وصلت الفتاة للفيلا ورنت الجرس، فتحت لها إحدى الخادمات، نظرت لها بعجرفة وقالت بقرف: ساعة علشان تفتحي الباب، اوف. جري اندهي الست الكبيرة بسرعة. جاء صوت من خلفها يقول ضاحكاً: انتي طول عمرك كده يا هبة، متسرعة ومش طايقة نفسك. إيه اللي أخّرك يا بكاشة؟ التفتت هبة للصوت وقالت بشبه ابتسامة: يوووه يا خالتو، إنتوا إيه اللي رماكم هنا وسط الحر والدبان؟
ولا الريحة يا خالتو، بجد حاجة مقرفة فوق ما تتخيلي. والغريب بقا إصرارك إن لازم أجي. يكون في علمك لو اتجوزت عاصي، استحالة أعيش هنا. مش لما تتجوزيه الأول، خدي بالك. أوعي تظهري قدام عاصي إنك قرفانة من المكان هنا، هو بيحب هنا جداً. خدي بالك من تصرفاتك، أنا بقالي سنة بخطط علشان ياخد باله منك ويتجوزك، وإنتي كل شوية بطريقتك دي تبوظي كل اللي بعمله. لا خلاص يا خالتو، هسكت خالص. بس يشوفني بقا، هو مش شايفني من الأصل.
جاء صوت ضاحك: ولا هيشوفك من الأصل طول ما إنتي عاملة شبه العروسة الحلاوة كده. التفتت هبة لمصدر الصوت وقالت: اتصدقي إنك رخمة قوي يا رنا. إنتي مش شايفة لبسي وشكلي عامل إزاي؟ كل حاجة من أغلى الماركات.
على فكرة يا هبة، إنتي سطحية قوي. عاصي أصلاً مش بيفرق معاه خالص كل البهرجة اللي إنتي عملتيها في نفسك. عاصي بيحب البساطة في كل حاجة، وإنتي بصراحة عاملة زي اللي خارجة من مولد النبي، شبه العروسة الحلاوة ملونة من كل حتة، بس بصراحة مقصرتيش، مش سايبة حتة في وشك غير لما ملونتيها، لا بصراحة، صرفه ومكلفة الصرف باين. تعصبت هبة وتصنعت البكاء بدلع ماسخ، وذهبت لخالتها:
شفتي يا خالتو رنا، كل شوية تسمعني كلام يضايقني. هو أنا ذنبي إني أحلى منها وإني بتحرك ولفيت العالم كله وهي زي ما هي مبتخرجش من باب الأوضة بتاعتها. ابتلعت رنا غصة في قلبها، ورسمت الضحكة على وجهها، وضحكت على سطحية بنت خالتها، وذهبت بكرسيها لتفتح الباب بعد أن سمعت صوت الجرس يعلن عن قدوم ضيف. فتحت رنا الباب وابتسمت للضيف، فكانت روز، وقالت بابتسامة حب: تعالي يا روز، اتفضلي.
أصعب شعور يمر عليك إنك تستأذن في مكان قد كنت تملك مفاتيحه في يوم. دخلت روز وهي تحبس دموعها، فشعورها بالغربة في البيت التي تربت فيه شعور قاسٍ حقاً. دخلت وهي تجر قدميها وقد تملكها الخجل، وكأنها لم تعرف هذا المكان من قبل. استشفّت رنا ما تشعر به روز، وقالت لوجه ضاحك لتعفيها من الحرج: أنا حاسة إن أنا وإنتي هنكون صحاب مقربين قوي. عاوزاكي بكرة إن شاء الله تفرجيني على المزرعة دي كلها. ابتسمت روز ابتسامة لها، وانحنت
تقبلها وتقول لها بحب: طبعاً يا آنسة رنا، هتكون أصدقاء، وبكرة إن شاء الله أعدي عليكي ونقضي اليوم كله، أفرجك على المزرعة. قالت رنا بلهفة: بتكلمي جد يا روز؟ إنتي فعلاً هتخرجيني من سجني ده؟ انحنت روز لمستواها وقالت: وعد مني يا رنا، طول ما أنا هنا محدش هيخرجك غيري، وإن شاء الله أقدر أقومك من على الكرسي المتحرك. لاحظت هبة قرب الحديث المطول بين رنا والضيف. قالت هبة: خير يا رنا، مين اللي جه؟
دخلت روز على استحياء، ومازال شعور الغربة يمتلكها. ابتسمت ابتسامة هادئة، وألقت التحية برأسها على الجالسين، والدة عاصي وهبة، وجلست على استحياء وعينها على الأرض. تفحصتها هبة بقرف، ثم أشارت بعينها لخالتها، التي بدورها أشارت لها بعدم مبالاة. قالت هبة قاطعة الصمت: آه، مش إنتي اللي أنا سألتك عن مكان الفيلا صح؟ بس إنتي جاية قاعدة وسطنا ليه؟ دخل عاصي، لم يتمالك نفسه من الضحك على كلام هبة وعلى مظهر روز الرجالي في ملابسها.
قامت روز بغيظ من كلامها، وجذبت الكاب من على رأسها، وانسدل شعرها كشلال فوق ظهرها، وكان أسود مثل الليل، ويصل لبعض منتصف ظهرها، مما جعل عاصي يقف مكانه دون حركة وكأنه تحول لتمثال. نظرت لها هبة بلا مبالاة وقالت: آه، سوري بنت، معلش. أصل بصراحة شكلك صعب ولبسك كمان صعب جداً والله. مع إن اللي يشوفك ويشوف طريقتك في الكلام يقول عليكي ولد. ولبسك اللي تحسي إنك مش عارفة لبستيه إزاي ما فيهوش أي أنوثة. قالت روز بثقة في نفسها:
أولاً، إحنا متعرفناش، بس ما علينا مش مشكلة. بصي يا سكر، أنا واحدة بحب اللبس اللي يريحني، مش مشكلة رايحة فين، المهم أنا مرتاحة فيه ولا لأ. الكارثة هنا، أكون لابسة أفخم ماركات ويكون أغلى ما فيا لبسي وبس. ثم غمّزت بعينيها، ثم أكملت وقالت: أنا اللي بغلي الحاجة وبديها قيمة، مش الحاجة اللي بتغليّني، تمام يا سكر. ثم التفتت نحو عاصي وبنفس العفوية: خير يا بشمهندس؟ بقالي ساعة مستنية، هو أستاذ فؤاد قالك جاي إمتى؟
هبة في همس واضح: سوقية وبيئة، اوف. معرفش بيجيبوا الأشكال دي من فين. التفتت لها روز ورفعت حاجبها وقالت: خير؟ قلتي حاجة يا سكر؟ أصلي ما سمعتش. قطع حديثهم صوت جرس الباب يعلن عن وصول فؤاد المحامي. دخل فؤاد وعلى وجه نفس الابتسامة التي لم يغيرها منذ سنوات، وكأنها مطبوعة على وجهه. دخل معه عاصي وروز غرفة المكتب وأغلقوا الباب خلفهم. وفي الخارج قالت هبة بغضب: هي مين البنت السوقية دي يا خالتو؟
دي معندهاش ريحة الذوق، وإزاي عاصي بيتكلم معاها عادي كده؟ تطلع مين دي؟ دي ماشفتش أ، ب، اتيكيت في حياتها. ضحكت خالتها وقالت: واحدة فلاحة يا هبة، منتظرة منها هتكون عايشة إزاي يعني؟ عاملة إيه في نفسها؟ فلاحة عايشة وسط البهايم وعايشة وسط الأرض وسط التين، هتكون لابسة لك منين يعني يا هبة؟ ولا رايحة عندها عرض أزياء؟ قالت رنا بقرف من نظرة هبة الطبقية:
تطلع صاحبة الهالوما دي كلها اللي إحنا قاعدين فيها اللي مش عاجباكي دي يا هبة؟ دي بتكون الدكتورة روز بنت عم رضوان صاحب المزرعة دي كلها، اللي وهو اللي باع المزرعة لعاصي قبل ما يموت. قامت هبة واقفة وقالت بعدم تصديق: لا بتهزري يا رنا؟ دي دكتورة؟ استحالة طبعاً يا بنتي، إنتي مش شايفة شكلها عامل إزاي ومبهدلة إزاي؟ دكتورة؟ إيدي أصلاً.
يا بنتي، بطلي سطحية اللي إنتي فيها دي. إنتي هتفضلي لحد إمتى تبصي للناس بمنظور اللي فوق ده، منظور الطبقية اللي إنتي عاملة لنفسك ده؟ شيلي البرواز اللي إنتي حاطة نفسك فيه وانزلي معانا على أرض الواقع. روز دكتورة بيطرية، هي اللي عملت المزرعة دي كلها لوحدها، هي اللي بتراعي كل الحيوانات اللي فيها بطولها، ما حدش فينا يقدر اللي بتعمله. = آه، قولي كده بقى. دكتورة حيوانات؟ عشان كده شكلها عامل كده؟
حقها بقى بصراحة، طول النهار عايشة مع البقر والمعيز هنا. بصراحة يا هبة، إنتي الكلام معاكي خسارة بجد والله العظيم خسارة. يعني الواحد مهما هيفهم فيكِ، بقول لك دكتورة، إنتي معاكي شهادة إيه؟ هبة، وصلتي لحد فين في التعليم عشان تفضلي تبصي للناس بالمنظور ده؟ معلش، فهميني كده.
وفجأة أوقف كلا من رنا وهبة عن الكلام والتفت نحو الصوت الصاعد من غرفة المكتب، وفتح الباب بشدة، وخرجت روز من المكتب تصيح وتحدث نفسها، وخرجت من الفيلا وصفعت الباب وراءها بشدة. وخرج ورائها عاصي بنفس حالة الغضب وهو يوجه كلامه للمحامي: ده اسمه جنان اللي بيحصل ده، جنان. محدش هيوافق على الكلام الفارغ ده. رفع المحامي حاجبيه بقله حيلة وقال بهدوء وبنفس الابتسامة وكأنها مطبوعة فعلاً:
واللهي القرار معاكم، وأنا تحت أمركم في أي حاجة هتخدوها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!