أتولدت فى أوائل التسعينيات. فتحت عينى لاقيتنى فى دار أيتام. كان شكلى شبه أى طفل عادى لكنى مكنتش طبيعى. من بداية أدراكى للحياة وأنا حاسس أنى فى جسد غير جسدى. بحلم بحيوات تانية فى عصور مختلفة، فى أجساد مختلفة. كنت هادى جدا لكن مريب للي حواليا خاصة بالليل. زمايلى فى العنبر كانوا كل ليلة بيصحوا مفزوعين على صوت صراخى وأنا نايم بحلم. مشرفين الدار عرضونى على شيوخ ودكاترة وكلهم أكدوا أنى طبيعى ومفيش حاجة فيا او عليا.
وبالرغم من كده كل اللي فى الملجأ أطفال والمشرفين خدوا قرار بينهم وبين نفسهم أنهم يعزلوني عنهم. لكن مشرفة واحدة رفضت الفكرة وقررت تخرج الجني اللي لابسني على حسب اعتقادها. كانت بتحبسني وبتنهال عليا بالضرب اما بالخرزانة أو بالحزام. أوقات كتير كانت بتجوعني وفي أيام الشتاء القارصة كانت توقفني عريان في عز البرد. أما في الصيف كانت بتوقفني على رجل واحدة فوق سطح الملجأ لحد ريقي ينشف وأترجاها تشربني.
عذبتني سنة ونص كاملين بلا نتيجة. برضه كنت بشوف الاحلام ويصرخ كل ليلة وأنا نايم. بالعكس الاحلام كانت بتزيد أكتر وبيزيد معاها كرهي للناس والعالم اللي موجود فيه. وفي ليلة من الليالي كنت بصرخ وأنا نايم. الملجأ كله اتلم كالعادة. فيه اللي كان بيصوت وهو مرعوب وفيه اللي حلف انه ما هينام في العنبر بتاعي تاني. لما شافوني متعلق في الهوا وأنا نايم، دخلت المشرفة فأترزعت على السرير. فوقت وفتحت عيني لاقيتها في وشي.
أنهالت عليا بالضرب. جرجرتني من شعري ودخلتني الأوضة اللي بتعذبني فيها. وهي بتضربني سمعت صوت في ودني بيقولي: اقتلها! صرخت من الألم ورديت على الصوت اللي في ودني وقولتله بصوت عالي: أقتلها إزاي؟ المشرفة سمعتني. وقفت ضرب شوية وقالت: انت قلت إيه يابن الكلب ياملبوس؟ عايز تقتلني، طيب خد. نزلت بعزم ما فيها بالخرزانة على جسمي. غمضت عيني وأنا بصرخ. الصوت اللي بسمعه في وداني سيطر عليا وصور لي أني بقتل المشرفة.
فجأة الضرب وقف. فتحت عيني لاقيت المشرفة واقعة على الأرض بتصرخ وبتفرفص. كل المشرفين اللي في الملجأ اتلموا على صريخها ووقفوا مذهولين لما شافوا عروقها الزرقاء وهي بتتضخم. عروقها فضلت تتضخم وتتضخم لحد ما انفجرت. اتنطور الدم في كل حتة على الجدران وعلى هدوم المشرفين ونضارتهم وعلى هدومي.
بعد الحادثة كل اللي شغالين في الملجأ اترعبوا مني أكتر وطلبوا نقلي في أي ملجأ تاني. ولكن كل الملاجئ رفضتني أما لأن مفيش أماكن فاضية أو علشان سمعوا عني أني ملبوس فخافوا يستضيفوني معاهم. وقتها كان عندي 6 سنين. مشرفين الملجأ مكنش قدامهم غير أنهم يعزلوني تماما عنهم وعن الأطفال. خلوا أكلي في مواعيد غير مواعيدهم وحددوا لي مكان في الجنينة اقعد فيه لوحدي وألزموني متحركش منه أبدا.
أما بالنسبة للنوم نيموني في أوضة صغيرة لوحدي تحت السلم. بسبب عزلتني الأصوات اللي كنت بسمعها وضحت أكتر وبدأت أشوف معاها خيالات كانت بتتجمع في ركن أوضتي على هيئة ظلال سودا. في البداية كنت مرعوب منها لكن بعد فترة صغيرة اتعودت عليها وبقت ونسي في وحدتي. كنت بسمع صوت همسات الظلال في وداني وهي بتوجهني وبتعلمني.
عدت السنين في العزل وحيد مبكلمش حد ومبتواصلش إلا مع الظلال اللي بتتجمع في ركن أوضتي كل ليلة واللي ساعدتني اكتشف مواهب كتير بمتلكها. مواهب في خفة اليد والحركة. بقيت أقدر أخفي البيضة بين صوابع أيدي وأقدر بكلمات بسيطة أخلي قالبين طوب يتحركوا لوحدهم ويصارعوا بعض واللي يتكسر فيهم الأول هو الخسران. بقدر أشعل النار بكلمتين وبكلمتين تانيين أقدر أطفيها. اتسلّيت في وحدتي بقدراتي وخيالاتي وأحلامي اللي بشوفها في منامي.
كل ليلة حلم واحد كان بيتكرر، الحلم الوحيد اللي مكنتش ملامحه واضحة. بلغت سن التسع سنين وفي الوقت ده شعرت بقوة غريبة انتابتني. كنت بقدر أشيل الحاجات التقيلة وكأنها في خف الريشة. عندي القدرة على رفع عربية نقل كبيرة بإيد واحدة. أقدر أثني الحديد بإيدي، وأدوس في النار برجلي من غير ما أتحرق ولو جرحت نفسي بأي آلة حادة جروحي كانت بتلتئم في نفس اليوم مهما كان عمق الجرح. في سن الـ 12 هربت من الملجأ وأنا عارف أن محدش هيدور عليا.
عشت في الشارع مع أطفال الشوارع. بعت المناديل وغسلت العربيات ونمت على الرصيف. كل يوم كان بيعدي عليا كنت بحس أن فيه حاجة بتكبر جوايا، حاجة مميزة وهتخليني مميز. لما كبرت شوية ونشف عودي استغليت قوتي في قطع الطرق والسرقة ومن فلوسها اشتريت مكان استقريت فيه أنا وخيالاتي اللي ماسابتنيش طول عمري وفضلت معايا زي ضلي. لحد أوائل الثلاثينات من حياتي، بدأت أسمع كلمات بلغات غريبة (تعاويذ)
. لساني كان بيكررها غصب عني طول ما أنا نايم وأنا صاحي. لحد ما جت الليلة الموعودة. الليلة اللي وضح فيها الحلم اللي مكنش واضح طول سنين حياتي. الحلم كان ليا في عصر تاني في جسد تاني وبصحبة صديق اتحول مع الزمن لعدو غدر بيا ولعني. صحيت من نومي في نص الليل، عرقان جدا، مشوش وبترعش. قمت من على السرير وأنا بترنح. دخلت الحمام وبصيت في المراية، صرخت لما شفت عيني الشمال لونها بيتحول للون الأحمر.
التفتت ورايا لما شفت في المراية الخيالات والظلال اللي بتلازمني وهي بتتجسد على هيئة رجل ضخم عديم الملامح. قال لي بصوت أجش: جيه وقت تجديد العهد وقتل قرين الجسد المسكون. فجأة حسيت بصداع فتاك في رأسي تدفق معاه سيل من المعلومات والذكريات في مخي. وقعت على أرضية الحمام بصرخ وأنا ماسك رأسي من شدة الألم. جسمي انهك ووقعت على الأرض. حسيت وقتها كأني لسه خارج من رحم أمي.
روحي طبعت في جسدي الجديد، استحضرت علوم الماضي، وأدركت هوايتي الحقيقية. أنا الساحر توران شاه. نسخت روحي ومعرفتي وثأري على مر العصور. والظلال اللي كانت ملازمني طول عمري هي الجني اللي في خدمتي (زيران) واللي بيشرف على اختيار الجسد المناسب وبيسكن روحي فيه. بعد ما بيقتل (زيران) قرين الجسد اللي روحي سكنته في سن الثلاثين، روحي بتطبع في الجسد وبسترجع كل ذكرياتي من الماضي السحيق حتى الحاضر الآني.
زيران قال لي: مبارك عبور روحك لعصر جديد يا سيدي. قلت له: شكرا يا زيران على حسن خدمتك. زيران قال لي: أنا استغليت الوقت اللي عدى وقدرت أوصل لطفلين زوهريين. حاليا هما جاهزين للذبح والآضحية. قمت من على الأرض، مطيت جسمي الجديد وفركت في عيني وأنا بقول لزيران: مستعجل على إيه أنا لسه قدامي العمر مديد.
قال لي: أولا عشان لسه فاضل الجن الضوئي. ثانيا انت وصتني بنفسك قبل ما تموت أني تتم الطقوس وأنت في عز قوتك علشان لو الجسد اللي أنت ساكنه مات في حادثة مثلا أو اصابه مرض فتاك تكون مأمن روحك ومحضرها للأنتقال. خبطت رأسي وقولت له: اهاااا شكل لسه عندي ذكريات مفقودة أكيد هسترجعها مع الوقت بس أنت بتتكلم صح أول حاجة لازم أعملها أني أأمن حياتي اللي جاية. قلت له: قلت لي أنك لاقيت الزوهريين وموصلتش للجن الضوئي؟
أكد على كلامي وقال: نادر جدا ولكني اتيقنت كتير وعرفت أنه فيه عدد كبير منهم مات في مذبحة في الصعيد من كام سنة على إيد ساحر أفريقي اسمه كاتو. قلت له: ومين اللي كان مسخر العدد ده كله من الجن الضوئي؟ قال لي: واضح فعلا أن فيه ذكريات كتير لسه موصلتش لدماغك. عدوك اللدود.. عدوك اللي اخترت ذكراه تكون الحلم الأساسي اللي يفكرك بروحك ويطبعها بجسدك. قلت له: أيوب! قال لي: نسل أيوب! قلت له: إزاي؟
أيوب مكنش مسخر إلا جني واحد. نصير اللي سرقه مني ولما قابلت حفيده ناير كان فعلا مش مسخر وأنا اتأكدت بنفسي يعني ناير مورثش نصير من جده. زيران أخد أنفاسه وأخرجها بارتياح تمهيدا لأنه هيحكي حاجة. قال: بعد ما أيوب أنقذ نصير منك وقتلك، نصير دان له بالولاء ولأن دي حاجة كبيرة في عالم الجان أن بشري ينقذ جني من بشري تاني. وزي ما أنت عارف في الحالات اللي زي دي الجني بيكون ملزم بخدمة البشري اللي أنقذه وبيتورث لنسله بعد ما يموت.
نصير مضى مع أيوب الميثاق والعهد لكنه ما امضاش لوحده. عهد ومعاه أكتر من 100 جني ضوئي من عشيرته كرد للجميل وده يعتبر أول وأكبر تجمع لجن ضوئي في خدمة بشري. ورث لا يقدر بثمن للي يستغله. عدت الأيام والسنين والورث (نصير وعشيرته) بيتورث لنسل أيوب لحد ما جه الحفيد ناير واللي قلب الترابيزة وفصلهم عنه عشان كده لما روحت لناير ملقتش ملازمه جن. ومن سخرية القدر ييجي حفيد ناير (نور) ويرجع ورثه تاني. زيران سكت شوية،
بعدها استطرد كلامه وقال: مش هتصدق اللي سمعته عن نور ناير حفيد أيوب. قلت له وأنا ببص في المرايا وبتحسس جلد وشي: إيه يعني اللي سمعته عنه؟ قال لي: سمعت أنه بشري ذاع صيته في حروب الجان والميجوانا، خاصة بعد انتصاراته في كل الحروب اللي دخلها ولكنه أثناء حروبه بجانب نصير خسروا كل العشيرة ومتبقاش غير نصير. قلت له: يعني لسه فاضل معاه جني ضوئي؟
قال لي: اها موجود معاه لكن أنا مقدرش أخاطر. زي ما بقولك صيته ذايع، نسل متطور من أيوب واللي سمعته عن عيلته هيدهشك وهيخلي غريزة الشر جواك تنتشي من جديد. زيران حكالي عن اللي مكنتش أعرفه في الـ 30 سنة اللي فاتت وزي ما اتوقع زيران، اللي حكاهولي عن نسل أيوب الجديد أشعل الغيرة وروح الانتقام جوايا. نسل أيوب اللي مهما ضعف عصور بيرجع أشد وأقوى في عصور تانية.
قررت أبدأ معاهم بالخديعة زي ما عملت مع جدهم ناير وأن لم تنجح الخديعة فلا مفر من… الحرب! “نور” نصير قال لي: هو أنت أبوك مات وهو عنده كام سنة يا نينو؟ قلت له: مش فاكر. بس مات وأنا في إعدادي تقريبًا كان عنده 35 سنة. إيه علاقة ده بالموضوع؟ نصير قال: ده هو ده الموضوع. ننح أكد لي أن جدك أحمد مات عند سن الـ 35 برضه. قلت له: قصدك إيه؟
قال لي: قصدي يا نينو أن الساحر توران قلب اللعنة اللي كان لعنه بيها جدك الكبير أيوب. استخدم دم جدك ناير ولعن نسله عشان يموتوا عند سن الـ 35. بلعت ريقي لما أدركت أن النهاردة عيد ميلادي الـ 35. فجأة النور قطع. الكهربا قطعت فجأة. قلت لنصير: إيه ده؟ فيه إيه؟ مشي ناحية شباك الشقة، فتحه وبص منه على الشارع، قال لي من غير ما يبص لي: شكل الكهربا قاطعة عمومي على المنطقة كلها. أخدت
نفسي بأرتياح وقولت له: طيب الحمد لله فكرتها اللعنة أياها. مكملتش كلمتي وسمعت سندس بتصوت. طلعنا جري من الشقة أنا ونصير، قابلنا مارو على السلم واللي قال لنا: فيه إيه؟ نصير قاله: مفيش يامارو. عادي أيام سواد. جرينا كلنا على السلم، لقينا سندس واقفة على باب الشقة. أول ماشافتني خبطت على صدرها وقالت بخضة: ألحقني ياسيدي، البت نورا مش في البيت. قولت لها باستنكار: نعم؟
قالت لي: اللمبة اللي في أوضتنا فرقعت فصحيت من النوم مفزوعة وطلعت من الأوضة لقيت الكهربا قاطعة. ناديت عليها ماردتش. دورت عليها في أوضتها وفي البيت مالقتهاش. قولت لمارو ونصير: قربنا بحذر من البوابة وقولت بصوت عالي: مين؟ مجاليش الرد، وفضل الخبط على البوابة شغال. كررت سؤالي تاني: مين بره؟ فجالي الرد: عابر سبيل، أكرموني بلقمة أكلها ولكم الأجر والثواب. نصير قال في وداني: أوعى تفتح. قلت له: طبعًا هو أنا عبيط.
مارو قال: هو فيه إيه؟ أنتوا عارفين مين اللي بره؟ ولا…. مارو مكملش كلمته وأندهش زي ما كلنا اندهشنا لما لقينا حد لابس بالطو أسود ومغطي وشه بقبعة بيخترق بوابة البيت الحديد وبينفد منها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!