبين ستتعبين، كما أرهق سترهقين". كان كلامه غريب لكن مريح. اختفت كل شكوكى نحوه. قبل أن أصل حضرت عشرات الأسئلة المتشككة لأخنقه بها. أهمها: لماذا يرغب بمساعدتي؟
لكن نظرته التعسة التي أطلت عندما نزع نظارته جعلتني أتوقف على الفور. قلت بخجل: "أشكرك". قال وهو يشعل لفافة تبغ أخرى: "لن نلتقي مرة ثانية، لا تقلقي. لا أحب أن أثير المشكلات والتساؤلات ولا أرغب أن تعتقدي أنت بسوء نيتي تجاهه. وعدم جدوى التبريرات التي قد أقدمها لأثبت لك شرفي. أنا غير مضطر أصلًا ولا أحب ذلك".
"قلتي في إحدى رسائلك، نيرة لم تكن تطيق عاصم وأن عاصم كان يحمل لها نفس الكره. وأن نيرة كانت من أشد الرافضين لزواجك. وهذا تحديدًا ما جعلني أعتقد بوجود الخيانة". "أجل، الرجل لا يمكنه أن يرفض امرأة جميلة إلا إذا كان كائنًا ليس بشريًا". قلت: "هناك شيء آخر، لكن أظنه غير مهم؟ سألني بشرود: "فارس أخي كان يحب نيرة جدًا ويفضلها علينا ولا يتوقف عن زيارتها. لكن بعد زواجي أحبني أكثر منها وأصبح لا يزورها إلا نادرًا".
برقت عيناه واللمعت وتمكنت من رؤية بعض أسنانه المسودة من التدخين عندما ابتسم. وشعرت أنني قلت شيئًا مهمًا حتى أنه سجله في هاتفه. "أخيك غير مهم". قال بلا مبالاة بعد لحظة من الصمت. ودعني بعد أن سألني عن مقهى قريب لأنه يرغب بتدخين الشيشة. في طريقي إلى المنزل كان هناك سؤال يأكل رأسي. كنت أشعر أنه ضابط شرطة متخفي، أو إنسان من كوكب آخر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!