الفصل 81 | من 92 فصل

رواية ميراث نور الفصل الحادي والثمانون 81 - بقلم لينا بسيوني

المشاهدات
41
كلمة
2,678
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

الكازينو كان زحمة جدا والناس كانوا بيتخنقوا بره على التذاكر. دخلت ورا الكواليس وحضرت معداتي، وأثناء العرض لفت نظري إن نفس الراجل أبو بالطو أسود موجود في الصالة وحاجز ترابيزة لوحده في نص الصالة. نفذت الخدعة ورفعت راسي عشان أحين الجمهور، اتفاجأت الجمهور كله مغمي عليه. ما عدا أبو بالطو أسود. وقف مكانه وقالي: ازيك يا ناير. بص على الجمهور اللي نايم وقال لي: إيه رأيك في خدعتي؟ قولت له: انت مين؟ قال لي: صديق ما تعرفهوش.

بصيت له بأندهاش وتفحص، حاولت أتبين ملامح وشه من تحت القبعة لكن فشلت. فقال لي: أها عايز تشوفني، اتفضل. قلع قبعته فبانت ملامحه، شاب ثلاثيني، بلحية سودا، عينيه مختلفة عن بعضها، عين طبيعية لونها عسلي والعين التانية حمرا زي الدم. قولت له: انت إيه؟ جن ولا إنس؟ صعد سلالم المسرح وهو بيقول: أنا لا إنس ولا جن. زي ما قولت لك أنا صديق قديم متعرفهوش وأنت عليك دين لازم توفيه. اختلطت جوايا مشاعر الفضول والريبة والاندهاش، فسألته:

دين إيه؟ لف حواليا وأنا واقف على المسرح وقالي: هتعرف في الوقت المناسب يا ناير. حط إيده على كتفي فالتفت عشان أشوفه، لاقيته اختفى. شوية والجمهور اللي في الصالة بدأ يفوق. الجمهور بص لبعضه وحواليه باندهاش، بعدها بصوا على المسرح مالقونيش لأني كنت مشيت من الكازينو وأنا مذهول من اللي حصل من شوية. دماغي كانت بتودي وتجيب، ممكن تكون هلاوس. لالا ما أعتقدش، اللي حصل ده حقيقة. محستش بنفسي غير وأنا قدام البيت.

إيه ده أنا أخدت المسافة دي كلها مشي من غير ما أحس. دخلت البيت وعديت على شقة مبروكة، رميت ودني يمكن أسمع دندنة أهدّي بيها أعصابي وأريح دماغي اللي هتنفجر من التفكير والفضول. لكني للأسف ماسمعتش حاجة. فطلعت فتحت شنطتي وخدت جرعة من التركيبة المهدئة وغطت في نوم عميق. صحيت تاني يوم على صوت البرنجي وهو بيخبط على الباب. فتحت له الباب فقال لي: اختفيت فين امبارح؟ وإيه اللي حصل في الصالة ده، ده خدعة من خدعك صح؟ قولت له:

هو إيه اللي حصل امبارح؟ بص لي بأندهاش وقال: الجمهور اللي نام على نفسه. اتأكدت إن اللي حصل ده مكنش هلاوس، فقولت له: اممم. أها صح ده جزء من الخدعة. بقولك إيه يا برنجي. قال لي: أمر يا سيد الناس. قولت له: أنا مش رايح الكازينو تاني. البرنجي لسه هيعترض، حطيت إيدي على بوقه وقولت له: ده قرار نهائي ومش هتراجع فيه مهما حصل. الدنيا دي مش دنيتي، أنا عملت كده عشان أطلعك من المشكلة اللي كنت فيها فما تندمنيش أرجوك يا برنجي.

البرنجي فضل يحايل ويقنع فيا مرة بالحب ومرة بالتهديد إنه هيفشي سري لأم مبروكة وللحارة، لكن أصريت على موقفي ورفضي. البرنجي انسحب لما لقاني ثابت على موقفي زي الوتد. نزلت معاه وقولت له: اسبقني أنت يا برنجي على الشغل. قال لي: رايح فين؟ قولت له: شيء ما يخصكش. اتفضل على شغلك. اتأكدت إن البرنجي مشي وروحت على محل معين عشان أشتري حاجة لمبروكة. خاصة بعد ما لمحت اللي جوه الصندوق اللي كان معاها.

دفعت تمن الحاجة واتفقت مع صاحب المحل إن وأنا راجع آخر النهار هاخدها. روحت على محطة القطر وأستلمت شغلي على شباك التذاكر. اليوم عدى طبيعي لحد ما لقيته واقف قدام شباكي. أبو بالطو أسود وعين حمرا. طلع فلوس من جيب البالطو وقالي: تذكرة للصعيد. عايز أروح نجع الشرفا. قولت له: انت عايز مني إيه؟ قال لي: الدين اللي عليك لازم توفيه. قولت له: دين إيه يا راجل أنت؟ أنا ما أخدتش منك حاجة ولا أعرفك أصلاً. ضحك وقال:

لا ماهو مش أنت اللي أخدت مني. أجدادك. الدين ميراث زي المال ولا إيه؟ هاودته في الكلام عشان أعرف دين إيه، فقولت له: وعبارة عن إيه الدين ده؟ فلوس؟ قال لي: فلوس. أنا ميهمنيش الفلوس، معايا منها كتير لو عايز. أنا ديني وعد أخدته من جدك الكبير في عصر المماليك. قولت له: ها!! حضرتك شارب حاجة؟ أنت عارف عصر المماليك ده كان إمتى؟ إلا إذا كنت جني بقى. قال لي: أقسم لك بأعز ما أملك بأني بكلمك بصدق. وإني مش جني.

البرنجي قطع كلام أبو بالطو وقالي وهو بيلم الإيراد وباقي التذاكر: ها يلا بينا على الكازينو. التفت للبرنجي وقولت له: مش وقته يا برنجي. التفت تاني لأبو بالطو لاقيته اختفى. وقفت فترة تايه وفصلت تمامًا عن العالم اللي حواليا. البرنجي كان جنبي بيرغي، مكنتش سامع هو بيقول إيه، كنت شايف شفايفه بس وهي بتتحرك. فوقت من سرحاني على صوت سرينة أبو ر القطر، بصيت على البرنجي اللي كان بيهزني وبيقول:

ناير أنت هنا. بقولك هخلي دخلك في الشهر 5 جنيه. أنت سامع المبلغ؟ كنت مشوش، هزت له راسي بالموافقة وبالنفي في نفس اللحظة ومشيت وأنا بكلم نفسي. إيه يا ناير مالك قلبك اتقبض كده ليه؟ مشيت وأنا سرحان وبفكر لحد ما قربت من البيت. لسه هطلع السلم لمحت مبروكة قاعدة على كرسيها قدام الشقة. أخخ نسيت أجيب الحاجة من المحل. جريت بسرعة جبت الحاجة ورجعت. لاقيت مبروكة لسه قاعدة قدام شقتها. قربت عليها واتنحنحت:

مساءك سعيد يا مزمازيل مبروكة. مردتش عليا لكنها انتبهت لما سمعت صوت زقزقة عصافير الكناري اللي جبتها من المحل. سألتني بعفوية: إيه ده!! إيه الصوت ده؟ قولتلها: أرواح العصافير الميتة اللي كانت في الصندوق. اشتاتا اشتوت. ابتسمت لأول مرة لثواني ورجع وشها على الوضع الحزين تاني. قالت لي: انت إزاي تسمح لنفسك تعمل حاجة زي كده؟ إزاي تتلصص على اللي جوه الصندوق. وتجيبلي عصافير هدية بصفتك إيه؟ قولتلها:

مين قالك إني جايبلك العصافير هدية. دول جايبهم أتعشى بيهم. لسه هطلع على السلم. قالت لي: ضاقت بيك يعني ملقتش غير العصافير. ما تاكل بط ولا فراخ. قولتلها وأنا بطلع على السلم: معلش بقى ادبست فيهم. وأكيد مش هربيهم. مليش في تربية العصافير. كملت صعود السلم وأنا بدب برجلي على الأرض فنادت عليا وقالت لي: يااا يا أفندي أنت. هات العصافير. نزلت اديتها القفص وقولتلها: كناري على أبوه. أوعى يموتوا منك زي اللي قبلهم.

مردتش عليا وأخدتهم، دخلت الشقة ورزعت الباب وراها. قولتلها من ورا الباب قبل ما أطلع: يا ريت ما تحرمناش من صوتك جنب زقزقة الكناري. طلعت السلم، دخلت الشقة واتصدمت لما شفته قاعد على سريري. أبو بالطو أسود وعين حمرا. قولت له بعصبية: بقولك إيه يا جدع أنت انصرف من قدامي بدل ما أأذيك. قال لي ببرود:

مش فارقة أنا كده كده هنتهي قريب وده السبب اللي خلاني أجلك عشان تساعدني. أنا روحي في إيدك يا ناير وأنت ملزم ترجعها لي. ملزم بميثاق ووعد جدك الأكبر. قال بعشم: اتفضل اقعد ده بيتك متتكسفش. شديت كرسي وقعدت قدامه، قولت له: أنا همشي معاك لحد الآخر. الأول اسمك إيه؟ قال لي: ما هو أنا جايلك عشان كده. أنا معرفش اسمي إيه. بصت له بتشكك فقال لي: تسمح لي أحكيلك الحكاية. قولت له: اتفضل. قال:

أنا اتولدت بني آدم طبيعي. مش طبيعي أوي. ظهر عندي قدرات خاصة في سن ٩ سنين كنت بتني الحديد وبحط إيدي في الزيت المغلي من غير ما أتحرق. وعند سن العشرين كنت بنفذ من الجدران والأبواب المغلقة. طول حياتي كنت بحلم أحلام غريبة، كنت بشوف روحي في عصور قديمة وأماكن مختلفة ساكنة أجساد بشر غيري. كان وسط الأحلام دي حلم واحد بيتكرر. مكنش واضح واتضحت ملامحه وأنا في سن الثلاثين. سألته بفضول: حلم إيه؟ قال:

حلم لروحي في جسد تاني تقريبًا جسدي الأصلي. كنت دايمًا ببقى في رفقة راجل ملامحه قريبة منك وحركاته شبيهة بحركاتك. جدك. واللي تقريبًا كان أعز أصدقائي. كنت بشوف نفسي وأنا باكل وبضحك معاه. شوفتنا واحنا سهرانين على مركب وبناكل بقلاوة وجبنة مقلية و.. قطعت كلامه وقولت له: طبعًا الكلام ده في عصر المماليك صح؟ قال لي: بالظبط. قولت له باستخفاف: كمل كمل. قال لي:

إحنا أصلنا زي بعض أنا وجدك. كنا أصدقاء بدرجة أخوة. كنا إحنا الاتنين سحرة متمرسين لحد ما في يوم مرضت بسبب لعنة سلطت عليا من أعدائنا ولأن جدك كان بيعزني فعل كل ما بوسعه عشان ينقذني لكنه فشل. وأنا على فراش الموت وعدني جدك إنه هيحفظ روحي وهينسخها عبر العصور في أجساد تانية لحد ما يجي من نسله ساحر قوي يقدر يكمل مسيرته ويعالجني عشان أعيش حياة كاملة وأرتاح راحتي الأبدية. قولت له: ممكن توضح أكتر. قال لي:

ده اللي فهمته من الأحلام إني روح متنقلة عبر الأزمان. وإن الأجساد اللي روحي بتسكنها بتفنى عند سن 35. أنت الوحيد اللي تقدر تفك لعنتي وتخليني أعيش حياة طبيعية وروحي تفنى في جسدي ده وتبطل تتنقل لأجساد تاني. فهمتني يا ناير؟ قولت له: فلنفترض إن اللي حكيته صدق. كل القرون دي. إحنا بنتكلم عن العصور الوسطى تقريبًا. مفيش ساحر قوي من نسل جدي روحك قابلته؟ قال لي:

معرفش. ممكن الأجساد اللي سكنتها روحي قبل كده مقدرتش توصل أو تمشي ورا الأحلام زي ما أنا مشيت وقدرت أوصلك. ده غير إن الأحلام اللي بشوفها مبتوضحش إلا عند سن الثلاثين يعني بيبقى باقي خمس سنين بس قبل ما يفنى الجسد اللي روحي سكنته. وزي ما قولت لك أنا نفسي لسه المعرفة عندي مكتملتش عشان كده محتاج مساعدتك. قولت له:

أنا آسف جدًا، لكن مش هقدر أساعدك. لأني مش ساحر قوي زي ما أنت فاكر، أنا بتاع عروض وحفلات مش مسخر مثلاً ولا بعرف في التعاويذ، كما إن معرفتي بموضوع تناسخ الأرواح تعتبر صفر. قال لي وهو مضيق عينه الطبيعية: أنت كداب. أنت ساحر قوي ومش أي ساحر. اللي زيك ما بيجيش زيه إلا كل ألف سنة. أنت ممكن تكون أقوى من جدك كمان. ضحكت بسخرية، قمت من مكاني وفتحت باب شقتي وأنا بقول له:

شكرًا على كلامك المحفز، لكن زي ما قولت لك ساحر على قدي. أنا آسف جدًا بس مش هقدر أساعدك وما تقلقش إن شاء الله ربنا هيكرمك في عصر تاني بواحد من نسل جدي يقدر يساعدك. ممكن تتفضل بقى عشان جاي من الشغل جسمي مكسر ومحتاج أريح. أبتسم ابتسامة صفراء وقالي: أنا مش هفقد الأمل يا ناير. مد إيده في جيب البالطو بتاعه وطلع ظرف أسود مقفول، حطه على الترابيزة اللي في نص الشقة وقالي:

هستناك يا ناير. بس أرجوك متتأخرش عليا، لأن أيامي بقت محدودة. قرب عليا، حط إيده على كتفي وقالي: أنت جواك طيبة جدك يا ناير وعمرك ما هتسيب حد استنجد بيك. نزل إيده من على كتفي، مشي ناحية جدار من جدران الشقة ونفذ منها. بصيت على الظرف اللي على الترابيزة، وفضولي قادني أفتحه عشان أشوف فيه إيه. مسكت الظرف ولسه هفتحه، لقيت باب الشقة بيخبط، قولت: مين؟ فجالي الرد: افتح يا ناير. أنا أم مبروكة.

فتحت الباب فلاقيت أم مبروكة واقفة وجنبها البرنجي. قولتلها: أهلاً يا أمي. خير فيه حاجة؟ قالت لي: خير إن شاء الله. مزعل عمك صلاح أفندي ليه؟ قولتلها: إيه هو صلاح أفندي البرنجي اشتكالك ولا إيه؟ قالت لي: أها بيقول إنك بقالك فترة مش مركز في الشغل ومبقيتش زي الأول كأن حد ساحرلك. البرنجي دخل في الحوار وقال وهو بيضغط على مخارج الحروف: أها والله. مسحورله. حد ساحر عامله سحر. أنا زي الفل يا أم مبروكة. بصيت للبرنجي

وزغرت له بعيني وأنا بقول: هو صلاح أفندي بس بيحب يطلع أسرار الشغل. ما تاخديش في بالك يا أم مبروكة، أنا زي الفل. أم مبروكة قربت على ودني وقالت بهمس: أنا عارفة إيه اللي ملخبط حالك. بصتلها بأستغراب فقالت لي: البت مبروكة قالت لي كل حاجة. العصافير الكناري. اللي شاغل عقلك يتهنى به. البرنجي قطع همسات أم مبروكة وقال بدون مقدمات: إحنا نروح لساحر. أها نروح لساحر يقرأ عليه. أنا أعرف واحد ساكن في الحارة هنا أنما إيه.

قطعت كلامه وقلت: أستغفر الله العظيم. بصيت لأم مبروكة وقولتلها: طيب يا ست مبروكة اتفضلي أنتِ دلوقتي. نبقى نتكلم بعدين على رواقة. ارتسمت على وشها ابتسامة عريضة وقالت وهي بتغمز لي وبتبص على البرنجي. أها فهمت. ربنا يقدم اللي فيه الخير. أم مبروكة انسحبت ونزلت تحت ومافضلش غير البرنجي اللي كان واقف مبتسم بينش على وشه بالمنشة بتاعته وهو بيقول: يلا بينا يا ناير اتأخرنا على الكازينو. مردتش عليه وقفت الباب في وشه.

خبط على الباب مارضتش أفتح له، ارميت على السرير بملابسي الشغل اللي لسه مغيرتهاش. اتنفضت من مكاني لما افتكرت الظرف الأسود اللي سابه أبو بالطو أسود على الترابيزة. مسكت الظرف بفضول وفتحته.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...