الفصل 17 | من 30 فصل

رواية ميكاتوا الفصل السابع عشر 17 - بقلم نور اسماعيل.

المشاهدات
19
كلمة
2,851
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 57%
حجم الخط: 18

وكأنني تلك الزوايا المهجورة، تلك الشوارع المنقطعة، أنا الأماكن التي هجرها الجميع دون رحمة! _وعملت إيه لما قالك كده؟! تنهدت وئام إثر جلوسها مع جارتها السيدة المُسنة بعدما قصت عليها قصة باسل معها من أول يوم حتى اعترافه الأخير بأنه كان يقوم بالتجسس على هاتفها ومعرفة معلوماتها الشخصية ومكالماتها الهاتفية، أردفت إلى جارتها عابسة الوجه نبرتها حزينة:

_بهدلته وشتمته وقولتله أنت من غير ضمير ولا إحساس، ربنا يوريني فيك شر انتقامه على اللي عملته فيا. قال لي: حاجة غريبة.. كان ممكن مقولكيش حاجة بس أنا حبيت أريح ضميري من ناحيتك للآخر. ربتت السيدة بهدوء بكف يدها ذا الجلد الواضح عليه بشيخوخته وقالت:

_بصي يا وئام، أنتِ زي بناتي.. الولد ده مش عاوز منك حاجة وحشة.. آه في الأول كان نيته مش خير بس لما اتأكد منك عرف غلطته وبيحاول يكفر عنها، ما كانش جالك مرة واثنين وثلاثة عشان تسامحيه وطلبك للجواز. كانت وئام تحدق بعينا السيدة مطولًا تستمع إلى كلماتها، أكملت السيدة: _اديله فرصة يا وئام. ابتلعت وئام ريقها مع هزة لرأسها وأردفت بانكسار:

_عارفة يا خالتي، أنا عمري ما كان عندي حق اختيار أو قرار.. ما عنديش طول حياتي ودن واحدة تسمعني وعقل يفكر معايا، ما فيش حد كان جنبي في الحلوة والمُرة عشان أجري عليه دلوقتي يقولي على القرار الصح اللي أعمله. أنا وحدي، وأنا عند بابا ووسط أخواتي وحدي.. وأنا متجوزة ومع جوزي وأهله وحدي. حتى باسل ده.. ما اعرفش أميز هو بجد ندمان على اللي عمله معايا ولا نمرة جديدة بيعملها عليا. أنا خايفة.. أنا كل حاجة راحت مني من أول وفاة أمي ولحد دلوقتي.. مستنية عوض ربنا في أي حاجة. نفسي أوي.

تقلبت مُقلة عين السيدة المسنة ناظرة إلى السماء وقالت بصوتها الحنون: _كل حاجة بتتعوض ما تزعليش عليها، واللي ما يتعوضش فصاحب العوض موجود! صلي استخارة يا وئام وربنا هيرشدك للطريق الصح.. رب الخير مش بيجيب إلا الخير. استمعت وئام إلى نصيحة جارتها، توضأت وصلت ركعتي الاستخارة، وبعدما انتهت ظلت شاردة وهي تجلس على سجادة الصلاة، تذكرت آخر شيء قاله لها باسل بعينين نادمتين تتحدثان رجاءً:

_أنا آسف.. آسف من هنا لسنين جاية ولحد ما أنا أموت، أنا آسف يا وئام! إنه لشيء مُرعب أن تمرَّ بجانب من أخبرته كلَّ تفاصيلك كالغريب..

منهمك نبيل وسط الأواني والموقد، صلصة الطماطم والبصل المقشر ومقطع قطع صغيرة، رائحة الشواء، التوابل مختلفة اللون والطعم والرائحة.. السكين الحامي واللحم الطازج وصدور الدجاج الموضوعة وبانتظار إعدادها. يعمل نبيل كآلة، يقوم بفعل الطبخ لا شيء آخر.. لكن حينما تدقق النظر به سترى علامات العبوس والحزن بدت واضحة عليه. يسكب الطعام في صحون التقديم دون أن تنفرج شفتاه أو يرتفع نظره عن مستوى طاولة الإعداد، وفي الوقت ذاته.. يلج إلى

المطبخ حذاء رياضي وردي اللون ببطء، نرتفع بالبصر إلى أعلى بنطال جينز وقميص مربوط من أسفل آخر زر وتحته شيرت داخلي قطني ووجه ديانا ذا الوجنتين الممتلئين والشعر الفوضوي على جانبي وجهها وظهرها. تنظر ناحيته بقلب مفتور، أما عنه فهو على انهماكه بعمله لا يأبه من القادم أو الخارج. ترجلت عدة خطوات نحوه حتى توقفت، وضعت كف يدها الممتلئ على يده أثناء تقطيع الخضروات، نظر

لها نبيل عابس فقالت هي: _وحشتني! لم ينطق نبيل على نظرته كما هو فمسحت ديانا على شعره وأكملت: _والشعرتين البيض اللي على جوانب راسك دول وحشوني يا بلبلي. هونت عليك؟! بعد النظرة المطولة هذه منه، انفرجت شفتاه وتحدث لها أخيرًا وما زال يحدق بها:

_أنا عملت اللي أهلك كانوا عايزينه، شوفي العريس المتريش يا ديانا هما عندهم حق. إيه ذنبك تفضلي جنب واحد أكبر منك بـ 15 سنة ولسه مشواره طويل وتحقيق اللي أنتِ عايزاه مش قادر عليه. يا دوب حلمه بيحققه على قده، ده لو كان له في الدنيا حلم أصلًا. هل كانت تلوح الآن مقولة: لا تغفر أبدًا لمن أفقدك الثقة، وهو يعلم جيدًا شدة خوفك من الخُذلان أمام نبيل؟!

ولكن ديانا لم تفقده الثقة بذاتها، ظروفه المتعثرة الصعبة ومتطلبات أهلها الزائدة هي من أوقفت سريان دماء علاقتهما. سمعته ديانا حتى النهاية، اغرورقت عيناها بالدمع مع قولها بطفولتها المعهودة: _عارف بعد كل اللي قولته ده يا نبيل إيه ذنبي؟ أنا حبيت مرتين قبلك.. أو تقدر تقول كنت في علاقة فاشلة مرتين قبلك، كل حد منهم كان مصدر قلق وتعب ليا بشكل منفرد. ولما سيبتهم كنت مرتاحة أوي، إلا أنت!

برغم تريقتك عليا، برغم إنك بتاخد كلامي باستهزاء.. برغم إني بالنسبة لك جوازة والسلام.. وبرغم الفروق الكتير اللي بينا.. أنا حبيتك بجد. وضعت كف يدها على قلبه وقالت وهي تنظر إلى عينيه مباشرة: _عشان قلبك أبيض ونظيف، أنا روحت الكنيسة امبارح وولعت شمعة وصليت. قولت يا عدرا.. يا مارجرجس بشفاعتك تدلني أنا صح لو كملت مع نبيل غصب عن أهلي ولا لو سمعت كلامهم وخلاص سيبته، لاقيتني النهاردة جيتلك. لاقيت بعد الشغل رجليا واخداني لعندك.

وضعت يدها بحقيبتها وأخرجت كيسًا بلاستيكيًا به مبلغ مالي كبير:

_أنا قبضت الجمعية العشر آلاف جنيه، واستلفت عليهم عشرة تانيين من إخواتي وهبقى أرد من جمعية جديدة. وكمان فلوسك اللي كانت عند بابا العشرين ألف. كده بقوا أربعين ألف، ده غير اللي معاك.. تعالى نجيب عفش على قدنا. وواحدة واحدة نبقى نجدده لما ربنا يفرجها، وموافقة عالشقة الصغيرة ومحدش له دعوة دي حياتي. وأنا مختاراها كده، قولت إيه يا بلبولي.. هتكمل مع كعبولك ولا هتفضل بائس كده بوشك ده؟ ابتسم نبيل ابتسامة جانبية مع قوله ساخرًا:

_يابنتي إيه يرغمك على غراب زيي، انفدي بجلدك. _لأ، رجلي على رجلك وبؤسي على بؤسك وبومتي على غرابك. ضحك الاثنان بشدة فدلف زميل نبيل بسرعة إلى المطبخ ممسكًا هاتفه يعرض إعلان المسابقة "مطر وردي" موجهًا حديثه إلى نبيل: _بص ياض يا حزين أنت، مسابقة بسيطة وممكن تكسب الفلوس والعربية وفرح على حساب البرنامج يا فقري. إيه رأيكم؟! لمعت الفكرة في أذهان نبيل وديانا وابتسما فقالت ديانا وهي تخرج هاتفها:

_داخلينها وش، أنا هدخل عاللينك وأشترك حالًا. أخذت تتراقص ممسكة بالهاتف ومحدقة به: _وهنكسب المسابقة وهناخد عربية وفلوس هيييه، شفاعتك يا عدرا تكون معانا. نظر لها نبيل وأطرق كفيه واحدة بالأخرى متحدثًا إلى زميله: _أهو تخيل مسرح البالون ده هيبقى قدام الناس في التليفزيون.. ده إحنا فضيحتنا هتبقى بجلاجل!

دائمًا ما كان يخبرني عمي الحبيب أننا نندفع بكل طاقتنا عندما نُحب.. وبنفس القدر الذي اندفعنا به تتحطم قُلوبنا، كان يُوصيني أن أتمعن في الاختيار كي لا يتحطم قلبي وإن ما أصبتُ هدفًا جيدًا فلا داعي من الحُب من الأساس، ولكن أصاب العمى قلبي عندما رأيتك وبعدها توالت المفاجآت. كانت تتهادى زاد بحذائها بطرقة الشركة تتابع العمل، دلفت إلى مكتب جانبي: _يارا، عايزة ملف شُحنة الصين الأخيرة على مكتبي كمان ربع ساعة.

_حاضر يا آنسة زاد. خرجت وأخذ صوت طرقات حذائها يدوي حتى أوقفت أحد الموظفين بالطرقة: _علي، ابعتلي إيميل قولي آخر تطورات الصفقة اللي إحنا داخلينها ومعلومات عن العطاءات المتقدمة قصادنا. _حصل يا فندم. دلفت إلى مكتبها، وجلست وضغطت على زر لدى عامل المقهى الخاص بالشركة: _فنجان قهوة يا عيد. ارتدت نظارتها وأمسكت الملف الورقي الذي أمامها وأخذت تتصفحه، رن هاتفها أجابت:

_ألو، لأ هو قدامي أهو هخلصه وأبلغ حضرتك.. متشكرة يا فندم تحت أمرك. صوت طرقات على الباب، أمرت زاد بالدخول إثر انشغالها بقراءة الأوراق: _آنسة زاد، مستر والي عبد الحميد بره. رفعت زاد نظرها منتبهة وأردفت: _ماشي خليه يدخل. دلف والي وأغلقت السكرتيرة الباب خلفها، صافحا بعضهما البعض وجلس: _آسف لو جيت في وقت مش مناسب، شكلك مشغولة. _هو بصراحة فيه ضغط النهاردة، بس أنا معاك ما إحنا مع بعض في شغل برضه. ابتسم والي وأردف لها:

_طبعًا وأنا جاي عشان كده، فيه كمية تمويل جاية على المسابقة مش هتتخيلي شركات إيه. ابتسمت زاد وتركت الأوراق من يدها وقالت بانتباه: _طب ده خبر كويس جدًا. _ولينك المسابقة الضغط عالي عليه جدًا، والطلبات المتقدمة بصراحة أكبر من توقعي. عادت زاد بظهرها للخلف وأردفت: _إمتى هنبدأ كاستينج؟! ونختار الكابلز. _لما يخلص عدد المقدمين المحدود، عايزك تفضي نفسك الفترة الجاية عشان هيبقى فيه الكاستينج. وتقريبًا ده هيبلع الوقت مننا.

أشارت زاد لما حولها بكلتا يديها قائلة: _أنت شايف أنا مش ملاحقة على الشغل بجد، هيبقى هنا وهناك. مط والي شفتيه وأردف بعد تفكير لثوانٍ معدودة: _ممكن ذكي بك ييجي يتابع الشغل أثناء الكاستينج، أصل لازم تكوني موجودة. تنهدت زاد تفكر فنهض والي وأمسك نظارته الشمسية يقوم بارتدائها: _أنا همشي. لوحت زاد له مبتسمة: _طيب ما طلبتش ليك حاجة. _الوقت والحاجة اللي جاي لك عشانها خلاص عملتهم، دلوقتي أسيبك لشغلك. وأي جديد هبلغك بيه.

نهضت زاد وصافحته، ترجل والي نحو الباب ومن ثم نظر ناحيتها قائلًا: _زاد.. النهاردة جمالك مش طبيعي واللون الموف عليكي يهبل. أول مرة أشوف أنثى عارفة توفق بين الحياة العملية وبين طبيعتها كأنثى. أحييكي. قال هذه الكلمات كقذف القنابل ورحل تاركًا دقات قلب زاد تفعل بها ما تفعل ولكنها تخمد الإحساس بالانغماس بعملها وعدم ترك مساحة للتفكير.

_على إيه يا فندم الشكر إحنا تحت أمرك ومبسوطة إن العربية وسعرها عجبوا حضرتك، إن شاء الله مش هيبقى آخر تعامل ما بينا. تحت أمرك اتفضل. أغلقت روز الهاتف بعدما انتهت المكالمة، بينما كان مصعب يقوم بعد المبلغ الذي حاز عليه بعدما أجرى هو وروز تلك البيعة، وكان نصيبهم مبلغ مالي جيد. نظر ناحيتها وأردف: _مضبوطين بالتمام والكمال، يلا يا رزة عشان جعّان جوي، هنطلبوا إيه؟ _لا لا تعالى نروح مكان مفتوح ونتغدى، أنا عاملة أكل بيتي.

انفرجت أسارير مصعب وأردف: _وعدي يا وعدي، والله بطني نشفت من أكل برة، هنروحوا فين؟ _تعالى نروح الأزهر بارك أو جنينة الحيوانات. _جنينة حيوانات إيا يا بوي، رايح مع سلمى بت أخوي أنا، لا فكري فحاجة تانية. لوحت روز بيدها له وأردفت بنبرة عصبية: _إخلص وقوم يلا وقف تاكس قبل الأكل ما يبرد، دلع ماسخ ومش لايق عليك وأنت بئف كدا. تصنع مصعب أنه سيقوم بلطم وجهها بكف يده قائلًا: _أنا بئف يا عنز أبيض، قدامي جاك داء المية.

أوقفا سيارة أجرة، وإلى حديقة عامة ذهبا، وجلست روز بعدما فرشت مفرش قماشي كبير ووضعت الأواني وقامت بسكب الطعام الساخن، وبدءا في تناول الطعام. كانا يلتهما بنهم وشراهة، من الواضح أن روز طباخة ماهرة فالطعام لذيذ ومصعب يأكل دون توقف. _يا ابني بالراحة هيقف فزورك. كان فم مصعب مملوء بالطعام فابتلعه وأردف: _لا بيمين نعينوك، مكان الشيف شربيني بتاع يا جماله يا جماله دهوت، الوكل جميل يا بت.

_بالهنا والشفا، عشان تعرف بس سبع صنايع بس البخت ضايع. قضم مصعب جزءًا من فخذ الدجاج وألحقها بملعقة أرز أبيض وأردف: _النبي يا بت يا اللي شبه سمك الزينة أنتِ، على حلاوتك وشطارتك دي المفروض ما تجعديش ثانية. أنتِ لو حدانا فالبلد كنتِ اتجوزتِ بعد الإعدادية. ضحكت روز فأكمل مصعب بعدما قام بشرب صحن الملوخية فضحكت روز بشدة، ابتلع ومسح فمه بالمناديل وأردف:

_أصل أنا لسه هتحسوك، النبي عربي.. المهم كيف أهلك سايبينك من غير جواز لحد دلوك؟ أكيد عيجيكي ناس كتير يا واكلة ناسك وأنتِ راضياش، صوح؟ أرادت روز تغيير مجرى الحديث فقالت له: _وأنت ما اتجوزتش ليه لحد دلوقت؟ _ما لقتش بصراحة بت وزير الصناعة اللي أرضى بيها. قام بلطم خديه بطريقة مضحكة وأردف: _هو أنا لاقي آكل، كنت نصاب وحرامي ودلوك سمسار هتجوز منين؟ ضحكت روز ومن ثم تناولت الماء تشربه فتذكر هو شيئًا:

_صوح قدمت لينا أنا فمسابقة مطر مغفلق باين، مطر أزرق. رفعت روز إحدى حاجبيها وأردفت له معترضة: _يا ابني أنت غبي؟ مسابقة إيه إحنا ولا مرتبطين ولا مخطوبين ولا متجوزين، هنهبب إيه فيها أنت عاوز تضحك علينا الناس! قام مصعب بتجرع الكثير من الماء ومن ثم تجشأ فصنع صوتًا، لتقوم بلكمه روز وأردف لها: _عادي نمثلوا. عقدت روز ذراعيها والتوت شفتيها قائلة: _طب بالعقل يا ذكي، اللي هيمثل إنه مرتبط بحد دا مش عالأقل عارف عنه أي حاجة؟

هندخل المسابقة نمثل إننا مرتبطين.. طب تعرف إيه عني أنت؟ أعرف أنا عنك إيه يا هباب البرك؟ _هباب البرك! خلي بالك اللي بتشتميه دهوت فبلدهم عمدة بس الدنيا قلبته على ضهره. ظلت روز محدقة به ساخرة بقسمات وجهها، فقام مصعب بتعديل هندامه وكأنه يتقدم بتعريف نفسه إلى عمل جديد وأردف ممازحًا إياها:

_معاك مصعب عابدين الأحمدي، 25 سنة، واد أسمر وحلو وملو هدومي وخريج كلية زراعة، اشتغلت كذا شغلانة ومنفعش. ونعمل سكيب لجزئية معينة فحياتي عشان هتبقى فضايح. ضحكت روز مخبأة فمها بيدها فأكمل هو:

_وحاليًا شغال سمسار أي حاجة وكل حاجة، عمري ما ارتبطت بمرا فحياتي عشان شايفهم جنس وجع القلب والدماغ، والحريم أصلًا كائنات مرضانه فعقلها. ساكن فشقة تمليك بس أنا أصلًا من الصعيد وعيلتي ناس كويسة أبوي مدرس لغة عربية والحجة أمي ربة منزل وعندي ست إخوات، وأجيد اللغة الصينية بطلاقة. أطرقت روز كفًا بكف وتهز رأسها يمينًا ويسارًا فقال هو: _اتفضلي عرفيني بنفسك يا غندورة. حدقت روز به واختفت ابتسامتها تدريجيًا من على وجهها وأردفت:

_أنا يا سيدي روز عبد الله، خريجة معهد تمريض.. 22 سنة كنت شغالة فمستشفى وسيبتها بعد موضوع معين حصل معايا فيها، وحاليًا بشتغل سمسارة مع واحد مهفوف كدا. _الله يحفظك يا أبلة. _وعمري ما دخلت علاقة عشان معنديش وقت أعطل نفسي فحب وكلام فارغ، صاحبت كام مرة ولقيت إنه تضييع وقت وبس. _كملي وناسك، ناسك فين يا وكلاهم؟ بعينان حزينتان أردفت روز:

_وكلاهم فعلًا زي ما ع طول تقولي، أنا ماليش حد ولا أهل يا مصعب. أنا وعيت عالدنيا لقيتني فملجأ.. ومعرفليش أهل! اعتدل مصعب في جلسته وأردف لها بجدية: _اتكلمي جد يس كفاية هزار. مسحت روز بأصابعها عبرة انهمرت رغماً عنها وقالت: _بتكلم جد، أنا لقيطة يا مصعب.. ها لسه عاوز تكمل فالتمثيلية؟ فغر مصعب فاهه وظل محدقًا بها بذهول دون أن ينطق بحرف واحد. بينما كنت أرفض كل شيء بشدة، كنت قبولي الوحيد بل كنت سبيلي الوحيد والأجدر والأبقى!

كان قصي يداعب الطفل الصغير ابن صديقه المتوفى أحمد فوزي، والذي يعاني من ضمور بالمخ أفقده الحركة تمامًا وكذلك النطق والسمع!

هذا هو سبب وجود قصي بمنزلهم، فهو يتابع مع والدته وجدته الطبيب وعلاجه، وفي زيارته هذه المرة كانت عزة برفقته.. كانت مستمتعة بأجواء الأسرة واللعب مع الطفلة فرح والحديث مع زوجة صديق قصي ووالدتها، وحينما رأى قصي الفرحة بعين عزة هكذا شعر أنه أخطأ بأنه لم يقم بتعريفها عليهم منذ حينها ولكن لا بأس فقد أصلح قصي كل شيء أخيرًا. _ما شاء الله عليكم يا بنتي، ربنا يبارك لكم فبعض يا رب. قالتها جدة الأطفال موجهة

حديثها إلى عزة فقالت عزة: _ربنا يخليكي يا ماما، بجد قصي دا كل حاجة فحياتي ومعوضني عن عدم وجود أهلي وعن فقدان أمومتي. نظرت عزة له بامتنان بالغ وحب فنظر لها قصي مطولًا قائلًا بنبرة عشق: _عزة دي الدنيا ليا أصلًا ومش مهم بعدها ناس ولا حياة. ضحكت عزة بخجل فقالت أرملة صديق قصي بعدما وضعت لهما المشروب: _على ذكر الحب والعشق، فيه مسابقة شغالين يعلنوا عنها فالتليفزيونات والإنترنت، عن الحب وكدا، وفيها مكاسب مهولة. عقد قصي

عينيه فبادرت عزة بالقول: _آه شفت إعلانهم وأنا بتصفح الفيس وبشوف طلبات جروبي، مش برنامج مطر وردي؟ هزت دعاء أرملة صديق قصي رأسها إيجابًا، وأردفت: _ما تقدموا فيها أنت والأستاذ قصي! نظرت عزة إلى قصي، فأخرج قصي هاتفه وفتح بيانات الإنترنت وهو يردف: _اسمها إيه؟ _مسابقة مطر وردي. تصفح وبحث حتى وجد الإعلان، قرأه حتى النهاية ومن ثم أردف بلهجة متحفظة: _دا الثنائيات الفائزة هتعيش فبيت واحد لمدة شهرين وهيتذاع كل دا عالتلفزيون!

قالت دعاء في اندفاع مبتهجة وهي تهز طفلها الصغير: _أيوه، إيه رأيكم.. يا لهوي يا مدام عزة لو اشتركتوا وكسبتوا والله تستحقوها. وكمان ما تأخذنيش يا أستاذ قصي، والدة حضرتك تعرف إنك عمرك ما هتستغنى عن مراتك، وترضى عنكم بقى. ابتسمت عزة وأردفت هي مطأطأة رأسها للأسفل: _مستحيل قصي يوافق، قصي بيغير عليا جدًا.. نعيش قدام الناس ونتكلم قدام الناس. _لا مش كدا وبس وشهرة ونمشي الناس تشاور علينا لا لا لا. أردفت دعاء تحثهم

بلهجة تدفعهم بها للتفكير: _طب وماله، شوفوا شغلك أنت وهي لما يتشهر أكتر من كدا والناس تعرفكم أكتر دا لو ما كسبتوش. أومال بقى لو كسبتم.. فلوس وعربية يا لهوي.. الله يرحمك يا أحمد. لو كان موجود كنت سيبت العيال لماما واشتركنا. لمعت الفكرة بذهن عزة فنظرت ناحية قصي، الذي فعل برأسه نفيًا أي إنه لا مجال للتفكير. لا تحاولي.. "بارك الله لكما.. وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير."

رفع المأذون المنديل وتعالت الزغاريد بأرجاء المكان وقام رائد بمصافحة والد مايا وجميع من حضر من أصدقائه وزملاء بحفاوة، أما عن العروس مايا كانت تتألق بحلتها وتقوم بعناق صديقاتها بعدما انتهى عقد القران وقاموا بتشغيل الأغاني وكانوا يتراقصن حولها في مشهد جميل. حتى اقترب رائد ناحيتها وعانقها بقوة مطولًا وطبع قبلة على رأسها ثم نظر إلى عينيها فلقطت إحداهن صورة لهما مفاجأة وكانت الأروع!

مرت الساعات وسط الصخب والفرحة المتناثرة بالمكان وقلوبهم، حتى أتى البرنامج الثاني ليوم عقد القران كما خططوا له، ذهبوا إلى المقهى المفضل لهما مع بعض من أصدقائهم حيث أكملوا سهرتهم هناك على راحتهم أكثر. وفي العودة، توقفت سيارة رائد أمام منزل مايا فنظرت مايا ناحيته: _من أجمل أيام حياتي فعلًا.. أنا بحبك يا رائد. مسح رائد على وجنتها بيده وحدق بعينيها بغرامه المفعم قائلًا:

_أنا بموت فيكي يا روح رائد، بقيتِ مراتي يا ميوش فهمي نظمي رسمي. رفعت مايا سبابتها فوجهه تلوح بها قائلة: _لا لا لا لسه فاضل تكة على آخر السكة.. عارف كمان مبسوطة ليه أكتر؟ _ليه يا قلبي؟ _عشان وافقت إننا نشترك فالمسابقة. نظر رائد أمامه وأردف ساخرًا: _مش ساومتيني، لو كتبنا الكتاب بدري قبل الفرح يبقى نشترك.. مش سهلة أنتِ. تراقصت مايا في مكانها على مقعد السيارة وأردفت: _يا حبيبي امشي ورايا بس ومتخافش.

نظرت مايا بساعة الهاتف وقالت بعدما شهقت بصوت خفيض: _أوه اتأخرت جامد.. يلا تصبح على خير يا حبيبي، لما توصل كلمني. همّت بالنزول، فأوقفها ممسكًا كف يدها ودنا منها ببطء. كنتِ زي القمر، ألف مبروك يا حبيبة قلبي. طبع قبلة بخفة على وجنتها، فسبّلت مايا عيناها، واقتربت شفتيه زاحفة إثر تقبيله المتتابع إلى شفتيها، فقامت مايا بلطمه بوجنته، ففزع رائد لينظر لها وعيناه متسعتان مشدوهًا. إيه اللي بتعمله دا؟

أنتَ بقيتِ مراتي، دي بوسة بريئة والله. لا بريئة ولا جريئة، غير مسموح غير لما نكون في شقتنا. همّت بالهبوط فأوقفها ثانية يسحبها ناحيته. طب بوسة كمان ويبقوا قلمين. رائد! عيونه. تصبح على خير. هبطت وهرولت حاملة ذيول فستانها، ولوحت له وصعدت الدرج، فابتسم هو وعدّل من وضعية نظارته وانطلق بسيارته وهو يقوم بدندنة أغنية عمرو دياب.

آه يا نور حياتي ما فيكيش غلطة، أجنبية طيب ولا إيه دي خلطة، آآآآآآآه يا نجمة مسكت فيها وأنا مستقتل عليها، سيبي ضحكتك عليكي، عليكي رايقة. سقف جامد للعلمك القسوة، واديه بالقلم عشان تأكدله أنك إتعلمت!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...