الفصل 24 | من 30 فصل

رواية ميكاتوا الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نور اسماعيل.

المشاهدات
19
كلمة
3,401
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 80%
حجم الخط: 18

الفصل الرابع والعشرون كما يقول بيكاسو: هناك من يحولون قرص الشمس إلى دائرة صفراء، وهناك من يحولون الدائرة الصفراء إلى قرص الشمس! أي أنه قد يمكنك تقبل الواقع، أو تغيير الواقع، أو تحويله لشيء لا قيمة له.. كلها وجهات نظر مختلفة باختلاف الأشخاص والأماكن والثقافات.

حضر حسن على الفور، وبغرفة لجنة الحكم أسفل البناية القاطنين بها المتسابقون، كان ينتظرهم رائد وباسل ومُصعب بعدما سمعوا تعليمات بأسلاك أجهزة الاستقبال والإرسال المثبتة بملابسهم طيلة يومهم حتى النوم. هبط ثلاثتهم ووقفوا بواجهة حسن الجالس بهدوئه المعتاد ينظر لهم، الأمر مذاع صوت وصورة أمام العالم، نسب المشاهدات تعلو يومًا عن يوم وكم التعليقات على الثنائيات المتسابقة وما حدث في ازدياد بكل دقيقة. _إيه يا شباب!

إيه إحنا فين هنا في أولى أول!! معقول التهريج اللي بيحصل دا. انفرجت شفتا باسل قائلًا: _دكتور حسن، تقريبًا أنا أكثر واحد فحالتي من ساعة ما جيت. توقف عن الحديث ورمق رائد شزرًا، نظرة غاضبة وعاد إلى حديثه: _بس الكوتش رائد، مصمم نتخانق ومشاكل وجو مش لايق علينا وإحنا رجالة بشنبات كدا. لم يكظم رائد غضبه طويلًا، فاندفع في الحديث بهوجائيته غير المعتادة منه مؤخرًا وأردف:

_أنا مش جاي هنا أتعلم الأدب عشان أقف قدام حضرتك وتحاسبني قدام الناس صوت وصورة كأني عيل مذنب. _أنا نفسي نفهم إنت مين والله، يعني السيد الوالد كان صاحب كابل الكهربا العمومي ولا إيه، ماتفهمنا يا خلايجي. هتف بالأخيرة مُصعب غاضبًا، فابتسم ثغر حسن ابتسامة جانبية وأردف: _كابتن رائد، إنت فعلًا مش في مدرسة ولا جاي تتذنب زي العيال. بس المسابقة دي غير أنها شو وفلوس ومتعة وتهريج، فهي صورة بنعكسها لبيئاتنا المختلفة قدام الناس.

وكل حد بيوضح الصورة المناسبة للمكان اللي هو جاي منه. فمش معقول أبدًا أول أسبوع ليكم ونمسك في بعض عشان تافهات وحضرتك قمت بالواجب مع زمايلك المشتركين بإنك تقلل منهم وتستفزهم على الهوا. كان جسد رائد يهتز توترًا وهو يستمع إلى حسن ومن ثم عقد ذراعيه أمام صدره ليردف ساخرًا: _تمام والمطلوب؟! شبّك حسن أصابعه ببعضهما البعض وهز رأسه مُستنكرًا من أمر هذا المتعجرف وأقبل بجذعه إلى الأمام وأردف لهم:

_مش هوضح تاني إن كل فعل سلبي بيقلل من فرصة الفوز حتى لو كنت أنت ضمن الكابل الفايز بالنقط الأعلى. وعلى فكرة، بداية من الأسبوع الثالث أول كابل هيمشي من هنا. الأقل في تحصيل الاختبارات والسلوك والتفاعل مع الآخرين والالتزام بقواعد البرنامج.. صمت حسن لثوانٍ ثم رفع بصره إلى رائد وقال له متحديًا: _أعتقد هو دا المطلوب يا كوتش..

تركهم ورحل فصعد ثلاثتهم، كان باسل صامتًا ومصعب ينعت رائد بسره بأصعب السبّات أما عن رائد فكان يعتصر غضبًا.. ~~~ مضت الأيام، وغدًا تقديم الاختبار الأول.. هو ليس اختبارًا وحسب! أي قد يراه البعض مجرد طبخ أكلة من صُنع المتسابقات لشركائهم والتعرف عليها فقط وقد تمت المهمة، بل هذا الاختبار يعكس مدى معرفة كل طرف بالآخر وحفظه لأسلوبه حتى لو كان بالمطبخ وطريقة التفريق بين صحنه وصحن الآخرين والإحساس به.

اختبار يعكس مدى الاتفاق والعكس بالعكس.. ومدى الاختلاف. كانت مايا تقضم بشفتيها تقف بشرفة الغرفة فوجدت عزة جالسة على فراشها تقرأ كتابًا، فترجلت نحوها وجلست مقاطعة إياها تتحدث بابتسام: _عزة هو ينفع تساعديني في حاجة؟ تركت عزة الكتاب من يدها وأومأت برأسها مستفهمة فأكملت مايا: _بصراحة بقى، أنا نيلة خالص في الطبيخ.. مابعرفش حتى أسلق بيض. ينفع تقوليلي الطبق اللي طلبوه دا بيتعمل إزاي؟ صمتت عزة وابتسمت لها قائلة:

_أنا لو قلتلك مش هتبقى مسابقة، لأن المفروض إن كلنا بنتنافس على حاجة واحدة. تعجبت مايا منها، كانت تعتقد أنها ستساعدها على الفور فهذا يعكس على هيئتها الهادئة الودودة منذ اليوم الأول فأردفت لها بنبرة اندهاش: _إنتي بس هتقوليلي المقادير والطريقة وبعدين كل حد فينا هيعمل أكلته بطريقته الخاصة. والشباب عليهم يميزوا، يعني ما فيهاش غش لفوز أو حاجة. كانت تستعد عزة للنهوض وأردفت لها:

_وكدا مش هتبقى مسابقة، عامة عندك دقيقتين النهاردة مكالمة فون ممكن تكلمي والدتك تسأليها. لكن أنا آسفة مش هقدر أقولك. تركتها ورحلت فكزت مايا على أسنانها من تصرف تلك الأنانية وفكرت في اغتنام فرصة أخرى بمهاتفة والدتها لمعرفة الطريقة.

وحينما حان وقت الاتصال، قامت مايا بسؤال والدتها عن الطريقة وأوضحت لها أن ليس أمامهما سوى دقيقتين لتوضيح الأمر لها على عجالة، ولكن أهدرت والدة مايا الوقت بتوبيخها لأنها كانت تطلب منها كثيرًا تساعدها بالطبخ وصنع الأكلات والحلوى وكانت مايا ترفض وتتهرب. صرخت مايا بها الوقت يمضي وما أن شرعت والدتها في الشرح كان قد انتهى الوقت!

أما عن ديانا، فكانت جالسة مع وئام في الحديقة يتحدثان حول الاختبار أيضًا وخوفهم من الإخفاق في البداية هكذا، فأوضحت ديانا بأنها طباخة ماهرة ونبيل يعشق أكلاتها ولكن لها طريقتها الخاصة التي تجعله دائم التنمر عليها فضحكت وئام بشدة مما أخبرتها به ديانا. وأضافت أيضًا بأنها خائفة من الغد فهي لا تعلم عن الصحن المطلوب أي شيء تمام علمها باللغة الهندية!

وأوضحت وئام لها أيضًا أنها المرة الأولى التي ستصنع فيه هذا الصحن وستجتهد به وتتصرف وفق إحساسها راجية من الله الفوز وتخطي أول اختبار لهم. أما عن الشقراء روز، كانت تتأرجح على الأرجوحة كعهدها منذ مجيئها إلى صرح مطر وردي شاردة تتذكر أشياء

عن قديمها وهرولتها خلف الملاليم كي تصنع لذاتها مكانة، تعلمها لرياضة التايكوندو كي تحافظ على نفسها من ذئاب البشر، واعتزالها العالم والدنيا حتى صديقة واحدة لم يكن لديها ولم تحاول من الأساس وكأنه كُتب عليها العيش هكذا وحيدة دون أحد، رفيقتها الوحدة منذ نعومة أظافرها. ~~~~ _هو ممكن يعني، ممكن يمشونا من أول اختبار؟ كان هذا سؤال نبيل إلى الجميع أثناء جلستهم ببهو الصرح المنفصل عن بهو الفتيات، فأردف قصي له:

_لأ محدش هيمشي في أول اختبار هي بس النقط. _يبقى أنا هسقط في دا عشان بسم الصليب ربنا باليني بواحدة بتطبخ عك ولا هتعرف تعمل حاجة. ومش هاخد نقط والتاني كمان هيكون أصعب فهنسقط ونخرج أنا وهي بالشلاليت من هنا. نظر باسل نحوه صامتًا وابتسم دون التحدث فأكمل نبيل: _وبعدين أنا من أمتى كسبت حاجة؟! أنا على طول فاشل وكل حاجة بتيجي معايا بالعكس.

ولما اتقابلت هنا كان بس عشان ماما طلبت شفاعة تماف إيريني ووصلتها إننا ندخل المسابقة، لكن إحنا بائسين وفشلة ومننفعش في حاجة. امتعض وجه مصعب وهو ينظر له فأكمل نبيل حديثه المتشائم: _ويمكن كلكم محدش يعرف غير الأستاذ قصي ودا بحكم أنها مراته ٣٥ سنة! ضحك قصي فقال مصعب:

_يا بوي قوم وهات سكين ودبّها في بطن كل واحد وإحنا على الهوا كديتي ولا يبجى فيه مسابقة ولا فيه هرهاط طين عشان سيادتك تنبسط، وصدقني إحنا مسامحينك مش هتاخد في واحد مننا ٣ أيام سجن. هز نبيل رأسه بحزن مضحك وأردف أيضًا بنفس نبرته المتشائمة: _ما أصل مش معقول كعبول هيعمل الصنف اللي طلبوه دا، أنا اللي اسمي شيف الصنف دا بالذات بيتعمل بتكات وإبداع خاص ودي بتعمل أكل بيسبب لك نزلة معوية سبع تيام. كانت قهقهة قصي عالية

فتوقف وأردف إلى نبيل: _مش مطلوب منها تبدع، مطلوب منها تعمله وإنت تعرفه وتميزه ما بين خمس أطباق وبس. _ماهي بتعمل عكّ، أي حاجة وقلب. _يبجى هتعرف العك يا أبو عمو، دا موضوعك سهل مش زيي معجرب ما أعرف اللي وكلاهم ديت هتطبخ كيف. هي بس لو حطت لي سم ومتت بعدها وكتها هعرفه. رمقه رائد ومصعب يتحدث هكذا عن روز فابتسم ساخرًا ليعدل مصعب من حديثه عنها: _إن شاء الله هتعمل حاجة عظمة زيها، حاكم البت دي عسل وتستاهل كل خير.

وضع مصعب فنجان قهوته جانبًا وتحدث إلى رائد: _أخبار خطيبتك إيه في المطبخ يا رائد؟ انتبه رائد أن الحديث إليه فترك المجلة الأسبوعية التي تصلهم كل أسبوع من يده وأردف متلعثمًا: _مايا... كويسة، يعني بتتعلم. _أهو شوفتوا، محدش مننا هيكسب والله صدقوني. قالها نبيل، فنفض مصعب ملابسه بطريقة مضحكة وصعد إلى أعلى كي لا يستمع إلى المزيد من البؤس. ~~~~

زِن عقلك وقلبك فالدنيا زاهدًا ناسيًا أمر أن تصل بكليهما إلى مُبتغاك في نهاية الأمر، حتمًا ستفوز بأحدهم وتخسر الآخر. حان وقت المسابقة، أمام كل متسابقة مكونات الطبخة جميعها والموقد وكل شيء جاهز، الحماس يزداد الأنفاس تتلاحق. متابعات تتزايد وأرقام تعلو بنسب المشاهدات، وئام، ديانا، عزة، مايا وأخيرًا روز.

كل واحدة في غرفة زجاجية ترى الجميع ويروها من خلالها، وكل واحد من الفتية لا يستطيع متابعة شريكته أثناء صُنع الطعام، أما بالنسبة للجنة الحكم كانوا يتابعونهن بدقة ويتحمسون معهن. كانت كلٌّ من عزة وروز منهمكتان بالعمل والتقطيع والسلق والتجهيز، وئام تحاول ولكنها متباطئة نسبيًا عن عزة وروز. ديانا تضع أشياء وتذوق بطرف الملعقة فتجد عدم استحسان تمط شفتيها وتجرب شيئًا آخر، ومايا تقف لا تدري من أين تبدأ.

انتهى الوقت، وتم تقديم الخمس أطباق على مسمع ومرأى المشاهدين في جميع الأنحاء سواء مشاهدة عبر التلفاز أو الإنترنت. نظر الحكم إلى الخمس أطباق وتم ترقيمهم وإعطاء الرقم إلى المتسابقة صاحبة الصحن وجلوسها بعيدًا عن غرفة التذوق. أقبل الأول.. مصعب وتذوق من كل صحن ملعقة، واختار رقم 4. ولج نبيل بعده وتذوق، واختار رقم 5. ثم دلف باسل وتذوق، فاختار الرقم 3.

أتى دور رائد وتذوق جميع الصحون، وتشابه معه الأمر بصحنين، فوقف متحيرًا بعض الوقت. واستقر على اختيار رقم 5. وأخيرًا، دلف قصي وتذوق الخمس صحون، فابتسم بثقة ليختار رقم 2. كان الجميع مترقبًا للنتيجة، المتسابقون والمشاهدون. أمسك والي النتيجة واستدعى المتسابقين جميعهم، ليقفوا أمامهم، فيطلب من الفتيات رفع رقم الصحن الخاص بها. فرفعت عزة رقم 2، ورفعت روز رقم 3. ورفعت ديانا رقم 5، وقامت وئام برفع رقم 1، وأخيرًا رفعت مايا رقم 4.

لِتُعلن النتائج بفوز الثنائي عزة وقصي، ونبيل وديانا بأول اختبار، ليسفر عن فشل البقية. وبذلك جمع لأول وثاني ثنائي خمسة عشر نقطة، والبقية صفرًا! بين حماسية ومخيبة للآمال اشتدت المسابقة. عاد الخمس ثنائيات بين فرحة وحزن وتأنيب لبعضهم البعض. فلامت وئام باسل كيف له ألا يعرف صحنها من بينهم، وضحكت روز، كانت تعلم بفشل مصعب في تمييز صحنها.

أما عن مايا فقد لاحظت اقتراب رائد من روز أثناء تواجدها بالمرحاض وخروجها منه، وهمسه لها وهو يدنو منها، فاحتقن وجه روز وتركته لترحل بعيدًا. فدل ذلك عن بداية حدوث مشكلة عارمة بينهما. -أيوة يعني كنت بتقولها إيه؟ ولا هي عشان حلوة وبلونداية عاجباك؟!

تأفف رائد وأوضح لها أنه مجرد حديث ليس له قيمة أن يتذكره أو تنشغل به مايا حتى، وحاول اختلاق أحاديث أخرى بأنه عليها تعلم الطبخ لمستقبلهما معًا، فبهذه الطريقة سيكون معتادهم تناول الطعام من الوجبات السريعة ومحلات المأكولات الجاهزة. أما عن مصعب فهو كان ممسكًا بذراع روز بعدما رأى رائد يهمس لها، وحينما أتى مصعب رحلت هي وذهب رائد. تأوهت روز بشدة ونفضت ذراعها عنه قائلة: -إيه الهمجية دي؟ ما تتكلم زي الناس العاقلين.

-مانا بتكلم أهو يا أبلة زي الناس العاقلين، ولا هو الناس عتتكلم من خشومهم وأنا عتتكلم من ودانى؟ كان عيجولك إيه وايا وجفة معاك؟ لوحت روز بيدها غاضبة وأردفت إليه بنبرة عصبية: -اسمع يا مصعب، إحنا هنا عشان غرض معين، مش معناه أبدًا إنك تتحكم فيا وتتصرف كدا معايا. مش من حقك. تراقص مصعب لها ساخرًا من حديثها وأردف: -مش من حجي! رقصوني يا ولاد، مين مش من حجه؟

عليا الطلاق ما يجرب منك تاني لنولع فيه وفخطيبته وفيك، وفالفيلا وفالأستاذة زاد اللي كل ما تشوفني تضحك، عشان أصل أنت فاكرة تفوري دمي وأنا أجف لك شاب كول وروش! عالله يا روز.. عالله تحصل حاجة تاني تحرج دمي. رمقته روز نظرة من أسفل لأعلى وتركته، فتنهد هو وأردف إلى نفسه: -سايبه هي، ده تولع فيها بلاد. *** بفرحة بالغة كانت تتراقص ديانا حول نبيل تعبر عن فرحتها بفوزهم قائلة: -أنا كنت متأكدة يا بلبولي، متأكدة جدًا أوي.

-متأكدة إيه؟ أنا عاوز أعمل غسيل معدة بعد المعلقة اللي دوقتها في طبقك. مطت ديانا شفتيها وهي تردف بطفولة كعهدها: -حرام عليك يا بلبولي، ده أنا حطيت فالطبق ده عصارة أفكاري وخبرتي بالمطبخ، وعشان كدا أنت عرفته على طول يا حووبي وحسيت بيا وبجماله. قالتها ونامت على ذراعه كهِرّة تشم رائحة صاحبها، فنفض ذراعه عنها قائلًا: -عرفته على طول إيه؟

عرفته من العك المنيل.. لاء ولأول مرة فيه عك أكتر منك يا كعبول الأستاذة صاحبة رقم 4، حاجة كدا أستغفر الله العظيم يا رب ربنا يرحم جوزها ولا خطيبها ده. -بس أهم حاجة إننا كسبنا يا بلبل، كسبنااه افرح يلا. -ما إحنا لسه ما نعرفش يا ستي اللي جاي هنكسب فيه ولا لاء. تأففت ديانا فنفخت منه بوجهه قائلة: -يووه، هو أنت ما سبتش غرابك على باب الفيلا ليه؟ ***

بدأ الأسبوع الثاني، ما بين حصة للرياضة للعشرة متسابقين يرتدون بها ملابس التدريب المخصصة، يتبعون المدرب لحظة بلحظة. جلوس قيام، حركة، جري هرولة هنا وهناك مع الإشارة، تقسيمهم لفريقين فتيات وشباب. الجميع بحركات نشطة صباحًا، تتوزع الابتسامة للجميع على وجوههم، تخطئ ديانا كثيرًا وتلهث ولا تستطيع اللحاق بهم، تشعر بالتعب من أقل مجهود.

تنتهي الحصة لديهم ولكنها لا تنتهي بالنسبة لديانا، يستمر المدرب معها تمارين وتدريبات، تتعالى ضحكات الفتيات ويقوم نبيل بتحميسها بشكل ساخر، والحماس يشتد والمتابعة في تزايد. وبعد الرياضة، تأتي وجبات الغداء الصحية ليتناولها كل ثنائي بطريقته، فمثلًا أخذت روز طعامها وصعدت إلى الأرجوحة فتابعها مصعب كي يقوم بإصلاحها وأيضًا تناول الطعام معها.

عزة وقصي في بهو الفيلا على الطاولة وبجانبهم وئام وباسل. مايا كانت تتناول طعامها في الحديقة ورائد معها ولكن بصمت. انتهت ديانا لتهرول تريد أن تقوم بسد جوعها المتواصل، فلم تجد سوى هذا الطعام الصحي والموضوع بكمية، تبكي بشكل طفولي مضحك، فيربت نبيل على ظهرها كي تتحمل فتقوم بأخذ وجبتها ووجبة نبيل وتفر هاربة!

ينتهي اليوم ويأتي اليوم الآخر، يجلس الجميع حول الشاشة ليتلقوا رسائل متابعيهم ويقومون بالرد. فكان أول ثنائي له جمهور واسع عزة وقصي. قاموا بالرد على الجميع وعلى الرسائل المحبة لهم لينهضوا ويأتي دور نبيل وديانا وكم الرسائل المشجعة لهما والمضحكة، وكانوا أيضًا يجيبون عنها بمزاحهم وعفويتهم وضحكاتهم.

ليأتي دور مايا ورائد، يتلقون ويجيبون حتى تأتي رسالة غريبة موضحة أن هناك شيئًا غريبًا يصدر من رائد ناحية روز، وهناك دائمًا مشاحنات بين رائد ومصعب، ويظن الجمهور أن هناك شيئًا خفيًا وراء ثلاثتهم رائد وروز ومصعب، ومايا على غير علم به. شعرت مايا بالاختناق والغضب فنهضت من المجلس وصعدت إلى غرفتها، فأوقفها رائد ممسكًا بذراعها مستفهمًا: -فيه إيه يا مايا؟ -أنا عاوزة أفهم إيه اللي بيتقال ده بالظبط؟

يعني إيه بتودد لروز وكان فيه حاجة بينكم؟! انطق يا رائد أنا مش مغفلة. هز رائد رأسه يمينًا ويسارًا وهو يحاول أن يخفي عنها كالعادة: -أنت هتصدقي شوية كلام يا مايا؟ حاول أن يضمها إليه فنفضت نفسها عنه قائلة: -شوية كلام إيه؟ الفانز بيقولوا إنك قولتلها بعد الاختبار إنك كنت عارف طبقها.. عرفت طبقها منين؟ ويعني إيه كنت عارف؟ يعني تعرفها وأكلت من إيدها قبل كدا.. وكمان إيه الخناقة اللي كانت بينك وبين مصعب عليها وقت العزل بينا؟

يعني لولا الفانز أنا ما كنتش هعرف حاجة! دب رائد بقدمه أرضًا بعنف وأردف يحاول كتم عصبيته وغضبه: -مايا اهدي ممكن؟ كل ده كلام فارغ والفانز عاوزين يولعوها عشان ياخدوا تريندات وكدا، إحنا قدام الناس ما تخليش شكلنا وحش. قامت مايا بدفعه في صدره بقوة تحاول إبعاده عنها وكأن لسان حالها يقول بداخلها لا توجد طرقات أخرى وعليك أن تسلك ذلك الطريق حتى تكمل حياتك، ملاحظة.. ذاك الطريق مليء بالألغام!

-شكرًا للناس الحيوانة اللي خلتنا نحكي عن ناس حيوانة بأن قد إيه هما حيوانات وقالولنا إزاي يعملوا كدا الحيوانات وطلعوا حيوانات أكتر منهم. عقد رائد حاجبيه قائلًا: -قصدك إيه يا مايا؟ نظرت له مايا بتركيز تصوب مقلتيها نحوه متحدية إياه قائلة: -يعني شكرًا يا كذاب.. ويا حيوان! تركته ودلفت إلى الغرفة مغلقة الباب في وجهه فوقف هو بلا حراك. *** "كلمات رصاص"

البعض قد يعترف لشخص ما بأشياء، لكن لا يحسن التعبير. والبعض الآخر يتعمد أن يقول كذلك لِيُفرغ مرضه الذي طالما تفاقم بسبب أحد ما. والبعض يريدون أن يحرجوا ويجرحوا الآخرين. أنا أعترف أننا في بعض الأحيان نلقى مثل هذا النوع، النوع الذي يظهر أمام العامة كأن لا شيء مثله، ثم مع بعض الأشخاص يُلقي إليهم كلمات، لا ليست كلمات بل سهام تنفذ في قلوبهم، ثم يحاولون بقدر الإمكان أن يتحاشى البعض منهم الكثير من الناس خشية أن يُصيبهم القتل الرحيم وهم على قيد الحياة.

فها قد حانت وقت جلسة حسن النفسية للمتسابقين العشرة. جلس الجميع في بهو الفيلا، الطبيب حسن العطار بالمنتصف والباقون حوله. تتأنق مايا في ملابسها دون النظر أو الجلوس ناحية رائد. وئام بملابسها العادية البسيطة بجانب باسل. ديانا بجسدها الممتلئ تجلس على أكبر قدر من الأريكة وبجانبها نبيل. عزة يمسك بيدها قصي وروز تجلس بجانب عزة بينما يجلس مصعب بالطرف الآخر. تنحنح حسن وبدأ جلسته بمزاح كعادته لكي يسود جو مرح عام ومن ثم أردف:

-النهارده أنا عاوز كل حد منكم ينسى أنه قدام كاميرات وناس، وينسى أصلًا إن فيه حد حواليك. عاوز كل حد منكم يحكي لي وكأني لوحدي يقول لي إيه اللي واجعك، كأننا في رحلة مثلًا لمكان حابينه وقاعدين بليل بعد حفلة شوي ورقص وهيصة، بنلعب لعبة الصراحة، قولوا كل اللي جواكم. نبدأ بـ... ديانا. ضحكت ديانا كطفلة بلهاء تريد التخبئة عن وجوههم، فقالت وهي بمكانها: -ما اعرفش هحكي عن إيه واجعني بس..

صمتت طويلًا والجميع بانتظارها حتى نظرت نحو نبيل ولأول مرة يقع عن وجهها وجه المرح والطفولة وتتحدث بجدية فقالت:

-أنا بنت مش وحيدة لأهلي، بس مش مفضلة لحد.. لا عندهم ولا عند إخواتي ولا أصحابي. وأنا في إعدادي كانت البنات عاملين تجمعات وأصحاب كلهم، وأنا بس المنبوذة فيهم. كانوا بيقولوا عليا هبلة، تافهة، كنت بجيب الأكل وآكل.. كل ما أتغاظ آكل، كل ما ألاقي نفسي وحدي آكل. لحد ما بقينا أنا والأكل أصحاب، ومش بس أصحاب إحنا اتنين مرتبطين ما ينفعش حد منهم يفركش من التاني. بقيت بتخن وجسمي بيملى، مش مهم.. ما فيش لبس مقاسي يرضو طظ. ما فيش

أصحاب.. عادي، باكل وآكل وآكل.. الأكل عمره ما خاصمني عمره ما سابني. عمره ما اتخلى عني، حبيت مرة وقالي أنت مفشولة أوي مش هينفع أخدك الفرح عند قرايبي. فسيبنا بعض، وحبيت تاني وقالي مش هينفع برضو نتجوز عشان ما فيش فستان فرح هيدخل فيا وإنه بيتكسف وهو ماشي جنبي.

لحد ما اتقدم نبيل، كنت مستقتلة إني أنجح العلاقة دي، في الأول عشان أثبت إني مش فاشلة ومش تافهة وعبيطة وبحب الأكل وبس. هبطت دمعة رغما عنها فمسحتها سريعًا وضحكت قائلة: -نبيل من أول يوم عاوز يفك مني، وأنا مصممة ومصرة وعاوزة.. زمان سمعت من حد إنك ما تحاولش أكتر من 9 مرات في أي علاقة، إنت مش لاقي كرامتك في الزبالة. ضحك جميعهم، برغم تأثر حسن وتأثر نبيل بها ووئام. أكملت ديانا بروحها المرحة كالعادة:

_بقالنا سنتين وشوية مخطوبين، ياما اتخاصمنا ومرة فركشنا وبرضه رجعنا. ثم نظرت إليه بحنان وقالت: _ومش هأسيبه أبدًا، عشان نبيل يتحب بغض النظر عن الإصرار إن لازم يفضل عشان مكونش فاشلة، فهو لازم يفضل عشان أنا بحبه ببؤسه وشؤمه وكل النحس دا. ضحك الجميع، فضمها نبيل إليه في مشهد حاني رائع، ليصفق الجميع، فيشير حسن إلى روز قائلًا: _يلا يا روز. _أومال فيش غير البنت؟ قالها مصعب ليضحك جميعهم، فأردف حسن مبتسمًا:

_معلش دوركم جاي بس ليديز فيرست، خليك شيك يا مصعب. _حاضر، هبقى شيك من السبت الجاي. تنحنحت روز وعدلت من انسياب شعرها وأعادته للخلف فقالت: _أنا نفسي أتكلم، حقيقي نفسي أتكلم من زمان أوي، من أول ما عيني فتحت ولقيت نفسي وحدي. من غير أب أو أم أو أهل! من غير صحاب أو قرايب، لقيت نفسي في ملجأ، ملجأ ومش معروف حتى مين أهلي ولا منين ولا بنت مين. اتسعت حدقة عين عزة بينما كانت ترمقها مايا نظرات تحتقرها، أكملت روز دون النظر

لأحد منكسة رأسها لأسفل: _أنا كنت بتكسف أعرف حد حقيقتي، حقيقة طفلة كبرت وبدأت تعرف أنها كانت غلطة، مجرد غلطة. بنت من الشارع زي ما بيقولوا. نكس رائد رأسه لأسفل وأخذ يفرك بيده وقد لاحظته مايا، أكملت روز:

_البنت اللي من الشارع كبرت واتعلمت واشتغلت وحافظت على نفسها حتى لما حصلها حادثة تحرش. دافعت عن نفسها واستقالت، البنت اللقيطة اتعلمت التايكوندو عشان تعرف تحمي روحها وهي وحدها في الدنيا. البنت اللقيطة، رغم جمالها وعقلها الكبير، ممشيتش في طريق وحش واستسهلت وقالت نصيبي وأنها ضحية ومجني عليها مش جاني. صمتت قليلًا، فتناولت الماء وتحشرج صوتها فأكملت:

_ولما قابلت حد ارتاحتله، حست بقبول وهو حس براحة. وقربت وقرب، ووضح لها برغبته. في إنه عاوز يكمل جايز يحصل قرب عن كدا، وكملت وقربنا أكتر وأكتر لحد ما اطمنت له. وقالت له حقيقتها بعدما علق كذا مرة على أسلوب لبسها وحياتها. شعر رائد بالتوتر وأخذ يبتلع ريقه بصعوبة، راقبه مصعب نظرة له ونظرة نحو روز وهي تكمل:

_ولما عرف حقيقتها، سابها، سابها عشان مينفعش يرتبط ببنت من الشارع مشكوك في نسبها. جاي من حلال ولا من حرام، حاسبها على غلط هي مالهاش ذنب فيه. انهمرت دمعاتها مسحتهم، فأكملت بعد أن رفعت رأسها نحو حسن تخاطبه:

_لحد ما قابلت مصعب، وبرغم بداياتنا الغير موفقة، لكن حبيته واستجدعته. ووقف جنبي في حاجات ووقفت جنبه، لحد ما بقينا كيان واحد. عرف حقيقتي، مسابنيش وهرب، بالعكس فضل وقرب أكتر كأنه مندمش يوم على معرفتي، مطمعش فيا وقال وحيدة واستغلها وأكيد شمال بس بتمثل. بالعكس اقترح المسابقة وأننا ندخل سوا ومتمسك بيا قدام الناس وقدام الدنيا. برغم إنه صعيدي ووو...

لم ينتظرها مصعب لكي تكمل، فنهض ليهرول ناحيتها ويجثو على ركبتيه قائلًا لها بعدما أمسك كلتا يديها المرتعشتان ليضمهما بقوة قائلًا بنبرات تحمل كل معاني الحب: _وبيحبك يا روز، مصعب بيحبك يا رزة. رفعت له رأسها فاغرة فاها مندهشة بعينين فرحتين، فأعادها هو: _أنا بحبك يا ملكومة وعمري ما أتخلى عنك حتى لو هموت.

قام بضمها إليه أمام الكاميرات أمام المشاهدين أمام المتسابقين وحسن، ليصفقوا له داخل مطر وردي صانعًا أحدهم له صفيرًا وتصفيق حاد من حسن مع صفير هو الآخر. وهتاف عالٍ من مجموعة فتيات بسكن طالبات يتقافزون على أسرتهم صانعات هتاف جماعي: _أووووووووووه كيوووت يا مصععااااب. -المرتب مش مكفيني لوحدي والحالة ضنك، أتجوز وأخلف عشان نشحت. _يا سيدي احمد ربنا كفاية نعمة الصحة. -يعني لما كعبول والعيال يجوعوا أقلع أوريهم عضلاتي!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...