أيعقل أنه يوجد بشر يضحك ويبكي في نفس اللحظة؟ نعم يا عزيزي، إنها أنا، أنا تلك الباكية الضاحكة. مصعب وروز، ها هما يقومان بتسليم شيء إلى أحد عملائهم، فتبسم ثغر العميل وسلمهم نسبتهم كما اتفقا ورحل. نظر مصعب إلى نصيبه من المال نظرة مستاءة ورفع بصره إلى روز قائلًا: "إيه هو ده بأمانة الله ونبوس ركب والديكِ يا شيخة! إيه هو ده؟ ضحكت روز ووضعت المبلغ المالي في حقيبتها وهي تتحدث معه:
"يا ابني احمد ربنا على نعمته، كبيرة ولا صغيرة كله رزق من ربنا ورزق حلال كمان." نظر مصعب إلى المبلغ بين يديه بنفس النظرة المستاءة المضحكة: "يعني بعد الهرية والمرار الطافح والمكالمات والمشاوير والآخر 500 جنيه ليكِ و500 ليا! تعمقت روز بالنظر إلى عينيه وأردفت بهدوء ورضا: "حتى لو قليلين يا مصعب، اسمهم حلال ومخدناهمش غصب عن حد ولا تعبنا قلب حد عليهم. ولا فيه حد بيدعي علينا بيهم، والقليل للقليل كتير وكويس.
ويا سيدي على الأقل أنت عايش فشقة تمليك مبتدفعش إيجار زيي وعفش على ما تفرج." مشط مصعب وقفتها هكذا. حديثها يتعارض مع مظهرها العام. فهي ترتدي القصير والضيق وعارية الشعر! كيف يكون هذا مظهرها وتكون بكامل الرضا من الداخل بهذه الطريقة؟ فهمت روز من نظرة مصعب إلى ماذا يرمي بنظرته، فقالت له: "طبعًا بتقول بنت مش محجبة وبتلبس ضيق وقصير بتكلمني عن الحلال والحرام." ابتسم مصعب ساخرًا وأردف: "بصراحة آه." هزت روز
رأسها معترضة وأردفت له: "على فكرة حقك، كل الرجالة بتبص البصة دي لكل بنت. مدام لبسها متحرر تبقى زنديقة متعرفش ربنا. مسيرك في يوم تعرفني بجد وتعرف حقيقتي." أمسكها مصعب من معصمها يوقفها. نظرت إلى مسكته فتركها، فأردف لها: "طب ممكن سؤال! وجهت روز انتباهها له فأردف هو: "يعني إحنا طول الشغلانة ديت، وأنتِ تطلعي معاي في أي وقت. ونروح أي مكان. ولا أبوكِ مثلًا اتصل ولا أمك قلقت عليكِ وجاية تدور عليكِ.
ولا اتصلت وقالت لك الوقت اتأخر يا وكالهم فينك. أو أخوكِ مثلًا قال لك ما تنزليش النهارده. فين ناسك يا بت؟ تنهدت روز بحزن وارتبكت مقلة عيناها، لاحظها مصعب فقال لها: "إيه، متعاركة معاهم ياك؟ "مش كل حاجة لازم تعرفها يا مصعب، إحنا بنشتغل وبس." تركته وترجلت أمامه بخطوات، فسار خلفها وهو يردف لها بطريقته الساخرة كعهده: "طب خلاص تلويش بوزك. عليكِ لاوية بوز تتمد مترين زي دكر الوز جاكي دم يخش عليكِ."
أمتلك من القوة ما يكفي لادعائي بأني بخير ولا أمتلك منها ما يؤهلني للنظر لحقيقتي في المرآة! أمسكت القلم ووقعت على التنازل، وسرعان ما تناولت حقيبتها وسارت وئام في الشارع تبكي بكاءً شديدًا. حتى قادتها قدماها إلى أريكة خشبية أمام نهر النيل. جلست وتذكرت كل ما مرت به. فقدانها لوالدتها منذ الصغر، معاملة زوجة والدها، الظلم الذي وقع عليها في زيجتها الأولى، حرمانها من الأمومة إلا إذا شاء الله بمعجزة ما لتتحقق منيتها.
وها هي غريبة وحيدة. حتى وحدتها لم يتركوها وشأنها. لاحقها العذاب وحديث الناس الفارغ والنظرة المؤلمة والتعب النفسي حتى وصلت إلى طمع أحدهم بها بعد أن استبشرت به الخير. ظن بأنها سيدة وحيدة مطلقة إذا فهي سيئة السمعة وستستجيب لما يريد حتمًا. دموعها كانت تكفي ببحيرة صغيرة حتى أجهد قلبها من البكاء. توقفت ونظرت إلى السماء تنتظر رحمة الله بها وعفوه. نهضت ومسحت دموعها وتهيأت وذهبت إلى عملها ككل يوم. وبعد أسبوعين...
كانت وئام بعملها كعهدها. دق زر التنبيه لها بإدخال المريض فدعته للدخول وعادت للجلوس فوجدت باسل أمامها! لوهلة أولى بعدما نظرت إليه تصنعت عدم رؤيته وعادت إلى مكتبها فجلس أمامها. "أنا آسف." كانت تلك هي كلماته مع نظرة عينيه الحزينة، بينما كانت وئام تتصنع الانشغال بالكتابة على الأوراق ولم تجب، فأردف باسل: "حقك تتجاهليني، أنا بجد آسف. أنا ساعتها معرفش ليه حصل كدا أو عشان إيه. الشيطان، الشيطان ملكني."
رفعت وئام بصرها إليه وقالت له في عناد وغضب مكتوم: "لو سمحت ده مكان شغل، ولا عاوزني أسيبه زي ما سيبت العمارة؟ أطال باسل النظر بها ومن ثم نهض مردفًا لها: "ماشي يا وئام، بس أكيد هنتكلم وده مش آخر كلامي معاكِ." مضى يوم عملها وكانت في طريقها تهبط على الدرج فوجدته أمامها. "ممكن تسمعيني؟ نفثت وئام بضيق وأردفت له غاضبة: "إيه يا أستاذ عاوز تكمل عليّا بالمرة، أبقى ست شمال وباقف مع رجالة أحك في الشوارع؟
"لا لا لا ده مش قصدي، أنا بس عاوزك تسمعيني وبلاش وقفة في الشارع. ممكن نروح الكافيه القريب ده، هقول لك كلمتين وبعدها أمشي." هزت وئام رأسها بسخرية قائلة له: "وكمان نروح كافيه سوا، دي بقى طبخة جديدة بتعملها عليّا زي اللي فاتوا. عن إذنك." همت بالرحيل فأوقفها هو بعدما وقف أمامها يعرقل سيرها. "أرجوكِ بس اديني الفرصة دي وبعدها مش هتشوفي وشي للأبد." "أنت فاكر إيه؟
إني روحت اتنازلت فكدا بقى عاوزة أفتح كلام معاك ونبدأها صداقة وصحوبية؟ إفهم يا أخينا أنت، أنا روحت واتنازلت إنسانية مش أكتر وسيبت حقي على الله. لكن والله ما كرهت حد في الدنيا قد حضرتك، وحسبي الله ونعم الوكيل." مزقت كلماتها قلبه فأردف لها بعدما اهتزت عيناه أمامها: "مش هلومك، بس عشان تقطعي الموضوع كله تعالي معايا واسمعيني لآخر مرة عشان أعرف أكفر عن ذنبي." ترجلت وئام ممسكة بحقيبتها المعلقة بكتفها ومضت دون النظر له:
"آسفة." تركته ورحلت فوقف باسل أمامها يعلم أن جولته هذه المرة خاسرة. ولكن بداخله يأبى الهزيمة، فهو يريد وسيعمل على هذا النحو حتى يثبت عكس إدانته. "قصي، إيه رأيك لو نكفل طفل يتيم من الدار اللي كنت أنا فيها؟ ارتبكت الملعقة بيد قصي إثر تناوله طعامه وابتلع ما بقى في فمه بصعوبة وأردف لها: "شايف أنها مهمة صعبة يا عزة، مش هنقدر أنا وأنتِ عليها." تفاجأت عزة بردة فعله! كانت تظن بأنه أول من يوافقها على طلبها، فأردفت له:
"ليه مهمة صعبة يا قصي؟! هز قصي رأسه ولوح لها ممسكًا بالملعقة وهو يتحدث: "أنا وأنتِ خلاص أربعين سنة ولا 39، طفل عمره قد إيه اللي ممكن نكفله، شهور. ولا عنده سنة ولا اتنين؟ هنعرف نكيفه على طباعنا؟ هنعرف نبدأ معاه المشوار من الأول دراسة ومدارس ومذاكرة. وبامبرز ومش عارف إيه؟ أنا مشغول في شغلي اللي بقى مشهور جدًا سوشيال ميديا، وأنتِ نفس الحوار. جروبك بتاع الكروشيه وشغلك واخد كل وقتك، وخلاص أنا وأنتِ خدنا على الوضع ده."
لم تقتنع عزة وأردفت له شاعرة بالضيق مما أخبرها به: "على فكرة أنا هعرف أنظم بين بيتي وشغلي والطفل، حتى لو كفلناه ابن شهور. قصي، أنا كنت فاكرة إنك هتتحمس للفكرة أكتر مني." نهض قصي من مجلسه وجلس بالمقعد الذي بجانبها على الطاولة وقام باحتضانها بلف ذراعه على ظهرها قائلًا: "خايف يا عزة! "خايف من إيه يا حبيبي؟ رقت دمعة بعينيه وأردف لها بصوت متهدج: "ياخد مكاني في قلبك وحياتك، عزة أنا اتعودت 16 سنة على مكاني هنا." أشار بإصبعه
إلى قلبها وعيناها وأكمل: "أنتِ كلك بتاعتي وبس، وأنا مكتفي بيكِ على العالمين." أمسكت عزة يديه وقبلتهما وقالت بحنو: "مفيش أي حاجة ممكن تاخد مكان قصي عندي، ده أنت أبويا وأخويا وحبيبي وصاحبي وجوزي وابني." ابتسم قصي ابتسامة جانبية وقال لها: "ولما هو أنا حبيبك وحياتك وجوزك وابنك، عاوزة تجيبي بيبي تاني يشاركني فيكِ ليه؟ لامست عزة بكلتا يديها وجنتيه بحنان بالغ وهي تردف: "نفسي أحس إني أم يا قصي، وإن مفيش حاجة ناقصاك."
أمسك قصي يداها من على وجهه وقبلهما مع قوله: "وأنتِ معايا مفيش حاجة ناقصاني، أنتِ بس خليكِ معايا. وحبيني زي ما بحبك وعاوزك تحطي في دماغك كلمة كان راجل صديق لوالدي دايمًا يقولها له. لما يبقى بيفكر كتير زيك كدا ودماغه مش مبطلة تفكير كان يقوله محدش هيديك من صحته لو تعبت، ولا حد هيديك من مزاجه لو قرفت، ولا حد هيفرد ظهرك لو انحنى، فواحدة واحدة على نفسك وهونها تهون."
ابتسمت عزة وتنهدت بعمق ولم تنفرج شفتاها عن المزيد، فمن الواضح أنه عقد قراره. أو يخاف بعدها كما يزعم، على كل حال فما يريده الله هو المفعول ومن يتوكل على الله فهو حسبه. "مايا، أنتِ متعرفنيش بس أنا عاوزة أقابلك ضروري. شوفي المسج وابعتي لي نتقابل فين." قرأت مايا الرسالة عبر تصفحها لبريدها الوارد على تطبيق المحادثات "ماسنجر"، تعجبت جدًا من الرسالة والراسل. تمهلت قليلًا ومن ثم قامت بضغط زر الاتصال على الإنترنت.
وعندما أجابت الفتاة أوضحت لها بأن اسمها هدير. وتريد التواصل معها ومقابلتها في القريب العاجل لشيء ضروري. تلاعبت الأفكار برأسها وأرادت قطع مناوشتها بأن تذهب بالفعل إلى هذه الفتاة وترى ماذا تريد منها. "ليمون بالنعناع، تشربي إيه يا مايا؟ نظرت مايا إلى النادل متوترة وعادت بالنظر إلى الفتاة قائلة: "لا مش هشرب حاجة، ممكن تقولي لي عاوزاني ليه وتعرفيني منين؟ أخرجت الفتاة علبة سجائر من جيب سروالها وأشعلته وأردفت لها:
"أنتِ مايا خطيبة رائد الشمري صح؟! رفعت مايا حاجبًا من حاجبيها وقالت: "أيوة وأنا عاملة الريليشن على صفحتي إيه الجديد؟ "اصبري عليا بس... أخرجت هاتفها من جيب سروالها الآخر، وقامت بتصفحه حتى وقفت ووجهت لها صورة بها رائد بجانب فتاة جميلة، من الواضح من الصورة أنهما على علاقة حب وليست علاقة عمل أو صداقة. اتسعت حدقة عين مايا وأمسكت الهاتف تتحقق، إنه هو! ما هذا؟ وأردفت تتحدث بصوت عالٍ: "أنتِ جبتِ الصورة دي منين؟
"ده جروب فيه بنات بتقول على خطيبها أو حبيبها أو جوزها وتنزله صورة عشان لو مصاحب عليها أو بيخونها. والبنت دي نزلت الصورة، وأنا عارفة دكتور رائد حضرت عنده كورسات كتير، وعارفة إنك خطيبته.. فحبيت أحذرك." أخذت مايا تقضم شفتيها وتقوم بطرق أصابعها على المنضدة بعنف حتى أردفت لها: "ابعتي لي الصورة حالًا!
وعلى الفور أرسلت لها الفتاة الصورة، فرحلت مايا بعدما اتصلت برائد وطلبت منه مقابلته على الفور ولا يمكن التأجيل.. وحينما أتاها.. *** قدمان زاد يتبعهما قدمان والي، وأمامهم عجلات مقعد زكي المتحرك، يتجولون بفيلا طابقين متعددة الغرف يمكنهم تأجيرها للمسابقة والبرنامج. كانت هذه الفيلا رقم ثلاثة التي تمت مشاهدتهم لها، ويبدو أنها لاقت استحسان منهم بعكس ما قبلها. "أنا شايف إن دي أفضلهم." قالها زكي فأردفت زاد بعده:
"وأنا كمان، كنت هقول كده يا زيكو.. إحم إحم قصدي يا عمو." ضحك والي على عفوية زاد وأردف هو الآخر: "خلاص نبدأ من بكرة في إجراءات إيجارها وفرشها وتجهيزها بالكامل." "هياخد وقت قد إيه؟ سأله زكي فأردف والي: "شهر إن شاء الله، وبعدها نبدأ دعاية للكاستينج وامتحانات القبول والدعاية التليفزيونية ودي لعبتي." "تمام تمام." قالها زكي، ومن ثم توقف زكي بعجلات مقعده في ركن ما وتذكر شيئًا:
"أنا نحب كلشي، نحب نشوف أفلام مسلسلات نحب نتابع تي في.. نحب القصص الرومانتيك نموت عليها." ضحك زكي على ما تخبره به هيام أثناء تناولهم للتسالي المملحة معًا، يسترقون بعض الوقت بعيدًا عن منزلها وعن عمله، سويًا في أحد أطراف المدينة. "وبتحبي إيه كمان؟ لفت هيام بعينها تتلاعب بمقلتيها بمياعة ودلال وقالت: "ممم، ونحب الجلوس وياك.. نحب الكلام والضحك والخروج عن روحي معاك يا زكي."
"وأنا كمان، دي بتكون أسعد لحظاتي وببقى مش عاوزاها تمشي ولا تخلص." أمعنت هيام النظر بوجهه وقالت: "يا ريت! "زيكووز، يلا بينا هنمشي." قالتها زاد وهي تدفع مقعده فابتسم هو دون أن يردف لها بكلمة، محدثًا نفسه: "يا ترى هتشوفي البرنامج يا هيام.. يا ترى هشوفك وتشوفيني حتى؟ *** قدما النادل تتحرك خطوة وراء خطوة حتى توقف عند طاولة نبيل وديانا. "هتطلبي إيه يا كعبولز؟ حدقت ديانا بقائمة الطعام وقالت:
"مممم، أنا قررت النهاردة يا بلبلي إني أبقى نباتية ومش هاكل لحوم." "أيوه يعني أطلب لك برسيم ولا إيه؟ لكمته ديانا بيده بخفة وقالت: "برسيم إيه شايفني معزة؟ ممم ممكن بطاطس بيوريه وسلطة. أصل نويت أعمل دايت." امتعض نبيل بشفتيه وطلب هو الآخر طعامه فذهب النادل وأردف هو لها: "متأكدة على الطلب اللي طلبتيه ده هتقدري تشبعي ولا هتاكليني بعدها أنا والترابيزة والجرسون! لم تعره ديانا اهتمامًا وقالت له وهي تمرر لسانها خارجًا
على شفتها السفلية: "عارف يا بلبولي." "بس ما تقوليش بلبولك عشان ما أدكيش بقفا إيدي." "عارف يا بلبولي." "ثاني! "لو العالم ده يبقى عبارة عن ناس حلوة وأمورة ورقيقة وقلبها كبير وحاجات كتير وبطاطس وكاتشب وبرجر ومكرونة بالبشاميل وآيس كريم رول وطاجن كوارع بالبامية! نهض نبيل ببطء من أمامها يردف: "عارفة والمسيح الحي، أنا كنت متأكد إنك طالبة البرسيم ليا وإنتِ داخلة تاكلي في المطعم جوا. أنا ماشي.. أسيبك مع طاجن الكوارع." ترجل
فهرولت خلفه كالمعتوهة: "بلبل، بلبووووولي استنى! *** "الحياة مش عبارة عن واحد زائد واحد يبقوا اتنين، الحياة واحد بيحب واحد قرروا يبقوا هما الاتنين واحد!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!