ولازالت أحيا على أنقاض، ولازالت أحتاج كتفك لأتّكئ عليه.. ذات يوم كنت أنا.. فهل سأعود أنا برفقتك كروح واحدة! يجلس باسل متوترًا، مشتبكة أصابعه ببعضها البعض، ينظر إلى والد وئام وزوجته السيدة حمدية بجانبه، ترمقه نظرة من أسفل لأعلى تتفحصه وتتشدق بشفتيها اعتراضًا. أما عن وئام فكانت تستقبل ردود الأفعال كلها بصمت.. تراقب الأجواء ولا تعرف من أين ستأتي الضربة القادمة، انفرجت شفتا والد وئام عن الحديث وأردف:
-بتقول يا باسل يا ابني، عرفت وئام بنتي كانت جارتك في العمارة قبل ما تنقل، وإنك أرمل وعاوز تتجوزها. أومأ باسل برأسه إيجابًا ومقلتيه تتحرك في تشكك بين والد وئام وزوجته، حتى أردفت زوجته بعدما وضعت كف يدها على الأخرى تتحدث استنكارًا: -وبسلامتك بقى عارف إنها ما بتخلفش ومش هتخلف عشان هي معي... أوقفها باسل عن إكمال حديثها المزعج وتحدث بلباقة واحترام حتى لا تزيد على وئام بنعتها بالكلمات الكاسرة لها:
-وئام مش معيوبة، وئام عندها مشكلة وبالعلاج هتبقى كويسة واه عارف وموافق. نظرت وئام ناحيته نظرة امتنان، لأول مرة من بين هذا العالم الغادر يكون لها سندًا، من بين هؤلاء الذين يتشحون بالظلام تظهر بقعة النور أخيرًا.. هناك ضمادات بشرية أخيرًا جاءت إلى حياتها لتطيب جراحها وتؤنس وحدتها وتلتئم بها تمزقات قلبها الضعيف. عندما سمعت السيدة حميدة طريقتها في الدفاع عنها هكذا، تشدقت ثانية واستدارت بجسدها نحو زوجها تحدثه ساخرة:
-إيه رأيك يا أبو العروسة! -طيب يا ابني سيبني أفكر وهرد عليك. نهضت وئام من مجلسها قائلة في حسم لأمرها: -بابا، مع احترامي ليك.. باسل أنا أعرفه وموافقة عليه وفكرت واستخرت ربنا كمان. ضحكت حمدية بسخرية ضحكات متقطعة وأردفت لها: -ده الشملولة واخدة قرارها وإنت تحصيل حاصل يا أبو العيال! قذفت حمدية بكرة النار كي تزيد الأمر اشتعالًا وتجعل والدها يرفض وتقيم الحرب التي تبغاها، ولكن والد وئام حسم الأمر قائلًا:
-خلاص يا بنتي، اللي تشوفيه.. إنتِ من يوم ما طلعتِ من هنا وإنتِ حرة في نفسك وفي قراراتك، وأنا مش هغصبك على حاجة تاني أبدًا. ابتسمت وئام بعينين لامعتين ونظرت نحو باسل الذي بادلها الابتسام والاهتمام لأول مرة منذ بداية تعارفهما. -سقف جامد للعلمك القسوة، واديه بالقلم عشان تأكد له إنك اتعلمت! دوّن رائد هذه الجملة على اللوحة خلفه وجلس يُلقي محاضرته كالعادة والجميع منصت إليه:
-محدش في الدنيا اتخلق مهزوم طول الوقت، مهزوم مهزوم.. هييجي وقت وهيبقى منتصر بس يبقى متعلم من اللي فات، مش مجرد عاش 30 أو 20 سنة على ما فيش. الشخص اللي علمك الخسارة والهزيمة، ما تكرهوش.. حبّه، عارف ليه؟ عشان صنع منك إنسان مختلف، إنسان شاطب من تاريخه اللي فات وهيبقى إنسان جديد بسبب القسوة والخسارة دي!
وبعد مضي وقت، انتهت المحاضرة وهمّ رائد بالخروج خارج قاعة المحاضرات حاملًا حقيبة حاسوبه الخاص وإذ بهاتفه يرن، أخرجه من جيب بنطاله ليجدها مايا. فأجاب الاتصال: -ميوش حبيبي، بتتصلّي في وقتك لسه مخلص السيشن دلوقتي. كانت تعدّل مايا من هندام وشاحها أمام المرآة وتتحدث مع رائد عبر مكبر صوت الهاتف: -طب إنت فين دلوقتي؟ وضع رائد يده بجيب بنطاله ووقف ينظر هنا وهناك وهو يتحدث معها بالهاتف: -لسه في مكان شغلي.
-طب عدّي علينا عندنا مشوار مهم. شعر رائد بالقلق حيال كلمات مايا له، فأغلق المكالمة وعلى الفور كان أسفل منزلها ينتظرها، هبطت هي وركبت السيارة بجانبه بعدما ألقت التحية عليه أردفت: -يلا بينا. -يلا بينا على فين؟ إنتِ مكالمتك قلقتني. رفعت مايا أحد حاجبيها وأردفت له مستنكرة: -قلق ليه يا ابني فيه إيه؟ إحنا هننزل نشتري كام حاجة كده لبس بيتي وترينينجات. وكام فستان ليا وبدلة ليك. -ليه ده كله؟! -عشان البرنامج.
قالتها بعينين تشتعل حماسًا، فتأفف رائد ناظرًا أمامه: -يا دي البرنامج، البرنامج البرنامج، إنتِ اتجننتِ خلاص وبعدين البرنامج ده مش لسه فيه اختيار للثنائيات واختبار وممكن نسقط.. يبقى على إيه التكاليف. مطّت مايا شفتيها وعقدت ذراعيها بعدما نظرت أمامها غاضبة وتحدثت إليه: -هنكسب في الكاستينج وهتشوف، يلا بس عشان ما نتأخرش لسه قدامنا لفة كبيرة.
نفث رائد يشعر بالضجر منها، ولكنها حبيبته في النهاية وكلماتها أوامر لقلبه وعليه السمع والطاعة. قيل في الودّ المتأخر.. كالذي مات جاره من الجوع، وفي عزائه ذبح كل الخراف! بعينين ذابلتين كانت تراقب روز هاتفها.. مر يومان بعد آخر مقابلة لها مع مصعب، وبعدما أخبرته بالحقيقة. وهو لا خبر عنه، لا مكالمات لا مقابلات، أذهله ما سمعه حقًا!
كانت تعلم هي هذا، لذلك أخرت معرفة ذلك قدر استطاعتها.. لكن طالما ستبدأ لعبة أمام الناس صوت وصورة فلابأس من معرفة الحقيقة وأيًّا كان القرار بعدها. هي كانت تعلم أن هذا هو رد فعله وردة فعل أي شخص يمكنه سماع حقيقتها، طفلة لقيطة ملقاة على قارعة الطريق.. تبرأ منها أهلها والعلم عند الله وحده، هل نسبها حرام؟ هل كانت خطأ بين اثنين خافوا من فضيحتهم أن تتضح أمام الناس فألقوا بها بهذه الطريقة القاسية وهي جزء منهم لحمًا ودمًا!
روز لم تحب مصعب، وهو أيضًا.. هما فقط صديقان وشركاء عمل، ولكن شيئًا ما بعد إخباره بالحقيقة جعلها تنتظره.. وتنتظره والوقت قاتل والصمت سيفه. تريد منه العودة قبل فوات الأوان، قبل احتراق المنزل بالكامل ويبقى الهشيم فقط. أما عن مصعب.. كان ينظر إلى صورتها على هاتفه ويدور برأسه ما علمه عنها، يتذكر موقفًا حينما أبرحته ضربًا. يتذكر قوتها وصرامتها في مواقف عدة، يتذكر صلابة عقلها، لا تخضع ولا تُهزم.
والمفاجأة أن ليس لها عائلة تنتمي لها! رفضت الطرق غير المشروعة وسارت بالطريق الصحيح حتى وإن كان قوته قليلة بالكاد تُعينها على العيش. ماذا سيفعل؟ تعلق بها كثيرًا وبوجودها.. من دون أن تدري هي علمته أن يسلك طريقًا صحيحًا، بأن يسير رافعًا رأسه لا مختبئًا خلف الجدران، علمته كيف التغلب على صعاب الحياة، علمته كيف يكون رجلًا! وبرغم من أن يومه بالكامل كان معها، يأكلان.. يشربان.. يبيعان.. يشتريان، يقابلان عملاء، يتحدثان.
كان يومه عبارة عنها، لم يمسّها حتى! علمته أن هناك خطوطًا حمراء يجب الوقوف عندها والالتزام بها، الأمر ليس بفتاة شارع وفتاة لها عائلة وأصول هو ليس هكذا، الأمر بأنك تتعلم كيف تكون إنسانًا تحترم نفسك وغيرك وتُلزم غيرك باحترامك. تنهد مصعب وهو يدور بأرجاء غرفته لا يعلم ماذا يفعل، أصوله كشاب من صعيد مصر جعلت هناك الخشونة في طبعه وعلى ما تربى عليه من عادات وتقاليد، ولكنه رأى منها ما يجعله يفكر ألف مرة قبل أن يظن بها السوء.
أمسك هاتفه وفتح خانة محادثتها وبعث لها رسالة: -رزة يا فقرية. على الفور رن الهاتف لدى روز، فانتبهت وهرولت نحوه وفتحت الرسالة لتجدها من مصعب.. فرح قلبها. وتهللت أساريرها، كيف له لم ينزعج مما أخبرته به برغم نشأته الصعيدية! لم تجبه في البداية وعلم هو أنها قد رأتها.. فأرسل رسالة أخرى: -لاه ماهو هتتجلى وأنا هتجل العلاقة كدهتي هتاخدنا ونوقعوا لتحت. ضحكت روز بصوتٍ عالٍ ما إن رأت رسالته وعلى الفور كتبت له:
-عاوز إيه يا واد يا صعيدي؟ -عاوزك يا واكلة ناسك بنسألك عليكِ بقالي يومين لا سمعت صوتك ولا شوفت وشك الأجرب. -أنا وشي جربان يا بئف؟ رفع مصعب حاجبيه حينما رأى رسالتها الأخيرة وأرسل لها ملصقات ضاحكة وبعدها: -خشمك دهتي لو ما بطلش جوله يا بئف يا بئف دي أني هناكلك كتلة ما كلهاش حرامي غسيل. ابتسمت روز وقامت بالاتصال به فأجاب هو بعدما تصنع أنه كان نائمًا وبدأ الحديث متثائبًا. فضحكت هي قائلة:
-ده على أساس عفريتك اللي كان بيكلمني على الواتس. -أيا دي مين، رزة! كيفك يا بت المحروج؟ -أحسن منك.. عاوز إيه بتبعت لي ليه مش من آخر مرة وإنت واخد جنب بعدما قولتلك حقيقتي. زي أي راجل ديله عوج بيفكر بالمقلوب. -بنفكروا بالمقلوب كيف؟ نفكروا من الشراب يعني.. وبعدين أنا ما خدتش جنب. ده حتى كنت نموت في بعدك يا رزة حتى افتحي الواتساب كدهتي هنوريكِ حاجة.
فتحت روز فوجدت صورة منه يضع سلك شاحن هاتفه على وريده ويلصقه بلاصق شفاف مدونًا أسفل الصورة: -أهو عشان تعرفي تعبت كيف في بعدك، روحت المستشفى وركبت محاليل. قهقهت روز بصوتٍ عالٍ فضحك مصعب على صوت ضحكاتها فقالت هي: -ودي مستشفى إيه بقى مستشفى اللاسلكي ولا كابلات الكهربا؟ -بس دمي خفيف ونعجبك ولا وحك لوح. -بس بلا لا وحني، لوحك قطر. -طب البسي يلا هننزل نشوف شغل أنا لقيته على النت كدهتي بيعة حلوة ونصيبنا مضمون فيها.
وبعدين هاخدك نسهروا على مركب شراعي ونتعشوا. ابتسمت روز، فقد تمت المصالحة أخيرًا وانتهى الخلاف وعلم مصعب بحقيقتها ومازال مستمر، وتعاملت هي بطبيعتها وبراحة قلبها دون قيود أخيرًا. باقة ورد توضع أمام زاد على مكتبها، رفعت زاد بصرها لتجدها سكرتيرة مكتبها تضعه مبتسمة مع قولها: -كل سنة وحضرتك طيبة يا آنسة زاد، الورد ده جاي لحضرتك.
ضيقت زاد عينيها ونظرت لهاتفها لترى تاريخ اليوم وتذكرت أن اليوم بالفعل هو ذكرى عيد ميلادها، ولكنها لا تهتم لمثل هذه الأشياء، انصرفت السكرتيرة وأمسكت زاد البطاقة الموضوعة على باقة الورد لتجد هذه الكلمات: -كل سنة وإنتِ طيبة يا زاد، معقول أعرف عيد ميلاد من الفيس بوك. اعملي حسابك على عيد ميلاد جامد.. وإلى. تعجبت من طريقته، يبالغ في معاملته معها وكأنهم أصدقاء منذ دهر. وما إن انتهت من قراءة البطاقة لتجده يتصل بها هاتفيًا.
_ألو _كل سنة وأنتِ زي القمر. ابتسمت زاد خجلًا، واحمرت وجنتها، وأردفت له بتحفظ كعهدها: _أنت قاعد لي بقى، واخد بالك من عيد ميلادي، وباعث ورد و... _والليلة مجهّز لك عيد ميلاد في مكان هبعت لك اللوكيشن بتاعه. وطبعًا حضرتك لا فاكرة عيد ميلادك ولا بتحتفلي ولا فيه حد في حياتك بيحتفل بيه.. فأنا قررت متطوعًا بما إننا أصحاب هحتفل لك بيه. ضحكت زاد مع هز لرأسها يمينًا ويسارًا، تتعجب من أمر هذا الغريب، فقالت له:
_افرض أنا مش مستعدة لحفلات أو عندي خطط تانية لليلة انهاردة أو مثلًا... _يا زاد ما عندكيش ولا حاجة، وحتى لو فيه هنكنسلها بقول لك. المهم الساعة 9 بالدقيقة تكوني في كامل أناقتك كالعادة.. وتيجي على المكان اللي هبعت لك عليه على الواتس. سلام. أغلق حتى قبلما أن تتفوه هي بأي كلمة، وكأنه متأكدًا من قبولها وما عليها سوى الانصياع خلف ما عرضه عليها.
ولكن حقيقة الأمر.. هو حملها برمتها من عالمها الروتيني الممل إلى عالمه هو المملوء بالحيوية والتغيير وقد أعجبتها الفكرة، ومن يدري؟! في تمام التاسعة، كانت قدميها تطأ أرض المكان المذكور، نظرت هنا وهناك حتى وجدته فأقبل نحوها ودعاها للجلوس فجلست. كانت تشعر بالارتباك قليلًا ولكن والي قد أزاله بعد بضعة دقائق. _تشربي حاجة الأول مش كده؟
أجابت زاد بالإيجاب برأسها فطلب والي كوبين من عصير الليمون المثلج، انصرف النادل فمشّط والي جسد زاد بالكامل يلقي نظرة كاملة على طلّتها اليوم وأردف لها متسعة بسمته: _قولي لي كل مرة بتتألقي في لبس الأميرات ده إزاي؟ ابتسمت زاد وأردفت له بهدوء: _ممكن لو سمحت تتكلم عادي كأصحاب وبلاش كلام المغازلات ده. _أنا مش بغازلك، أنا فعلًا بقول الحقيقة. صمتت زاد ونظرت نظرة دائرية تحيط بها المكان كله ومن ثم قالت:
_أنت رايح تعمل لي عيد ميلاد، لازم تفكرني بأن تميت 38 سنة! _السن مجرد رقم يا زاد، المهم القلب والروح شباب. وبعدين أبدًا شكلك وهندامك ما يدوا 38، أنتِ بالكتير 29 سنة. _طول الوقت بحس إنك مبالغ. _بالعكس والله بقول الحقيقة. _أنت كام سنة يا والي؟ عقد والي ذراعيه أمام صدره وعاد بظهره للخلف وأردف بثقته المعهودة: _تديني كام سنة؟ _لأ قول أنت. _35. شعرت زاد بالإحراج، هو أصغر منها سنًا.. ولكن ما الذي جال بخاطرها الآن؟
هما الاثنين لا تربطهما علاقة من الأساس. مرت الدقائق، حتى أشار والي إلى النادل فأغلقت أضواء المكان وأتوا بقالب الكيك الكبير الذي عليه اسمها ووضعوه أمامها وصفق كل من بالمكان، شعرت زاد بالسعادة لأول مرة أحدهم يقوم بالاحتفال بعيد مولدها وبيوم كهذا حتى عمها الغالي على قلبها.
غنت معه وقطعت قالب الكيك، حازت على قطعة صغيرة وهو أيضًا، وحملوا القالب وانصرفوا. شكرته كثيرًا وكانت سعيدة للغاية وبدا هذا واضحًا عليها، وأثناء تحدثهما سويًا وتقديم والي لهدية زاد، وقفت فتاة أمام طاولتهم. _والي عبدالحميد! رفع والي بصره لها وابتسم ونظرت زاد ناحيتهما، فنهض والي وعانقها وتبادلا التحية وبعد السؤال عن الأحوال، رحلت الفتاة على وعد بلقاء قريب، وما إن جلس ثانية أمام زاد فقالت له وهي تتصنع الانشغال:
_إيه صاحبتك؟ _ريم! آه احنا كنا أصحاب فترة وبعدين ما عرفش حصل إيه. ضحك والي فضحكت زاد وبعدها أردفت: _أصل سلمت بحرارة وأحضان وبوس وكده. قالتها والدماء تفور من وجنتيها، لاحظ والي وأردف لها بنبرة صوته الرصينة:
_عارفة يا زاد، أنا ممكن أبوس حد ما باحبوش لكن عمري ما أمسك إيده.. أنا يوم ما بأبعد عن شخص باحبه بأفضل مركز على إيده، ما جاش في بالي أي حاجة غير إني عايز أفضل فاكر شكلها لأني مش هألمسها تاني، لأن مؤمن جدًا إن الإيد أصدق حاجة بتعبر عن الحب عشان كده هي حركة مهمة بين أي اثنين بيحبوا بعض.
زي لما تكون ماشي مع صاحبك فيلمس ظهرك بتلقائية عشان يبعدك عن العربيات، أو إنه يطبطب عليك لما يحضنك وهو بيسلم عليك، أو يمسح دموعك بإيده وأنت بتعيط على حاجة وجعتك. كانت تستمع زاد إليه باهتمام وكأن قد أعجبتها كلماته وهو يكمل لها وكأنه يريد توصيل فكرة معينة لها:
_قريت في مرة لنينا لاكور لو تسمعي عنها جملة بتقول عن حبيبها.. مسح الدموع من على وجهي، لقد استخدم يديه، لقد كان يحبني حبًا شديدًا. حاجة كده مش مفهومة إنك ممكن تبوس ألف شخص لكن ما تمسكش إيده، ماسكة الإيد معنى ثاني وثالث زي مثلًا تبقي متوترة وعندك حاجة مهمة فصاحبتك تمسك إيدك فتطمني، أو لما تبقي رايحة ميعاد مهم ومرتبكة فاللي رايحة تقابليه ده يشد على إيدك في السلام فتهدى، حاجة كده شبه اللي قاله فؤاد المهندس في الشموع السوداء إن زي ما يكون القلب في كف الإيد!
قالها ومن بعدها لامس بأطراف أصابعه كف يدها الموضوع تلقائي على المنضدة، شعرت زاد بنفضة وكأن هناك قوة كهربية تم التوصيل بجسدها للتو.. أو أن هناك شعور بتلك "لسعة البرد" تمر بظهرها الدافئ. ما هذا الشعور؟ ما هذه الطرقات التي تجعلني أسير بها يا والي؟ طرقات لم أعتاد عليها ولم أعرفها ولم أتطرق لها من الأساس، قامت زاد بجذب كف يدها مسرعة وقامت بنهره على فعلته هذه: _فيه إيه يا والي؟ مش شايف أنها زادت شوية؟
شعر والي بالخجل منها فنهض هو الآخر يعتذر منها كثيرًا ويدعوها رجاءً للجلوس مرة ثانية: _أنا آسف والله مش قصدي، غصب عني لقيت نفسي.. _لقيت نفسك إيه؟ مرة نروح فرح مرة تجيب لي ورد وكل شوية كلمات غزل، ودلوقت تلمس إيدي. والي، أنا ما باحبش التصرفات دي، وإلا يا ريت نرجع مجرد شركاء في شغل وبس. شعر والي بالضيق فاعتذر منها مرة أخرى وقام بتهدئتها وأجلسها مرة أخرى وهو يتحدث إليها:
_بجد مش قصدي أضايقك أو أزعلك يا زاد، حركة تلقائية مني.. وخلاص يا ستي من هنا ورايح المعاملة هتبقى عادي وأي شعور مني هأحسّه وهألاقيه بيطلع، هأكتمه على طول. بس أنتِ ما تضايقيش. صمتت زاد وما زالت على عبوسها فأردف هو ممازحًا إياها: _ممكن نكمل الليلة بنضحك زي ما كنا، انهاردة عيد ميلادك.. بلاش البوز ده بقى مش لايق على الطلة الملكية دي.
ابتسمت زاد وعادا لحديثهما، لا نخفي سرًا بأن شيئًا ما يتحرك داخلها كلما فعل والي فعلًا جديدًا معها، ولكنها تقوم بإخماده سواء داخلها أو بصوت مسموع فلا مجال للحب بعالم زاد مطر وهذا أفضل! ~~~ _مسابقة!! مسابقة إيه.. إيه الهبل اللي أنتم جايين تقولوه ده؟ تأفف نبيل وأخذ يقضم بشفتيه فقالت ديانا: _مسابقة يا ماما في التليفزيون هناخد منها فلوس كتير قوي وعربية وفرح على حسابهم حاجة جامدة موت.
التوت شفتا السيدة والدة ديانا وقامت بفعل مصمصة شفتيها ساخرة منهم، فقال والد ديانا: _اسمع يا نبيل إحنا هنديك فرصة عشان بس البنت بتحبك ومتمسكة بيك. لكن جو تليفزيونات وبرامج ما لناش فيه. _ما هو مش أنتم يا عمي اللي هتتصوروا أنا وهي. قالها نبيل فقالت والدة ديانا: _على حد علمي دي مسابقة لعيال صغيرة في سن بنتي، هتروح تعمل إيه أنت هناك وسطهم؟ يا خويا اتكسف على دمك. _ليه يعني يا طنط هو أنا عندي 60 سنة؟ من صباح الكخ على الكخ.
دنا نبيل من أذن ديانا وأردف لها ممتعضًا منهم: _أمك وأبوكِ بيموتوا فيا قوي. قامت ديانا بغمزة وأردفت لوالديها: _إحنا بس كنا عاوزين نستلف شوية فلوس منكم نجيب حاجات لازمانا للبرنامج. نظرت السيدة ناحيتهما وبالأخص نبيل وأردفت: _طب نديكِ أنتِ ماشي إنما هو ليه؟ لقيط ولا إحنا متكفلين بيك؟ _أنا عاوز أعرف يا طنط هو أنا أكلت نايبك من على السفرة؟ فيه إيه أنا مش عاوز حاجة هاتوا لها هي وكفوها مقاسات كبيرة، وأنا لي ربنا.
أمسكت ديانا بذراع نبيل تجذبه نحو السفرة تتحدث بحماسها المعتاد: _طب قوم يا بلبلّي هنتغدى انهاردة سوا وأنا اللي عاملة الأكل بنفسي عشان لما نتجوز ما أعتمدش عليك في الطبيخ وأكون طباخة جميلة مرات طباخ شاطر.
امتعض نبيل بوجهه ردة فعل منه على ما قالت وسار معها تسحبه حتى أجلسته على المقعد ووضعت على صدره المحرمة وناولته الشوكة والسكين ووضعت أمامه صحنًا فارغًا وقامت بسكب الطعام الساخن وقطع الدجاج وابتسمت له ابتسامة عريضة كي يبدأ، فهمّ نبيل تقطيع قطعة دجاج ووضعها في فمه ليصنع صوتًا مضحكًا بعدما مضغها أثناء البلع ونظر نحوها متسائلًا: _إيه ده يا كعبول؟ كانت تأكل ديانا بنهم وأردفت له بفمها المملوء: _فراخ يا حوبي.
_فراخ إيه.. الفراخ دي عاملة كده ليه؟ ضحكت ديانا وأردفت له بعفويتها: _آااه، أصل كان لازم تتغسل فأنا بقى إيه جبت الإريال وغسلتها خليتها ناصعة البياض. اتسعت حدقة عين نبيل مع اعوجاج شفتيه وأردف لها بهدوء: _غسلتيها بإيه؟ بإريال! إريال مسحوق الغسيل؟ _أيوه كان مكتوب في اليوتيوب تتغسل، وأنا ما لقتش غير إريال لو فيه تايد أو برسيل كنت غسلت. بس ماما ما عندهاش غير ده.
هنا أمسك نبيل ذراعها يلويه فتأوهت هي وتحدث لها بعصبية تفرطك ضحكًا: _فراخ إيه اللي بتتغسل بإريال منك لله، ودي ناكلها ولا ننشرها على حبل الغسيل يا اللي تنزغدي. تركها ونهض مسرعًا نحو المرحاض فهرولت هي خلفه تتهادى بشحوم جسدها المترهلة قائلة: _يا بلبلّي اصبر، طب أنت ما دوقتش الكانيلوني. _عاملاه بإيه ده بقى إن شاء الله بسولار ولا حاطة في البشاميل بتاعه جبس. أوعي يا شيخة دي جوازتي منك تكفير ذنب.
وعلى هذا العراك المضحك، ثنائي المشاكسات برغم الطيبة التي تملأ قلبيهما، هل سيستمران على هذا النحو؟ ~~~ ضغطه على رابط المسابقة الموضوع على صفحة الإنترنت، فتحت صفحة ملء استمارة البيانات. كان يقرأ قصي ويقوم بالإجابة عن كل سؤال، كان يصنع لعزة مفاجأة فقد كانت أمنيتها التحاقهم بهذه المسابقة وبعد إلحاح منها ولأنها معشوقته خضع لطلبها ولكن سرًا حتى إن تم القبول تتفاجأ ويكون لها أسعد خبر.
أما عن عزة فقد كانت ترتب الخزانة بغرفة نومهما لتجد ظرف عليه اسم شركة والد قصي وبداخله المال! تعجبت عزة من هذا الأمر ودلفت إلى قصي لتجده يجلس على حاسوبه منهمكًا، فقالت له ممسكة بالظرف الورقي: "إيه دا يا قصي؟ رفع قصي بصره لها ليجدها تمسك بالظرف، مط شفتيه واستعد للمعركة لأنها لم تكن تعلم بأنه يأخذ أموالًا من والده على اعتبار أنها حقه. "عادي يا عزة، ظرف وفيه فلوس." "فلوس من مين؟ من أهلك؟
بلل قصي شفتيه وترك الحاسوب ونهض مترجلًا إليها يتحدث: "أيوة منهم يا عزة، فيه إيه؟ بدأت عاصفة عزة أن تندلع فأردفت بنبرة على أعتابها العصبية: "ومقولتليش ليه؟ وبعدين إحنا من إمتى بنخبي حاجة على بعض؟ وبعدين أصلًا إحنا مش عاوزين منهم فلوس، أنا بشتغل وأنت بتشتغل، وكل فلوسي بتتحط في البيت، يبقى بتاخد منهم ليه؟ أهلك طلعونا من حياتهم زمان من غير أي وجه حق، يبقى مش بنقبل إحسان دلوقت." عبس قصي بوجهه وتحدث يهز رأسه استنكارًا:
"لأ ثواني بس، يعني إيه كل فلوسي بتتحط في البيت دي! أنا من أول يوم قلت لك فلوس شغلك خليها ليكِ يا عزة، وأنا اللي هصرف على البيت. أنتِ بتعايريني يا عزة! اتسعت عين عزة ذهولًا وحاولت الدفاع عن نفسها: "لأ طبعًا مش دا قصدي، قصدي أن إحنا مش محتاجين لهم." اقترب قصي منها وتحدث مشخصًا نظرته إلى عينيها:
"لأ محتاجين وعاوزين، فلوس شغلي وشغلك مش مأمنة ليا وليكِ المستوى اللي أنا عاوزه. أنا عشت طول عمري ابن ناس يا عزة وابن عز. ما سألتيش نفسك قسط العربية بيتدفع منين؟ شغل المرسم وسيشنات التصوير بتاعتي وشغل الكروشيه هو اللي جاب لنا العربية؟ هو اللي جاب شقتنا دي؟! فوقي يا عزة ولما تيجي تحاسبيني ما تعايرينيش بإنك واقفة جنبي. وافتكري أني قلت لك من الأول إني رافض بس أنتِ اللي صممتِ." حدقت عزة بكلتا عينيها وقد اغرورقت عيناها
وأردفت له بصوت متهدج: "طبعًا، أنت طول عمرك ابن ناس وعز ولازم فلوس كتير وكفاية لأن دا مستوى عيشتك من الأول. من قبل ما تنطرد من الجنة عشان اليتيمة بنت دار الأيتام، مش كدا؟ بس أنا عاوزة أعرف ليه خبيت عليا؟ أنت ليه كل حاجة بتخبيها عليا كدا؟ فين الحب وعشرة السنين وأنا كل شوية أتفاجئ ليك بحاجة شكل؟ زفر قصي زفرة حارة وهم بإمساك كتفيها يهدئ من عصبيتها فنفضته هي عنها وترجلت بعيدًا عنه تتحدث وقد سالت دموعها:
"ابعد عني، أنا كل شوية بكتشف إني ما أعرفكش. مش هو دا الشخص اللي حبيته وآمنته على حياتي." تركته وهرولت إلى غرفتها وأغلقت بابها بقوة. وقف قصي مشدوهًا من تصرفها هذا، لا يعرف ماذا يقول وكان في خاطره إسعادها بشيء صادمته هي بشيء آخر في لحظة، بداخله نحوها آلاف الأمنيات، وآلاف الانكسارات والكثير الكثير من الخذلان! ~`~`~ موعد المقابلات، تم فتح باب استقبال المتقدمين للمسابقة.
كاميرات هنا وهناك، الكثير يقف بالصفوف ينتظر دوره للمقابلة المبدئية لاختيار الصفوة ومن بينهم فحص آخر حتى يتم دخولهم إلى أكاديمية مطر وردي، هذا العمل الضخم فنيًا وبقوته وانتشاره عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو التلفزيون والذي من قبل أن يبدأ بدأت الصحف والمجلات في الحديث عنه. حيث الشهرة، الحماس، الفضول، المال، والربح الذي يفوق التوقع!
جلست زاد في منتصف منصة الحكام وعلى يمينها وإلى يسارها المعد حمدي فرغلي. وما إن ولج من الباب أول المشتركين، وجلسا أمامهم فتحدثت زاد إليهم بثقة: "عرفونا بنفسكم." نظر باسل نحو وئام وأمسك يدها يشتبكا بأصابعهما وأردف بثقة: "باسل حمودة، 29 سنة عازف آلة كمان بفرقة موسيقية بالأوبرا. ودي وئام مراتي، 24 سنة وما فيش أولاد." ابتسمت زاد ونظرت إلى والي وحمدي، ف هم والي بسؤاله: "طيب يلا ندخل على السؤال الأول يا باسل."
ابتسم باسل بثقة وابتسمت وئام وقالا معًا: "مستعدين." ~`~ب`~`~` "والله يا باشا أنا ما أعرفش بيتعافى المرء بإيه، بس من خبرتي يعني نقول لك يتعافى المرء إذا خليتوه إن شاء الله في حاله!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!