خرج المحامي من باب الفيلا وعيون عاصي تتابعه. ظفر أنفاس غيظ ممزوجة بغضب. أغلق عاصي الباب وراءه والتفت ليجد عيون الكل تتابعه. اقتربت أمه وعلى وجهها علامات استفهام حول ما حدث، وقالت: خير يا عاصي؟ روز طالعة من جوا وصوتها عالي وخرجت من غير حتى ما تسلم. ونفس الكلام أنت طالع مش طايق نفسك. فيها إيه؟ الوصية وصلكم للحال؟ أكيد مش اللي كنا متوقعينه لأن روز كمان مش عاجبها المكتوب في الوصية. وقفت هبه واقتربت منهم، وقالت:
أنا مش فاهمة حاجة. وصية إيه؟ وروز دي تطلع مين؟ أجابت رنا بتهكم: منا قلتلك روز بتكون مين بس، نقول تاني. روز دي يا ستي صاحبة كل ده. والدها قبل ما يموت كان عليه ديون كتير. علشان ميسبهمش لروز باع المزرعة لعاصي، بس شرط في العقد أن انتقال الملكية ما يتنقلش لعاصي غير بموافقة على شرط موجود في وصية هو كاتبها. قالت هبه متعجبة: وإزاي عاصي يمضي على الكلام الفارغ ده؟ أجاب عاصي وهو يجلس في ضيق:
منا ما خدتش بالي من الشرط ده يا هبه. مضيت من غير ما أبص على كل شروط العقد. قالت الأم بغيظ: لا يا عاصي، متنكرش إن رضوان خدعك وخلّاك تمضي وإنت مغمض. زفرت هبه أنفاس ملل، وقالت: يا جماعة مش ده موضعها. مين خدع مين؟ عاصي مضى وخلاصنا. المهم هنا بقى إيه هو الشرط اللي محطوط في الوصية خلاكم متعصبين كده؟ ده الأهم. عمت حالة صمت واتجهت كل النظرات نحو عاصي، الذي وضع يده على رأسه ونظر نحو الأرض في شرود تام. قالت الأم:
مش وقت سرحانك ده يا عاصي. قولي رضوان عمل إيه علشان يحفظ حق بنته؟ من الواضح إن اللي كتب حاجة مش متوقعة. ضحكت رنا وقالت بسخرية: لأ يكون عاوز يجوزكم؟ تكون نكتة الموسم. استدارت لها الأم وقالت بغضب: رنا! يا تقولي كلام معقول يا اتفضلي على فوق، بلاش كلام عبيط. مش ناقص كمان إن عاصي يتجوز من فلاحة. رفعت رنا عينيها مستعجبة، وقالت: صحيح أنا بهزر بس ليه يا ماما؟ لأ، ومالها روز؟ إنتي ليه نسيتي إن حالنا كان أسوأ منها؟
إحنا كنا في الشارع مش لاقيين حتة تلمنا. كان ممكن منكملش تعليم ولا عاصي يوصل لكل اللي إحنا فيه ده. مش لازم ننسى أصلنا. قالت الأم بنفس نبرة الغضب: وماله أصلنا يا رنا؟ بصي، إنتي كلامك كله بيعصبني. اسكتي لحد ما نعرف إيه الشرط اللي مخلي أخوكي عامل كده. ضحكت رنا: منا قلتلك، بس إنتي اللي مش عايزة تصدقي. قالت هبه بغيظ: ما تبطلي بقى يا رنا. مش ناقصة هبلة؟ بذمتك دي واحدة ممكن عاصي يبصلها؟ مش شايفة لبسها ولا شكلها؟
رفعت رنا حاجبيها، وقالت: وإيه ماله شكلها؟ على الأقل هي دكتورة. الرك بقى على معاه ثانوي منازل، واخده بطلوع الروح. التفتت هبه نحو خالتها، وقالت: خالتوا، عجبك اللي رنا بتقوله ده؟ بجد بايخة قوي. بتشبهني الفلاحة دي؟ على الأقل يا رنا أنا معايا ثانوي. الرك بقى على بيتكسف يروح المدرسة وبيتاخدها منازل علشان يا حرام مش قادر. قالت رنا ضاحكة، وأخفت دموعها:
لا يا هوبا، أنا مش شبهتك بيها. أنا بقول إنها أحسن منك. هي دكتورة وإنتي ولا حاجة. غير إن أنا ما اخترتش أكون على الكرسي ده. صحيح كنت بحاول منازل، بس في الآخر اتخرجت من كلية العلوم والحمد لله. الدكاترة عطوني أمل إن ممكن أمشي وأنا عايشة على الأمل ده. قالت الأم وقد تملكها الغضب أقصاه: ما خلاص خلصنا بقى يا رنا. خلينا نشوف بقى أخوكي هيقول إيه. كفاية محاضرات عنك وعن إزاي تقدري تمشي. متفلقناش.
قام عاصي واقفاً واتجه نحو رنا وكأنه استشعر الجرح الذي امتلك قلبها، وقال: طول عمرك يا مفعوصة بتلقطيها وهي طايرة. قالت متحمسة: احلف بالله عليك، هو كده صح؟ هو كده يا مفعوصة. إنتي ما شفتيهاش طالعة من جوا والشياطين بتطلع من عينيها. غمزت بعينها، وقالت: بس أنا شايفاك هديت كده، خير؟ لتكون هتوافق على الشرط؟ إنتي شايفة إيه يا مفعوصة؟ شايفة إن البت ما تتسابش، البت قمر. قالت الأم غاضبة وبصوت حاد:
باااااااااس منك ليها. أنا محتاجة أفهم اللي بيحصل. حد فيكم ينطق علشان كده كل حاجة دخلت على بعض. أنا مش فاهمة. قال عاصي وهو يمسح على رأسه: إيه في الكلام مش مفهوم يا أمي؟ رضوان لعبها صح. باع لينا المزرعة ونفس الوقت ضمن حق بنته. حط شرط علشان يكتمل البيع وتنتقل الملكية: إن اتجوز روز. ولو أردنا الانفصال، مدة لا تزيد عن سنتين مدة عقد الجواز. قامت هبه منفعلة: وإنت موافق بالتخريف ده يا عاصي؟ أكيد طبعاً إنت مش هتوافق.
جلس عاصي وضع ساق فوق الأخرى، وقال بهدوء مستفز: وإنتي عندك حل تاني يا هبه؟ لو عندك قولي. قالت الأم بغضب: ده كلام فارغ. أنا ما صبرتش كل ده وصممت أعلمك علشان تيجي حتة فلاحة وتاخدك على الجاهز؟ الكلام ده لا يمكن يحصل لو انطبقت السما على الأرض. رفع عاصي حاجبيه، وقال: تمام أوي. أنا تحت أمركم. اللي شايف إن في حل تاني يقولي. ضحكت رنا وهي تنظر لأخيها، وقالت: أنا عن نفسي معنديش حل. اللي إنت شايفه صح اعمله.
قالت الأم بنفس نبرة الغضب: بس أنا مش موافقة. رجع ليها المزرعة وهي حرة مع ديون أبوها، ملناش علاقة بيها. ويلا نمشي من هنا. لكن جواز من الفلاحة دي استحالة. فاهم؟ استحالة. قال عاصي يتهكم: وأسيب حلمي إن آخد المزرعة؟
لأ طبعاً. أنا مستحيل أعمل كده. أنا كبرت وأنا بحلم أمتلك المزرعة اللي كانت سبب في إننا نكون في الشارع. ولو على الجواز، هتجوز. وهي اللي جابته لنفسها. هيكون جحيمها مش جوزها. أنا هكون عملتلها في الدنيا، وتبقي تفرجني هتهرب مني تروح فين؟ بنت الأكابر واللي عمله فينا جدها زمان، تستحمله هي بقى دلوقتي. كل واحد يشيل وصمة عائلته. أنا مليش في.
وعند روز، حالها لم يكن بخير. فكانت في قمة غضبها وهي غير مصدقة ما كتبه والدها في الوصية. ظلت تحدث نفسها عن السبب الذي جعل والدها يفعل ذلك. قطع حبل أفكارها صوت رنين هاتفها. نظرت لهاتفها، المتصل كان المحامي. أجابت مسرعة بصوت غاضب: ألو أستاذ فؤاد، أنت كنت عارف باللي كان مكتوب في الوصية؟ عارف بابا عمل كده ليه؟ أنا محتاجة تفسير. أنا عايزة أفهم بالظبط ليه بابا عمل كده وإيه إصراره الغريب إن أتجوز من الشخص ده بالذات.
أجاب فؤاد بهدوءه المعتاد: ممكن تهدي يا روز علشان أعرف أتكلم. اديني فرصة أتكلم وأفهمك. لو على الوصية، أيوا كنت عارف اللي فيها، وتأكدي إن والدك عمل كل حاجة لمصلحتك. قطعت كلامه غاضبة: وإيه مصلحتي إني أتزوج واحد معرفوش ولا يعرفني، ولا بيكرهني وبيكره عائلتي كلها؟ واحد مغرور مش شايف غير نفسه. أنا عارف شعور عاصي من عيلتكم، وهو ليه أسبابه. بس اتأكدي إن رضوان عمل الصح. عاصي أكتر حد ممكن ياخد باله عليكي، حتى لو بيكرهك.
وأنا ما طلبتش من حد ياخد باله مني. أنا كبرت كفايا، أنا دكتورة وأظن إني مش محتاجة لحد. غلطانة يا روز. إنتي دلوقتي في أمس الحاجة لحد تحتمي ليه. أحتمي من مين وليه يا أستاذ فؤاد؟ أنا بجد مش فاهمة حاجة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!