الفصل 22 | من 52 فصل

رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
22
كلمة
7,113
وقت القراءة
36 د
التقدم في الرواية 42%
حجم الخط: 18

تسمرت فريال بأرضها فور رؤيتها له أمامها وبتلقائية راحت تخفي يدها خلف ظهرها حتى لا يرى الاختبار الذي بيدها، ووقفت بثبات متصنع حتى وجدته يقترب منها ويهتف في قلق: _إيه كل ده يافريال؟! اضطربت وأخذت تتمعن النظر في وجهه بحيرة تفكر فيما ستفعله وكيف تتصرف. لاحظ هو احمرار عيناها فاحتضن ذراعيها بيديه دون أن يضمها وهتف: _كنتي بتبكي ليه في حد ضايقك؟!

كان عقلها مشغول بالتفكير بذلك الطفل الذي تحمله في احشائها ولا تكترث لما يقوله حتى لا تشعر بذراعيه فوق جسدها، ولا إراديًا سالت دموعها من جديد فوق وجنتيها مما صابه بالقلق والخوف الحقيقي. لو كان هو سبب بكائها وحزنها لكانت أبعدته عنها الآن وصرخت به كما تفعل دومًا، لكن صمتها وسكونها بين ذراعيه جعله يتيقن أن لا علاقة له بالأمر. فراح يهزها بلطف هاتفًا في جدية: _فريال انطقي متقلقنيش.. مالك؟

ضغطت على الاختبار الذي بيدها ومازالت تخفيه عن عينيه ثم رفعت رأسها له بوجه غارق بالدموع وتحولت نظراتها من الضياع للسخط وهي تدفعه بعيدًا عنها صارخة: _أنت السبب في اللي أنا فيه دلوك وعمري ما هسامحك يا جلال. كان مالك النادي صديقًا مقربًا لجلال، وفور رؤيته لهذا الوضع الذي بينهم وحالة زوجته هرول بسرعة نحوهم ووقف بجوار جلال يهمس في أذنه بهدوء: _خدها واتكلموا في مكتبي على رواق يا جلال.

تنهد بضيق والتفت تجاه صديقه ثم رتب على كتفه بامتنان وأومأ له بالموافقة، بينما الآخر فابتسم وسار مبتعدًا عنهم. ليمسك جلال بيد فريال ويجذبها معه هاتفًا: _تعالي معايا عشان نعرف نتكلم زين. توقفت وامتنعت عن السير معه بعدما جذبت يدها من قبضته وصاحت بغضب: _قولتلك متقربش مني ومفيش حاجة بينا عشان نتكلم فيها من الأساس.

رفع رأسه للسماء وهو يزفر مستغفرًا ربه ثم اخفض نظره لها فرأى الإصرار والعناد ليظهر الغيظ فوق معالم وجهه. وباللحظة التالية كان يلتفت حوله يراقب الطرقة هل يوجد أحد حولهم أم لا. وحين لم يجد أحد بظرف ثانية كان ينحني عليها ويحملها فوق ذراعيه ثم يسير بخطى سريعة تجاه غرفة مكتب صديقه التي كانت تبعد عنهم بضع خطوات قليلة. لم يكترث لها وهي تضربه فوق كتفه بغيظ هاتفة في قلق وخجل من أن يراهم أحد: _بتعمل إيه إنت اتجننت؟

نزلني يا جلال. لم يكترث لها وكان أساسًا قد وصل أمام الغرفة ففتح الباب ودخل بها ثم أنزلها فوق الأرض وأغلق الباب. اندفعت هي وكانت تنوي الرحيل لكنه اعترض طريقها وسد طريق الخروج بجسده الذي وقف كالحصن المنيع أمام الباب لتصرخ به بعصبية: _أنت عاوز إيه مني هااا، هملني وملكش صالح بيا يا جلال. صاح بألم وانفعال: _أنتي ليه مش عاوزة تشوفي حالتي بقت كيف.. ومش عاوزة تعترفي بغلطك؟ أنا صُح غلطت بس أنتي كمان كنتي غلطانة.

ضحكت بصوت مرتفع نسبيًا ثم نظرت له بدهشة وقالت في قهر: _عاوز تقول يعني إننا اتصافينا دلوك كيف ما أنتي وجعتيني أنا وجعتك كمان؟ استنكر طريقة تفكيرها وضيق عيناها بصدمة وسرعان ما هتف بغضب: _أنا مقولتش إكده أنا قصدي إن اللي احنا فيه دلوك بسبب عنادك وعنادي احنا الاتنين السبب في وضعنا ده. ابتسمت بقسوة وهزت رأسها بالنفي هامسة:

_لا أنت السبب، أنا مضربتكش على يدك لما سبتك عشان أخليك تروح تتجوز عليا. أنت عملت إكده عشان تنتقم مني وترد كرامتك يعني متعلقش شماعة أخطائك عليا يا جلال. تجرع كلماتها القاسية رغمًا عنه ككل مرة وصمت بألم وحزن ثم رد عليها بالأخير يعلن تنازلًا جديدًا أمامها: _مش أنا اللي كنت عاوز أقتل أخوكي يافريال. مال ثغرها للجانب في بسمة مستهزئة وردت بمرارة:

_اتأخرت قوي.. ياريتك تنازلت عن كبريائك من زمان يمكن مكنتش خسرتني. دلوك لو فرشتلي الأرض ورد مفيش حاجة هترجع كيف ما كانت ولا أنا هسامحك ولا الزمن هينسيني خيانتك ليا. احتقن صوته ولمعت عينيه بعبرات الوجع ليهمس لها متوسلًا: _أنا مخنتكيش ولا عمري هعملها يافريال أبوس يدك متقوليش إكده.. بزيادة تقطيع في قلبي عاد معدتش مستحمل والله أنا تعبان.

اغرورقت عيناها بالدموع من جديد لكنها لم تسمح لقلبها أن يسيرها ودعست عليه كما فعلت دومًا، حيث أبعدته من أمامها وهمت بالانصراف. لكنه قبض على ذراعها يوقفها وهو يسألها بصوت مبحوح ومكتوم: _مدارية يدك ورا ضهرك ليه.. في إيه مخبياه مش عاوزاني أشوفه؟ رمقته بحدة وهتفت بلهجة صلبة: _حاجة متخصكش. احتدمت نظرته وهتف بغلظة: _أي حاجة تخصك وليها علاقة بيكي تخصني أنا كمان.

كانت ستهم بالرد عليه لكنها توقفت عندما سمعت صوت رنين هاتفه فنظرت إلى جيب جلبابه حيث يكمن الهاتف. بينما هو فتجاهل الرنين وظل مثبتًا نظره عليها. لكن تأفف بخنق وصوت مرتفع عندما لم يتوقف الرنين وأخرج هاتفه من جلبابه ينظر لشاشته يقرأ اسم المتصل.

رأت هي اسم منيرة ينير الشاشة فابتسمت بمرارة ونظرت له في خزي قبل أن تدفعه من أمامها بقوة وتنصرف تتركه متصلبًا بأرضه كالصنم بيده الهاتف لا يتوقف عن الرنين وعيناه عالقة عليها وهي تبتعد عنه بخطواتها. انهارت قواه وبلحظة ألقى بالهاتف فوق المقعد وراح يجلس فوق الأريكة وقدميه تهتز بعنف. وحين سقط نظره على كوب الماء الذي بجواره دون وعي التقطه والقى به بعرض الحائط يفرغ شحنة غيظه. لم تكن سوى لحظات معدودة حتى دفن رأسه بين راحتي يديه وترك العنان لدموعه يبكي كالطفل الصغير الذي فارق أمه.

تطلعت في الهاتف بضيق بعدما انتهى الرنين. وكان الصمت هو ردها الوحيد، لكن جليلة سألتها بتعجب: _إيه قالك؟ منيرة بعبوس: _مبيردش.. تفتكري يكون مع فريال؟ هزت جليلة رأسها بالنفي وقالت ساخرة: _فريال معدتش هترجع ل جلال تاني خلاص يا منيرة، وانتي ركزي بس كيف ترضي جوزك وتسعديه. لوت الأخرى فمها بنفاذ صبر وقالت في يأس: _جلال مش بيبص في وشي يا خالتي. التزمت جليلة الصمت للحظات وهي تتطلع بمنيرة في تفكير حتى قالت لها بجدية:

_قومي دلوقت جهزي حالك والبسيلك حاجة زينة إكده قبل ما يرجع. چرا إيه يا منيرة هو أنا اللي هقولك تكسبى جوزك إزاي؟ سكنت الأخرى وعقلها شارد بما تقوله حماتها تفكر بطريقة لكي تسلب عقل زوجها ولا تدعه يفكر بزوجته الأخرى. بعد دقيقة بالضبط ابتسمت جليلة وقالت بلؤم: _عندك حق.. أنا هقوم أشوف اللي ورايا عاوزة حاجة مني؟ جليلة بخنق: _هعوز إيه يعني روحي شوفي حالك واتزيني أنتي عروسة.

لم تكترث لها منيرة كثيرًا فقد عقدت العزم الليلة أن جلال سيكون لها وليس لديها شك في نجاح خطتها. قادت خطواتها للطابق الثالث حيث غرفتهم وبقيت جليلة بمكانها صامتة. وسرعان ما انحرف تفكيرها لابنتها فلم تعد تحتمل فراقها وشوقها لها.

تلك النبرة تعرفها جيدًا ولا يمكن أن تخطئ بها، تسمرت بأرضها عندما سمعت صوتها للحظة شعرت أن ستسقط وتفقد وعيها من فرط الخوف. لكن تماسكت بصعوبة وبعد وقت طويل نسبيًا استدارت لها بجسدها في تردد. وفور رؤيتها لوجه آسيا المبتسم فرت الدماء من عروقها.

تسارعت نبضات قلبها عندما رأتها تقترب منها، ولوهلة ظنتها ستقتلها. لكن آسيا كانت بكامل ثباتها الانفعالي وهي تبتسم لها بكل ود. وللحقيقة ذلك لم يشعرها بارتياح بل زاد الأمر سوءًا بالنسبة لها. ذلك الوجه الملائكي والتصرفات الودودة واللطيفة تعرفها جيدًا، هذا هو الجانب المظلم لهؤلاء الساحرات الشبيهات بآسيا. همست آسيا بكل لطف: _كيفك يابت عمي؟ خلود بثبات مزيف: _عاوزة إيه يا آسيا؟ ضحكت بصمت وردت عليها في

هدوء مريب وملامح وجه محبة: _كل خير، عاوزة أتكلم معاكي شوية بس مش هينفع هنا في الشارع.. في كافيه قريب تعالي نروح نقعد ونتكلم فيه على رواق. اضطربت خلود وشعرت أن بنهاية الطريق ستسقط بفخ فبسرعة رفضت وهي تهم بالانصراف أو الفرار بالمعنى الأدق: _لا أنا مش فاضية وورايا مشوار ضروري. قبضت آسيا على ذراعها بقوة لا تتناسب مع رقة ولين ملامحها وهي تعترض على ذهابها:

_مالك خايفة ليه متقلقيش أنا مش هقتلك يعني ولا هاخدك على حبل المشنقة.. قولتلك عاوزة أتكلم معاكي شوية بس مفيش حاجة تخوف تعالي يلا عشان أنا برضوا معنديش وقت معلومك بقيت ست متجوزة وورايا التزامات. ازدردت خلود ريقها بارتباك وبقت تنقل نظرها بين وجه آسيا وبين يدها القابضة على ذراعها بتفكير. وبالأخير انصاعت لها مرغمة وهي توميء لها بالموافقة. فابتسمت آسيا باتساع وتركت يدها بكل رفق ثم أشارت لها بيدها أن تسير معها.

لم يكن الطريق طويلًا فقط يبعد أمتار قليلة من مكان تحركهم، لكن بالنسبة لخلود فكانت كأنها سارت أميالًا على قدميها وهي تفكر فيما تريد التحدث فيه معها بعد كل ما فعلته بها. ما سبب تلك الابتسامات الودودة التي توزعها لها وكأن الحب بينهم زاد ويفيض.

وصلا للمقهى ودخلت آسيا أولًا وكانت تتبعها خلود ثم جلسوا حول طاولة من مقعدين مقابلين لبعضهم، واستمرت آسيا في التحديق بخلود محتفظة بنفس ابتسامتها والأخرى كادت تموت من فرط قلقها وخوفها. فقالت بالأخير في توتر ملحوظ: _خير يا آسيا عاوزة تقولي إيه؟ كادت أن تجيبها لكن وصل النادل الخاص بالمقهى وهو يسألهم عن طلبهم فردت عليه آسيا وطلبت منه أن يحضر كوبين من القهوة. وبعد رحيله عادت تنظر لخلود من جديد وردت عليها بهدوء:

_طبعًا أنتي فاكرة أن أنا جبتك وهنتقم منك أو هعمل فيكي حاجة، بعد اللي عملتيه معايا. كان رد خلود بالصمت وهي تستمع لما تسرده ابنة عمها التي تابعت وهي تهز رأسها بالنفي: _لا متقلقيش مش هعملك حاجة، أنا صُح لغاية دلوقت مقدرتش أنسى ولا أسامح تمامًا يمكن بس بحاول أنسى وعشان كده جبتك هنا عشان نتكلم. غضنت خلود حاجبيها بعدم فهم لما تتفوه به وما تقصده بكلماتها. بينما آسيا فأكملت بابتسامتها التي رسمتها من جديد فوق وجهها:

_أنا جبتك هنا عشان ننهي العداوة اللي بينا يا خلود وعشان عاوزة أبدأ صفحة جديدة معاكي يا بت عمي. اتسعت عيني الأخرى بصدمة وظلت على وضعها لبرهة من الوقت حتى انفجرت ضاحكة فجأة وهي تردف بعدم تصديق: _مين اللي قصادي! آسيا قولي الكلام ده واضحكي بيه على حد غيري لكن أنا عارفاكي وحافظاكي زين.. عاوزة تفهميني إنك هتنسي كل حاجة عملتها معاكي ودلوقت عاوزانا نبقى حبايب أو نمثل بمعنى أصح لأن مستحيل تكون إكده أصلًا.

رسمت آسيا لوحة العبوس فوق معالمها وقالت ببراءة وحزن:

_آسيا اللي كنتي تعرفيها اتغيرت يا خلود وبقيت واحدة تاني دلوقت أنا مبقتش عاوزة عداوة ولا أكون وحشة مع حد. أنا عارفة إنك مش وحشة وإن اللي خلاكي تعملي إكده هي غيرتك مني وإنك كنتي شايفة إني ماخدة كل الحب والاهتمام من ناسي وإني كنت فوق الكل في الكل، بس أديكي شوفتي الحب ده كله راح فين بمجرد ما شافوا صوري كلهم رموني واتخلوا عني ومحدش منهم وقف جنبي وصدقني. يمكن تستغربي بس أنا هشكرك إنك خليتيني أشوف حقيقة حبهم ليا.

سكنت للحظة وتلألأت عينيها بالعبرات لترفع رأسها من جديد وتحدق بخلود هاتفة في مرارة: _أنا وأنتي مظلومين يا خلود.. ومحدش منهم كان بيحبنا لو كانوا بيحبوني مكنوش هيحسسوني بالنقص والحرمان واصل ولو أنا كانوا بيحبوني مكنوش هيصدقوا الصور.

كانت خلود تتابع تعبيرات وجهها ودموعها وما تسرده لها بصمت وقد شعرت أن هذه المرة آسيا مختلفة حقًا ليست كما اعتادت عليها وربما حقًا قررت مسامحتها والتخلي عن عداواتهم والبدء من جديد، فابنة عمها التي تعرفها لا تنظر بوجه أحد تكرهه أبدًا أو حتى تريد الانتقام والثأر منه ولا يمكنها أن تبتسم في وجهها الآن وتبكي وتفرغ لها ما بقلبها وهي تكن لها الشر.

كانت ستجيب لكن أوقفها وصول النادل وهو يضع أكواب القهوة أمامهم. لحظات معدودة بالضبط وكانت خلود سترفع الكوب لترتشف منه لكنها أنزلته فورًا بنفور وشعرت بتقلصات غريبة في معدتها جعلتها ترغب بالتقيؤ فوثبت واقفة وأسرعت الحمام وسط نظرات آسيا المشككة.

جففت آسيا دموعها بسرعة وبلحظة تحولت من الوجه الملائكي الودود لآخر مرعب ينبض بالشر والوعيد. وفور سقوط نظرها على حقيبة خلود التي فوق سطح الطاولة جذبتها بسرعة وفتحتها ثم راحت تفتش بها عن أي شيء يخص علاقتها بذلك الرجل الذي رأتها معه منذ أيام.

توقفت يدها عن الحركة حين وقعت بيدها ورقة كبيرة مطوية فأخرجتها وفتحتها وراحت تقرأ ما بها لتتسع عينيها بذهول وعدم استيعاب بعدما أدركت أنها ورقة زواج عرفي.دست الورقة بحقيبتها الخاصة بسرعة قبل وصولها وراحت تغلق حقيبة خلود من جديد وتعيدها لمكانها، ثم سكنت وراحت تفكر بذكاء وتربط الأمور ببعضها.. بالبداية عدم تحملها لرائحة القهوة وركضها تجاه الحمام حتى تتقيأ والآن ورقة زواجها الباطل من عشقيها.انتصبت في جلستها فور رؤيتها لها تقترب منها واعادت رسم الملامح الودودة مرة أخرى فوق معالمها وعندما جلست خلود أمامها

سألتها باهتمام وقلق متصنع: _مالك أنتي تعبانة ولا إيه؟ هزت خلود رأسها بالإيجاب في قسمات وجه مرتبكة: _آه ماخدة دور برد شديد في معدتي عشان إكدهاماءت لها بالتفهم في بسمة نقية تضمر خلفها الوعيد والاشمئزاز والأخرى كانت تفرك أصابعها ببعضهم وهي تتهرب من النظر بعيني آسيا....

***كانت تجلس فوق مقعدها حول الطاولة وتتابع أولادها وهم يلعبون وعيناها غارقة بالعبرات، عقلها كان شارد به وبطفلها الذي تحمله في احشائها، تصيبها المرارة والقهر كلما تتذكر اتصال منيرة به بآخر شجارهم.. في كثير من الأحيان تتمنى لو يكون كل هذا كابوس وليس حقيقة حتى ينتهي عذابها.رفعت أناملها لوجهها وجففت دموعها بسرعة عندما رأته يتجه نحوها، ثم أشاحت بوجهها تجاه الأولاد تتجاهله عمدًا ولا تنظر إليه بينما هو فجلس على مقعده أمامها وظل يتمعنها بنظراته البائسة، كانت ملامح وجهه ضائعة وشعره مبعثر كدليل على الحالة المزرية التي كان بها بعدما تركته بالغرفة منذ قليل.دام صمتهم لوقت طويل حتى

قطع هو الصمت سؤاله لها: _تحبي اطلبلك إيه أكل؟ لم تجيبه ولم تلتفت له فقط اكتفت بتجاهلها له كرد علي سؤاله بالرفض، لكنه لم يكترث برفضها وتأفف بتعب ثم أشار للنادل الذي يعمل بالنادي وفور وصوله له املى عليه طلباتهم فقد قام بطلب الطعام له ولأولاده ولها على ذوقه هو.بعد انصراف الشاب رمقته بغيظ ثم هتفت بحدة: _ياريت تسرع شوية في إچراءات الطلاق عشان أنا مش متحملة أكمل معاك يوم تاني استقرت في عينيه نظرة ثاقبة

قبل أن يهتف ببرود غريب: _طلاق مش هطلق يافريال ومتحطيش الموضوع ده في دماغك استاءت فهدرت منفعلة: _هتطلقني غصب عنك ولو رفضت هرفع عليك قضية  ابتسم ورد باستنكار: _إيه هتخلعيني!!! ثبتت نظرها في عينيها بقوة وقالت بتحدي: _لو أچبرتني على إكده صدقني هعملها صُح ياچلال اختفت ابتسامته ورسم الحدة والغضب بشكل مخيف وهو يجيبها:

_قولت مفيش طلاق وانسيه واصل متختبريش صبري اكتر من إكده اشتعلت وأصبحت كجمرة النيران المتقدة وبلحظة كانت ستنفجر به صائحة لكن أوقفها وصول الأولاد وهم يهتفون بعبوس: _ياما احنا چعنا قويأجابتهم بصوت حاولت إظهاره طبيعيًا رغم نظراتها المشتعلة لچلال:

_أبوكم طلب الوكل شوية وهيوصل.. اقعدوا واهدوا شوية لغاية ما يوصل وبعد ما تاكلوا ابقوا كملوا لعب امتلثوا لأوامر والدتهم وجلسوا على مقاعدهم بجوار والديهم.. استمروا في نقل نظرهم بين والدهم الذي ينظر لوالدتهم بضيق وهي كانت لا تعيره اهتمام وتنظر في الجانب الآخر...

***وصلت للمنزل وقادت خطواتها لغرفتها بالأعلى غير مكترثة لنظرات حماتها الحاقدة لها.. وصلت أمام باب غرفتها وفتحت الباب ودخلت وأول شيء وقعت عيناها عليه كان زوجها الجالس فوق مقعدها الخاص واضعًا قدم فوق الأخرى ويسند ساعديه براحة فوق ذراعي المقعد، لم يكن ذلك الغريب لكن ما صابها بالقلق هو نظراته المميتة لها فتصلبت بأرضها وبقت تحدق به في سكون وثبات عكس الاضطراب الذي يستخوذها من الداخل.. حتى سمعت صوته الغليظ يسألها:

_كنتي وين؟ ردت بكل طبيعية وهدوء: _روحت الصيدلية اشتري كام حاچة ليا استقام واقفًا وتقدم منها بخطوات متريثة زادت من سوء الوضع بالنسبة لها وبمجرد وقوفه أمامها هتف: _المفروض لما تطلعي أكون على علم وأخدتي الأذن الأول صُخ ولا إيه!! قالت بتذمر ملحوظ: _عمران أنا روحت الصيدلية يعني خطوتين مش مستاهلة كل ده! باغتها بصرخة رجولية نفضتها في أرضها:

_رچلك لو عتبت برا عتبة البيت بس هكون على علم.. آخر مرة تحصل يا آسيا المرة الچاية متلوميش غير نفسك فاهمة ولا لااتسعت عينيها بدهشة من أنفعاله المرعب ورغم خوفها إلا أنها تصرفت بتمرد كعادتها وصاحت به غاضبة: _أنا مش چارية عندك إهنه.. ومش هتحبسني في السچن ده كفاية إني مستحملة العيشة فيه ومع الخلق اللي عايشين فيه دول صدح صوته الجهوري وهو يحذرها بقسمات وجه مخيفة:

_حسك معيلاش عليا بدل ما اكتمك على الآخر تطلعت في سوداويته بشجاعة وقالت بقوة تليق بامرأة مثلها: _سبق وقولتلك مخيفاش منك وأنت متقدرش تعملي حاچةعنادها وتحديها له أثار جنونه أكثر  وجعله كالقدر الذي يغلي فوق النيران، أغار عليها كالأسد فارتدت هي للخلف واصطدمت بالحائط رأت يده تمتد لملابسها فصرخت وراحت تأخذ وضع الدفاع تضع يديها فوق صدرها صائحة:

_بعد عني لم يهتم وصياحها اغضبه أكثر فراح يدفع يديها عن صدرها بعنف ويمد يده من جديد ليعيد الكرة وهذه المرة بعدم رحمة ينوي حقًا نزع ملابسها عنها مما جعلها ترتجف أمامه من الخوف وتترجاه بصوت مبحوح: _عمران بعد أبوس يدكسحب يده ونظر في ملامحها المرتعدة ليقول بعدها بوجه أشبه بوجه شيطان وليس انسان:

_اديكي عرفتي إني لو عاوز اخليكي تخافي هخليكي أنا بس اللي سايبك بمزاچي في كل بلاويكي اللي بتعمليها.. متستفزنيش تاني لمصلحتك ومش معنى إني بقيت بتعامل معاكي زين تبقى تنسي روحك كانت إخلاص بالخارج تقف أمام باب غرفتهم تستمع لحديثهم وهي تبتسم بخبث ونصر.. فخطتها نجحت تمامًا وربما أكثر مما تتخيل، حيث تذكرت حديثها مع ابنها قبل عودة آسيا.إخلاص بعصبية:

_مرتك بتطلع وتدخل على هواها في الرايحة والچاية ياعمران وأنت مداريش اتسعت عينيه وقال بصوت رجولي غليظ: _بتطلع تروح وين؟! إخلاص بقرف:

_أنا إيه عرفني هو في حد بيقدر يتكلم معاها ما أنت مربي الرعب للبيت كله ومحدش بيقدر يفتح بقه ولا يرفع حسه عليها.. بتطلع وتدخل وهي في يدها أكياس معرفش فيها إيه وعمري ما شوفتها في مرة رفعت سماعة التلفون واخدت أذنك قبل ما تطلعجز على أسنانه بعيظ مكتوم يحاول تمالك أعصابه.. هو أساسًا منزعج من تعطل أمور العمل ومشاكله التي لا تنتهي والآن سيفقد عقله من أفعال زوجته وأمه وعائلته بالكامل، أما إخلاص فتابعت بسخرية وغيظ

حتى تزيد تحفيز بركانه: _أنت مش شايف إنها بقت حطاك كيف الخاتم في صباعها.. وبس فالح تقولي أنا هربيها وعارف أنا بعمل إيه واللي أنا شيفاه أن هي اللي بقت ممشياك وراها ياولدي ولو فضلت بتديها وش زين إكده علطول هتركب وتدلدل رچليها ومحدش هيقدر عليها ولا حتى أنت ووقتها هتقول عندك حق يامارمق والدته شزرًا بعد ما تفوهت به ورأت الدماء تحتقن في وجهه بشكل مريب ليسكتها هو بصيحة لا إرادية:

_بزيادة ياما مش عاوز اسمع كلمة زيادة أنا على أخرى أساسا صاحت به منفعلة دون اكتراث لما يقوله:

_ويزيادة ليه ولا الكلام تقيل وچننك.. مش قادر تسمع حقيقة أنها بقت ممشياك وراها وبقت كلمتها هي اللي تسير عليك مش أنت شوية كمان وتبقى هي الراچل رمق أمه بنظرة اقسمت أنها لم تراها في عيني أبنها مطلقًا من قبل، ونظرته ارعبتها هي شخصيًا وتلقائيًا جعلتها تلتزم الصمت ثم ألقت عليه نظرة أخيرة قبل أن تستدير وتنصرف لتترك ذلك البركان مع حممه التي تغلي بأعماقه وتنتظر اللحظة المناسبة لتنفجر وتدمر كل شيء. بالداخل نظر عمران لها ولحالتها المرتعدة وعيناها الدامعة وهو يبعتد عنها ويقول

بلهجة آمرة لا تقبل الجدال:

_ظبطي هدومك دي وحصليني طوالي وياويلك لو فكرتي تعاندي معاياتابعته وهو يبتعد ويغادر الغرفة ليتركها كالصنم مكانها تحاول الصمود والتحكم بنبضات قلبها من فرط خوفها ودموعها التي تتصارع للسقوط، لم تكن بحال يمكنها من مواجهته ثانية وقررت الامتثال لأوامره حيث عدلت ملابسها جيدًا وقادت خطواتها خلفه للخارج بوجه شامخ رغم الدمار الذي بداخلها.توقفت مدهوشة عندما وجدت نفسها أمام غرفة منى وهو بالداخل يشير لها بعيناه التحذيرية أن تدخل

ففعلت على مضض ودخلت لتلتقي نظراتها بعين تلك الأفعى التي تتصنع البراءة أمامهم وحين التفتت تجاه عمران لتفهم منه سبب مجيئها لهنا فأشار لها بنظرة فهمتها لكنها تطلعت إليه بدهشة فتجده يرسل إشارة تحذيرية أخرى مرعبة لتخفض نظرها عنه مجبرة وتتطلع في وجه منى تهمس بصوت مقتضب ونفس مقهورة لكنها لا تظهر ذلك الضعف أبدًا:

_حقك عليا سامحيني ابتسمت لها منى بود متقبلة اعتذارها لكن خلف تلك الابتسامة كان المكر يسكن، أما آسيا فألقت نظرة على عمران كلها خذي وغضب امتزج بحرقتها قبل أن تندفع وتغادر تتجه لغرفتها من جديد.. فور دخولها صفعت الباب ووقفت تستند بظهرها عليه تطلق العنان لدموعها الحارة أخيرًا.. تبكي بقهر ومرارة...

***داخل منزل حور تحديدًا بغرفتها كانت تجلس فوق فراشها وبعقلها ألف شيء جميعهم يحلقون معًا بنفس الوقت في سماء ذهنها، من جهة دراستها واقتراب الامتحانات ومن جهة مرض والدتها واهتمامها بها ومن جهة أخرى ابن خالتها وأيضًا بلال وتصرفاته الغريبة معها، يتجاهلها وإذا مر من جانبها حتى لا ينظر لها ولا يلقي التحية وكأنها غير مرئية، ولا يمكنها إنكار حقيقة أن تجاهله وعدم اكتراثه بأمرها أزعجها جدًا ومزق قلبها.. ومع الأسف فوق كل هذا لا تفهم سبب تلك التصرفات الجافة.فزعت وانتصبت جالسة عندما انفتح الباب فجأة ودخلت شقيقتها التي أسرعت وجلست

بجوارها تسألها في اهتمام: _مالك ياحور أنتي مش ملاحظة إنك ليكي وقت طويل في الأوضة مبتطلعيش وقاعدة دايمًا سرحانة وفي ملكوت تاني ردت بعبوس: _عادي بفكر في الامتحانات وشايلة همها بس هزت شقيقتها رأسها بعدم اقتناع وقالت: _من امتى أنتي بشيلي هم الامتحانات أنتي دايمًا بتدخلي مرتاحة ومش بتشيلي همها.. في إيه بقى قولي يلا التزمت الصمت بيأس دون أن تجيب فوجدت شقيقتها تقول مبتسمة: _ليه علاقة بابن طنط عفاف الولد اللي اسمه بلال؟!

اتسعت عيني حور بصدمة وراحت بسرعة تسألها في عدم فهم: _مين قالك الكلام ده؟! ابتسمت الأخرى بخبث وقالت: _نور حكتلي.. الصراحة هو كان باين عليه أنه محترم وجنتل أوي يعني.. المهم احكيلي حصل إيه؟ هتفت حور بصوت منخفض وبلهجة تحذيرية قلقة: _وطي صوتك ممكن حد يسمعك هتجيبلي المشاكل ضمت شقيقتها ابهامها وسبابتها معًا وسارت بهم على طول شفتيها المغلقتين دون كلام فتنهدت حور بنفاذ صبر وقالت في ضيق:

_معرفش كل ما يشوفني بيعمل نفسه مش شايفني ومش بيبص في وشي ولا بيقولي ازيك حتى.. ده مش بيرمي السلام كأنه ميعرفنيش _طيب هو حصل حاجة بعد ما جه عندنا وانتي قولتيله حاجة ضايقته مثلاهزت رأسها بالنفي وهي تقول في يأس:

_أبدًا بالعكس هو بعدها جه وكلمني في الكلية وكان بيهزر وعادي جدًا لغاية ما وصل مازن وبعدين أنا مشيت ومن وقتها وهو كداسكنت شقيقتها وهي تفكر بتركيز تحاول ربط المواقف ببعضها علها تحصل على ذريعة لسبب تصرفاته الغريبة لكنها فشلت فقالت بالأخير في عدم حيلة:

_خلاص متضايقيش نفسك وانسي وهو لو في حاجة حصلت وهو مضايق منها هتبان متقلقيشأخذت حور نفسًا عميقًا بوجه حزين وراحت تحدق في الفراغ أمامها بشرود، تقذف بعقلها أكثر من فكرة جنونية وأكثرهم جنونًا أن تذهب وتتحدث معه وتسأله عن سبب ما يفعله لكنها لا تمتلك الشجاعة ولا الجرأة لهذا الفعل.. فخجلها وتوترها أقوي من أن تقبل على موقف كهذا.                                    ***بتمام الساعة الثامنة مساءًا من ذلك اليوم.....

خرجت آسيا من غرفتها وقادت خطواتها الواثقة تجاه غرفة منى وفور وصولها لم تنتظر حتى لتطرق الباب وتأخذ الأذن بل اقتحمت الغرفة بكل عنف ودخلت ثم أغلقت الباب خلفها.انتفضت منى بفزع ووثبت واقفة لكنها هدأت قليلًا بعدما رأت آسيا وابتسمت لها بتشفي متمتمة: _إيه عمران بعتك عشان تعتذري مني تاني ولا إيه! لم تبدي آسيا أي ردة فعل سوى جمود الملامح وبعد برهة قالت بنبرة تحمل بحة شيطانية: _وماله اعتذر بس أن شاء الله اعملها وأنا فوق قبرك..

أصل أنا خايفة نفسي عنك بالعافية دلوقتي، ونفسي أمسك في زمارة رقبتك وأخنقك وأخلص عليكي. بس مش هعمل كده عشان مش هستفاد حاجة، وأنتي متستاهليش أصلًا. اضطربت مني قليلًا، لكنها ردت بشجاعة مزيفة: _أمال جاية ليه؟ ألقت نظرة على جرح رأسها وضحكت بسخرية، ثم هدرت بنظرة لا تشفق: _مسرحية رخيصة من ست أرخص. عايزك عاد تكملي مسرحيتك دي بس في مشهد حقيقي، وأنتي بتقولي للكل اللي حصل وإنك كنتي بتنافسي روحك على جائزة الأوسكار في التمثيل.

ضحكت مني باستهزاء من كلام آسيا وراحت تتطلع إليها بقوة هاتفة: _ولو مقولتش هتعملي إيه؟ هتروحي تضربيني صح المرة دي! قهقهت آسيا بقوة وهزت رأسها بالنفي متمتمة في براءة متصنعة: _أبدًا، أنا ضد العنف وخصوصًا العنف ضد المرأة. بس ممكن أعمل حاجات أخطر من العنف، زي مثلًا...

رفعت هاتفها وقامت بتشغيل تسجيل صوتي لها ولإخلاص عندما كانوا في الغرفة يتفقون ويضعون الخطط لكي يتمكنوا من سلب زوجها منها ونهاية زواجها بالطلاق. كانت مني تستمع للتسجيل وهي تشتعل من فرط الغيظ، بينما آسيا فكانت تبتسم بلؤم. وبعد انتهائه هتفت ضاحكة:

_أنا محدش هيهتم يعني، مش أقولك أن اللي في البيت هنا هيزعلوا عليا عشان بتتفقوا عليا وعاوزين تطلقوني من جوزي خالص. بالعكس، مش هفرق معاهم. بس أنتي هتفرقي، يعني مثلًا منظرك إيه قصاد خوالك وولاد عمامك وأمك وأبوكي بالأخص لما يسمعوا بتهم وهي بتتفق مع مرة خالها عشان تلف على ولدها المتجوز وتخرب بيته مع مراته، حتى لو مراته دي كانت وحشة. أنتي أكيد اتخيلتي، مش محتاجة أشرحلك اللي هيحصل. عشان كده فكري زين، يا إما تنزلي بكل احترام وتعترفي بغلطك قصاد الكل، يا أما أنتي أكيد عارفة اللي هيحصل إيه!

أنهت كلامها وهي تبتسم بكل برود، ثم تابعت بخبث وهي تهم بالاستدارة لتغادر: _أسيبك عاد عشان تجهزي روحك وتلبسي هدومك وتنزلي ليهم، أصل الكل متجمع تحت دلوقتي وده أفضل وقت لتمثيل مسرحية والجمهور كله موجود. رحلت وتركت مني متصلبة بمكانها تفكر في تلك المصيبة التي سقطت فيها بسبب تلك الساحرة. كيف ستعترف للجميع الآن أن هي من فعلت بنفسها؟ كيف ستخبرهم وتنظر في وجوههم؟

جلست فوق فراشها وراحت تفكر بحكمة وتركيز، فوجدت أن اعترافها بذلك الخطأ سيكون أهون بكثير من أن يسمع الجميع ذلك التسجيل، وقتها ستنتهي ووالديها لن يرحموها. ***

أسرعت منيرة للداخل بعدما رأت من الشرفة سيارة جلال توقفت أمام المنزل. ألقت نظرة سريعة على نفسها أمام المرآة، كانت تترك العنان لشعرها حتى ينساب فوق ظهرها وكتفيها وترتدي قميص نوم مثير، ثم هرولت ووقفت بمنتصف الغرفة، ثم نامت على الأرض تمثل فقدان الوعي وقد كشفت عن قدميها حتى فخذيها وأسقطت حمالة ذراعها الأيمن، وبالنهاية أغلقت عيناها.

دقائق معدودة وانفتح الباب ليدخل جلال، وعندما وقع نظره عليها ضيق عينيه وبسرعة أسرع نحوها، وجثى أمامها على الأرض يرفع رأسها واضعًا كفه أسفلها، ويده الأخرى كان يضرب فوق وجنتها بلطف هاتفًا: _منيرة.. منيرة! لم يحصل على رد منها، فاستقام وحملها فوق ذراعيه ليضعها على الفراش، ثم يجلس بجوارها ويحاول مرة أخرى إفاقتها. وبعد محاولات طويلة فتحت عيناها ببطء وهي تهمس بضعف: _جلال. سألها بقلق: _إيه اللي حصلك؟ أنتي كويسة؟

همست في صوت خافت: _عايزة ميه. التفت برأسه للخلف والتقط كوب الماء الموضوع فوق المنضدة، ثم ناوله لها، فأخذته من يده وشربت المياه دفعة واحدة. ومن بعدها أدمعت عيناها وانهمرت عباراته فوق وجنتيها، ليسألها هو بجدية غاضنًا حاجبيه: _مالك يامنيرة؟ في حد عملك حاجة؟ بتبكي ليه؟ هزت رأسها بالنفي وقالت في بكاء وصوت مبحوح يحمل النقاء المزيف:

_لا، بس أنا بخاف لما بقعد لوحدي كتير وأنت طول الوقت في شغلك، ولما بتيجي بليل مش بتنام جاري كمان. ومن شوية عيني غفلت وحلمت بكوابيس ولما صحيت ملقيتش حد جاري، فضلت أبكي وبعدين معرفش إيه اللي حصل، دوخت مرة واحدة وأغمى عليا. لوى فمه بخنق وتنهد في قلة حيلة، ليمد ذراعه ويلفه حول كتفيها متمتمًا بعذوبة: _طيب خلاص اهدي، أنا جاري أهو. رفعت وجهها الغارق بالدموع وتطلعته بعينان بائسة تسأله:

_هتنام جاري الليلة دي ومش هتمشي وتهملني لحالي؟ اكتفى بهز رأسه بالإيجاب في معالم وجه خالية من المشاعر، بينما هي فابتسمت باتساع في فرحة وتجرأت هذه المرة لتقترب منه وتقبله بكل دلال من وجنته، ثم ابتعدت لسنتي واحد وتمعنت النظر في وجهه وعينيه بنظرات كلها أنوثة ونعومة، ثم همست بغنج:

_أنا بحمد ربنا كل ليلة من جوازنا أنه كرمني براجل كيفك. ليه هيبته ومكانته بين الخلق وحنين وراجل. يعني لو لفيت الدنيا كلها مش هلاقي زيك يا جلال. أنت سرقت عقلي ودخلت قلبي من زمان. كانت نظراته جامدة لها، لا يبتسم ولا يبدي أي شيء، فقط يستمع إليها كالصنم. والأخرى كانت تنتظر منه خطوة كقبلة أو عناق مثلًا، أي شيء. لكن برود المشاعر كان هو الرد الوحيد. وبالأخص عندما قذفت بذهنه عبارة فريال (أنت خاين يا جلال)

، فشعر وكأنه عقرب لدغته وسمها يسير بعروقه يكاد يخنقه ويقتله تمامًا. ابتعد عن منيرة وتراجع ثم وقف وهتف وهو يمسح فوق شعرها بود متبسمًا بتكلف: _نامي وارتاحي يامنيرة. ومتخافيش، أنا قاعد جاري الليلة دي.

وكان دلو من المياه المثلجة سُكب فوق جسدها، فبقت متجمدة مكانها لا حركة ولا كلام، فقط ترمش بعينيها بدهشة. هذه المرة الثانية التي يرفضها ويبتعد عنها عندما تقترب منه. عندما وجدته توارى عن أنظارها داخل الحمام راحت تضرب بكفها على الحائط في غيظ وهي تصر على أسنانها. ***

اعتدلت آسيا في جلستها بتعجب فور سماعها لصوت طرق الباب. لكن رفعت نبرة صوتها وهي تسمح للطارق بالدخول. لحظات معدودة قبل أن تظهر فريال من خلف الباب وتدخل ثم تغلق الباب خلفها. تقدمت نحو آسيا وجلست على طرف الفراش أمامها تتمعنها بصمت وندم، بينما الأخرى فكانت تبتسم بصفاء لتقول في حنو: _اطمني يافريال، أنا مش زعلانة منك. أنتي عندك حق ومقولتيش حاجة غلط. تنهدت فريال بخنق وقالت بأسف:

_أنا مكنتش دارية باللي بقوله وكنت لسا مطلعتش من صدمة جواز جلال وجرحتك قوي بكلامي. حتى لو كان عندي حق في موضوع عمران، فمكنش عندي الحق في الباقي واللي قولته بخصوص خلود. مكنتش أقصد يا آسيا، حقك عليا. ابتسمت آسيا لها بحب وراحت تضمها لصدرها في قوة هاتفة بنبرة مميزة تحمل الدفء بقدر مرارتها:

_لا، عندك حق. أنا قولتلك ياما وجرحتك بكلامي كتير وأنتي مكنتيش بتردي عليا بنفس الطريقة. مفيهاش حاجة لما تاخدي حقك مني في مرة. أنا اللي المفروض أتأسف منك وأقولك سامحيني، أنتي مكنش ليكي ذنب في حاجة وأنا كنت بحملك ذنب موت أبويا عشان بس أنتي بنت إبراهيم. والحقيقة أن أنا وإنتي اللي كنا الضحايا في الحكاية دي. أنا ناس ضحوا بيا وأنتي جوزك. امتلأت عين فريال بالدموع بين ذراعين آسيا ثم هتفت بنبرة عاجزة: _أنا حامل يا آسيا.

أبعدتها آسيا عن صدرها بصدمة وراحت تطلعها بعدم استيعاب، وسرعان ما لمعت عيناها بسعادة لتسألها: _عرفتي كيف وامتى؟ صمتت فريال لثواني قبل أن تبدأ بسرد ما حدث بالصباح ولقائها بجلال وكيف انتهى وهي تخفي عنه خبر حملها. عاد العبوس لوجه آسيا وقالت بجدية: _فريال، أنتي عارفة زين أن دي مش حاجة هتقدري تداريها عليه. مسيره هيعرف. هزت رأسها بتأييد على رأيها ثم قالت بثبات:

_عارفة، بس مش هقوله دلوقتي. هو مش عاوز يطلقني من غير أي حاجة، لو عرف إني حامل هيصمم أكتر على قراره ولو أطبقت السما على الأرض مش هيطلقني، وأنتي عارفة أخوكي رأسه حجر كيف. آسيا بانزعاج: _أنا معدتش أعرف حد فيهم يافريال. بس اللي أعرفه أن أنتي لازم متسيبوش يعيش متهني مع مرته الجديدة، مش تروحي تطلقي وتريحيه بعد خيانته ليكي وتفضلي تتعذبي. لم تفهم ما تريد قوله بالضبط، فتابعت آسيا بنظرة مغتاظة:

_عارفة إنك هتتعصبي عليا لما تسمعي كلامي ده. بس أنا شايفة إنك ترجعي بيتك كيدًا في الحرباية منيرة وفي أمه وتربيه زين وتشربيه المر على عملته الـ*** وبعد ما تخليه يطلق الحرباية دي، وقتها سيبيه واطلقي منه. رمقتها فريال بدهشة ثم ضحكت فجأة وقالت بحزن: _تعرفي، مش مصدقة إنك بتتكلمي عن أخوكي وأمك كده. تقوس وجهها بجفاء وقالت في غضب: _أنا معدش ليا لا أخ ولا أم ولا ناس واصل يا فريال.

زمت فريال شفتيها بأسى ثم مدت يدها واحتضنت كف آسيا بإشفاق لتقول بعدها في رفض: _مش هقدر أرجع يا آسيا، أنا مطيقاش أبص في وشه وعاوزة أطلق منه في أسرع وقت. تنهدت آسيا وقالت بموافقة مبتسمة: _براحتك، فكري وشوفي اللي هيريحك واعمليه. لكن أنا لو مكانك مكنتش سبتها تعيش في العز على حساب وجعي وقهرتي بعد ما سرقت مني بيتي وجوزي. كنت هندمها على اليوم اللي فكرت فيه تاخد حاجة مش ليها وهو هزقيه المر. ومتنسيش إن عيالك قاعدين مع أبوهم.

سكنت فريال وحلقت بعالم آخر تفكر فيما تقوله آسيا لتهز رأسها بالأخير في رفض وتقول بغضب: _خليه يشبع بيها، عمره ما هيتهنى معاها ولا هيلاقي ست زي في حياته كله. وعيالي هاخدهم غصب عنه، مش هسيبهم يقعدوا في بيت واحد مع مرة أبوهم. ابتسمت لها آسيا وراحت ترفع يدها وتملس فوق ذراعها بلطف متمتمة في نظرة خبيثة كلها دعم وقوة: _القرار اللي هتاخديه أنا معاكي فيه وهقف في ضهرك، ولو قررتي ترجعي سيبيني أنا منيرة هسوهالك على نار هادية.

ضحكت فريال بخفة ولمعت عيناها بود وامتنان حقيقي تجاه آسيا لتعود وتعانقها مرة أخرى بكل حب ودفء. فتبتسم الأخرى بحنو وتضمها بمشاعر متبادلة. *** بعد مرور نصف ساعة تقريبًا. داخل غرفة الصالون الكبيرة بالطابق الأرضي كان كل من إبراهيم وإخلاص وعمران معًا داخل الغرفة ويتحدثون بأمور مختلفة قبل أن تقتحم جلستهم منى التي دخلت وهي تجر خطواتها بصعوبة، فسمعت خالها وهو يقول بقوة: _تعالي يامنى ماشية كده ليه؟ فيكي حاجة ياحبيبة خالك؟

ابتسمت لخالها بتوتر ثم نقلت نظراتها بين عمران وإخلاص وراحت تجلس فوق مقعد بعيد نسبيًا عنهم. وعادت تدور بنظرها بينهم وهي ترى علامات الاستفهام والفضول يصعد فوق قسمات وجههم. ازدردت ريقها بصعوبة وشعرت بالعرق يتصبب من جبهتها فتنفست الصعداء بتمهل وهي تستدعي شجاعتها وقوتها لتعترف بفعلتها. انتفضت على أثر صوت زوجة خالها: _مالك يامنى فيكي إيه؟ قلقتنا انطقي!

رفعت عيناها واستقرت على عمران الذي ينظر لها بحدة وكأنه يعلم أن خلف حالتها المزرية تلك في شيء تخفيه. لكنها لم تركز عليه كثيرًا وإلا كانت ستفقد كل شجاعتها التي استجمعتها وستذوب الكلمات في ذهنها. هتفت وهي مطأطأة رأسها أرضًا: _آسيا معملتش فيا حاجة. أنا اللي عملت كده في روحي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...